حياة من غير ذكريات هي الحاضر، فالماضي موجود بين دفتي كتاب، في وثيقة أو مخطوطة.
الان ليمان ( من كتاب حلم اينشتاين)
قررت في رحلتي الأخيرة مع عائلتي أن لا أنشغل عنهم بالتقاط الصور ونشرها على الفيس البوك، فهذه الرحلة الساحرة، أردت أن أذكرها بعد أعوام من وحي ذاكرتي التي قد يختلط فيها الخيال بالحقيقة.
قبل أعوام طويلة وقعت تحت يدي أجندة قديمة، وجدت فيها عبارات متناثرة خطها أبي في كل يوم من أيام تلك السنة، وإذا ما جمعت هذه العبارات ستخرج بفكرة جميلة، واجهت أبي بها، فأخبرني أنها أفكار تعبر عن مواقف وانطباعات إزاء أحداث ذلك اليوم، أستخلص منه فكرة، فحاولت إقناعه بحماس أن يشرك الناس بهذه الأفكار، فظهرت في الدستور زاوية “ الرياضة العقلية “، وجمعت في كتابين لغاية الآن، ولكنه كان دائما يردد أن الفكرة هي كائن حي تتغير وتنضج مع الوقت، وكان أبو الفلاسفة سقراط يرفض كتابة فلسفته، فكان يردد إنما الكلمات للكلام وليست للتدوين، فطريقة إخراج الكلمة والإيماءات التي تصاحبها ونبرة الصوت والتوقيت قد تكون أهم من الكلمة نفسها، ومتلقي الكلمة وجاهة، بخلاف القارئ، يحظى إحساسا بالتذوق والشم والنظر والصوت.
وبمعزل عن فلسفة الفلاسفة، فمنذ نشأة الإنسان وهو يحاول توثيق ما يدور في خلده وما يشاهده، يريد أن يشرك به الآخرين، فما رسومات الإنسان الأول على جدران الكهوف، واللوحات الزيتية، وتماثيل القادة إلا دليل على ذلك، ومع تطور التكنولوجيا وأدواتها ظهرت الرسائل المنمقة والصور الفوتوغرافية، وكتاب فيه قدسية نكتب فيه أسرارنا ونقفل عليها بقفل يزين حافظة جلدية فاخرة، وكبسولة معدنية يقوم الصغار بوضع صورهم وآمالهم فيها تفتح بعد حين، وعلبة حلوى تضم كنزا من الرسائل الممهورة بالعطر والأحاسيس الجياشة.
ولكن فيما يبدو أن كل هذا ليس كافيا لأننا أصبحنا نريد أن نحتفظ بكل تفاصيل حياتنا، وفي هذه الزحمة من توثيق ذكرياتنا ضاعت منا ذكرى طعم أول قبلة، ورائحة منزلنا في الشتاء، وعطر أمي، وأصبحنا نعيش كل لحظة من وجهة نظر المشاهد وكأننا ننظر إلى حياتنا عبر شاشة برنامج واقعي، هاجسنا التقاط صورنا ونشرها لحظة حدوثها على مواقع التواصل الاجتماعي.
الشيء البديهي المؤكد أن التكنولوجيا غيرت حياتنا، وهذا لا يقبل الجدل، ولكن ما سنتجادل به والذي ابحث فيه عن إجابات، لماذا هذا النهم في توثيق حياتنا على مواقع التواصل الاجتماعي؟ ولماذا هذا الاهتمام المتزايد في تفاصيل حياتنا ومشاركة أناس لا نعرفهم بها؟ وأخيرا ما الأجدى، أن نعيش اللحظة بكل أبعادها أو أن نوثقها ولا نعيش كافة تفاصيلها الحسية؟
لقد أصبحنا نعيش حياتين، حياة حقيقية من لحم ودم وأحاسيس مكتملة الأبعاد، قد لا تكون بأهمية حياة أخرى ظلية داخل الشبكة العنكبوتية محفوظة في خادم لا نعرف مكانه، عبارة عن سطح ضوئي ثنائي الأبعاد لا مشاعر ولا أحاسيس فيها، برأيي لقد أصبحت أولويتنا الاهتمام بإخراج حياتنا الافتراضية في صورة أجمل من حقيقتها، وكل لحظة نقضيها في بناء حياتنا الافتراضية يقابلها لحظة نفقدها من حياتنا الحقيقية، فنكون غائبين عن الحقيقة موجودين في الخيال.
وللغرابة فقد تطورت ذاكرتنا إلى أماكن وأشخاص وصور، اختفت منها كافة الحواس، فلا أعرف هل يمكن أن أحول عناق أمي لي في أول يوم في المدرسة، ودعائها لي في أول يوم في الجامعة إلى متوالية رقمية من صفر وواحد
وأكثر من ذلك فقد فقدنا ذاكرتنا ودفنا ذكرياتنا ليصبح همنا تذكر أين دفنا هذه الذكريات وفي أي تطبيق موجودة وكيف نعيدها، فمن منا يذكر مواعيده ومن يذكر قائمة المشتريات وعيد زواجه وأعياد ميلاد أطفاله.
وعودة إلى ذي بدء لماذا كل هذا التوثيق على الفيس وتويتر وغيرها؟ قد يكون السبب أننا نعيش حياة سريعة متحولة تستهلكنا في كل لحظة فنحاول الإمساك بهذه اللحظة حتى لا ننساها، أو لأننا نخشى ترك هذه الحظة السحرية قبل أن تذروها رياح الحياة، أو ببساطة لأننا نهرب من حياة واقعية صعبة تدكنا إلى حياة أخرى أكثر جمالا وهدوءا، ولو خيرت بأجابة واحدة، ستكون لأننا خائفون من القادم المجهول.
أقول في النهاية وثق لحظتك، ولكن عش هذه اللحظة بكافة تفاصيلها، لأن ذكراها أجمل بكثير من إعادة مشاهدتها |
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة اسماعيل الشريف جريدة الدستور
login |