"من استبد برأيه فقد هلك ، ومن شاور الرجال شاركها في عقولها "
(الإمام علي)
مشكلة حقيقية تعيشها الحكومات العربية ، فبعد أن شلّت المعارضة بالضربات المتتالية وأسكتت الرأي الآخر على مدى سنين طويلة مستخدمة شتى الوسائل ، أصبح هنالك مطلب بنوع من المعارضة الشكلية غير المؤثرة لتكمل المشهد الديمقراطي ، وتتغنى الحكومات بها ، ويشاهدها العالم. فالبعض مد يده بالتزوير إلى صناديق الاقتراع لصالح المعارضة ، وذهبت حكومات أخرى إلى أبعد من ذلك بمشاركة أقصى اليمين في المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية.
حكومة ترزح تحت وضع اقتصادي صعب ، وقرارات سابقة بزيادة الأسعار ، وقرارات أصعب قادمة ، من المنطقي أن تجاهد لجمع التأييد في محاولة الحصول على ثقة مجلس الأمة ، ولكنها وعلى عكس المنطق حصلت على أكثر من %90 من ثقة النواب فكانت أعلى ثقة تنالها حكومة في تاريخ البلد،
الغريب في الأمر أن هذه الحكومة حاولت جاهدة إقناع النواب بعدم منحها الثقة ، حتى يظهر أن هنالك نوعاً من الديمقراطية ، وحتى تحفظ للمجلس ماء وجهه أمام المواطنين ، ولكنها كما فشلت في إقناع المعارضة بالمشاركة ، فشلت أيضاً في إقناع النواب أن يمثّلوا دور المعارضة.
وفي دولة أخرى كثر الحديث عن تزوير صارخ في الانتخابات ، كانت نتيجته أن حصل الحزب الحاكم على جميع مقاعد البرلمان في الجولة الأولى باستثناء 4% من المقاعد ذهبت للمستقلين والمعارضة ، مما وضع الحزب في موقف محرج ، فتدارك الأمر بأن مكّن أحزاب المعارضة والمستقلين من الحصول على الأغلبية في جولات الإعادة ، فظهر الشكل النهائي لمجلس النواب بنسبة %80 من الحزب الحاكم إلى20% من المستقلين والمعارضة ، أي معارضة "ديكور".
أما المثل الأخير المستفز الخطير ، فبعد سنوات من الاستبداد والسياسات الخاطئة التي ستؤدي إلى تقسيم بلد ، تعزف الحكومة على وتر "الإسلام هو الحل" ، هكذا وقبل توفير أدنى المتطلبات اللازمة لتطبيق الشريعة الإسلامية ، مما سيعمّق المشكلة وسيزيد من مآسي تلك الدولة ، وبصراحة لا نريد أن تظهر دولة أخرى تفتري على الدين الإسلامي وتربطه بالتخلف والفساد.
فنحن إذن أمام ظاهرة خطيرة ، وهي المطالبة بوجود معارضة والعمل من أجلها ، ولكنهم يريدونها آليات وإجراءات بعيدة عن الجوهر ، بحجة أن ديمقراطياتنا الحالية تحاكي عاداتنا وتقاليدنا وقيمنا ، وأن المجتمع غير مهيّأ للديمقراطية الحقّة.
الذي يجب أن تعرفه جميع الحكومات ، أن المعارضة البناءة الهادفة مطلوبة وهي تصب في صالح الحكومات ، فهي تثري النقاش وتبلور الأفكار ، ووجود معارضة قوية يقلل من أخطاء الحكومات ، ويدفعها للعمل بجد أكبر ثم يخضع أداؤها لرقابة حقيقية ، وعندما تقع الحكومات تحت ضغوط خارجية لكي تحيد عن مصالحها ومبادئها تأتي المعارضة للنجدة ، ويجب أن لا يغيب عن أذهاننا أن دولاً توظّف المعارضة لتحقيق مآرب سياسية وتحسين شروطها التفاوضية.
أخشى في المستقبل أن تطلب الحكومات المعارضة فلا تجدها مطلقاً ، وهنالك ستكون الطامة الكبرى.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة اسماعيل الشريف جريدة الدستور