«وجع مرة ولا وجع كل مرة»..
رئيس الوزراء كان صريحاً عند حديثه عن الوضع الاقتصادي في المملكة، فقد وصلنا إلى سقوف المديونية، وانخفضت المساعدات مع عجز كبير للموازنة ما ينذر بإفلاس الدولة، والحل المتاح هو تخفيض الدعم عن بعض السلع.
قد تكون هذه الإجراءات مبررة، ولكنها تكتيكية تجميلية، والأهم أنها خطيرة جداً ولن تحل مشكلة الأردن الاقتصادية الأزلية.
فالبلاد تمر بأجواء قريبة من أجواء عام 1989، كانت آنذاك الأوضاع الاقتصادية صعبة للغاية، فالمساعدات قلّت، وزادت معدلات البطالة، وتدنّت مستويات المعيشة، وبينما كان واضحا للعيان أن هناك إسرافاً حكومياً وفساداً مستشرياً، قامت الحكومة برفع الدعم المالي عن المواد الغذائية، وفرضت إجراءات تقشفية صارمة.
لم يفهم الناس آنذاك، كما الآن، لماذا يدفع المواطن ثمن أخطاء الحكومات المتعاقبة وقراراتها الاقتصادية التي دفعت بعجلة الاقتصاد إلى الخلف، والأهم من ذلك لماذا يدفع الكل ثمن فساد البعض، فبدأت الاضطرابات، ولولا حنكة الملك الراحل وحب الأردنيين لوطنهم وقيادتهم لدخلت البلاد في فوضى.
أقول: إن المناخ مهيأ الآن لحدوث مثل تلك الاضطرابات، فلماذا إشعالها؟
الشعب ما يزال يحب وطنه وقيادته، ويعتمد في نهاية المطاف على قدرة جلالة الملك على إيصال البلاد إلى بر الأمان، فهو صمام الأمان لنا جميعاً، ولكن مرة أخرى لماذا تدخل الحكومة البلد في مثل هذه مخاطرة.
من ضمن ما يؤلم، أننا لم نتعلم من أحداث عام 1989، فالحلول لم تكن استراتيجية، واستمررنا في الاعتماد الكبير على المساعدات، ولم نحاول الاستفادة من تجارب ناجحة لدول خرجت من أزماتها الاقتصادية كماليزيا وسنغافورة وتركيا، ولم نكن جادين في وضع استراتيجيات طويلة الأمد نعمل على تنفيذها بلا مساومة بعيداًعن التغييرات الحكومية، فضاعت عن يد الحكومات المتعاقبة فرص بالمليارات، دخلت البلاد وتبددت دون أن تترك أثرا يذكر. ويكاد يعجز الباحث عن ملاحظة تطور حقيقي رغم كثرة الفرص وطول الأمد. فالمطلوب من الحكومة أن تتأنى في قراراتها وتخرج علينا بحلول حقيقية بعيداً عن قوت المواطن .
وآن الأوان لوضع دستور اقتصادي على يد فريق كفؤ ونزيه يعمل بعيداً عن السياسة، ولا يرتبط بتغير الحكومات، يكون مرجعاً للقرارات والنظم ويوجهها لبناء نموذج اقتصادي، معتبراً الإنسان هو رأس المال الحقيقي، فيلبي احتياجاته الاجتماعية والنفسية والثقافية والبدنية والأخلاقية إضافة إلى المادية، ويقدم حلولا تضيق الفجوة الاجتماعية والمالية بين أفراد المجتمع، فزيادة الفجوة وتركز المال في أيدي فئة قليلة من المجتمع معناه المزيد من الركود، والناتج القومي الحقيقي هو الذي يُحتسب على أساس أن الإنسان هو المدخل الأول والأهم في عملية الإنتاج، ولا يتم ذلك إلا بصلاح التعليم والطب.
الحلول المقترحة لن تزيدنا إلا بؤساً وشقاء، جربت مرات وكانت نتائجها خطيرة، وهي حلول مؤقتة تُرحّل المشكلة إلى أن تقع الطامة على رؤوسنا ورؤوس أبنائنا، ولكنها بالتأكيد لن تحمل البلد إلى بر الأمان. وإذا كان لا بد، فيجب على الحكومة أن تقدم برنامجا اقتصاديا متكاملا له أهداف ونتائج واضحة قابلة للقياس، عندها قد يصبر المواطن في سبيل غدٍ أفضل.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة اسماعيل الشريف جريدة الدستور
login |