١ بسم االله الرحمن الرحيم "مدرسة المستقبل": رؤية من نافذة أخرى ورقة عمل مقدمة لندوة "مدرسة المستقبل" في الفترة من ١٤٢٣/٨/١٧-١٦هـ كلية التربية/ جامعة الملك سعود إعداد: صالح بن عبدالعزيز النصـار كلية التربية/ جامعة الملك سعود ١٤٢٣هـ٢٣
"مدرسة المستقبل": رؤية من نافذة أخرى
المقدمة: لماذا نحتاج إلى التغيير وإصلاح التعليم ؟ إن كل أمة تنظر إلى إصلاح التعليم بوصفه أهم الوسائل التي تطمح من خلالها إلى بناء حياة أفضل لشعبها، و أ ي ض ا ً كي تمتلك ناصية القوة التي تجعلها أمة قائدة لا مقودة. إننا نحتاج إلى إصلاح التعليم، ليتسنى للتلاميذ اكتشاف بيئاهم بشكل أفضل، والتعرف على مجتمعاهم واجتمعات الأخرى بصورة أوضح؛ ولكي يتسنى لنا -نحن التربويين- التعرف على حاجاهم المختلفة، ومحاولة تنمية اهتماماهم، والرقي بتفكيرهم ليخوضوا غمار الحياة بشكل أفضل. إن التعليم يجب أن يتغير ويسير نحوالأفضل، لأن الأطفال أنفسهم –شأهم في ذلك شأن ما في الكون- يتغيرون. فهم يأتون اليوم إلى المدرسة باختلافات أكثر، وبمشكلات أكثر تعقيدا ً (كرسويل، ١٩٩٦). كما أن المدارس يجب أن تتغير إذا لم تحقق النتائج المرغوبة، أو أن النظام قد أخفق في تدريب التلاميذ على أن يكونوا متعلمين جيدين وقادرين على حل المشكلات التي تواجههم، أو لأن المتخرجين من الثانوية لم يحصلوا على المهارات المطلوبة أو الكافية، أو لأهم لم يحصلوا على القدر الكافي من المعرفة التي تؤهلم لمسايرة متطلبات العصر. (شانك، ١٩٩٤). وقد دأب كثير من التربويين -على مر الزمن- على محاولة تطوير التعليم والرقي بمستواه من خلال البحث الصادق، والقراءة الواعية، والتفكير العلمي المنظم. وكان من نتيجة ذلك ظهور كثير من النظريات التربوية، وعديد من طرق التدريس ووسائله، وجملة من الأفكار والتصورات التي تبحث في مواطن القوة والضعف، وتساعد في معرفة مزيد عن التعلم وكيف يحدث، وكيف يمكن الاستفادة من هذه المعرفة في زيادة الإقبال على التعلم واستمراره وفاعليته. وقد كان التخطيط السليم القائم على التنبؤ بالمستقبل والاستعداد له خير معين على ترجمة كثير من تلك النظريات والأفكار والتصورات إلى أفكار عملية تسعى للارتقاء بالتعليم، ليوافق تطلعاتنا وآمالنا. ٤ و ن ظ ر ا ً لما يشهده العصر الحاضر من تغيرات سريعة متلاحقة في جميع اجالات، خ ص و ص ا ً الثورة التقنية، فقد ظهر في الآونة الأخيرة اتجاه أو تصور يسعى إلى استشراف المستقبل، عل ّه يساعد في هيئة الأمم للمتطلبات المختلفة للمستقبل. ولأن المدرسة تؤدي د و ر ا ً رئيس ا ً في هضة الأمم ورقيها، فقد كان البحث في مستقبل المدرسة أحد اهتمامات التربويين، ومن هنا ظهر على السطح التربوي ما يسمى: "مدرسة المستقبل". ولأن أي فكرة جديدة، أو محاولة للإصلاح والتغيير تخضع –غالبا ً- للبحث والمناقشة، والرأي والرأي الآخر، فإن هذه الورقة تعد محاولة لتسليط الضوء على بعض الجوانب التي تساعد –ربما- في جلاء الرؤية ووضوحها حول مدرسة المستقبل، وتصب في المحاولات المختلفة التي تنظر إلى مدرسة المستقبل من نوافذ مختلفة لتشكيل رأي علمي يستند إلى فلسفة صحيحة، ويقوم على أسس ومبادئ سليمة. والطريقة المتبعة في ورقة العمل هذه تقوم على عرض بعض الرؤى التي يمكن أن تثير بعض التساؤلات، وتدعو إلى مزيد من