إن الانتحار شيء مزعج جدا لأنه يبرز أسئلة مخيفة عن طبيعة الإنسان وبالتالي عن أنفسنا. إن الأفعال تتحدث بصوت أعلى من الكلمات والانتحار يقول بأعلى صوت ممكن إن المنتحر لا يقبل بتلك الاعتقادات عن الحياة التي تبدو أمورا واضحة بالنسبة إلينا.
قد يكون قانون الحفاظ على الحياة هو قانون الطبيعة الأول لكن الأمر ليس كذلك بالنسبة للمنتحر. فالمنتحر بشكل أو آخر يتصور إنه حيثما يوجد الموت يوجد الأمل.. إنه يهتم بشكل قليل بحقه بالحياة الذي لا يمكن التصرف به.. كذلك الأمر بالنسبة إلى الحرية والسعادة اللتين وهبهما الله له وأعلنتا في كل أصقاع الأرض أنهما حق لكل الإنسان.
وبينما يملك المنتحر دوافع الانتحار فإن منطقه الذي يتبعه يختلف عن المنطق العام والفهم السليم وفيما عدا حالات نادرة يكون دافع الانتحار فيها عذابا شديدا أو مرضا عضالا فإنه من الصعب علينا فهم أسباب الانتحار بمفاهيمنا العادية. والمعتقد أن المنتحر يظن أنه بانتحاره يكسب شيئا أثمن من الذي فقده لذلك نظن أن منطق الانتحار حالم وغريب.. ولكي نفهم المنتحر ونظهر دوافعه الحقيقية يجب أن نتبع آثار أولئك الذين انتحروا، عن طريق معارفهم والقصص والأشعار التي تركوها والتي ترجموا فيها دوافعهم، ولكن يجب أن ننتبه الى أن دوافعهم قد تكون مخبأة عن أعماق أنفسهم في عالم اللا شعور.
نسب الانتحار
إن فهم دوافع الانتحار ليس بالأمر الأكاديمي الصرف. إنه يفيد بشكل عملي في جعلنا بوضع أفضل لمنع هذه الحوادث المأساوية بين المرضى الذين نراهم.
تشير الاحصاءات إلى أن الانتحار هو السبب الثاني للوفيات في المدن الجامعية. والسبب الرئيس للوفاة بين طلاب الطب، والسبب الثالث للموت بين عمر 19-15 سنة وهناك أكثر من 35 ألف حالة انتحار في الولايات المتحدة كل عام وحوالي 10 أضعاف هذا العدد من حالات الانتحار غير الناجحة.
إن العدد الحقيقي هو أعلى مما تظهره الإحصائيات وربما يكون أكثر من ستين ألفا في العام وهناك دائما رغبة عند المنتحر أو أهله بأن لا يعلم أحد أن سبب الوفاة هو الانتحار.
ففي الغرب عموما كثير من شركات التأمين تضع قيودا على التعويض إذا تم الانتحار خلال سنتين من إجراء عقد التأمين. وفي معظم المجتمعات إن لم يكن جميعها كثير من الناس يخفون حادثة الانتحار خوفا على سمعة العائلة وعلى الأطفال لأن الانتحار يسبب عيبا اجتماعيا وشعورا بالذنب عند الأحياء.
حقيقة لا ينتبه لها غالبا وهي أن الكثير من حوادث السيارات التي لا يعرف سببها بشكل واضح توصف بأنها عفوية وفي كثير من الحالات- حيث لا يرغب المريض بشكل شعوري بالقيام بحادث- فإنه يتصرف بطريقة يجلب فيها موته بقيادة السيارة بينما يكون ثملا، وتوصف بأنها حوادث عفوية وليست انتحارا.
يمكن أن أضيف إلى أسباب نقص أرقام الإحصائيات عن الواقع شعور الطبيب بالذنب إذ غالبا ما يكون المريض قد زار طبيبه قبل انتحاره بأيام. وفي إحدى الإحصائيات المعاصرة في الولايات المتحدة الأمريكية تبين أن %80 من المنتحرين قد زاروا طبيبا خلال 6 أشهر من الانتحار، و %50 منهم قد زاروه خلال شهر أو أقل.
