الخطبة الأولى:
الحمد لله الواحد الأحد, الماجد الصمد, الملك القدوس السلام الذي لم يلد ولم يولد, ولم يكن له كفواً أحد, أحمده حمداً ليس له حد, وأشكره شكراً لا يُعد, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, خالق الأحمر والأبيض والأسود, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خير من صلى وصام وصبر, وحج وأنفق وتصدق وعلى جود ربه اعتمد, اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمد, وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم لا ينفع فيه مال ولا ولد, إلا من التزم شرع الله فقارب وسدَّد, أما بعد:
أيها الناس:
إن من يتأمل سنة الله في الأمم الماضية، ويقرأ تاريخ هذه الأمة المسلمة يصل إلى حقيقة واحدة هي أنه كلما ضلت أمة من الأمم عن الحق، وابتعدت عن الهدى، وقادها أهل الزيغ والضلال، وتحكم في شؤونها المفسدون، فإن من سنة الله أن يبعث فيها نبياً من الأنبياء يبين الحق للناس، ويكشف الباطل وأهله ويحمل راية الإصلاح والجهاد، صابراً على ما يصيبه من الأذى.
كان الأنبياء والرسل -عليهم الصلاة والسلام- يدعون أقوامهم إلى الحق, ويطالبون رؤساءهم من الملأ بالإذعان والطاعة لأمر الله وحكمه، وتحكيم شرعه في كل شؤون الحياة، ويكشفون للناس الباطل القائم، وخذ مثلاً لذلك قصة شعيب -عليه السلام- مع قومه حيث ذكر الله عنه بأنه دعا قومه إلى الالتزام بشرع الله، ونهاهم عن البغي والفساد، قال تعالى: وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ* وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (84-85) سورة هود, فجمع -عليه السلام- في دعوته بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يقتصر على العبادة الفردية، بل دعاهم إلى إصلاح شؤونهم الاقتصادية والاجتماعية، وهذا معلم واضح من معالم دعوة الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- الدعوة المتكاملة التي تقتضي التغيير الشامل لجميع جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛ ليكون الدين كله لله، فلم يكن أنبياء الله بمعزل عن واقع قومهم، ولم ينشغلوا بقضية الأفراد عن قضايا الملأ وعن مظالم المجتمع.
ولما بعث الله محمداً -صلى الله عليه وسلم- أنزل عليه القرآن ليكون كتاب هداية ومنهج حياة آمنة مطمئنة، فمن يقرأ القرآن يجد أنه منهج شامل يوجه حياة الناس في جميع جوانب الحياة، فقد حمل -صلى الله عليه وسلم- أمانة الرسالة، ودعا الناس إلى كل خير وفضيلة، ونهى عن كل سوء ورذيلة: أمر بإقامة العدل ونشره بين الناس، ودعا إلى إقامة شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحارب كل أنواع الظلم والعدوان سواء أكان ذلك على مستوى الأفراد أو الجماعات.
ولم تقتصر توجيهات القرآن على الجوانب الشخصية لحياة الأفراد، بل شملت الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وحيث أن محمداً -صلى الله عليه وسلم- هو خاتم الأنبياء؛ إذ لا نبي بعده، فقد حمل المسؤولية بعده العلماء الصادقون كما ورد بذلك الأثر: (وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ, وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ, وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ, وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ)1.
هذه المسؤولية التي تحملها العظماء من علماء الأمة الربانيين طوال تاريخ الإسلام كانت بمثابة السور الآمن الذي حمى الأمة من عواصف الانحلال والفساد، ولا شك أن الناس بدون العلماء جهال، تتخطفهم شياطين الإنس والجن، من كل حدب وصوب، وتعصف بهم الضلالات والأهواء من كل جانب، ومن هنا كان العلماء من نعمة الله على أهل الأرض، فهم مصابيح الدجى، وأئمة الهدى بعد الأنبياء.