التأمل، والبحث والمناقشة لمفهوم: "مدرسة المستقبل"، وما يتعلق به من تطبيقات فعلية. أ و لا ً: التخطيط وإشكالية المستقبل يتكون مفهوم "مدرسة المستقبل" من كلمتين: "مدرسة"، وهي معروفة، وإن كان بعض التربويين يشير إلى أن إطلاق لفظ "مدرسة" هنا لا يعني بالضرورة المدرسة بمفهومها التقليدي، والتي تشتمل على فصول التدريس، والملاعب والمعامل وغيرها، مما يجمعها أو يحيط ها سور يفصلها عن المباني اجاورة. وإنما لفظ المدرسة هنا يطلق على النظام التعليمي بأكمله، بأهدافه ونظمه ووسائله. وفي كلا التعريفين لا إشكالية يمكن الوقوف عندها. أما الكلمة الأخرى فهي كلمة: "المستقبل"، وهي التي تمنح كلمة المدرسة بإضافتها إليها المضمون الجديد المختلف عن باقي أنواع المدارس، ولكنها لاتمنحها التحديد الزمني الكافي. إن كلمة: "المستقبل" باب مفتوح على الزمن. ف غ د ا ً يمكن أن يكون هو المستقبل، وسنة من الآن، أو عشر، أو عشرون، أو خمسون هي المستقبل، فبأي مستقبل ترتبط تلك المدرسة؟ إن تحديد المستقبل بفترة زمنية محددة أمر تتطلبه مبادئ التخطيط السليم، إذ كيف يمكن العمل لبلوغ هدف لم يتحدد زمنه؟ وقد ذكر كل من "كونتز" Koontz، ٥ و "دونيل" Donnel في كتاهما "مبادئ الإدارة" أن التخطيط هو اتخاذ قرار مسبق حول ماذا نعمل، وكيف نصل، ومتى نصل، ومن يعمل. (ن ق لا ً عن الغريان، ١٤١٢، ص٢٥). وفي الحديث عن "مدرسة المستقبل" يظهر الغياب الواضح للسؤال: متى نصل؟ مع أهميته الكبيرة لنجاح أي تخطيط. والإجابة عن السؤال: متى نصل، لاتتعارض مع التنبؤ والتوقع، الذي هو ركيزة أساسية للتخطيط، بل تجعل التبنؤ والتوقع أقرب إلى الصواب، كما أن هذا التوقع يساعد في اعتماد الخطة على "تقديرات وافتراضات إدارية، أو اقتصادية أو اجتماعية يتوقع واضع الخطة تحقيقها مستقبلا ً، وذلك بسبب الجهل بالمستقبل، وعدم معرفة ما يجئ به من أحداث، ف ض لا ً عن خضوع مختلف الظروف المؤثرة في الخطة للتغيرات المستمرة؛ ولذلك ينبغي على المخطط أن يأخذ في الاعتبار عند وضعه للخطة تحديد فترة زمنية معقولة للتنفيذ، أو تغيير الخطة كلما تغيرت الظروف التي لم تؤخذ في الحسبان." (القباني، ١٩٦٨، ص ١١) إن غياب المدة المقترحة للوصول إلى مدرسة المستقبل، يؤثر في القدرة على التنبؤ بالعوامل المؤثرة في هذه المدرسة، من عوامل اجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية وغيرها. وفي ظل التغيرات المتلاحقة السريعة التي صاحبت إيقاع العصر يصبح المدى الذي يمكن من خلاله بناء التصور المناسب لكل عامل من العوامل المؤثرة في مدرسة المستقبل قصيرا ً، وقابلا ً للتغير والتبدل. يذكر الحر (٢٠٠١، ص١٤)، أنه: "... لا يمكن دراسة المستقبل التربوي بمعزل عن المستقبل السياسي، أو الثقافي، أو الاقتصادي، أو مستقبل الحضارة، إذ إن الدراسات الجادة للمستقبل تتكامل فيها أشكال المعارف والمناهج. فوضع سيناريوهات لمستقبل التربية لا يتم دون أن توضع في الاعتبار كافة عوامل النسق الاجتماعي والاقتصادي والحضاري المؤثرة...". وهذا صحيح؛ ذلك أن نجاح التخطيط لمدرسة المستقبل يتوقف على مدى توافقه مع الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمجتمع. ولكن المستقبل المفتوح لمدرسة المستقبل لا يمنح القائمين على التربية والتعليم القاعدة