« إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم »

الرعد 11

قصتان عشتهما الأسبوع الماضي توقفت عندهما كثيرا، الأولى ما باح به لي أحد عمال الوطن، وأكده لي لاحقا أكثر من عامل آخر، من أنهم يدفعون ما يقارب ربع رواتبهم لمشرفيهم مقابل تقرير إيجابي يكتبونه عن أدائهم، والامتناع عن دفع هذه الأتاوة يعني تقرير سيء نتيجته الفصل، والقصة الثانية حضوري لجلسة مندوب الضريبة مع صديقي المفلس، الذي لم تشفع له أغلظ الأيمان بأنه عمل جاهدا على تخفيض خسائر شركته حتى يستمر في الحصول على تمويل من البنوك لتبقى شركته على قيد الحياة، وبعد أن سمعنا موعظة دينية وأخلاقية طويلة، وشكوى من حجم الفساد وأسماء ومعلومات عن فساد الكبار، طلب المندوب مبلغا كبيرا للمصادقة على ميزانية الشركة الخاسرة، ثم وبتبجح غريب أعلن أنه سيرد الميزانية

أجزم بأن هذا المشرف أو ذاك المندوب، هم من أكثر الناشطين في المسيرات التي تتحرك مطالبة بمحاربة الفساد ومكافحة الفاسدين، وهم من أكثر المتفاعلين مع الأخبار التي تنتشر عن قصص الفساد، وكأن الأمر لا علاقة لهم به، يعيبون على الآخرين ولا يرون أنفسهم. لقد وصلت إلى قناعة مؤلمة أننا جزء لا يتجزأ من منظومة الفساد بكافة أشكالها، فنحن جزء من مشكله الرشوة، والفساد المالي والإداري، بل جزء من مشكلة المياه واختناق السير والتلوث وشحة الموارد.

ولكن للأسف نحمل الحكومة ورجالاتها وحدهم المسؤولية، وكأننا خارج ذلك كله، نقبل على أنفسنا الفساد ولا نقبلها للمسؤول

أليس المسؤول الكبير الفاسد كان موظفا بسيطا، أجزم أنه كان آنذاك من فئة العشرة دنانير، وكلما ترفّع منصبه زاد حجم فساده، ولكن الفساد يشمل العشرة دنانير كما يشمل العشرة ملايين

يقول علماء الاجتماع إن لم تكن جزءا من المشكلة فأنت جزء من الحل، وإن لم تكن جزءا من الحل فأنت بالتأكيد جزء من المشكلة، وبمعنى بسيط لعلاج أية مشكلة فيجب أن نعترف بأننا جزء لا يتجزأ من المشكلة.

وحول هذه المقولة أعجبني مقال رائع للدكتور عبد العزيز الأحمد في جريدة الأيام السعودية، يتحدث عن تجربة شخصية له مع أحد طلابه، الذي افترض أنه سبب من أسباب تدهور العلاقة بين أبويه، فالضغوطات كبيرة على والده.

ووالدته متعبة وواجبات المنزل والأبناء تستهلك كل وقتها، فكان قراره وإخوته بتحمل جزء من مسؤوليات والدتهم لتعتني بنفسها وبأبيهم، وتخفيف مصاريفهم ما أمكن، مما أدى في نهاية المطاف إلى تغيير جو المنزل إلى الأفضل.

ورغم المسيرات الكثيرة، وتحويل عشرات القضايا إلى الفساد، واستحداث جهات أنشئت لهذه الغاية، وخوف المسؤولين أحيانا من التوقيع وتسيير أعمال مؤسساتهم لحماية أنفسهم من أية مساءلات قانونية مستقبلا، مما قد تكون أحد أسباب الضعف في مستوى الخدمات أو خسائر لبعض الشركات، إلا أن تقرير الشفافية الذي يصدر في كل عام لم يظهر إلا تحسنا طفيفا في مركز الأردن بالنسبة لدرجة فساد الجهاز العام، فالدول التي حصلت على خمسين نقطة فما دون تصنف على أنها فاسدة، وكلما زادت النقاط كانت الدول أقل فسادا. الأردن حصل عام 2013 على 48 نقطة، بعد أن كان في عام 2012 حاصلا على 45 نقطة، ومن باب السلوى وجدت الدراسة أن ثلثي دول العالم فاسدة وأن 84% من دول الشرق الأوسط فاسدة، وللأسف فإن معظم الدول الإسلامية فاسدة وأن أقل دول العالم فسادا الدول الاسكندنافية العلمانية المتحررة

إذن بصريح العبارة قد نستطيع أن نخرج باستنتاجين، أن ممارستنا للدين لا تؤثر في أخلاقنا ومعاملاتنا بحيث تقينا من الفساد بعد أن اختصرنا ديننا العظيم في الشعائر وفرّغناه من مضمونه، والاستنتاج الثاني هو أن الفساد في بلدنا يبدأ من القاع.

والسؤال الذي يطرح دائما ما الذي يسبق: الديمقراطية أم سلطة القانون؟ وأجيب فورا ودون أي تردد في حالتنا، القانون واستقرار المؤسسات العامة، ولكن بشرط أن نكون كلنا سواسية أمام القانون، والغرب لم يصل إلى ما وصل إليه إلا بقوانين صارمة وأدوات تطبيق مفعلة ومساواة وعدالة أمام هذه القوانين، فكما يقول إخواننا في مصر «نحن شعب نخاف ولا نختشي».

فقبل أن تتهم الاخرين، قيم نفسك واعلم أنني وأنت جزء من المشكلة، ولنجرب أن نعكس الهرم ونحارب الفساد من القاع.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   اسماعيل الشريف   جريدة الدستور