«ثلاث كلمات يعرفها كل طفل : احكِ لي قصة»
دون هيوت.. مؤسس برنامج «ستون دقيقة»
في مقابلة مع مديرة الخدمات الرقمية العربية في «سي إن إن»، قالت، إن شبكتها تسعى لتحسين المحتوى باللغة العربية، وهذا ما يميز هذه الشبكة العملاقة.
وفي إحدى الندوات قبل سنوات، عندما همست في أذن أحد كبار مذيعي الجزيرة «لم تتركوا شيئا للصحف»، أجابني بل على العكس، نحن الذين نحسدكم، فالمحتوى كله الذي نعرضه في الهواء، أما ما تنشرونه فيبقى أرشيفا للأجيال .
بعد الضجة الكبيرة في الرأي العام حول الأوضاع المالية الصعبة التي تشهدها الصحف الورقية اليومية، وبعد تشكيل اللجان وسماع عشرات من الاقتراحات، أقدمت الحكومة مشكورة على خطوة خجولة هي تعديل سعر الإعلان الحكومي ليصبح مائة فلس للكلمة بدلا من خمسة وستين فلسا وهي التسعيرة المعمول بها منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي، ولو قدرنا مدى انعكاس هذا القرار على ميزانيات الصحف لوجدنا أنه سيزيد من إيرادات الصحيفة بمبلغ لا يزيد عن العشرة آلاف دينار شهريا، سيساعد بالطبع ولكنه بعيد كل البعد عن إحداث فرق أو علاج المشكلة.
وقد يقول قائل، إن اعتماد الصحف على الحكومة في علاج مشاكلها المالية ما هو إلا بسط لمزيد من سيطرة الحكومة على الصحف، و بالتالي يحكم قيدا إضافيا حول حرية الصحافة الأردنية التي تتراجع سنويا حتى أصبح ترتيبها 141 بين 180 دولة مدرجة في مؤشر حرية الصحافة الذي تعده منظمة مراسلون بلا حدود، وفي رأيي سيأتي اليوم الذي سيتعين فيه على الحكومة أن تتخذ قرارا إما بتملك الصحف بشكل علني أو بتحريرها بالكامل، ففي ظل الوصفة الحالية لا تسمح آليات الحكومة وأدواتها بدعم الصحف بشكل مباشر.
قبل سنوات قرأت في كتاب عبارة ما زالت تتردد في ذهني، «الصحف ديناصورات ولكنها لن تنقرض»، صحيح أن الصحف في العالم تعاني معاناة شديدة، فهي صناعة مكلفة، وتخوض منافسة غير متكافئة مع وسائل الإعلام الحديثة من حيث سرعة تبادل المعلومة ومجانيتها وإمكانية التفاعل معها، إضافة إلى الأوضاع الاقتصادية والسياسية الصعبة التي انعكست على الصرف الإعلاني، وبمعزل عما يقوله روبرت ميردوخ أكبر مالك للصحف في العالم من أن الصحف ستختفي في العالم بعد عشرة أعوام.
وحالة التشاؤم الكبيرة في أواسط صناع الإعلام التقليدي بأنها أسوأ أوقات الصحف، إلا أنني أرى أن الفرصة ما زالت سانحة للصحف لتبقى وتستمر، ولا أدعي هنا أنها ستعاود تحقيق أرباح أو حتى إيراداتها السابقة التي ولت إلى غير رجعة، وإنما ستنجح في صراع البقاء، ومخطئ من يعتقد أن المواقع الإخبارية لن تعاني هي الأخرى، فصحيح أن لديها نسب مشاهدة عالية، ولكن إيراداتها ضعيفة، لأن المعلن له الاختيار بين آلاف المواقع لنشر إعلانه.
بالنسبة لي، كلمة السر هي المحتوى، وعلى الصحف أن تعمل جاهدة على توفير أفضل محتوى، محتوى يترك أثرا لدى القارئ ، يخبره بصدق عما يجري حوله، ويسهم في تحسين مستوى حياته، ويساعده لكي يتخذ قرارا يؤمن له الاستقرار الاقتصادي، ويعينه على المحافظة على صحته، ويحقق له السعادة، ويشبع له الجانب الروحاني والتواصل الاجتماعي، أي بكلمتين « أخبار جيدة «.