القوية التي يمكن الاعتماد عليها في التعرف على سياق الحقائق الاجتماعية والاقتصادية٦ والسياسية والحضارية السائدة في حينها، خ ص و ص ا ً في ظل التغيرات المتسارعة لتلك السياقات في العصر الحديث. إن الغاية وتحديد الهدف في تطوير التعليم ضرورية ومهمة. ومن هذا المنطلق، فإن التعليم في الدول العربية يحتاج إلى استراتيجية وطنية رسمية (عالية المستوى)، طويلة الأمد، (محددة الوقت) لمساعدة البلاد في أن تكون كما يجب أن تكون عليه، وذلك على غرار "استراتيجية عام ٢٠٠٠" التي دشنها الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش، وكانت مدها تسع سنوات من العام ١٩٩١ إلى العام ٢٠٠٠ م. وقد كان الإعلان عن تلك الاستراتيجية بمثابة خطة جريئة شاملة طويلة الأمد، لتحريك كل اجتمعات المحلية في أمريكا صوب الأهداف التعليمية الوطنية التي تبناها رئيس الجمهورية وحكام الولايات. وقد قال الرئيس الأمريكي بوش عنها في هذا الصدد: "لقد خطونا خطوة موفقة، ونحن نضع أبصار الأمة على ستة أهداف تربوية قومية طموحة، ووضعنا غايتنا لتحقيق ذلك عام ٢٠٠٠ . فلطلبة اليوم، لابد أن نجعل المدارس القائمة أفضل، وأن نجعلها م و ض ع ا ً لمحاسبة أكبر. ولطلبة الغد -أعني الجيل القادم- لابد أن نضع ج ي لا ً جديدا ً من المدارس الأمريكية." وإنني إذ أثني على تعليق التويجري على هذه الوثيقة في مقدمة الترجمة التي نشرها مكتب التربية العربي لدول الخليج (١٤١٢) حين قال: "... فليس المطلوب هو الاحتذاء الكامل، أو التقليد والنقل التام للاستراتيجية التعليمية المطروحة هنا. فلقد عانينا ك ث ير ا ً في تاريخنا التعليمي من مثل هذا الاحتذاء، والنقل الكامل، ولكن المقصود هو أن نثير التفكير في أوضاعنا التعليمية، ونستفيد من طرق دراسة مشاكلها، وعلى وجه الخصوص من طرق مواجهتها، وسبل تجميع القوى الكامنة في الأمة لهذه المواجهه لإحداث التغيير المطلوب...". إنني إذ أثني على ما ذكر سابقا ً، فإني أدعو المهتمين بمدرسة المستقبل إلى احتذاء هذه الاستراتيجية على الأقل من جهتين: الأولى، الوضوح في الفترة الزمنية المطلوبة للإصلاح والتغيير، كأن يقال المدرسة عام ١٤٣٠ ، أو المدرسة عام ١٤٤٠ هـ مثلا ً، والأخرى، الوضوح في تحديد الأهداف التي يراد الوصول إليها أو تحقيقها في هذه الفترة الزمنية. وكلتا الجهتين بحاجة إلى مؤتمر أو أكثر للوصول إلى تحديدهما، على أن يتفق تحديد٧ الزمن والأهداف بدقة بالغة مع أفضل التقديرات الخاصة باحتياجات اجتمع الراهنة والمستقبلية، وعلى أن تشترك في هذه المهمة المؤسسات التربوية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، بطريقة تكسب اهتمام القيادات الوطنية والمحلية والمعنية وتأييدها. ثانيا ً: الواقعية وغير الواقعية في التطوير التربوي إن الحديث عن: "مدرسة المستقبل" وما يحمله هذا المفهوم من الدعوة إلى تجديد التعليم وتطويره كي يصبح أكثر ا ع ت م ا د ا ً على الحاسب الآلي والتقنية، وما يصحب ذلك من وجود المدارس الإلكترونية والفصول الذكية وغيرها، يذكر بالحركة التقدمية التي ظهرت في العشرينيات من القرن الماضي، والتي انبعثت من كلية المعلمين بجامعة كولومبيا. ومع الانتشار الذائع الصيت لهذه الحركة وأفكارها، وكثرة المؤيدين لها إلا أن أ ص و ا ت ا ً بدأت تعلو في