« لك الخيار، إما أن تتابع جميع الصحف، أو أن تتابع الإعلام الاجتماعي، لكنك لن تستطيع متابعتهما معا»
ستيفن سبيلبيرغ
في هذه الأيام، ما إن تدخل في نقاش حتى يسارع الطرف الآخر ليبرهن على وجهة نظره ويقطع الشك باليقين مستعينا بهاتفه الذكي، فيريك مقطعا من يوتيوب أو خبرا على صفحته في أحد المواقع الاجتماعية أو تغريدة على تويتر، وبذلك ينتهي النقاش.
تطالع صورا لسياسيين يضحكون وتحتها عبارات تتهمهم بالعمالة والدليل القاطع هو ضحكاتهم، يتم تحوير الصورة وإسقاط مضمونها بما تناسب مع التعليق، وسأضرب مثلا واضحا صورة لجندي مصري يحمل رجلا مقعدا ليدلي بصوته في استفتاء الدستور المصري الاخير، نفس الصورة تراها ولكن بخبرين مختلفين متضاربين، فالأشخاص الذين يرفضون الدستور الجديد دللوا بهذه الصورة على أن الجيش منشغل بالتسويق للاستفتاء على حساب مهمته الأساسية في الدفاع عن حدود الوطن، ومؤيدوا الدستور اتخذوا الصورة نفسها للإشادة بإنسانية الجيش المصري، نفس الصورة نشرت في استفتاء الدستور الذي جرى قبل عام، مؤيدوا الدستور آنذاك رافضوا الدستور الجديد جاء خبرهم عن الدور الإنساني للجيش المصري ، فيما جاء خبر رافضي الدستور آنذاك مؤيدي الدستور الجديد أن الجيش المصري أصبح ألعوبة بيد الإخوان، وقبل عام، مناهضو الإخوان نشروا مئات المقاطع الإخبارية أن السيسي هو عميل الإخوان، نفس هذه المادة حورت لدى مؤيدي الإخوان ليبرزوا السيسي كرجل متدين حافظ للقرآن، والآن الصورة قلبت، فتبادل الجمهور الأدوار ونفس المواد الإعلامية تستغل للدعاية مع أو ضد السيسي، وتوظف لتبرهن على أنه عميل أمريكي أو بطل قومي حسب الطلب.
وأهمية كل هذا تنبع من أن إعلام مواقع التواصل الاجتماعية قد أصبح بالنسبة للكثيرين المصدر الأول إن لم يكن الوحيد لمتابعة الأخبار والأحداث وما يواكبها من تحليلات وآراء سياسية وردود فعل شعبية، وهذه المواقع تشجعنا على المشاركة في نشر أي شيء، وأدى ذلك إلى مسألة غاية في الأهمية وهي تجاهلنا لمصدر الخبر .
شخص على تويتر تتبعه أو صديق على الفيس ، ينشر شيئا وهو مأمول الثقة لديكم ، فتقوم فورا من دون تفكير بإعادة النشر دون مجرد التفكير في صحة ما نشره، وشخص يتبعكم سينشر ما نشرته مع تعديل بسيط، وهكذا حتى تكبر هذه الكرة الثلجية وتصبح مادة مهمة منتشرة، وقد تكون مقطعا اجتث خارج السياق أو فسر بطريقة خاطئة أو وضعه التعليق في زمان ومكان مختلفين ليبرهن على وجهة نظر صاحبه.
لنعد بالذاكرة إلى الوراء عندما كنا أطفالا، نلعب لعبة، نجلس في حلقة ويبدأ أحد اللاعبين بالتفكير في عبارة في ذهنه، فيهمس بها للشخص الجالس إلى جانبه وهذا الشخص بدوره يهمس للذي يليه بما سمعه، وهكذا، إلى أن تعود القصة لصاحبها المؤلف، كم كنا نضحك عندما يردد قصته الأصلية التي تكون قصة مختلفة تماما لما سمعه المستمع الأخير، فبين الهمسة والأذن تتغير القصة، وهذا قد يكون بالضبط ما يحصل في عالم الإعلام الاجتماعي.
والمسألة أيضا تطرح السؤال الفلسفي أيهما يسبق الآخر، القناعة أم الاستنتاج؟ هل الأدلة والقرائن وجدت لتشكل أفكارنا أم لتؤكدها؟ هذا التساؤل ينطبق على إعلام مواقع التواصل الاجتماعي عندما نحمل رأيا مسبقا عن حدث ما، فندعمه بالأشرطة والصور والأخبار والتعليقات التي تبرهن على قناعتنا الأولية.
هذه التكنولوجيا أدواتها بسيطة للغاية، بكبسة زر تنشر حقيقة أو كذبة، بسهولة تشارك الآخرين المعلومة، ولا أعتقد بأننا مهتمون بفهم ما يجري بقدر أن ننشر فقط، وأحيانا لا نكلف أنفسنا عناء التحقق من أن ما ننشره هو حقا وحي من السماء أو قول رسول كريم، لأنه كما قلت يتفق مع أيدلوجيتنا .
وهذا بالطبع ما يميز الإعلام الاجتماعي، فكلنا إما مشاركون أو صانعون للأخبار، وما كان حكرا على وسائل الإعلام التقليدية والنجوم والساسة أصبح متاحا لأي كان أن يترك أثرا، ومع هذا التزاحم من الأخبار والنجوم لم يعد هناك في حقيقة الأمر أخبار ولا نجوم ولا أثر.
ونحاول قدر إمكاننا أن ننشر أشياء غريبة تبرهن ذكاءنا وثقافتنا وصحة تحليلاتنا، ولكن في الحقيقة أصبحنا لا نرى إلا القشور، ونقولبها لتتفق مع مبلغ علمنا، وننتظر إشارات الإعجاب من الأصدقاء، ونشعر بالغيرة والحسد عندما يتفوق علينا أخرون بعدد» اللايك».
وفي هذا الإعلام مهما كانت الصور والشرائط التي تنشر، فالمتلقي لا يمكن أن يتأثر كما لو عاينها بنفسه وعاشها بكل الأبعاد، ولا زالت التكنولوجيا عاجزة عن نقلنا إلى قلب الحدث برائحته وارتعاشته وإحساسه العام، ونحن عادة عندما نكون على أجهزتنا نكون منشغلين بأمور أخرى، أما الأحداث في الحياة العادية فهي تفاعلية متبادلة، طاقة تخرج من شخص لآخر.
أقول اتقوا الله فيما تنشروه ، وتحروا قبل نشر أي شيء ، فالكلمة أمانة ، وتذكروا حديث رسولنا « رب كلمة لا يلقي لها الرجل بالا تهوي به إلى النار سبعين خريفا «.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة اسماعيل الشريف جريدة الدستور