«كل من يعتقد بأنه لا يستطيع تزوير التاريخ ، لم يحاول كتابة ذكرياته»

بن غوريون

صديقي المتفائل يؤمن بأن إعادة بناء هيكل سليمان على أنقاض المسجد الأقصى سيكون منبه استيقاظ الأمة الإسلامية، مستندا إلى نبوءات آخر الأزمان، أنا وكمتشائم أؤمن أيضا أن جيلنا هذا سيشهد إقامة الهيكل، وأعتقد بأن السجال الدائر في الكنيست الإسرائيلي لسحب الولاية الأردنية عن الأقصى والتوسع في الحفريات بجانبه وهذا التدنيس غير المسبوق ما هو إلا استعجال للمباشرة في بناء الهيكل خاصة وأن الحفريات قد نخرت أساسات المسجد .

ونحن نتحدث عن الهيكل المزعوم قرأت قبل فترة كتابا يصنفه اليهود بين الطرافة والسخافة، يؤمن كاتبه بأنه قد عثر على مكان الهيكل وهو موجود في جزيرة «مالايطا» إحدى جزر سليمان التي تقع في المحيط الهادي إلى الشرق من غينيا الجديدة، ويشير الكاتب في كتابه إلى كتاب «بن ريد» «ربط اليهود» ، الذي بدوره يذكر نظرية عالم الأجناس الشهير «صموئيل ويبر»، أن إحدى قبائل جزيرة ملايطا هي قبيلة يهودية ضاربة في القدم استوطنت الجزيرة قبل أكثر من ألفي عام، وصلوا إلى بحيرة «تانجانيكا « وبطريقة غير معروفة استقروا في الجزيرة. ويتميز أبناء هذه القبيلة بوشم بدائي على شكل نجمة داوود تزين ظهر أيديهم، ويؤمن أبناء الجزيرة أن الهيكل موجود في شمال الجزيرة وسط الغابات، وحجارة المعبد والعبارات إضافة إلى الشواهد تدل على أنه هيكل سليمان، ويعود بناؤه إلى حوالي ألفين وسبعمائة عام.

والغريب أن شعب « الجودرلالا» في منطقة بابوا في غينيا الجديدة القريبة من جزر سليمان لديهم رقصة خاصة يرتدون وهم يؤدونها تنانير من الأعشاب وأسعف النخل، يلونون أجسادهم، ويتزينون بالأصداف، ويتلون « الشيما « وهي أقدس النصوص التوراتية .

وبالطبع يسفّه الصهاينة هذه النظرية لأنها تتعارض مع أهدافهم السياسية، ويدّعون أن اليهودية هناك قد جاءت نتيجة العلاقات القوية التي تربطهم مع هذه الجزر، فلديهم حركة تجارية نشطة واستثمارات كبيرة هناك، ولأن هذه الجزر من أفقر بلدان العالم فهذه وسيلة من باب طلب الود والدعم.

وبالمناسبة، هذه النظرية ليست قديمة، فأول مكتشف لجزر سليمان عام 1568 الأسباني «مادانا ديجانيرا» ، هو أول من نبه لوجود الهيكل هناك، وادعى أنه اكتشف كنوز سليمان واعتبرها «إلدورادو» المحيط الهادي.

حيث تم شحن الكنوز إلى إسبانيا، وبالمناسبة فبعض العلماء وجدوا أن سرقة مقدرات العالم الجديد ونقله إلى بلدانهم كان سببا رئيسا في تقدم تلك البلاد وبالتالي سيادة الحضارة الغربية، والجدير بالذكر أن أحد الشخصيات التاريخية في هذه الجزر الثائر «راستا ليباي» الذي سطع نجمه في أواسط القرن الماضي كان قد اتخذ نجمة داوود شعارا له.

إذن فالقصة لها أساس منطقي وتاريخي

ولكن السؤال الأساسي كيف وصلت اليهودية منذ آلاف السنين إلى تلك البقعة المنعزلة من العالم؟

علماء الأجناس والتاريخ أكدوا هذه الحقيقة، والقرآن الكريم يبين لنا الكيفية، ففي الآية الكريمة على لسان سيدنا سليمان «قال رب اغفر لي وهب لدي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب، فسخرنا له الريح تجري بأمره رُخاء حيث أصاب، والشياطين كل بناء وغواص» ، فإذن كان أمرا هينا بوسائل الانتقال والقوى الخارقة المسخرة.

وإذا كان كل هذا سخيفا وغير مقنع فلنعتبرها نظرية ضمن عشرات النظريات حول مكان الهيكل، فالسامريون يؤمنون أنه على جبل جرزيم استنادا إلى نصوص في أسفارهم، وآخرون من اليهود يعتقدون أنه خارج أسوار الحرم، وقد قرأ والدي في الموسوعة اليهودية أنه أقيم على جبل صهيون خارج أسوار القدس، وكان مبنيا من الخشب مغطى بالأقمشة، وهناك نظريات أخرى بأنه موجود في سيناء أو في اليمن أو في السعودية، وكل الحفريات تحت الأقصى لم تكشف عن أية آثار يهودية لا أسفل الأقصى ولا في القدس ولا في أي من المناطق المحيطة.

ولا أدري لماذا يتمسك الصهاينة بقضية كلها مبنية على أحداث تاريخية كاذبة، ولكن حين يتعلق الأمر بنا يطالبون أن يكون النقاش مبنيا على الأمر الواقع، فمحمد حسنين هيكل يذكر في أحد كتبه أن كيسنجر كان دائما قبل الخوض في أي نقاش عن فلسطين يشترط أن لا يحدثه أحد عن التاريخ وإنما عن الواقع ، والواقع الواضح الآن كالشمس أن هذا المكان هو ثالث أقدس الأماكن للمسلمين، فلماذا هنا يغير الصهاينة دفة الحوار باتجاه تاريخي لا يصح.

وعودة إلى صديقي المتفائل أقول له نعم سيبنى الهيكل قريبا، ولا لن يكون بداية انتفاضة المسلمين وإنما سيكون إيذانا بالمزيد من النوم، ومخطيء من يركن إلى أن النبوءات هي من ستنتشل العرب من غفوتهم، وأن قائدا ملهما ومخلصا ما زال في صلب أبيه، لأن الأمرمنوط بالعباد المخلصين شديدي البأس، وأذكّر بما قالته جولدا مائير أنها باتت خائفة عشية حرق المسجد الأقصى من الشعوب العربية وحين أصبحت وجدتهم لا يزالون في غفوتهم كأي يوم عادي، حينها أدركت أنه لا أمل لهذه الأمة .

لماذا لا يكون هنالك مشروع عربي صادر من الجامعة العربية أو المنظمات الإسلامية يبحث مع اليهود عن هيكلهم، فقد نجده فعلا خارج فلسطين ونبرهن لهم وللعالم أن الهيكل ما هو إلا أكذوبة كبرى لتبرير قرصنة الأرض وظلم الناس. وبصرف النظر عن الجغرافيا والتاريخ، يفقد الإنسان حقه مادام هو نفسه بلا قيمة.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   اسماعيل الشريف   جريدة الدستور