للأسف غالبا ما يساعد الطبيب مريضه على الانتحار بدلا من منع حدوثه. إن حوالي %20 من الحالات قد تمت باستعمال أدوية مهدئة موصوفة من قبل الطبيب. في إحدى الدراسات كان %50 من المنتحرين قد حصلوا على الدواء بوصفة واحدة من طبيبهم. وهكذا يمكنني القول إن الطبيب هنا وكأنه يضع المسدس في يد المريض رغم علمه أن المريض يمر بحالة اكتئاب.
وبائيات الانتحار
- الانتحار هو السبب التاسع المؤدي للموت في الولايات المتحدة الأمريكية بعد مرض القلب والسرطان والنشبة الدماغية ومرض الانسداد الرئوي المزمن والحوادث وذات الرئة وداء السكري وAIDS.
- معدل الانتحار في الولايات المتحدة الأمريكية هو وسط نسبته في المناطق الأخرى النامية.
لننظر في البداية لنوعية الأشخاص الذين انتحروا. يظهر الانتحار في الذكور المتقدمين بالعمر، المنعزلين (غير المتزوجين، المطلقين، المنفصلين)، وهناك الذين يعيشون في أمكنة منعزلة، الذين يعانون من البطالة، الأمراض الانفعالية والجسدية، فقد أحد الأبوين قبل عمر 15 سنة بالموت أو الانفصال أو الطلاق (ضعف النسبة المتقدمة)، دخول لمشفى نفسي سابق (12 ضعف المتوقع)، محاولة انتحار سابقة (20 ضعف المتوقع). الطبيب الذكر (%15 أكثر من المتوقع)، الطبيبة (4-3 أضعاف المتوقع)، الحالة الاقتصادية السيئة، أعياد الميلاد (%10-5 زيادة)، الأميريكيون الهنود (ضعف النسبة المتوقعة)، المحارب القديم الذي دخل المشفى النفسي سابقا أو حاول الانتحار في الماضي (90 ضعفا)، وعلى كل تنخفض هذه النسب بشدة خلال الحروب، الاضطرابات الكبيرة، الانتفاضات الشعبية.
تشير الدراسات والإحصائيات أن %70 من المنتحرين رجال، 4/3 حالات الانتحار تقع بعد سن 40، وهو أعم بين البيض من الزنوج، وعلى كل تشير الدراسات والإحصاءات الأخيرة بأن النسبة هي في ارتفاع سريع بين السود والنساء.
بشكل عام النساء يحاولن الانتحار أكثر من الرجال لكن الرجال ينجحون بنسبة أكبر. والرجال هم ضحايا 3 من 4 محاولات انتحار ناجحة. لماذا ينجح الرجال بينما تفشل النساء؟.. السبب ربما كون الرجل يحتفظ بمشكلته لنفسه دون طلب المساعدة من الآخرين ويستعمل وسائل أكثر عدوانية وأذى مثل الأسلحة النارية والتردي من عل، والطعن بينما تستعمل النساء وسائل أقل حتمية مثل التسمم بالمهدئات.. وتبدو القمة عند الرجل بعمر 30-20 سنة وتتناقص النسبة حتى عمر 60 سنة ثم تتجاوز بعد ذلك القمة الأولى بعمر 79-75 حيث النسبة (1000000/50). النسبة لدى الأمريكيين الهنود والسود تصل القمة بعمر 35-25 سنة ثم تنخفض. عند النساء تتصاعد النسبة حتى عمر 55 ثم تنقص بعد ذلك. الرجال غير المتزوجين أو المطلقين لديهم نسبة تساوي ضعف المتزوجين وغالبا يكون كل المنتحرين مرضى في مشاعرهم.
