"إذا أحب الله عبداً نادى جبريل: إن الله يحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض".

(حديث شريف)

كان من فضل الله على بلادنا أن حكمها الهاشميون ، فوصلَنا جزءّ من بركات حبيبنا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وسلم)، فالهاشميون عبر أكثر من ألف عام من الحكم المتواصل هم أناس متدينون ورعون ، بعيدون عن مواطن الشبهات ، يحترمون أنفسهم ويحبون ويخلصون لشعوبهم ، لديهم عزة نفس ، ويترفعون عن الدنايا ، ولا يعرفون الانغماس في الملذات ، همهم خدمة وطنهم ورفعة شعبهم ، والحفاظ على مقدرات هذه الأمة ، وهم أول المدافعين عنها.

فهم من أرسى الثورة العربية الكبرى ، وهم الحالمون ومن ثم الساعون باستقلال ووحدة العرب ، وكاد حلمهم يتحقق لولا قوى الشر والظلم.

أقرأ هذه الأيام كتابا يؤرّخ لفترة حساسة من عمر هذه الأمة ، فترة العشرينات من القرن الماضي ، مع أن هذا الكتاب يتعرض للهاشميين ويفتري عليهم ، إلا أنني اشتريته من معرض الكتاب الذي عقد في عمّان مؤخراً ، فالهاشميون أرفع من أن يصادروا كتاباً يتعرض لهم ، فهم من قدموا دماءهم فداء للإسلام والعروبة عبر التاريخ ، وهم يحظون بحب جارف ، وولاء مطلق من كافة أبناء شعوبهم.

وما لم يستطع الكتاب إخفاءه أو تزويره ، حقيقة تاريخية صارخة بأن الشريف حسين بن علي قد دفع عرشه فداءً لفلسطين ، ففي عام 1921 قررت بريطانيا العظمى أن تعقد معاهدة مع الشريف حسين ، وكان من ضمنها أن يعترف بحق اليهود بإنشاء وطن قومي في فلسطين ، وأن يجعلوه ملك ملوك العرب ، ومقدماً عليهم ، إلا أنه رفض ذلك ، وقد مورست عليه ضغوط شديدة ، فصعد إلى سطح الدار واتجه بوجهه نحو الكعبة وأقسم بربها أن لا يوقع معاهدة يسلم بها فلسطين لليهود ، وانزوى لا يكلّم أحداً.

وتؤكد الوثائق التاريخية أن المرحوم موسى كاظم الحسيني أبرق إلى الشريف حسين يلفت نظره إلى الخطر المحدق ، فرد عليه الشريف بتواضع في رسالة بدأها: "مولانا.. أؤكد لكم أيضاً أن عزمنا الأساسي المؤملين تأييده بقدرة الله لا يمكن أن نتأخر عن واجباته مقدار شعرة ، واعلموا أنها حركة عليها نحيا وعليها نموت". ويختم رسالته بقوله: "لا نريد بها إلا خدمة بلادنا وأبنائها وإخواننا".

وفي السابع والعشرين من تموز عام 1923 نشرت جريدة القبلة خبراً يتعلق بالمعاهدة التي عرضتها بريطانيا قالت فيه: "إن جلالة الملك الحسين (الأول) رفض التصديق على المعاهدة بالرغم من كل تهديد ، وبالرغم من كل ما أقيم في سبيله من العقبات والعراقيل ، كل ذلك جاء حرصاً من جلالته على حقوق العرب ومحافظة بلادهم".

فكان ثمن هذا الموقف المشرف ضياع مُلكْ كان من المفروض أن يمتد ليشمل بلاد الشام والعراق ، ولم يشفً غليل قوى الشر إلا أن تحرم قدماه من وطئ الأرض العربية فنفي إلى قبرص ، وردد أبياتا جميلة وهو يغادر العقبة قال فيها:

مشيناها خطىً كتبت علينا

ومن كتبت عليه خطىً مشاها

البقية 32ص

وهذا الحب الجارف لفلسطين مهما غلا ثمنه ، انتقل إلى أولاده وأحفاده ، فها هو جلالة المغفور له الملك عبدالله الأول يدرب ويسلّح أبناء فلسطين ، ويقود الجيوش العربية في حرب 1948 ، ويشجع أبطال الأردن على المشاركة في جميع ثورات فلسطين ، ويواصل جهوده لمنع قيام وطن لليهود في فلسطين ، ويعتبر أن قضية فلسطين لا تخص الفلسطينيين وحدهم بل تخص العرب جميعاً ، وعندما قسمت فلسطين ، أقام وحدة بين الضفتين عام 1950 لحماية ما تبقى منها ، إلى أن سقط شهيداً في المسجد الأقصى عام 1951 وهو يؤدي صلاة الجمعة.

وها هو جلالة الملك الباني الحسين بن طلال طيب الله ثراه ، يحارب في عام 1967 ، ويسطر جنوده التاريخ بحروف من ذهب في معركة باب العامود ، ويسقطون الشهيد تلو الشهيد على أسوار القدس ، ثم جاءت بعدها معركة الكرامة التي انتصر فيها الجيش العربي وحطم أسطورة الجيش الذي لا يُقهر ، فقهر جيش الصهاينة ومناه بخسائر جسيمة في الأرواح والمعدات ، وفي السلم دافع الملك الباني عن فلسطين في جميع المحافل ، وكلنا يذكر عملية إنقاذه حياة خالد مشعل التي أديرت بذكاء معهود ورباطة جأش بدون مهادنة ولا تنازلات.

ثم جاء الملك عبدالله الثاني بن الحسين حاملاً إرث أجداده ومبادئهم ، فهو أكثر من يضغط على الإدارة الأمريكية لإنصاف الفلسطينيين وإقامة دولتهم على ترابهم وعاصمتها القدس ، ويقدم تصوراً واضحاً مرضياً لمريدي السلام الحقيقي.

ويقف جلالته بالمرصاد لكافة المخططات الشريرة التي تنادي بالكونفدرالية أو التي تريد أن يكون الأردن ، فلسطين ، مشيراً دائماً إلى أن الأردن لن يتخلى عن واجبه التاريخي في دعم الفلسطينيين.

وعند الاعتداء على غزة ، كان جلالته أول من تبرع بالدم ، وأول من أرسل قوافل المساعدات ، وأول من قدم مستشفيات ميدانية يديرها أكفأ الأطباء الأردنيين.

وهو من أخرج مئات المناهضين للصهيونية من سجون الاحتلال وهو من عالج آلاف المصابين الفلسطينيين ، وعندما يشعر بالخطر يطلق صرخته الشهيرة ، أنه سيعلن الحرب لو أقدمت إسرائيل على ترحيل أهل الضفة الغربية إلى الأردن.

في عيدك التاسع والأربعين ، كلمة حق وإنصاف نقولها فيكم عترة رسولنا الكريم ، ونرفع أيدينا مبتهلين أن يحفظكم وأن يسدد خُطاكم وأن يجعلكم منارة خير تنير بها الطريق لهذه الأمة في زمن التهاون والخذلان والأوضاع الصعبة التي نعيشها ، ونقول إننا على العهد دائماً ، وسر ونحن من ورائك.

وكل عام وسيد البلاد بألف خير.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   اسماعيل الشريف   جريدة الدستور