في الصحافة، رأيتُ حوادث قاسية جداً، وأخرى غاية في الطرافة، ولا أظنُّ ان ثمَّةَ مهنة أخرى تشبع فضولك للحياة، وتكشف المستور والمخبأ مثلها، ولا أعرف لماذا خطر لي اليوم ان استذكر بعض الحوادث مما شهدتهُ خلال الأربعة وعشرين عاماً الماضية، فأتذكرُ أول مؤتمر صحفي حضرته في حياتي كان لوزير السياحة عبد الكريم الكباريتي وأنني تأنقتُ يومها كأنني ذاهبٌ الى عرس، ورغم ذلك لم يشعر الوزير يومها باطمئنان تجاه لحيتي! أما أول تحقيق نشرته فكان عنوانه (المُبشرون بالجنة) مع أولئك الواقفين في الطوابير منذ الفجر على أبواب السفارة يحاولون الحصول على تأشيرة للهجرة الى أميركا،.. ثمَّ أتذكر كيف استطعتُ مرةً ان أفلت من الضابط المرافق حين كنتُ أجري تحقيقاً في (وعن) سجن سواقة سنة 1990، ورحتُ أتجول بين مهاجع السجن وحدي، فتعرفتُ على سجناء مزمنين وقديمين جداً لم يتح لي لاحقاً التحدث عنهم!
وأتذكر كيف سهرتُ مثل طالب مجتهد أعيد كتابة (وتبييض) أول حوار صحفي، وكان مع بسام حدادين وهو يستعد لخوض الانتخابات النيابية لأول مرة، فيما أمي وأبي يسهران معي كطالب يستعد للامتحان ويدعوان لي!
وأتذكر أنني رحتُ مرةً لإجراء حوار مع محمود درويش دون اتصال به أو ترتيب، فقد علمتُ أنه ينزل في فندق عمرة (قبل أن يقيم رسميا في الأردن)، واندفعتُ أدقُّ عليه باب الغرفة بلا موعد، وفتح لي الباب ناعساً لأراه لأول مرة في حياتي، وعلى الصورة التي تخيلناه عليها دائماً؛ الصورة التي على ظهر دواوينه القديمة: الشعر المنكوش والنظارة السوداء وبقميص مفتوح الأزرار، وكان لبقاً جداً وفي غاية التهذيب حين قال لي: (ارجوك انتظرني تحت وسأنزل حالاً)!
ومن القصص التي أعتز بها، أنني حين عملت في (الدستور) وكان مكتبي ومكتب معلمي فوز الدين البسومي في غرفة واحدة، جئت بقصاصات من الأرشيف من ردوده عليَّ حين كنت اكتب في صفحة القراء ووضعتها له تحت زجاج مكتبه، لأظل أذكّره كل صباح أنه مُعلمي وأستاذي، ومن الطرائف أنني في عامي الاول في (الدستور)، وكنتُ ما زلت قليل خبرة بالحياة، لم أتعلم المجاملات بعد، أقام المدير العام سيف الشريف مأدبة عشاء بمناسبةٍ ما، وتشعب الحديث وبدأ الزملاء وكلهم كبار في السن والمهنة ومخضرمون يعربون عن اعتزازهم بالجريدة وانتمائهم وولائهم، وأنهم ليسوا مستعدين لمغادرتها لأي مكان آخر، فاستفزني ذلك وقلتُ باندفاع أهوج: أما أنا فلو جاءني عرض بخمسين دينارا زيادة فسأذهب فنحن لسنا في حزب! وقعت عبارتي على الطاولة كالصاعقة ونظر لي الجميع باستغراب وازدراء، فأنا الذي بنظرهم ما زلت (ابن مبارح) ويفترض انني أحوجهم لتقديم الولاء، فاحمر وجهي وأدركتُ أنني فعلتُ شيئاً أحمق، .. ولم أنم تلك الليلة، ثم أقنعني زملاء حكيمون لاحقاً ان ادخل للمدير العام وأشرح له (أنني لم أقصد)، وهي العبارة العربية الشهيرة التي تستخدم دائماً لإصلاح الأخطاء، ففعلت!
ومن الطرائف، أن احد الرجال الطيبين من خارج الوسط الصحفي الذي تيسر له مبلغ من المال أراد مرة تأسيس مجلة، وأرادني معه رئيس تحرير، فعملنا لتجهيزها فترة طويلة لكنها تعثرت بسبب طيبته وسوء تقديره، فهو مثلاً كان يستأجر سيارة ليتحرك فيها، وحين جاء بصبيّتين فائقتي النعومة والأنوثة لتعملا في الإعلانات، لم يطاوعه قلبه ان تذهبا للبيت بتاكسي فأعطاهما السيارة وعاد للبيت بـ "بباصات العبدلي"!
ومن الأحداث القاسية التي لا تنسى انني حين كنتُ في بيروت في حرب تموز، وبعد وقف إطلاق النار بساعة واحدة ذهبتُ الى "الضاحية" مع جموع الصحفيين، وكانت بيوت كثيرة ما تزال تشتعل، وكان علينا أن نمشي فوق حطام الغرف وخزانات الملابس ولعب الاطفال وكتبهم وفراشهم وصورهم وكلما نظرت تحت قدمي وجدتني أدوس بقايا بيت وخصوصيات ناس، أما الحادثة الأكثر ذعرا في حياتي فكانت حين انغلقت علي بوابة شرفة فندق شاهق في بغداد، ولم تكن تفتح من الخارج، وكانت السماء تلمع بقذائف متقطعة، فاضطررت أن أصرخ مناديا على الجيران في الغرفة المجاورة ليبلغوا ادارة الفندق، لكنني عشتُ لأرى في اليوم التالي تقريري على الصفحة الاولى على ثمانية اعمدة في "الدستور"، وأرزق بطفلتي الأولى في اليوم ذاته!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة إبراهيم جابر إبراهيم جريدة الغد