في خضم التحولات الاقليمية المتسارعة بعد أن تعثر الربيع العربي وخابت آمال الشعوب المنتفضة وضربت الفوضى اقطارا كانت تسعى الى تضميد جراحاتها بعد ثورات اطاحت بأنظمة استبدادية، تبقى تونس دون غيرها محط انظار المتفائلين وهي التي اطلقت شرارة التغيير أول مرة. بعد انقلاب مصر واقصاء الاسلاميين هناك وفي الوقت الذي تغرق فيه ليبيا في الفوضى ويصل الحوار الوطني في اليمن الى طريق مسدود وبينما تشتعل سوريا وتدخل في المجهول، تظهر تونس كاستثناء رغم تحديات الانتقال الى وضع آمن ومستقر.

واذا كان تجربة الاسلاميين في مصر كشفت عن قصر نظر وقلة دراية وسوء ادارة واستئثار بالسلطة، اضافة الى نجاح الدولة العميقة في استثمار هذه الاخطاء والممارسات لتأجيج السخط الشعبي والدفع باتجاه تدخل المؤسسة العسكرية، فان ما يحدث اليوم في تونس يؤكد اختلاف نهج الاسلاميين هناك وسرعة تجاوبهم مع المتغيرات الاقليمية والداخلية.

لا مجال للمقارنة بين تجربتي تونس ومصر خلال الاربعين عاما الماضية. رغم الحكم الاستبدادي في البلدين فإن تونس قدمت نموذجا مختلفا عن باقي دول شمال افريقيا وجنوب المتوسط من حيث الاستثمار في التعليم وتحرير المرأة وبناء مؤسسات الدولة ومن حيث دور النقابات المهنية الفاعل ومؤسسات المجتمع المدني على الرغم من سيطرة الحزب الواحد وقصور الحياة السياسية.

وفي الوقت الذي تراجع فيه نفوذ ودور الحكومة المركزية في كل من مصر والعراق وسوريا وليبيا واليمن فقد حافظت تونس على مؤسساتها وتجنبت حدوث تصدعات كبيرة في المجتمع التونسي على اساس طائفي او مذهبي على الرغم من حالات العنف السياسي واغتيال ناشطين وقياديين يساريين على يد مجموعات سلفية متطرفة.

الآن تدخل تونس مرحلة مفصلية عنوانها الحوار الوطني الذي سيعيد ترتيب الاولويات السياسية وبناء توافق وطني بمشاركة كافة الاطراف وعلى رأسها التيار الاسلامي الذي قدم تنازلات ورضي بمطالب الشارع والتيارات السياسية الاخرى على الساحة. وبذلك تجنب الاسلاميون تكرار سيناريو مصر وحافظوا بمسؤولية على مكتسبات الثورة التونسية ورضوا منذ البداية بمبدأ المشاركة وعدم الاستئثار بالسلطة.

تشكل تونس اليوم حالة فريدة بين دول الربيع العربي. هناك من يحاول تخريب الحوار وشيطنة الاسلاميين ودفع البلاد نحو الفوضى وعدم الاستقرار. لكن فرصة خروج تونس من محنتها بسلام كبيرة جدا.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   أحمد جميل شاكر   جريدة الدستور