والعلماء الذين نعنيهم هم العلماء الربانيون الجريئون في قول الحق المحبون الخير للأمة، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، والمحاسبون للولاة، الناصحون لهم بالحق، الذين اتصفوا بخلق المرسلين، يقولون للظالمين ظلمتم وللمفسدين أفسدتم، لا يخشون أحداً إلا الله سبحانه، ولا يسكتون عن حق واجب إذاعته، ولا يكتمون حكماً شرعياً في قضية أو مشكلة سواء أكانت متعلقة بشؤون الأمة أم بعلاقات الدولة، إذ صلاح الأمة منوط بصلاح العلماء وقيامهم بواجبهم.
عباد الله: لهذه النوعية العظيمة من العلماء صفات يتسمون بها، يمكن إجمالها فيما يلي:
أولاً: الإخلاص في القول والعمل: وهو أن يريد العالم بعلمه وجه الله والدار الآخرة، في الحديث: (لَا تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ لِتُبَاهُوا بِهِ الْعُلَمَاءَ, وَلَا لِتُمَارُوا بِهِ السُّفَهَاءَ وَلَا تَخَيَّرُوا بِهِ الْمَجَالِسَ, فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَالنَّارُ النَّارُ)2.
وإن أول من تسعر بهم النار يوم القيامة رجل تعلم العلم وقرأ القرآن لغير الله3، وفي الحديث الآخر: (مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنْ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)4. يَعْنِي رِيحَهَا.
ثانياً: العلم بما علم ودعوة الناس إلى ذلك؛ فإنه لا فائدة من علم لا يتبعه العمل، ولهذا فإن العلماء العدول تجد علمهم في حركاتهم وسكناتهم وصمتهم وكلامهم ومواقفهم، يقول الإمام علي -رضي الله عنه-: "يا حملة العلم اعملوا به، فإن العالم من عمل بما علم فوافق عمله علمه، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، يخالف علمهم عملهم، وتخالف سريرتهم علانيتهم، يجلسون حلقاً حلقاً فيباهي بعضهم بعضاً، حتى إن الرجل ليغضب على جليسه إذا جلس إلى غيره وتركه أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله عز وجل". وفي الحديث عن ابن مسعود -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (لَا تَزُولُ قَدَمُ ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ, وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلاهُ, وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ, وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ)5.
ثالثاً: خشية الله ومراقبته في القول والعمل: قال سفيان الثوري: إنما يطلب الحديث ليتقى به الله، قال ابن عبدالبر: "وليعلم المفتي أنه موقع عن الله أمره ونهيه، وأنه موقوف ومسؤول عن ذلك", وعن مالك رحمه الله أنه كان إذا سئل عن مسألة كأنه واقف بين الجنة والنار، وقال بعض أهل العلم لبعض المفتين: إذا سئلت عن مسألة فلا يكن همك تخليص السائل، ولكن تخليص نفسك أولاً.
رابعاً: قول الحق وإظهاره: ومن أهم واجباتهم الرد على شبهات أهل الزيغ والضلال, وإنكار المنكرات المعلنة الظاهرة وبيان خطرها، وإعلام الأمة بذلك، وعدم التدليس عليهم؛ لئلا يتخذ الناس سكوت العلماء عن المنكر الظاهر والظلم والبغي حجة في اعتقاد أن ذلك حق, لاسيما مسائل الاعتقاد: كالحكم بغير ما أنزل الله مثل القوانين الوضعية, واستحلال ما حرم الله وتقنينه وإلزام الناس به، وموالاة المشركين ومظاهرتهم على المسلمين، التي يترتب على السكوت عنها ضياع الفهم الصحيح لدين الله واندراسه، وانقلاب الحق باطلاً والباطل حقاً في نفوس عامة الناس، مما لا يجوز السكوت عليه, وهذا البيان للحق هو الميثاق الذي أخذه الله على أهل العلم بقوله: وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187) سورة آل عمران.
