"إذا احتفظت بأفكارك لنفسك ماتت في أعماقك ولم يعرف بها أحد ، فتريح وتستريح"

(كامل الشريف)

أبي ، هل تعمّدَتً المقادير قبل سنين ثلاث أن تتزامن ذكرى رحيلك مع مقالي الأسبوعي البسيط ، لأستذكرك اليوم وأنا الذي كنت قررت في هذا العام أن أكفّن طيفك ، وأستودعك ومبادئك عند رب رحيم ، وأُواجه الواقع ، فقد أنقض إرثك ظهري ، وجرحي عميق عميق.

تأكدتُ كم كنتَ ذكياً ، فقد فهمت خفايا النفس البشرية ، وتعاملْتَ مع رجال من مختلف المعادن ، ودفعت أثماناً باهظة لمبادئك من تشرد ولجوء ، وحكم بالإعدام استمر شبحه يطاردك فترة من الزمان ، وخضت أشرس المعارك ، فكسبت حيناً وخسرت أحياناً ، ولكنك غادرت شامخاً عزيزاً ولم تفرّط بمبادئك ، أم أن زمنك ببساطة غير هذا الزمن؟ سأصارحك وأقول إنني تأثرت بتربيتك ، وأحاول حمل إرثك ، ولكنني اكتشفت أنه ثقيل ولم يعد يصلح لهذا الزمان ، فهذا زمن اللامبادىء ، زمن المكر والخداع ، كثر فيه أمثال الذي قال فيه سيدنا علي كرم الله وجهه:

يعطيك من طرف اللسان حلاوة

ويروغ منك كما يروغ الثعلب

أبي ، أهوائي تنازعني ، وتتصارع داخلي قوى الخير والشر ، فتصطدم قًيَمي بالواقع ، ويوشك أن ينهزم الحق بداخلي على يد الباطل الدارج ، ويؤلمني أنك لو اطّلعت اليوم لرأيت أن جميع ما أورثتني قد لا يكون ذا قيمة الآن.

وقد كان مما تركتَ مبلغاً من الرواتب وتكاليف السفر التي استحقت لك من منصب تولّيتَه ، وكان رصيدك يكبر على الورق بينما كنت تصول في شتى بقاع الأرض من أجل الدعوة والإغاثة ، فقد كنتَ تفضّل أن تُصرف الأموال المستحقة لك على أعمال الخير بدلاً من الرواتب والتكاليف التي تحمّلتها بنفسك ، وهكذا كان قرار ورثتك بالإجماع أنّ إرثك يمنعنا من المطالبة بحقوق لك كنتَ قد تنازلْتَ عنها.

ذكّرني صديق لك من الموظفين الصغار في رئاسة الوزراء أنك كنت تستأذن من اجتماع مجلس الوزراء كلما نودي للصلاة ، وتصلي خلف من كان يصلي في ردهات الرئاسة ، فالمنصب عندك هو خدمة الصالح العام حتى لو كان على حساب جيبك وراحتك وعائلتك ، والعمل كان دائماً عبادة ، ولم يكن فرصة للكسب والسمسرة وتبوؤ المكاتب الفاخرة ، ولا منصة للقفز إلى مناصب أعلى ، لم يكن يروقك تحلُّق المنافقين والمتملقين ولم تسْعَ يوماً لبناء علاقات سطحية نفعية ، أو تجيير عمل مؤسسة وسرقة إبداعات الآخرين أو التحكم بأقوات العباد. أقولها لك للأسف لقد أصبحت هذه مؤهلات لعضوية نادي المراكز ، أما المبادئ والكفاءة فمن الجميل أن نقرأ عنها في الكتب أو نشترطها على الورق ولكن لا مكان لها خارج الأدراج إلا في طوابير السفارات.

كلما هممت أن أكبت نفسي اللّوامة لعلّي أرتاح وأصالح النّوم ، تذكرتك وكيف أنك مهما اكتويت بنار المحن ظللت سمحاً ، دمثاً ، بشوشاً ، محباً لأمتك رابط الجأش في أصعب المواقف ، مضحياً بمصلحتك الشخصية في سبيل مصلحة أهم ، فنلت حب واحترام الناس ، وأرجو أن يكون ذلك شفيعاً لك بعد مماتك.

استذكرك في ذكرى رحيلك الثالثة مدركاً حجم إرثك ، وأنا أجاهد نفسي للحفاظ على ما بقي منه ، وغرسه في "سديم النجوم" كما كان يحلو لك أن تسمي أحفادك. ولكن ، ماذا ستظن بي لو خسرت كل شيء لأنني ببساطة لم أعد قادراً على السباحة ضد التيار؟.

أبي ، ليتني أحتمي خلفك.. لقد عادت الذئاب مرة أخرى ، هل أحدّثك عنهم؟.

مازلت أردد كما علمْتَني بعد كل صلاة: "اللهم إني أعوذ بك من الهمّ والحزن.. وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال".


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   اسماعيل الشريف   جريدة الدستور