الأوساط التربوية -الأمريكية خاصة- بإعادة النظر في كثير من الطروحات التي أدت إلى نشوء عيبين في نظام التعليم العام الأمريكي هما: انخفاض مستوى متوسط تحصيل الطلاب، وارتباط قوي بين الطبقة الاجتماعية والمستوى التعليمي. (المدارس التي نحتاج، ١٤٢٣). إن إيراد مثل تلك الأصوات التربوية التي بدأت تعلو -بغض النظر عن مدى صحتها أو عدمه-، لا يعني الدعوة إلى إقفال الباب أمام التطوير والإصلاح التربوي -فهو ضرورة، كما أشير إلى ذلك في المقدمة- ولكنها دعوة إلى الحذر من النظرة غير الواقعية في التطوير التربوي، وما يصحب ذلك من الطروحات التربوية الجذابة التي سرعان ما تفشل إذا وضعت تحت التطبيق الفعلي، وفي الظروف الفعلية التي تعيشها المدارس، والظروف الاقتصادية والسياسية، والاجتماعية والثقافية التي تحيط بالمدارس من كل جهة، تؤثر فيها وتتأثر ها. والواقعية في التطوير التربوي لاتعني الانجذاب التام إلى الواقع الفعلي، وعدم استشراف المستقبل، أو الرقي بمعايير التعليم، (هناك معايير واقعية لكنها غير راقية، وهناك معايير راقية غير أها غير واقعية، وهناك معايير راقية وواقعية يطمح إليها الطلاب جم ي ع ا ً ويمكن الوصول إليها)، ولكنها تعني أن "يكون المخططون واقعيين في تصوراهم المستقبلية، بحيث تعكس ما يمكن عمله في ضوء الموارد المتاحة والمحتملة؛ ويجب ألا تبنى على تفاؤلات٨ مطلقة، بحيث تكون ح بر ا ً على ورق يصعب تحقيقها في ضوء التحليل والتنبؤ الواقعي." (الغرياني، ١٤١٢، ص ٥٩) إن النظر إلى مدرسة المستقبل بواقعية يمنحنا الحكمة في التعامل مع المعطيات المختلفة لتطوير تلك المدرسة، وما يستحق أن يبدأ به لأهميته، وما يمكن تأخيره، وما يمكن تطبيقه ومالا يمكن تطبيقه، وما يصلح جتمعنا ومالا يصلح، وما يبنغي تغييره ومالا ينبغي. وفي النهاية، فإن "الجهات التي ستتفوق على غيرها في حقبة ما بعد عصر المعلومات هي تلك الدول التي توخت جانب الحكمة باستثمارها في تطوير رأسمالها الفكري." (سبرينج،
 .(٢٢١ ص ،٢٠٠٠
ثالثا ً: مدرسة المستقبل (إلكترونية) لاشك أن هذا العصر هو عصر التقنية وثورة المعلومات الرقمية الذي يتطلب تغيير التعليم أو إصلاحه، ليستجيب لمتطلباته. تلك التقنية التي تمنحنا القدرة على البحث عن المعلومات وجمعها في وقت أقصر، وبجهد أقل، كما تساعدنا في حسن التعامل مع المشكلات المختلفة، وفي التواصل الحر بصنفيه المتزامن وغير المتزامن الذي ساعد في إلغاء الفوارق المكانية والزمانية أو تقليصها على حد سواء. لكن، في حين يتجه كثير من التربويين إلى ترقب مستقبل تعليمي زاهر في ظل الاعتماد على التقنية بشكل عام، والحاسب الآلي بشكل خاص، وما يصحب ذلك من انتشار ما يسمى المدرسة الإلكترونية، والمكتبة الإلكترونية، والتعليم الافتراضي، والفصول الذكية؛ فإن آخرين يميلون إلى عكس ذلك، ويتوقعون انتكاسة وخيبة أمل، بسبب التسرع في تطبيق التقنية (الحاسب الآلي بشكل خاص) في التعليم العام، في ظل المعوقات الكثيرة التي تحد من تطبيقه في مدارسنا، وكذلك في ظل عدم وجود البحث الكافي، والأدلة المقنعة –حتى الآن- لتأكيد فائدة استخدامه في التعليم العام (التركيز هنا على التعليم العام، حيث صاحب تطبيق الحاسب الآلي في التعليم الجامعي، خ ص و ص ا ً ما يسمى "التعلم عن بعد" كثير من النجاح).
