مهما كتبنا عن اللحظات الأخيرة في حياة طاغية ليبيا فلا شيء يعادل تلك الصور التي التقطتها اياد مضطربة وسط الفوضى والهيجان وبثتها وكالات الانباء والفضائيات حول العالم.

هي صور ستسكن الذاكرة لسنوات لرمزيتها ودلالاتها المتضاربة. تختزل الثورة الليبية في اللاوعي بفيديو كليب مستوحى من لقطات ومواقف شهدناها خلال الأشهر الماضية: اندلاع الانتفاضة الشعبية في مدن وقرى شرق ليبيا، خطاب القذافي الأشهر في باب العزيزية ووعيده بمطاردة الجرذان وتطهير ليبيا زنقة زنقة وبيت بيت، قصف الناتو لكتائب القذافي على مشارف بنغازي، سقوط الزاوية وحصار مصراتة وقصفها الوحشي، دخول طرابلس واقتحام باب العزيزية، معارك سرت وبني الوليد، وآخرها مشهد العقيد الملطخ بالدماء وهو محاط بالثوار قبل مقتله بلحظات.

التاريخ لم يعد يقرأ بل يشاهد حيا على شاشات التلفاز، وهو تاريخ مجرد، مادة خام، سيل من المناظر التي لا تمر على الرقيب، بث حي ومباشر يستقبل آلاف الاشرطة التي يلتقطها الهواة عبر هواتفهم المحمولة. مكنت التكنولوجيا فكرة الحضور الدائم مكان الحدث ولحظة حدوثه.

لو لم تكن هناك هواتف محمولة لما سجلت تلك الدقائق الأخيرة من عمر العقيد، ولكانت هناك رواية رسمية متفق عليها عن اعتقاله وموته او لكانت هناك قراءة واحدة للتاريخ.

تستحق الثورة الليبية ان يكتب عنها مقالات وابحاث وكتب وان تناقش ضمن حلقات حوارية ومناظرات وغيرها، لكننا سنظل اسرى مشهدي الاعتقال والقتل باعتبارهما يلخصان برمزية عميقة قصة القذافي من بدايتها وحتى نهايتها الدموية، ويشيران الى ما اسماه فيلسوف فرنسي بقانون الثورات، او ربما عدالتها الشوهاء، المتمثل بتعطشها للدم وتبريرها للانتقام.

في لحظة ما، سجلتها الكاميرات، بأن شبحا مرعبا حام فوق المشهد ليذكرنا بضعفنا الانساني واستسلامنا لعقلية القطيع والحاحها لاستثارة المتوحش فينا.

ثم توالت مشاهد القاء الجثة على الارض والعبث وربما التمثيل فيها. في مشهد آخر يتجمع الثوار وغيرهم حول جثة العقيد ليلتقطوا الصور التذكارية. طقوس تم ترميزها ايضا بواسطة الكاميرا في ابو غريب وجوانتنامو وقبلهما في فيتنام وغيرها.

قالت لي ابنتي إن القذافي هو من جعلهم هكذا وهي محقة في ظني، فالطاغية اوغل في دم الليبيين ولم تأخذه الشفقة بآلاف الابرياء الذين عذبهم وقتلهم ودفنهم في مقابر مجهولة عبر اربعين عاما من حكمه المجنون.

ألم يعلق موسوليني من رجليه؟ ألم يعدم تشاوسيسكو وزوجته بعد محاكمة صورية امام عدسات التلفزيون؟ ألم تقتل الثورة الايرانية ابناءها بعد اشهر من انتصارها؟ ألم تقطع رأس روبسبير منظر الثورة الفرنسية بنفس المقصلة التي قاد اليها المئات من الفرنسيين؟

هو منطق الثورات الذي يعتنقه الشعب المحتفل في الميادين والشوارع الليبية اليوم.

وفي المقابل فإن العقيد اختار مصيره عندما تحدى ارادة شعبه ورفض الهروب أو التنحي.

ملحمة الثورة الليبية ستتجاوز مرحلة تصفية القذافي، لكنها ستقبل على ما هو اخطر من ذلك شأنها شأن ثورات العالم اجمع.

نعيش في عالم تسيطر عليه الصورة وتنحسر فيه الدهشة ونحن جالسون امام شاشات التلفاز نرقب تدفق الصور ونبني من خلالها مواقفنا. في البدء كانت الكلمة لكننا اليوم امام هيمنة الصورة وسيطرتها على عقلنا الباطن.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   أحمد جميل شاكر   جريدة الدستور