• وسط البلد اليوم غير وسط البلد الذي عرفناه ونحن في مقتبل العمر. تختفي المحال الصغيرة التي كانت تعبر عن التنوع الاجتماعي والثقافي والتجاري لعمان المدينة الصغيرة آنذاك، لتحل مكانها سلسلة رتيبة من محال بيع اقراص الدي. في. دي. هو عصر الاقراص المنسوخة والثقافات المضغوطة وتقليد الاشياء والخردوات الصينية الصنع، وكل شيء بدينار.

  • اغلقت المكتبات ومحال بيع الاقمشة والكلف والمطاعم وحتى عيادات الاطباء وهجرها اصحابها الى غير رجعة: اسلوب حياة برمته ضاع. لم يعد وسط البلد قلب المدينة النابض بالحياة، فعمان الكبرى تحتل اليوم عشرات الكيلومترات المربعة، والاطراف تعيش بمنأى عن المركز. انها الغربة التي تقول انه بامكانك ان تعيش عمرك كله دون ان تحتاج الى زيارة وسط البلد ولو لمرة واحدة. هو زمن الفروع لا الأصل، وتغلب ثقافة المول الجامعة على هوية السوق القديم بفرادته، وهيمنة العلامة التجارية العابرة للقارات على أصحاب المهنة والصنعة والحرفة اليدوية.

    وسط البلد اليوم يعبر عن انكفاء فكرة صرة المدينة؛ بسيلها وقصبتها واسواقها وحاراتها ومقاهيها ومطاعمها ومسارحها ومكتباتها وبيوتها وعمائرها. وسط البلد هو مكان الولادة الأولى وبداية الحكاية وذاكرة القاطنين والمهاجرين والزائرين. انه وجه المدينة وعنوانها الدائم مهما تفرعت واتسعت وتاهت في اطرافها.

  • اعجبني مقال الصديق معن البياري في «الدستور» أمس عن «العرب ومواسم نوبل» وملاحظته حول اهتمامنا المنصب فقط على جائزتي السلام والآداب بينما لا ننتبه كثيرا الى تنافس الأمم على فروعها الأخرى من فيزياء ورياضيات وكيمياء واقتصاد، وكأن الأمر لا يعنينا. يشير ذلك بحسب البياري «الى المكانة السفلى للعلم والتفكير العلمي في ثقافتنا العامة، وفي نظم التعليم في بلادنا العربية».

  • ونحن في الصحافة، وهي مرآة المجتمع واداة مؤثرة في تشكيل الرأي العام، نشارك في تعميم هذا العزوف الشعبي عن الاهتمام بمنجزات الغير في مجالات العلوم المختلفة، وكأننا ندرك سلفا ان ليس للعرب نصيب في السباق المحتدم حول الاكتشافات العلمية والنظريات الاقتصادية. يؤكد ذلك تراجع ترتيب الجامعات العربية في العالم ومعاناة معظمها من مشاكل مالية ما أثر سلبا على ما ينفق على البحث العلمي وعلى اقتناء الاجهزة والمراجع واستضافة العلماء.

    لماذا لا تقوم المدارس بتخصيص مسابقات في الرياضيات وغيرها من العلوم على مستوى المملكة؟ لماذا لا تمنح جوائز مالية لمن يطور برنامجا أو يخترع جهازا؟ واين دور مؤسسات القطاع الخاص في ذلك؟ لماذا لا نكرم المبدعين في مجالات علمية، وهل يجد الطالب المبدع لدينا من يرعاه ويتبناه؟.

  • وبالمناسبة، فقد كتب الكثير عن ستيف جوبز، السوري الأب، وعن عبقريته وابداعه. وفي مقالة طريفة له بعنوان «لو ان ستيف جوبز كان عندنا» كتب الاقتصادي الاردني يوسف منصور: ترى ماذا كان سيحدث لستيف جوبز لو أنه وُلِدَ شرعيا عندنا من أم أردنية وأب غير أردني؟ الجواب سهل ومر: لن يحصل بأي حال على الجنسية الأردنية لأن أباه غير أردني، وما كنا سنسمح له حتى بامتلاك مقهى انترنت (كانت التعليمات ولسنوات تتطلب ان يكون حامل شهادة جامعية)، وكنا سننعته بالفاشل لانه ترك الدراسة، ثم سترفض الجهات الرقابية تسجيل اسهم شركته لأن ليس لديه من الموجودات والعقارات ما يكفي (بدأ برأس مال لا يتعدى بضعة آلاف من الدولارات) وسيتهم بالنصب لان شركته (نيكست) افلست، وسنتهمه بالفساد لأن شركة أبل اشترت اسهم شركته المفلسة رغم انه رفع قيمة اسهم أبل 9000 بالمئة منذ ان عاد اليها.

البيئة الحاضنة، وليس الأصل والفصل، هي الاساس في كل شيء.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   أحمد جميل شاكر   جريدة الدستور