  ومما يجعل بعض التربويين لا يتحمس أو يتسرع في قبول فكرة الاعتماد بشكل
كبير على التقنيات التعليمية هو ما يصحب تطبيق تلك التقنيات (الحاسب الآلي بشكل٩ خاص) من النواتج التعليمية الضعيفة، وتغليب الجانب المعرفي على الجانب التربوي، والنقص في إشباع الحاجات النفسية والوجدانية والروحية للتلاميذ، وصرف كثير من جهود الطلاب وأوقاهم في النواحي الشكلية والتنظيمية، على حساب جودة العمل. ف ض لا ً عن المبالغة في توفير البيئات الافتراضية من خلال الحاسب الآلي، التي تقل معها معايشة الطالب للواقع الفعلي، والممارسة الطبيعية والمحسوسة لكثير من الأشياء الممكن تعلمها واقعيا ً. وثمة أمر آخر يقلق بعض التربويين يتعلق بالنواحي الاقتصادية التي هي عماد التقنية، ووقود قوها واستمرارها. فمع النفقات الكثيرة المترتبة على انتشار الحاسبات الآلية، و خ ص و ص ا ً في المدارس، وما يصحب ذلك من نفقات الصيانة والتحديث وشراء البرامج، فإن بعضهم يخشى من التراجع لا ح ق ا ً عن التوسع في تطبيق التقنيات التعليمية، بسبب عدم القدرة على دفع التكاليف المستمرة للحاسبات الآلية، ومن ثم خسارة كثير من الأموال، والجهود، والأوقات التي كان من الممكن توجيهها لسد الاحتياج من الأوليات التي تفرض نفسها، مثل توفير المباني الحكومية ب د لا ً من المستأجرة، والبيئة التعليمية النظيفة الآمنة، وغير ذلك من الدواعي الضرورية لنشر التعليم، والرقي بمستواه. وبمناسبة الحديث عن النواحي الاقتصادية، فإنه من المفيد الإشارة إلى أن التوسع في استخدام الحاسب الآلي في التعليم يمكن أن يزيد من مستوى الارتباط بين الطبقة الاجتماعية والمستوى التعليمي. بمعنى أن يتمتع التلميذ الذي يمتلك الأجهزة التقنية المتطورة بمستوى من التعلم يفوق أقرانه الذين لا يستطيعون ذلك. ولا شك أن الفصول الذكية، والمدارس الإلكترونية التي هي من أبرز خصائص مدرسة المستقبل تتطلب قدرة شرائية عالية تساعد التلاميذ في اقتناء الجديد والحديث من الأجهزة التعليمية، وهذا لا يتوافر عادة إلا لميسوري الحال، مما يتوقع معه أن يفرض المستقبل على اجتمعات توفير نوعين من المدارس: مدارس إلكترونية -بما تحويه من تجهيزات تقنية عالية للتلاميذ الأغنياء- وأخرى مدارس عادية للتلاميذ الأقل ث ر ا ءً. ولاشك أن زيادة الفجوة بين الأغنياء والفقراء في الوقت الحالي ينذر بشيء من ذلك، وهذا فيه من الخطورة على المدى البعيد ما يعلمه المتخصصون في علم الاجتماع. ١٠ إن الجدل حول فائدة استخدام التقنيات التعليمية أو ضرورها في التعليم العام لم يحسم بعد. لكن الذي لايختلف عليه اثنان هو ذلك التحدي الكبير الذي يواجه مدارسنا اليوم، وهو كيف تتغير المدارس لتواجه متطلبات المستقبل، بما في ذلك تسخير التقنيات المختلفة ت س خ ير ا ً فاعلا ً، وتحتل م و ق ع ا ً فيما يسمى "طريق المعلومات السريع" (Information Superhighway). يقول البروفيسور لاري كيوبان من جامعة ستانفورد بولاية كليفورنيا: "إن التقنيات الجديدة لاتغير المدارس، بل يجب أن تتغير المدارس لكي تتمكن من استخدام التقنيات الجديدة بصورة فعالة" (مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، ٢٠٠٠). بمعنى، أن مدارسنا يجب أن تشتمل على بنية تحتية جيدة ، ونظام مرن، وإدارة وفاعلة، كي تكون مهيأة لاستخدام التقنيات التعليمية بفاعلية، وليس مجاراة للآخرين. وبالإضافة إلى الحاجة إلى تغيير المدارس، فإن الحاجة تبدو ماسة أ ي ض ا ً للاهتمام بالمعلمين الذين هم حجر الزاوية في العملية التعليمية. وإذا كان هدف