ما نحصل عليه مرة بالكذب .. علينا أن نظلّ نكذب لنحافظ عليه!
وهكذا تمتلئ جيوبنا بالحِيَل الكثيرة، وبحكايا الشُطّار، وبهدايا نظنّها فعلاً تسقطُ من المِدخنة، ونملأ الجوارير بكذبات جاهزة، تصلحُ لإنقاذنا عند الحاجة!
ودائما هناك من يجيئوننا جاهزين، بكامل رغبتهم؛ لأن يحملوا برضاهم، كذباتنا المدهشة!
ربما لأنهم ملّوا من رتابة الصدق، ومن وضوحه الذي يعشي العينين، واحتاجوا قليلاً من الضجيج في ليلهم، .. لو بقدر ما يُحرّك ستارةً راكدةً في الهواء!
وحينها نخرجُ قليلاً من حِكمة الوثوق الى لذة الأسئلة، ومن طمأنينةٍ تشبه الخضار المسلوقة الى مغامرة البحث في بحرٍ كاملٍ عن سمكةٍ للعشاء!
يلزمنا الصدق للاستقرار، ويلزمنا الكذب للحفاظ على هذا الاستقرار، وإجراء الصيانة الدورية له بين وقتٍ وآخر!
والكذب حبلُهُ طويلٌ على خلاف ما قالت الأمثال، ومتينٌ غالباً لانتشال أي غريق، لكن حملَهُ مرهقٌ ويظل ينغز الخاصرة!
مرة واحدة في السنة، في يومٍ فقط، ننشغل بـ (عيد الكَذِب) وتفقد خزائنه الثمينة، والاطمئنان على سلامته، لكنه يلزمنا بالمقابل 364 يوماً كاملة، ومرهقة، للسهر على راحة الصدق وحمايته من الترهّل، وحقنه بالمُنشّطات!
تلزمنا معدّاتٌ صلبةٌ، وسترات واقيةٌ لنواجه الصدق وجهاً لوجه، لكننا بملابس رياضية خفيفةٍ، وضحكةٍ بالغة الرشاقة نُسلّم على الكذِب ونستقبله في غرفة الجلوس، فهو حميمٌ وأليفٌ وبالغ الاعتياد، وهو الفرد الذي لا يموت في أي عائلة!
..
لا بأس أحياناً من كذبات صغيرةٍ، لحماية الكذبة الكبيرة التي نقتات عليها!
تماماً مثل ربطة عنقٍ باذخة، ومنديلٍ ناصعٍ، وساعةٍ فاخرة لإبعاد الأنظار عن البدلة التي نظلّ نلبسها في كل مناسبة!
ولا أفهم كيف، ولا تفسير جاهزاً لديّ، لكنني اكتشفُ كثيراً أن الناس تكذب أحياناً لحماية صِدقها!
وأنها لا تتورع عن كذبٍ كثيرٍ من أجل أن تحافظ على حياة كذبتها الكبيرة الصادقة!!
ربما .. ربما، أننا لا نقوى على دفع كُلفة الصدق من أعصابنا المرهقة، ولسنا مستعدين دائماً لتحمل تبعات الوضوح الفاضح، والفادح أيضاً!
وربما أن تواطؤاً (كاذباً) بيننا أن لا ننفق كل الصدق الذي في جيوبنا مرةً واحدة. فقد يلزمنا القليل منه لاحقاً!
ذلك أن أفقر الناس حالاً هو ذلك الذي تخلو جيوبه من (اليقين).
لا بأس، الكذب هو النصف الملآن من الكأس، النصف الذي نراه ولا نستطيع أن نشربه!
لكننا على الأقل لا نجلس أمام الآخرين بكأسٍ فارغ على طاولتنا..
وربما نكذب في لحظةٍ ما لنحمي لحظة كنا فيها صادقين تماماً!
الصدقُ لا ينفع للاستخدام في غير محلّه، ولا يصلحُ لحماية الكذبات الممتعة، لكن الكذب يصلحُ دائماً سياجاً لما نعتقد أننا صادقون فيه!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  إبراهيم جابر إبراهيم   جريدة الغد