«ينبغي أن يكون للقانون سلطة على البشر، لا أن يكون للبشر سلطة على القانون».
بوزاتياس.
تصدر مؤسسة النزاهة الدولية تقريراً سنوياً يقيس مستوى النزاهة في عدد من دول العالم.
تقول هذه المؤسسة عن نفسها أنها غير ربحية هدفها تقديم معلومات يمكن الاستفادة منها للباحثين والصحفيين والمختصين ورجال الحكم والشركات الكبرى والمانحين والدائنين.
هذه الدراسة لا تقيس حجم الفساد وإنما تعطينا فهماً للحاكمية الرشيدة وآليات وضوابط محاربة الفساد والفاسدين.
اطلعت على آخر دراسة أصدرتها هذه المؤسسة، ولم تكن أرقام الأردن مرضية أبداً، وإنما شهدت تراجعاً عن دراسات السنوات السابقة، فسجَّل الأردن نسبة 55% في مستوى النزاهة وبتصنيف ضعيف جداً، أي على «الحفة».
لتحديد مستوى النزاهة، تقوم الدراسة بقياس خمس مجموعات، هي الإعلام والمعلوماتية ومؤسسات المجتمع المدني، والانتخابات، والإدارة العامة والخدمة المدنية، وأجهزة الرقابة، والقوانين والتشريعات، وفي المجموعة الأولى حصلنا على نسبة 62% والذي رفع من هذا المجموع هو سهولة الوصول إلى المعلومات، وفي مجموعة الانتخابات حصلنا على علامة ضعيفة جداً هي 34%، منها 10% هي نتيجة نزاهة الانتخابات، وفي مجموعة الإدارة والخدمة المدنية حصلنا على 55% وهي ضعيفة جداً، كذلك الحال في أجهزة الرقابة حيث حصلنا على 59% ولكن النجاح الباهر كان فقط في سن القوانين والتشريعات حيث حصلنا على نتيجة 82%. وهذا يعني أننا أساتذة في سن القوانين ولكننا لا نطبقها.
وأسِفتُ أيضاً لأن دولاً كدول الاتحاد السوفييتي السابق أو ما كان يدور في فلكها قد خطت خطوات كبيرة على طريق النزاهة كبولندا ولاتفيا ورومانيا، إلاّ أن دول العالم العربي ما زالت تتراجع على كافة الصعد.
في خضم كل الأصوات التي تطالب بالإصلاح علينا أن نسأل أنفسنا، هل يكفي أن نَسُنَّ قوانين فيجعلنا ذلك دولاً نزيهة؟ لو كان ذلك صحيحاً لما رأينا حجم الفساد الكبير المستشري ولما رأينا أشخاصاً خلال سنوات قليلة من العمل الحكومي بنوا القصور وأصبحت ثرواتهم تقدّر بملايين الدنانير، ولو كنا دولة نزيهة لما أمن الفاسدون المساءلة حتى أصبح يشار إليهم بالبنان, ولو كنا دولة نزيهة لما قلبت الواسطة مجريات الأمور من أعقدها إلى أبسطها، فبالواسطة تحصل على السلع والمقاعد والوظائف، وبالواسطة تتخطى الدور، وبالواسطة ينقلب المدين إلى دائن ويتحول المجرمون في السجلات الرسمية إلى ضحايا وشرفاء.
باختصار، الواسطة المناسبة تضع أي شخص فوق النظام والقانون، وبدونها تصبح أبسط الحاجات اليومية من المستحيلات.
لو وقفنا وقفة صدق أمام المرآة سنكتشف قول المتنبي «ليس التكحّل في العينين كالكحل» فالأفراد النزيهون، لا القوانين، هم الذين يجعلون الدول نزيهة.
لقد آن الأوان أن ننبذ الكلام، ونفرز إرادة شعبية حقيقية لمكافحة الفساد، نريد أن نصبح دولة نزيهة تفخر بانتخاباتها وسيادة القانون والجهاز المدني الفعّال ووقوف الفاسدين أمام القضاء. هذه مطالبنا بالإصلاح، وعندما تتحقق فمعنى ذلك أن يتساوى الجميع في الحقوق والواجبات وأن تصبح الواسطة مرفوضة وغير ضرورية بالأساس.
فهل نحن مستعدون للإصلاح الذي نطالب به؟.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة اسماعيل الشريف جريدة الدستور