المدرسة -أي مدرسة- هو بناء الإنسان عقديا ً ومعرفيا ً، ووجدانيا ً ومهاريا ً وسلوكيا ً، فلا مناص من النظر إلى التعليم على أنه يقوم على أساس علاقات إنسانية مؤثرة، ومن ثم ضرورة التركيز على المعلمين وتطوير أدائهم التدريسي، وتعريفهم بالاحتياجات الإنسانية المتجددة للتلاميذ، وسبل إشباع تلك الاحتياجات بما يمنحهم الاستقرار العاطفي والنمو العقلي والقوة البدنية، وهذا ما تقصر عن تحقيقه الأجهزة التقنية المتطورة وحدها. ودور المعلمين في ظل استخدام التقنية التعليمية -بما في ذلك الفصول الذكية، والمناهج الألكترونية- سيكون أكبر وأكثر فاعلية. وفي هذا الصدد، تؤكد ريل (٢٠٠٠) أن التقنية سوف تزيد، ولن تقلل من الحاجة إلى معلمين جيدين وأساليب تدريسية بارعة. وتضيف قائلة: إننا بحاجة إلى زيادة استثماراتنا في الموارد البشرية وفي التنمية المهنية للتربويين، لا في المناهج التقنية، مثل "التعلم في الوقت المناسب" بوصفه مفهوما ً م ف ي د ا ً لأهداف محددة. (ص، ١٦٥) كما يجب النظر في مدرسة المستقبل إلى برامج الحاسوب والإنترنت على أها وسائل معينة على التعلم الذاتي، ولا يمكن الاستغناء معها عن المعلمين؛ بل إن النظرة١١ العلمية تجعل المستقبل مشر ق ا ً أمام المعلمين الجيدين، يقول جيتس (رئيس ومؤسس شركة ميكروسوفت): "إن مستقبل التدريس -وخلافا ً لبعض المهن- يبدو م ش ر ق ا ً للغاية. فمع تحسين الابتكارات الحديثة، المطرد لمستويات المعيشة، كانت هناك –د ا ئ م ا ً- زيادة في نسبة القوة العاملة المخصصة للتدريس، وسوف يزدهر المربون الذي يضفون الحيوية والإبداع إلى فصول الدراسة، وسيصادف النجاح أ ي ض ا ً المدرسين الذين يقيمون علاقات قوية مع الأطفال، بالنظر إلى أن الأطفال يحبون الفصول التي يدرس ها بالغون يعرفون أهم يهتمون هم ا ه ت م ا م ا ً حقيقيا ً، ولقد عرفنا جم ي ع ا ً مدرسين تركوا ت أ ث ير ا ً مخ ت ل ف ا ً... إلخ" (١٩٩٨، ص
.(٣٠٤
لاشك أن التقنيات العلمية والتعليمية غيرت ك ث ير ا ً في حياتنا، ووفرت ك ث ير ا ً من الوقت والجهد. ولا شك أن الحاسبات الآلية وسيلة جيدة للتعليم والتعلم، ولكنها ليست الوسيلة الوحيدة، كما أها ليست -د ا ئ م ا ً- الوسيلة الأفضل. لذا، فمن الحكمة وضع استخدام الحاسب الآلي في التعليم (العام) في موضعه، وعدم إعطائه أكثر من حجمه، ومراقبة آثاره الإيجابية والسلبية على المتعلمين والمعلمين، والعملية التعليمية على حد سواء. وقد أكد ديفيز (٢٠٠٠) أن انعكاسات أهمية التقنية في التعليم في المستقبل متعددة، وتشمل ما يلي: - الحاجة إلى تدريب المعلمين وإعادة تدريبهم على استعمال التقنية بشكل خلاق. - الحاجة إلى المحافظة على العلاقات البشرية ذات الأهمية التقليدية في التعليم؛ وذلك لمواجهة الآثار المحتملة اجردة من الإنسانية لبعض أنواع التقنية. - الحاجة إلى أخذ الحيطة من أن توسع التقنية –لا أن تضيّق- الهوة بين الدول الغنية والدول الفقيرة،والمناطق الغنية والمناطق الفقيرة في الدولة الواحدة أ ي ض ا ً. وبعد الإشارة إلى تلك الانعكاسات، علق ديفيز بقوله: "ربما كان أهم هذه المضامين هو الحاجة إلى الإبقاء على التقنية التربوية في سياقها القويم. ففي كل تجلياها يمكن أن تصبح التقنية أداة مهمة، غير أها ليست علاجا ً ن ا ج ع ا ً للمشكلات الاجتماعية والتربوية كافة." (ص، ١٣). ١٢ رابعا ً: بين مدرسة اليوم ومدرسة المستقبل إن على التربويين أن ينظروا إلى مدارس اليوم على أها نواة لمدارس المستقبل. وهذه النظرة تتطلب الالتفات إلى الأسس التي ينبغي أن تقوم عليها