«الحريّة هي الحق في أن تعمل ما يبيحه القانون»

مونتسكيو

أعجبني تحقيق رائع مهم نشرته الدستور الغراء الأسبوع الماضي عن زنا الطرقات يتحدث عن الأفعال الفاضحة التي يمارسها البعض على الطرقات ، وقد حفزني لأضيف إضافات خجولة على هذا التحقيق الجريء .

تهرول على قشاط الركض في نادي اللياقة، وبجانبك فتاة في مقتبل العمر تهرول هي الأخرى، عيناكما تسمرتا في شاشة تلفاز أمامكما تستقبل إحدى القنوات الفضائية، فتظهر أغنية هابطة، وفتيات يرقصن بشكل مبتذل، وإيحاءات شيطانية ولباس فاضح ، تشعر بخجل شديد ويزيد تصببك عرقا، فتنقل عينيك إلى موضع السجود للساعة القادمة. أو تأخذ ابنك المراهق لتبتاع له حذاء رياضياً، في المحل أغنية أجنبية تصدح بأحط وأقذر العبارات، يبتسم ابنك بخباثة ليختزل الموقف بأكمله، تطلب من البائع أن يطفيء المسجل، فيجيبك باشمئزاز بأن الشركة الأجنبية صاحبة الوكالة تملي عليهم كل شيء بما في ذلك الأغاني المختارة وقد تذهب لعيادة الطبيب مع ابنتك ويجلس الجميع في قاعة الانتظار أمام شاشة تلفاز تعرض فيلما فيه الكثير من الإباحية تمشي في المراكز التجارية فتذوب خجلا من كم الإعلانات الهائل الذي يسيطر عليه العري. والظاهرة الأكثر وضوحا وكما نشر تحقيق الدستور هي ظاهرة رذيلة السيارات أو العاهرات والشاذين في وضح النهار جهارا في أماكن أصبحت معروفة.

وعلى الجانب الآخر.

ترجع من حفل زفاف متأخراً في الليل، تستوقفك دورية ويسألونك عن هويتك، وهوية زوجتك، وبتهكم يسألونك عن العلاقة التي تجمعكما، تخرج عن طورك، فيجيبك بأن سؤاله قانوني، والحقني على المخفر، أو تتمشى مع أختك التي تبوح لك بهمومها، وكنوع من الدعم تمسك بيدها، ينزل أربعة شبّان من سيارة، وبنرفزة: «الحقنا على المخفر»، ولأنك تعلّمت من الموقف الأول، تطيل لهم الشرح، وتدخلهم في تفاصيل مشكلة أختك العائلية، يقتنع أحدهم ويقول: «لا تعيدها مرة أخرى». تقفل عائدا فتمر بقطيع من النسوة يرتدين لباس العمل ويمارسن مهنتهن بحرية على الطريق.

بقية مقال اسماعيل الشريف

المنشور على الصفحة اولى الجزء الثاني

بالطبع فإن القانون مع الأجهزة المختصة، وهم يؤدون عملهم، فاستنادهم إلى المادة 389 من قانون العقوبات لسنة 1960، والمتعلقة بجرائم التسول والسكر، ومنها القيام بتصرف شائن أو منافٍ للآداب في مكان عام. والأصل أن منافاة الآداب موضوع لايخضع لظروف المكان والزمان، ولكن وبصراحة لا القانون ولا منفذ القانون يحاكيان هذا الزمن، فالقانون قديم مسن في عصر لا يتطرق إلى الثورة المعلوماتية، وموضوع التنفيذ نسبي، فقد يغلي الدم في عروقي لمشهد «مناف للآداب» في فيلم يعرض أمام طفلتي في مكان عام ولا أجد لشكواي صدى لدى الجهات القانونية، وأراه أمرا عاديا أن أمسك بيد أختي في مكان عام، بينما تراه السلطة التنفيذية «مناف للآداب».

وبالتالي السؤال المشروع هو، ما الخط الذي يفصل عملاً يخدش الحياء أو عملاً عادياً، أو دعني أرجع قليلاً، ما هو العمل الذي يعتبر أصلاً خادشاً للحياء؟ سنتفق تماماً على الحالات الصارخة أما ما دون ذلك فتخضع للثقافة ونمط التفكير.

لقد تطور العالم، وأصبح هنالك إغراق إعلامي من تلفاز وانترنت، متاحاً لجميع الناس في كل الأماكن والأوقات، ولكن أعتقد بأن هذا الأمر غير منظم لغاية الآن، وهنالك الكثير من الإساءة، فالإباحة يشاهدها المراهقون في جميع الأماكن العامة دون حسيب أو رقيب، وبشكل يستهجنه حتى الزائر من بلاد وصلت شعوبها إلى دركات من الانحلال، ولا يزال القانون فيها يمنع الأغاني والمشاهد المنافية للآداب في الأماكن العامة.

إنها تناقضات غريبة ، أصبحنا كلنا نعيش في انفصام غريب لا نعرف ما هو المنكر وما هو المقبول .

أعتقد بأنه قد آن الأوان لتعديل مواد القانون لتناسب هذا العصر والتغيير في العادات والتقاليد وتطور وسائل الإعلام، بحيث تحدد المواد المحظور بثها في الأماكن العامة، ووضع تعريفات واضحة للأعمال التي تخدش الحياء.

لا أقول هذا لتقييد الحريات، ولكني مثل آخرين نرفض بأي شكل أن تروج الإباحية في الأماكن العامة، فحريتك تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   اسماعيل الشريف   جريدة الدستور