بعيدا عن هموم السياسة واوجاع هذا العالم يحق للمرء ان يهرب بذاكرته الى ايام زمان بحثا عن ملاذ آمن يعيد له توازنه النفسي. الزمن الجميل ارتبط بحقبة قد تحتل اكثر من نصف القرن الفائت، على الرغم من أن القرن العشرين شهد حربين عالميتين ونزاعات اقليمية ضارية وانقلابات عسكرية دامية. لكن من عاش تلك الحقبة او جزء منها لا يملك الا ان يركب صهوة الخيال ويتغنى بزمن مختلف، اكثر ضياء وهدوءا وانسانية. اعود احيانا الى تلك الحقبة او بعضا منها عبر السينما العالمية وافلام الأبيض والاسود ومشاهد الحب والغناء والحوارات الغنية والمواقف التي لا تنسى.
اكثر من قرن مر على ولادة السينما العالمية واقل قليلا على ظهور أول فيلم عربي، وكان انتاجا مصريا ايطاليا مشتركا وحمل الفيلم اسم «الشرف البدوي» وانتج عام 1917. تشكل السينما عموما ارثا حضاريا هائلا وتؤرخ لحقب رائعة في التاريخ الانساني. الهروب الى سينما الاربعينات والخمسينات هو مغامرة تحمل في طياتها متعة الاكتشاف والتأمل. لافلام الابيض والاسود سحر خاص ربما لأن المشاهد يصبح جزء من الفيلم او اللقطة وعليه الانتباه لتفاصيل كثيرة من صوت وصورة وحوار وموسيقى وحبكة. انها وسيلة سفر عبر الزمن لا تخلو من المغامرة ومتعة الاكتشاف.
السينما هي محاولة لتفسير الفن والادب والسياسة والحياة والموسيقى وتخليد اللحظة والشخوص. والعودة الى افلام الماضي هي فرصة لتقمص دور ما والمشاركة في تلك اللحظة. انسى تماما ان كل من في الفيلم قد ماتوا وانتهوا، حتى المشاهدين ليسوا معنا اليوم. أي حيلة جميلة هذه؟ انه خلود مؤقت طالما ان هناك من يشاهد الفيلم.
وانا ابحث في فضاء الانترنت وجدت من وضع قائمة بأفضل مائة فيلم عربي بدء من «العزيمة» لكمال سليم (1939) ومرورا بفيلم «الأرض» ليوسف شاهين (1970) و «شباب امرأة» لصلاح ابو سيف (1965) وانتهاء ب «ثرثرة فوق النيل» لحسين كمال (1971) و «الرجل الذي فقد ظله» لكمال الشيخ (1968). من المذهل ان نقارن بين افلام ومخرجي وممثلي الأمس وبين ما تنتجه السينما المصرية والعربية عموما من افلام تجارية هابطة اليوم.
افلام الأبيض والأسود تحفة نادرة تزداد قيمتها مع مرور الزمن. انها تذكرنا بزمن افضل وبعالم انتهى. من يشاهد افلام زمان يتحسر على شوارع القاهرة النظيفة وعماراتها الفخمة وميادينها الواسعة. هناك مشاهد لا تنسى: محمود المليجي مضرجا بالدماء في «الأرض» وعماد حمدي مسطولا في «ثرثرة فوق النيل». ما الذي حدث لنا؟ هل كنا اكثر دماثة وثقافة وحضارة واحساسا بواقعنا؟ افلام اليوم تعبر عن لا شيء الا الضياع والفوضى والشر. انه سيناريو متكرر لاحلام ضائعة وشباب حائر وعالم مجنون وزمن تنقصه البركة رغم زحمة الالوان وضجيج الالات وعجائب الجرافيكس والمؤثرات. لا عجب ان انهكتنا السياسة واوجاع هذا العالم المريض بحيث فقدنا قدرتنا على الخيال. الهروب الى عالم افلام الأبيض والأسود هو تعبير عن رفض للواقع وحنين الى الماضي. سحر السينما انها تعيد احياء هذا الماضي بشخوصه واحداثه وضوضائه وتترك لنا مجالا فضفاضا للحسرة والمتعة معا
.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة أحمد جميل شاكر جريدة الدستور
login |