من المستغرب ان ينادي البعض باتخاذ اجراءات انتقامية ضد الصحافة بسبب مواقفها من قضايا الشأن العام وبحجة انها تنال من هيبة مؤسسات رسمية. لم يفهم هؤلاء دروس تونس التي قمعت بها الصحافة والحريات العامة لعقود لكن ذلك لم يمنع الشعب من الثورة مطالبا بالديمقراطية والحرية.
لقد غيرت الانترنت والثورة الرقمية واقع حرية التعبير في العالم. لم يعد بالامكان لجم الصحافة وتكمميم الافواه. ففي تونس تحول كل من يحمل هاتفا نقالا الى صحفي ينقل بالصورة الحية والمباشرة ما يحدث في الشارع. هو عصر المواطن - الصحفي الذي مكن الالاف من قول رأيهم وتقديم شهاداتهم عبر الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي والمدونات والمواقع الاخبارية الالكترونية والفضائيات.
هذه الثورة الرقمية الغت دور وزارات الاعلام وهمشت الاذاعات والصحف الرسمية بعد ان دخل "الدش" كل بيت ، وبعد ان تسلح المواطن بهاتف محمول يمكنه من التقاط صور للاحداث ونقلها الى شتى ارجاء الارض خلال دقائق. واذا ظن البعض انه بالامكان سن قوانين تشدد على الحريات العامة التي كفلها الدستور والمواثيق الدولية في هذا الزمن فانهم واهمون ، وهم خارج التاريخ والجغرافيا معا.
انه عصر المواطن بلا شك ، الذي كان ينتظر عبثا ان تحرره الحكومات والانظمة فاذا بالثورة الرقمية تكسر قيوده وتطلق سراحه دون ان تستأذن احدا. واذا لم يفهم نوابنا ومسؤولينا هذه الحقيقة فهي مصيبة كبرى ، ولا ادري كيف يفكر هؤلاء أو كيف يقرأون المشهد، تمكين المواطن جاء في غفلة الاحزاب والحكومات التي لا يزال بعضها يفكر بعقلية الستينات ويروج لوسائل وادوات لقمع الحريات وحجب الحقيقة وفرض الوصاية على الناس.
من الاجدى ان ينتبه المسؤولون الى قضايا الهم العام من غلاء وبطالة وفقر وفساد وتغييب للمشاركة في صنع القرار وحرية التعبير بدلا من الاستقواء على الصحافة والمواطن. المفارقة في الحالة الاردنية ان جلالة الملك لا يترك مناسبة الا وينافح فيها عن حرية الصحافة ويدعم دورها الرقابي بينما ينادي مسؤولون ونواب باقرار قوانين تحد من حريتها،.
اتمنى ان يدرك هؤلاء حقيقة اننا نعيش عصر المواطن واننا نقترب بفضل ذلك من عصر المواطنة وانقضاء الوصاية على افكار الناس.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة أحمد جميل شاكر جريدة الدستور