عموما أكثر المنتحرين إما أن يكونوا مكتئبين أو يعانوا من الكحولية أو الإدمان على المخدرات أو فصاميين. وهكذا يمكن تلخيص الأمور التي لها علاقة بالانتحار بـ: الجنس (ذكر)، العمر (40 سنة)، الاكتئاب، الإدمان على الكحول، فقد التفكير العقلاني، نقص الدعم الاجتماعي، عدم وجود شريك الحياة، المرض (الجسدي)، خسارة علاقات حديثة، نقص تقدير الذات.
إن إحصائيات الكثير من الدول بشكل عام تعتبر صعبة للمقارنة، فهنغاريا، السويد، النمسا، الدانمرك فيها أعلى نسب للانتحار مما هو في إحصائيات الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن ماذا يعني ذلك؟ هل يعني أن إحصائيات تلك الدول أفضل من إحصائيات الولايات المتحدة الأمريكية أم أن أفراد مجتمعاتها أكثر صراحة؟.
السلوك الانتحاري
1. المحاولة
- بشكل تقريبي هناك تسع مرات محاولات انتحار أكثر من الانتحارات الحقيقية، وبشكل تقريبي %30 من الذين يحاولون الانتحار يحاولون مجددا و %10 منهم ينجحون.
- غالبا ما يرتكب الرجال الانتحار بشكل أنجح من النساء بمقدار ثلاث مرات مع أن النساء غالبا ما يحاولن الانتحار أكثر بأربع مرات مما يفعله الرجال.
2. التقييم السريري. يجب على السريريين أن يقيموا خطر الانتحار خلال كل فحص للمريض الذي ربما يكون لديه مزاج مكتئب.
- يقترح أن يبقى المريض في المشفى إذا كان التهديد خطيرا والمريض قد أدخل المشفى.
- الدخول إلى المشفى بالاكراه (دون موافقة المريض) وبشكل إسعافي قد استخدم للمرضى الذين لا يستطيعون أو لن يوافقوا على الدخول إلى المشفى ويطلبون شهادة من طبيب أو طبيبين. ويستطيع الطبيب في الولايات المتحدة الامريكية بالاعتماد على قانون الولاية الفردي أن يحتجز المريض لمدة تبلغ 60-15 يوما قبل أخذ رأي المحكمة.
عوامل الخطر
1. المراتب المتسلسلة للخطر. العوامل الأعلى خطورة للانتحار (في الترتيب التناقصي للخطر) هي:
- محاولة انتحارية جدية سابقة.
- الأكبر من عمر 45 سنة.
- الاعتماد على الكحول.
- قصة سلوك عنيف.
- الجنس الذكري.
2. الاكتئاب
- إن المرضى الذين يتماثلون للشفاء من اكتئاب شديد هم في خطر عال لارتكاب الانتحار أكثر من أولئك الذين ما يزالون مكتئبين بشدة والسبب هو أن أولئك المرضى قد استردوا وضوحا كافيا للفكر والطاقة ليتصرفوا وفق أفكارهم الانتحارية..
- الظهور المفاجئ للسلام (للأمن) في مريض مكتئب ومهتاج سابقا هو عامل خطر آخر من أجل الانتحار وهذا ربما يدل على أن المريض قد توصل إلى قرار داخلي أن يقتل نفسه وهو الآن هادئ.
- المرضى المكتئبون الذين يعتقدون أن لديهم مرضا خطيرا هم في خطر متزايد ومعظم المرضى الذين ارتكبوا الانتحار قد زاروا الطبيب مع شكوى جسدية في الأشهر الستة السابقة للقيام بالفعل.
3. المهنة
يتزايد خطر الانتحار بين النساء الماهرات وخصوصا الطبيبات. ويتضمن خطورة التعرض لكل من الجنسين من المهن التالية: أطباء الأسنان، موظفي الشرطة، المحامين والموسيقيين.
4. الخطة من أجل الانتحار
الأشخاص الذين لديهم خطة أو يمتلكون وسائل فعالة لارتكاب الانتحار (مثلا أدوية وبنادق) هم في خطر متزايد.
جدول: عوامل خطورة الانتحار
المراجع
موقع طبيب
التصانيف
طب العلوم التطبيقية الطبي