"الحكمة قبل العلم ، فالعلم تراكمي ، أما الحكمة فتولد في اليوم الأول."
القاضي موسى الساكت
في حضرة الحكماء ، خير لك أن تصمت وتنصت ، فهي فرصة لتتعلم دروساً في دقائق لن تتعلمها في أي مكان آخر.
تشرفت من ضمن من تشرفوا بحضور افتتاح جمعية موسى الساكت للتنمية على هامش مئوية القاضي المرحوم موسى الساكت الذي يعتبر الأب الروحي لرجال القضاء وأحدَ رموز القانون في وطننا ، فهو الذي قاد السلطة القضائية عبرثلاثين عاماً.
كرّمه جلالة الملك الحسين طيب الله ثراه في منزله مخالفاً للبروتوكولات والتقاليد ، حيث شرّفه بالزيارة ومنحه وساماً ملكياً رفيعاً ، وشكره واحتضنه لما قدّمه من خدمات لوطنه ، فكان هذا درساً بليغاً من دروس التواضع والاهتمام برجال الوطن التي تعودناها من الحكماء الهاشميين.
استوقفتني صورة للقاضي موسى الساكت تظهره ، كما أذكره ، مرتدياً "حطة بيضاء" لا حمراء ولا سوداء ، فتذكرت أنه أحد الرجال الذين عشقوا وطنهم واتسع قلبهم جميع الأوطان العربية ، وتحرر عقله من محددات المكان.
توفّاه الله قبل نحو سبعة أعوام ، وتخيّلوا معي رجلاً بسلطة المرحوم كان من المتوقع أن يخلّف أموالاً لا تأكلها النار -كما يقال - ولكنه ترك شقة بسيطة وسيّارة عادية كأي موظف عفيف ترك الخدمة العامة ، فهو يصف الخدمة العامة بأنها "شرف لا يضاهيه شرف" ، ولكن الله سبحانه وتعالى لا يترك عباده الصالحين فما بالك بإمام عادل ، فقرّ عينه بأولاده ، وبارك في ذريّته ، فمنهم رجال الأعمال البارزون ، والأطباء المشهورون ، والمهندسون اللامعون ، وكلهم على خلق وهم مضرب المثل في السماحة والتعاضد وصلة الأرحام ، وقد تسابقوا في بر والديهم في حياتهما كما في مماتهما ، فأنشأوا الجمعيات الخيرية ، وهكذا لم ينقطع عمله في وجود أبناء صالحين يدعون له ويقدمون الصدقات الجارية عن روحه.
كان مثالاً نادرًا في النزاهة ، فعندما آلمه ظهره أرسله ولده للعلاج في الخارج ، وعلم بذلك رئيس الوزراء ، فكلّف سفير المملكة في ذلك البلد بزيارته وطمأنته أن الدولة ستتحمّل تكاليف علاجه ، ولكنّه رفض وقال: "كيف تخالفون القانون؟ حالتي تُعالج في الأردن فلا يجوز أن تتحمل الدولة التكاليف".
لم يكن يطالب بأية امتيازات خاصة له ولقضاته ، وكان يشعر بالسعادة عندما يحاججه القضاة الآخرون وإن اختلفوا معه في الرأي ، ولم يكن المنصب مهماً له فكم من مرة لوّح بالاستقالة عند أية محاولة من مسؤولين للتهديد أو الضغط أوالتأثيرعلى السلطة القضائية ، وعندما تقاعد رفض أن يشغل أي منصب آخر ، فبالنسبة له آن الأوان لأن يستريح ، وبريق الكراسي لم يلفت يوماً انتباهه.
أمّا المعلم الثالث فهو دولة العم أحمد اللوزي الذي رعى حفل افتتاح جمعية موسى الساكت ، ومع أنه تقلّد أهم المواقع في أحلك الظروف وكان مشاركاً دائما في صنع القرار ، إلا أنه يفتخر بأنه خرّج قادة أردنيين عندما كان يدرّس اللغة العربية قبل نحو نصف قرن في مدرسة السلط الثانوية.
وما يجذبك في عمنا أبي ناصر تواضعه الشديد وابتسامته الساحرة ودماثة خلقه ، وفوق هذا فهو خطيب مفوّه يختار أجمل الكلمات ويصيغ أبلغ العبارات ، فاسمع مني عبارة من عباراته يصف بها بلدنا حيث قال "بلد وُلد من النار ولكن لن يحترق" فهل يا ترى سمعت عبارة أبلغ وأحلى منها؟،
أكتب مقالي هذا ملبياً قول الأصمعي :
"أول العلم الصمت ، والثاني الاستماع ، والثالث الحفظ ، والرابع العمل ، والخامس النشر."
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة اسماعيل الشريف جريدة الدستور