من المفارقة ان يتزامن الاعلان عن تقرير منظمة الشفافية الدولية للبلدان الأكثر فسادا في العالم، حيث تراجعت مرتبة الاردن ثماني درجات في ترتيب مؤشر الشفافية، في الوقت الذي تحتفل الدولة بالاعلان عن منظومة الشفافية الوطنية وتعقد من اجلها المؤتمرات الوطنية وتطرز المقالات وتطلق التصريحات.
ويأتي هذا التراجع بعد سنوات من اعلان الحرب على الفساد باشكاله، وبعد ان منحت هيئة مكافحة الفساد صلاحيات واسعة للتحقيق في قضايا وملفات مهمة اغضبت الرأي العام وغذت الحراك الشعبي الذي طالب بمحاسبة كل من تورط في نهب المال العام او اساء التصرف به.
وتزامن الاعلان ايضا عن الزعم ببيع صندوق الضمان الاجتماعي حصته في بنك الاسكان الى شركة قطرية، وما لف ذلك من غموض وارباك واتهامات اثارت الرأي العام وألبت الصحافة وخلقت اجواء من القلق حول مصير استثمارات الضمان الاجتماعي الذي يمثل اموال ملايين الاردنيين الكادحين ومستقبلهم.
حفظت قضايا واخلي سبيل متهمين وابرمت صفقات وفي النهاية فان شيئا من هذا لم يشف غليل الاردنيين الغاضبين من حجم الفساد الذي اصاب الشركات والمؤسسات والمشاريع والاستثمارات العامة وكلف الخزينة بلايين الدنانير وارهق الموازنة العامة وصادر موارد البلد وانتج مديونية خيالية مرشحة للزيادة في الاعوام القادمة رغم كل ما يصب في خزينة الدولة من مساعدات وقروض.
المشكلة هي في غياب الارادة السياسية وفي تضخيم الخطاب الرسمي وتوزيع الوعود الكبيرة في الوقت الذي لا يتغير الكثير على الساحة. نحن بحاجة الى ثورة بيضاء حقيقية تقنع الرأي العام بأن المرحلة السابقة بكل خطاياها واثامها قد انتهت الى غير رجعة. مكافحة الفساد تقع في قلب الاصلاح السياسي الشامل ولا يمكن ان تنفصل عنه. نتحدث هنا عن العدالة الاجتماعية وعن التمثيل الحقيقي لمختلف فئات المجتمع وعن ادراك لحياة حزبية حقيقية وعن قرار شعبي ينعكس على شكل مجلس النواب القادم.
نحن لسنا دولة رفاه اجتماعي، كما دول النفط، لان مقدرات البلد لا تسمح بذلك وبالتالي فان البديل الوحيد هو ديمقراطية حقيقية وشفافية واضحة توفر توزيعا عادلا للثروة واستغلالا عادلا لمقدرات الوطن ومساءلة شرسة لكل من يحتل منصبا عاما. مكافحة الفساد تحتاج الى ارادة سياسية واضحة وهو ما لم يتحقق حتى الآن
.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة أحمد جميل شاكر جريدة الدستور
login |