"السعادة قناعة، فلا الذهب ولا العظمة يجعلاننا سعداء"
(لافونتين)
قررت -اعتباراً من اليوم- أن أكون سعيداً
قبل سنوات طويلة تقاطعت مع شاب أمريكي، نتسامر ليلياً، كان دائماً لطيفاً متفائلاً، يشع حيوية ونشاطاً، مستمتعاً بالحياة، عرفت صدفة أنه مصاب بالسرطان، وأيّامه معدودة، سألته كيف تستطيع دائماً أن تحافظ على مزاجك الحسن؟ أجابني مبتسماً: "عندما أصحو أسأل نفسي السؤال التالي: هل تريد أن تكون مكتئباً اليوم، أم تريد أن تكون سعيداً، فأختار أن أكون سعيداً. ورحل صديقي وبقيت انا.
ما أغباني لم أتعلم الدرس آنذاك |
إن شأني، شأن معظم أبناء بلدتي، أصحو في أوّل يوم دوام في الأسبوع وأنا كلّي كسل وكآبة وسوداوية، تتملكني الوساوس فأستسلم لها، ومع مرور أيّام الأسبوع أتحسّن تدريجياً لأصبح في قمّة السعادة أيّام الخميس، بداية العطلة الأسبوعيّة.
تقول الدراسات إن مقدار السعادة يزيد بنسبة 10% في نهاية الأسبوع، وعلى النقيض فإن أعلى نسبة جلطات تحدث في بداية الأسبوع، وهناك دراسة مهمة أجراها باحث أسترالي وجد أن الأهداف والخيارات تؤثّر في مقدار السعادة أكثر من كيمياء الجسم والجينات، فـ 10% من أسباب السعادة تعود لعوامل خارجية من مادة وأسلوب حياة وغيرها، و40% تتعلّق بقراراتنا.
أعلن عن قراري اعتباراً من اليوم أن أكون إنساناً سعيداً متفائلاً، أشع طاقة وحيوية، صحوت مبكّراً، برمجت عقلي وقرّرت أن أستمتع بأيّامي، فكل يوم هو هدية من الله سبحانه وتعالى، فأنا ما زلت أتنفّس، وأرى عظمة الخالق، بل وأنا جزء من هذا الخلق وحركة الكون العظيم، لديّ مصدر دخل، وعائلة، وصحّة، وأصداقاء محبّون، ألا يكفي هذا؟
لن أقبل بعد اليوم أن أسمح للظروف أو لأفكاري السيئة أن تحدد مزاجي، فأيّامي كلّها يوم الخميس، لن أغضب لدفعي الضرائب، فبحمد الله لديّ ما أدفع عنه الضرائب، ولن أنزعج من الزحام، فلدي وسيلة للمواصلات، ولو اضطررت للمشي فلن أشعر بالتعاسة لأنني لا أملك أجرة الباص، فالحمد لله لدي رجلان، وسأحمد الله عندما تنكّد علي زوجتي، لأن لديّ أسرة تحبني وتؤنس حياتي، ولن أغضب إن كان غذاؤنا من الشاي والخبز، فالحمد لله لدي الصحّة لآكل، ولن أشعر بالخوف من المستقبل لأن الله وكيلي وقد كتب رزقي يوم خلقني، وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها.
صدمتي التي أعادت الأمور إلى نصابها في وجداني كانت معرفتي بأن كثيرا ممن كنت أعدهم أسعد حظا لا يشعرون بالسعادة إلا في قاع زجاجة والعياذ بالله، وكم من "سعداء" بيننا يغرقون في الكآبة لحظة زوال تأثير العقاقير | فهل يجلب الرفاه السعادة، أم أن الموضوع برمته تحدده بنظرتك إلى الأمور؟
سألت مرة اثنين من البنّائين يعملان معاً منذ سنوات عن عملهما، فقال الأوّل: "أنا اضع الأحجار فوق بعضها"، أمّا الثاني فقال بفخر: " أنا أبني وطني | ".
اقترح ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطاني استفتاءً سنوياً لقياس مدى السعادة التي لا تقاس بالمال أو بالأسواق، بل هي كما قال تتعلّق بجمال ما يحيطك وبجودة العادات والتقاليد والثقافة، والأهم كلّه بمدى متانة العلاقات. ربما أشار كاميرون إلى مظاهر السعادة، ولكني أرى أن أسبابها تتلخص في الاستسلام لحقيقة أن الدنيا دار ابتلاء فانية، وأن ما عند الله خير وأبقى. ومن لجأ إلى الله راجيا نعمته وعفوه وعملَ من أجل السعادة الأبدية في عالم آخر، ذلك هو سعيد الدارين.
أنا برمجت عقلي وقررت أن أكون البنّاء الثاني..... ماذا عنك؟
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة اسماعيل الشريف جريدة الدستور
login |