"إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم ...".

(حديث صحيح)

قبل أيام قليلة قرأت مقالاً لأحد الرموز السياسية يعرض وجهة نظره حول قضية سياسية محلية، واختتم مقالته بعبارة " إللّي مش عاجبه يخرج من البلد"، وقبلها سمعنا عبارة مشابهة من أحد النواب، وما زال يكررها ممثلون لتيارات فكرية مختلفة في العديد من حلقات النقاش. هؤلاء الأشخاص يختلفون فكريا وأيديولوجياً ولكن تجمعهم عبارة "أخرج من هذا البلد إذا كانت وجهة نظرنا لا تعجبك".

ما أشبه هذه العبارة بعبارة بوش الابن المشهورة قبل أن يقلب العالم: "إن لم تكن معنا فأنت ضدنا" ، التي لا تزال مضرب المثل في العنجهية، وإذا بنا نرددها بلفظ مختلف.

توقفت كثيراَ عند هذه العبارة الدخيلة التي تتعارض مع قيم الإنسان العربي المؤمن وقيم مجتمعنا، والذي نعتز بتجانسه وانسجامه، ولكنه كأي مجتمع منفتح إلى حد ما فيه تيارات ووجهات نظر مختلفة، وهذا الاختلاف هو الذي يغني المجتمع ويدفعه للتقدم، طالما أن التعبير سلمي ومبني على الاحترام المتبادل والثوابت الوطنية والدينية والقومية.

أقول لا أحد يملك الحق في إقصاء من يخالفه الرأي، لاعتبارات عديدة، أبدؤها بأن الهاشميين عندما أسسوا هذا البلد أرادوه نواة لمشروع وحدوي أعظم وأشمل، فكان نقطة جذب لكافة الأحرار العرب، ولعل ذلك من أمتن ركائز هذا الوطن، فتبادل الناس تجاربهم المختلفة مما انعكس على وطننا، وإذا ما تحدثنا عن الهاشميين فإن لنا فيهم أسوة حسنة من سعة الصدر وتحمل الآخر، وحين نتخندق وراء آراء حصرية تعتقد أن تجاهل الأخطار المحدقة يجعلها تختفي، أو تساوي بين المصلحة العليا ولقمة غثة مغموسة بالذل، فهذا والله خيانة لمبادئ هذا الوطن، وإنكار لمعتقدات آبائنا الأوائل المؤسسين، ليس هذا فحسب، بل هو مخالفة صريحة للنصوص الشرعية.

فعن عبدالله بن حوالة أن رسول الله عليه على آله الصلاة والسلام قال: "سيصير الأمر إلى أن تكونوا جنودا مجندة ، جند بالشام ، وجند باليمن ، وجند بالعراق، عليك بالشام ، فإنها خيرة الله من أرضه ، يجتبي إليها خيرته من عباده" ، والأحاديث التي تتعلق بأفضلية بلاد الشام وأهلها والمرابطة فيها كثيرة، منها: " الشام صفوة الله من بلاده، إليها يجتبي صفوته من عباده "، فإن كان رسولنا صلوات الله عليه وسلامه قد حث أصحابه على سكنى بلاد الشام، فكيف نجرؤ على التلويح بالطرد منها؟ وإن كان رسولنا الكريم أثنى على المرابطين في أكناف بيت المقدس، فمن يملك أن يقول لمرابط: "لا ترابط عندنا"؟

أعرف أصدقاء رفضوا عقودا مغرية للعمل خارج الوطن، فقط لأنهم يرابطون هنا ولا يريدون أن يخسروا هذا الأجر العظيم. ولو سألت: من يملك الكعبة أو المسجد النبوي أو الأقصى، فسيكون الجواب أنها ملك للمسلمين كافة، لأنها ببساطة أماكننا المقدسة، فإذا اتفقنا على ذلك، أقول إن الأردن، وبإجماع العلماء والأحاديث المتواترة، هي أرض مقدسة فهي أرض الحشد والرباط ، وأهلها من أهل الشام الذين هم ميزان الصلاح والفساد كما روي عن الرسول عليه الصلاة والسلام.

أقول إن الله حبانا بهذه البقعة الطاهرة المباركة التي تتنزل فيها علينا الحسنات بإذنه تعالى مهما كثرنا وتعددت منابعنا ما دمنا خالصي النية، فلننبذ دعاوى الجاهلية متأسين بسيدنا بلال بن رباح، وابن حوالة والآلاف غيرهما ممن رابطوا ها هنا، ولنجعل أمرنا شورى بيننا ولنكن أعزة على أعدائنا أذلة فيما بيننا عسى ربنا أن يصلح أمرنا ويقينا شر الفتن.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   اسماعيل الشريف   جريدة الدستور