مدارس اليوم. إن أسس تعليم هذا القرن تشتمل على مهارات اتصال وتواصل عالية، ومهارات قادرة على حل المشكلات المختلفة، ووعي علمي وتقني يساعد في النجاح في الحياة، كما يساعد في الارتقاء بمستوى الأمة كي تتقدم على الأمم الأخرى، وتحتل م و ق ع ا ً م ر م و ق ا ً في عصر السباق المعرفي والتقني، ووسائل الاتصال الحديثة. وهذه الأسس تدعونا إلى التركيز على مدارس اليوم "مدارس القرن الخامس عشر الهجري (الحادي والعشرين الميلادي)"، ومحاولة الرقي بمستواها، ومعالجة عيوها، وتطوير مبانيها وإمكاناها البشرية والمادية. وإذا تم لنا ذلك فستكون مدرسة اليوم هي ف ع لا ً مدرسة المستقبل التي نطمح إليها. وللوصول إلى تعليم المستقبل، فإن أي حديث أو تخطيط لذلك التعليم يجب أن يسبقه تقويم مبني على الشفافية والوضوح والمصارحة لتعليم اليوم؛ وهذا بالفعل ما تم في وثيقة إصلاح التعليم الأمريكية (استراتيجة عام ٢٠٠٠)، التي سعت إلى بناء مستقبل أفضل للتعليم، لكنها لم تغفل الواقع الفعلي الذي يجب أن تعالج عيوبه للوصول السريع للأهداف المنشودة. وفي هذا الصدد، تعترف الوثيقة صراحة: "أن الأموال المستثمرة في التعليم لا تنتج النتائج المطلوبة، وتقر بأن الولايات المتحدة ها ما يقرب من ٢٥ مليون أمي من البالغين، وأن ٢٥ مليونا ً آخرين في حاجة إلى إعادة تدريب لاكتساب مهارات مطلوبة، ولا تتردد الوثيقة في الإشارة إلى أن العائلة الأمريكية في حالة من الاهيار، وأن ع د د ا ً ك ب ير ا ً من الطلبة محرومون من أثر العائلة ودورها، وأن ع د د ا ً ك ب ير ا ً من الطلبة يصل إلى المدرسة غير مستعد للتعلم، وهم جوعى لم يغتسلوا، ويملؤهم الخوف من مخاطر الشارع والمدرسة والجيرة، بما فيها من عنف ومخدرات. وتواصل الوثيقة اعترافاها الصريحة -التي يجب علينا دراستها بالتفصيل- لتقول: إن كل هذه المشكلات ليست إلا جانبا ً من١٣ المشكلات الكبيرة التي على الأمة أن تواجهها إذا كانت تريد الاستعداد للقرن القادم، والدخول فيه قوية محتفظة بمكانتها." (المرجع السابق، ص١٥) إن نظرة على الواقع الفعلي للتعليم اليوم ونتائجه على مستوى الفرد واجتمع، تظهر مدى الصعوبات التي تعوق تقدم الأمة أو حتى دخولها في حلبة السباق العالمي، والتصدي لمصطلحات الألفية الثالثة، مثل ثورة المعلوماتية، والعولمة، والتلوث البيئي، والسلام العالمي وغيرها. وأول هذه الصعوبات التي تعوق تقدم الأمة تتمثل في المخرجات الضعيفة للتعليم اليوم: فمعظم الطلاب لا يقرؤون ولا يكتبون، ولا يتواصلون بشكل جيد. ومعظم الطلاب لا يفكرون ولا يبدعون، ولا يتأملون بشكل جيد. ومعظم الطلاب لا يناقشون ولا يحاورون، ولا يجادلون بشكل جيد. ومعظم الطلاب لا ينتجون ولا يبتكرون، ولا يكتشفون بشكل جيد. إن من تحديات القرن الحادي والعشرين أن يحقق غالبية الأطفال نج ا ح ا ً أكاديميا ً واجتماعيا ً م ق ب و لا ً في المدرسة. وكما يشير جيف سبرينج "فإن فشل نسبة عالية من الأطفال أكاديميا ً يجب ألا يكون م ق ب و لا ً في أي دولة تصبو إلى تحقيق النجاح في الاقتصاد المعولم. وعلاوة على ذلك، فإن الدول التي تطمح إلى أن تكون مجتمعات ديمقراطية لا تستطيع أن تحقق تلك الغاية إذا ماكان ثلث سكاها يفتقرون إلى المهارات والحوافز التي تدفعهم نحو المواطنة الصالحة." ( ديفيز، ٢٠٠٠، ص ١٩). الخاتمة لقد أصبح إيقاع السرعة والتغير السمة البارزة لهذا العصر. وإذا كان هذا الإيقاع يفرض على الاقتصاديين والسياسيين يقظة مستمرة، و س ع ي ا ً إلى التفكير الدؤوب فإنه مفروض على التربويين من باب