الدرسات تبرهن لهذه اللحظة أن الصحف في العالم في نظر قرائها هي الأعلى بين نظيراتها في الحيادية والثقة، وعلى الصحف انطلاقا من ذلك أن تبرهن لقرائها أنها تتمتع باستقلالية عالية، ومن التغييرات الكبيرة التي برهنتها الدراسات أن اهتمامات القراء قد تغيرت، فهم يريدون إعلاما ملتزما بعيدا عن الإثارة والتهويل، ولا يهمهم كثيرا أخبار المشاهير خاصة عندما يتحدثون في السياسة والشأن العام .
ولبناء محتوى متميز نحتاج إلى إعادة صياغة السؤال البديهي من: ماذا تريد الصحافة أن تعرف، إلى: ماذا يريد القراء أن يعرفوا؟
وتظل الصحافة أفكارا وقيما وأخبارا وتحليلات عقيمة، ما لم تخرج وتوزع بشكل مناسب، وأقصد هنا التوزيع التقليدي إضافة إلى وصول هذا المحتوى إلى منصات الإعلام الحديثة من خلال الاستخدام الأمثل لأدواته .
كما يجب أن تفكر الصحافة بالبعد التسويقي عند إطلاق المحتوى، وكيف يمكن اجتذاب قراء أكثر، وكيف نقرأ انعكاس المحتوى على ميزانية الصحيفة المالية، وبرأيي يجب أن يواكب ذلك أمران الأول، قوانين صارمة لحفظ حق الملكية الفكرية، يتبعه توقيع مدونة سلوك تلتزم بها كافة وسائل الإعلام من عدم قرصنة أي محتوى. والثاني إرساء ثقافة صحفية قائمة على أن حرية إلقاء الكلمة وتحمل تبعاتها وجهان لعملة واحدة.
وفي النشر الالكتروني، وبعد إعداد المحتوى المتميز، يجب أن تفكر الصحف بأخذ عائد مادي عن هذا المحتوى من مختلف المنصات الإعلامية، فالاعتماد على الإعلان فقط لن يكون كافيا البتة، لذا بدأت عشرات الصحف العالمية ببيع محتواها على الانترنت إما بالاشتراك أو الدفع عند الطلب، وقد حققت نجاحات جيدة في تطبيقات اللوحات والهواتف الذكية، كما تلجأ الصحف أيضا من خلال مواقعها إلى مشاركة القراء بإيراداتها من الإعلانات، كدفع مبلغ للقارئ عند الولوج لأي إعلان منشور على موقع الصحيفة.
وكما أن هناك تخوفات للصحف تهدد بقاءها، فالخوف مضاعف لدى صحفييها من فقداهم لوظائفهم، أقول وبكثير من المرارة، إن استمرار الصحف في معاناتها المالية سينعكس على صحفييها في وقت ما، وتأجيل المشكلة لن يزديها إلا تفاقما، ولكن برأيي إن الصورة ليست بهذه القتامة، فالصحافة بأشكالها المختلفة تتوسع وهي بحاجة إلى صحفيين، وقد تطور مفهوم الصحفي من صحفي المؤسسة إلى الصحفي الفردي الذي يستطيع منفردا إطلاق منصة إعلامية، وكذلك فإن المحتوى المتميز المطلوب يحتاج إلى صحفيين خبراء مختصين بالبحث أو التحليل، ولكن الحقيقة المرة أن الصحفي المبدع المؤهل المتخصص الذي يستطيع مواكبة أدوات الإعلام الحديث هو فقط القادر على الاستمرار، وبالطبع هنالك دور لنقابة الصحفيين والمعاهد التعليمية في رفع كفاءة الصحفيين بالتعاون مع المؤسسات الصحفية.
واختصارا لكل هذا الموضوع فالمطلوب من صحفنا محتوى عالي الجودة ذو مصداقية عالية، يوزع على منصات مختلفة، مدعوما بتوزيع وتسويق، لتتمكن الصحف من أداء رسالتها السامية من تنوير الشعب والنهوض بالوطن.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة اسماعيل الشريف جريدة الدستور