بلاد العرب أوطاني!
وطن كبير جلله الدم حتى أطرافه ونسجت فيه للمنطقة أعلام جديدة. تقلص عدد الدول العربية المستقلة، وتناقص سكانها كذلك بفعل الانفجارات التي ما عادت تدهش أحدا.
ومن نتائج الجنازات (التي كان بعضها نوعياً) انفردت فوق السماء العربية غمامة شاسعة من الوجوم، وشاعت ثقافة (النعي)، وصار اليتم زائرا متوقعا أن يطرق باب أي عائلة حتى من دون معرفة مسبقة!
بلاد العرب اوطاني!
القومية صارت من خردوات القرن الماضي، ومريدوها تحولوا إلى كائنات عجيبة يفضل تحاشيها، والوطنية سمعة سيئة لصاحبها، وفي البيت الأبيض تحاك التمائم التي تقي حاملها من كل شر.. وتحفظه من كل سوء!
انتشرت في الناس لغات جديدة، ودبت فيهم حماسة أخرى تنشد للاحتلال: لو زرتنا لوجدتنا نحن الضيوف، وأنت رب المنزل!
بلاد العرب اوطاني!
اندثرت تلك المفاهيم الساذجة عن صلة الدم والقربى، واقتلعت أشجار العائلة لتنمو مكانها نباتات وحشية جرى تلقيحها في مختبرات (ناسا)، ولم يعد يجلس عند رأس الميت أحد!
اليوم، وليس يومئذ، صار المرء يهرب من أخيه، ومن بنيه، ومن جامعة الدول العربية التي تؤويه!
صار الوطن كقطعة حشيش يخفيها الناس في أدراج خزائنهم تحت كومة ثقيلة من التهرب والتنصل و(الليبرالية)!
.. وكان عمرا رديئاً ؛ قضينا أغلبه في محاولة إثبات براءتنا من، وتراجعنا عن، وخيبتنا في، وشكوكنا حول... وأخلينا الذهن تماما لنتعلم على أيدي الجنود الغزاة كيف نشتم أوطاننا بالإنجليزية الفصحى، وكيف نخرج للشوارع هاتفين: لا لخروج الاحتلال من بلادنا!
بلاد العرب أوطاني!
لم نتورط فيها تماماً، ولم ننج منها تماماً، لم ننتصر جيداً، ولم ننهزم من أجلها بما يكفي، لم نذق عسل البلاد، ولم تثق بنا المنافي، لم نخلص للنساء ولم نتقن خيانتهن، لم نستمتع بدور الضحية ولم يناسبنا دور البطل!
لم يرض عنّا العدو تماماً، ولم يغفر لنا الرومانسيون، لم نختبر صلابة مقتنياتنا من القناعات والافكار والعقيدة والانتماء... الخ، ولم نُعرّضها للأسئلة، ولم ننسج لها -أيضاً- قميص الحصانة المحكم، يقول فتىً أنه يموت من أجل الوطن ثم يموت من "البلهارسيا" في مستنقعات الوطن!
الوطن؟!!
أقصد هذا النموذج الذي جربناه من الحياة: شبه الايمان.. شبه الحب.. شبه العائلة.. شبه الأوطان.. شبه الأصدقاء.. وشبه الرضا!
من السذاجة الاعتقاد بأن الوطن هو مجمل هذا التراب المنعوف في الطرقات، أو هي الإحداثيات التي يقترحها "مسّاح الأراضي" على زاوية المخطط!
فالذين يموتون في حروب التحرير وثورات الاستقلال هم غالبا الفقراء الذين لا يملكون شبرا واحدا من عقارات بلادهم!
لكن الفكرة في الانشداد الغريزي الى الرحم، الى تلك العلاقة بين المكان والرواية "الجينية" المشوقة حول أديم الأرض... والأجساد التي راكمته من جلدها!
الى ذلك الشغف بنوم القيلولة ازاء شجرة شخصية، أو فيء شخصي، أو حداء حائط شخصي جدا!!
هي فكرة الدفاع عن سرير النوم.
التشبث بوسادة مرنغة بأحلام بالغة الخصوصية.
التعلق بأرض أقامت لك احتفالا عارما حين صرخت صرختك الأولى!
الأرض في المحصلة ليست هذا الجسد الصلد، المحشو بالماء والموتى..
ليست وجهتي نظر بين سمسارين مختلفين في سوق الشقق، وليست "أطلس الخرائط" في حقيبة تلميذ الإبتدائي، أو تلك الذريعة التي يسوقها الشهداء في معرض تبرير الموت المبكر.
ليست شهوات اللاجئين، ولا حدائق البيوت المكسوة بالقرميد.
الوطن ليس أكثر، ولا أقل من تلك التنهيدة التي يطلقها غريب في قاعة مطار كبير... مطار بحجم العالم!
المراجع
الموسوعة الرقمية العربية
التصانيف
صحافة إبراهيم جابر إبراهيم جريدة الغد العلوم الاجتماعية