أولى. إن الحاجة إلى التطوير والإصلاح التربوي أصبحت أكثر إلحاحا ً من ذي قبل، ولكنها في الوقت نفسه أصبحت أكثر حاجة للتخطيط السليم المبني على التقويم الصحيح للواقع التعليمي، والتقييم الفعلي للمؤثرات المختلفة والشفافية التي تربط بينهما. ١٤ إن طموح التربويين للارتقاء بمستوى التعليم يزداد ي و م ا ً بعد يوم. وإن هذا الطموح هو الوقود الذي يبقي شمعة التفكير والعمل مضيئة باستمرار. وعند ترجمة هذه الطموحات إلى أفكار عملية ينبغي ألا تغيب عن الأنظار الأهداف الأساسية للتعليم، وما تنبني عليه تلك الأهداف من الأسس الدينية والمبادئ الاجتماعية والثقافية التي تميز هذا اجتمع عن غيره من اجتمعات. كما يجب أن يكون ح ا ض ر ا ً د ا ئ م ا ً عند التفكير في التطوير أن الإنجازات الأكاديمية، والأنشطة الفكرية في التعليم لايمكن فصلها -بأي شكل من الأشكال- عن التطورات الاجتماعية والعاطفية والأخلاقية. وقد أكد عبدالحليم أحمد (من ماليزيا) هذه القضية عندما قال: "في الوقت الذي نتحدث فيه عن التعليم والتصنيع والتقدم، فإن علينا أن نركز على حاجة البشرية المتزايدة إلى المحافظة على القيم الروحية والأخلاقية. إننا بحاجة إلى "الكائن البشري بأكمله"، لسنا بحاجة إلى إنسان آلي أو آلة. إن الإسلام يركز على سعادة البشرية بأكملها، وعلى رفاهية اجتمع، وهذا ما يتعين على نظامنا التعليمي أن يهدف إلى تحقيقه" (ديفيز، ص، ٧٨). وقد هدفت هذه الورقة إلى التأمل في بعض الجوانب المرتبطة بمدرسة المستقبل. والتأمل ما هو إلا خطوة أولى من خطوات الإصلاح والتطوير التربوي، ومن ثم فهو عرضة للصواب والخطأ، ولكنه قد يكون الشرارة الأولى التي تشحذ التفكير الجاد في كيفية الوصول إلى الأهداف والنتائج الصحيحة، كما قد يكون النافذة التي تفتح على مشاهد جديدة تساعد في اكتمال الصورة ووضوحها. ويمكن اختتام هذه الورقة بما بدأت به من التسليم بأهمية التطوير والإصلاح التربوي، وتقدير جهود جميع المصلحين والمفكرين، والباحثين والعاملين الذين يسعون إلى الرقي بمستوى التعليم الذي هو مفتاح الرقي بمستوى الأمم. وإن النافذة التي فتحتها هذه الورقة تصب في الهدف نفسه ولا تتعداه إلى غيره، وللتذكير بمشاهد هذه النافذة يمكن الإشارة إلى النقاط الآتية: ١- إن تحديد الغاية للوصول إلى مدرسة المستقبل أمر تتطلبه مبادئ التخطيط السليم. ١٥ ٢- الوضوح في تحديد المفاهيم والأهداف المرتبطة بمدرسة المستقبل يقلل من أسباب الخلاف والاختلاف حول مدرسة المستقبل. ٣- الواقعية في النظر إلى مدرسة المستقبل تساعد في تحقيق الأهداف المنشودة. ٤- النظر إلى مدارس اليوم على أها نواة مدارس المستقبل يساعد في تطويرها والنهوض بمستواها. ٥- النظر إلى التقنية (والحاسبات الآلية بشكل خاص) على أها وسيلة جيدة للتعليم والتعلم، ولكنها ليست الوسيلة الوحيدة، كما أها ليست -د ا ئ م ا ً- الوسيلة الأفضل، يساعد في البحث عن بدائل أخرى، ووسائل جديدة تكون في متناول الجميع. ٦- التركيز على المعلمين، وتطوير أدائهم التدريسي، وتدريبهم على استخدام التقنية بفاعلية يساعد في تحقيق أهداف مدرسة المستقبل. ٧- التقويم المبني على الشفافية والوضوح والمصارحة لواقع التعليم اليوم يفيد في العمل على حل مشكلات مدارس اليوم وتطويرها لتتلاءم وحاجات المستقبل القريب. أسأل االله عز وجل أن يكلل جهود المصلحين من التربويين بالنجاح، وأن يجزي خ ير ا ً من قرأ هذه الورقة في نسختها الأولى ونقدها. واالله تعالى أعلم.

المراجع

موسوعة الأبحاث العلمية

التصانيف

تصنيف :الأبحاث