"لا يأتي زمان على الناس إلا والذي بعده أشد منه".

(حديث شريف)

حدثني صديقي المثقف ، رجل الأعمال الناجح ، في بدايات هذا العام بأنه قد أجرى صيانة لملجأ منزله وأعدّه للإقامة لأنه يؤمن بكارثة قادمة عام 2012 ، ومع نهاية العام القادم ، سيشتري ويخزن المواد التي ستبقيه على قيد الحياة أثناء الكارثة. وأنا استمع إليه اعتقدت أن مسّاً من الجنون قد أصابه.

ولكن بجردة حساب لأحداث العام ، قلت: لعلّ صديقي محق ، ومع اقتراب العام الجديد بدأت أقتنع بحديثه ، وأصبحت مؤمناً بأن نهاية العالم قد بدأت ، وقد تأخذ مئات السنين ولكنها بدأت بالفعل ، وإذا ما صدر تقويم يطلق عليه النهاية ستكون بدايته العام 2010 .

فهذا العام حدثت مجموعة كبيرة من الكوارث الطبيعية لم تأت أي سنة بمثلها ، من زلزال هايتي الذي ذهب ضحيته أكثر من مائتين وخمسين ألف إنسان ، وبركان أيسلندا الذي ألغى أكثر من مائة ألف رحلة جوية ، وفيضانات باكستان التي شردت واحداً وعشرين مليون شخص ، وسيول أتت على أجزاء من الصين وأندونيسيا ، وحرائق في روسيا وهزات في الصين ، فبرهنت هذه الكوارث أنه مهما كان الإنسان متجبراً وقوياً وظنّ أنه محور الكون يبقى صفراً أمام آيات القوي الجبار.

وفي هذا العام لم يصل العرب إلى القاع ولكنهم يدرجون على هذا المنحدر الطويل ، فشهد تراجعاً في الحريات والديمقراطيات ، وبل وصراحة شهد تراجعاً في كافة مناحي الحياة بما في ذلك كرة القدم حيث جاءت المشاركة العربية متواضعة وباهتة ، وأثبتت الدراسات ازدياد عدد الفقراء في العالم العربي ليصل إلى %12 من المواطنين الذين يقل دخلهم عن الدولار ونصف الدولار يومياً.

أما أبرز إنجازاتنا فكان أعلى برج في العالم وأغلى ساعة في العالم ، ومبلغ مائة وستين مليار دولار لتنظيم بطولة كأس العالم. ألا ترون أن هذه المليارات لو استثمرت في مشاريع تنموية لجاءت بالفائدة التي تعمّ العالم العربي أجمع ، ولجنّبتنا غضب ودعوات الأجيال القادمة.

وكان عام 2010 مقدمة لأعوام قليلة قادمة سنشهد فيها تقسيم المقسوم ، فالسودان مقطع الأوصال ، والعراق تحول إلى شظايا ، واليمن سينفصل من جديد ، ولبنان على طاولة المشرحة والفتن تستعر في مصر والقادم أعظم.

وشهد عام 2010 نمواً فوق العادة في بؤرة الركود أمريكا بينما ازدادت وطأة الركود على أنفاس بقية العالم ، وانهارت اقتصادات كبيرة كاليونان وإيرلندا بينما تترقب دول جنوب أوروبية ذات المصير.

واستعرت الحرب العالمية على الإسلام من دعوة تيري جونز لحرق المصحف ، وجدل بناء المركز الإسلامي في نيويورك والتضييق على ارتداء الحجاب بينما بدأ الناس اعتياد كشف سوءاتهم أمام كاميرات التعرية في المطارات العظمى ، ثم هناك مؤتمرات تحت عناوين أسلمة أمريكا أو أسلمة أوروبا ، ونمت بذور للفتنة من اضطهاد المسيحيين في الشرق الأوسط.

وفي هذا العام شهد التاريخ البشري اعلى تسريب للمعلومات من خلال موقع ويكيليس ، فبرهنت الإنترنت أنها أعظم فوضى في تاريخ البشرية ، وأنها أصبحت أعظم قوة ، وبصرف النظر عن الجهة الداعمة للتسريب ، فقد أكدت الوثائق معلومات موجودة في وجدان الشعوب العربية بل وأشركتها في المسؤولية كما قال ابن القيم: فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم. ألا تشاركونني الرأي أن العالم بدأ يأكل نفسه ، وما هي إلا البداية ، ولعل ما يحبطنا جميعاً أن أمتنا العربية تحاول جاهدة أن تحافظ على موقعها في ذيل الأمم ، فبينما أصبحت الجامعة العربية هي الغطاء لتصفية القضية الفلسطينية ، لم نر دماء العرب تتحدى حصار غزة وإنما بطولة شعوب حية.

ومع أنه لا يوجد ما يسر القلب ، إلا أنه يجب أن لا نيأس ونستسلم للقنوط ، بل علينا أن نكون إيجابيين ولنغير من أنفسنا لعله يخرج من هذه الأمة من يجدد لها أمرها ، فأمتنا مرّت من قبل بمواقف مشابهة وخرجت قوية من تحت الرماد.

وأختم بدعوة رسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم): "اللهم لا خير إلا خيرك ، ولا طير إلا طيرك ، ولا إله غيرك".


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   اسماعيل الشريف   جريدة الدستور