خامساً: التعاون والتشاور والتناصح: وذلك بتبادل الرأي والمناداة إلى اجتماع كلمة المسلمين على الحق حتى تتحقق المصالح العامة، ولا شك أن العلماء هم أولى الناس بجمع كلمة المسلمين، إذ الأمة إنما تجتمع على علمائها فإذا اجتمعت كلمة العلماء، وتوحدت وحصل بينهم التعاون والتناصح، فإن ذلك أدعى إلى اجتماع الأمة وتعاونها وتضامنها في وجه عدوها.
سادساً: مناصرة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها: إذ أن مسؤولية العلماء ليست محصورة بقطر أو ببلد بل ينبغي أن يعيشوا ويعايشوا هموم الأمة، ويناصروا المسلمين، ويردوا على أعدائهم ويرفعوا الظلم عنهم بما يستطيعون، لا يخشون في ذلك أحداً إلا الله سبحانه، وذلك أسوة بنبيهم محمد صلى الله عليه وسلم, وإن دعوتهم ورسالتهم لا ينبغي أن تحصرها الأقطار ولا الجنسيات لاسيما في أيام الفتن وظهور البدع وانتشار الفساد والظلم والعدوان.
سابعاً: كشف سبيل المجرمين: وذلك بتحذير الأمة من خطر أصناف المجرمين، وطرق الظالمين وخداع المنافقين، وهذا هو جزء من بيان الحق وإظهاره، وكما قيل: "وبضدها تتبين الأشياء"، والعلماء هم أعرف الناس بشُبه المنافقين وخفاياهم، الذين يمثلهم اليوم بكل وضوح أصناف العلمانيين، ولهذا أمر الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- بجهاد المنافقين، وكشف سبيلهم لتحذر الأمة من الوقوع في غوائلهم، ومن الانخداع بمظاهرهم الكاذبة.
ثامناً: الحذر من مجالسة أهل الأهواء: أولئك القوم الذين لا تزال آثار الهوى والحسد تظهر في أقوالهم وأعمالهم، فهم باب فتنة في كل زمان ومكان, ومفتاح شر على الأمة في السابق واللاحق، وهل ما أصاب الإمام أحمد، وابن تيمية وغيرهما من علماء الأمة إلا بسبب هذا الصنف من الناس؟ والأصل في علماء الأمة أن يتولوا الرد على أهـل الأهواء، ويحذروا الناس من مخالطتهم؛ لأن الناس تبع لعلمائهم، فإذا رأوا علماءهم يلاطفون أهل الأهواء، فإنهم يقعون في شباكهم ويظنون أن ما عندهم هو الصواب! إن علماء المسلمين هم الذين كانوا يقودون حملات الجهاد ويرفعون رايات الإصلاح، ويدافعون عن حقوق أمتهم، فلم ينزلوا في مساجدهم أو منازلهم أو يقتصروا على تدريس طلابهم، وإفتاء الناس في قضاياهم الخاصة من طلاق ووضوء وصلاة وبيع وشراء وغيرها, مع أهمية ذلك كله، بل كانوا يعلمون أن مسؤوليتهم أكبر من ذلك بكثير, وأن واجبهم تجاه الأمة يتعدى هذه الأمور كلها ليصل إلى مناصرة المسلمين، ومناهضة الكافرين، وكشف ضلال الفاسقين, ورد الظالمين عن ظلمهم، وحماية شرع الله من التحريف أو التعديل ونبذ التحاكم إلى القوانين الوضعية أو التلاعب بأوامر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
اللهم وفق علماء المسلمين إلى الصواب، وثبتنا وإياهم على الحق، إنك على كل شيء قدير6, وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد, وآله وصحبه أجمعين, ونستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ونتوب إليه, إن ربنا لغفور شكور.
الخطبة الثانية:
الحمد لله الذي أرسل الرسل مبشرين ومنذرين, وأنزل معهم الكتاب والميزان؛ ليقوم الناس بالقسط, ويتحقق العدل بين المخلوقين, وجعل لهم خلفاء يخلفونهم في أممهم علماً وعملاً ليكونوا قدوة للعاملين, ومنارا للسالكين, وشهداء على العالمين, وهؤلاء الخلفاء هم العلماء الربانيون الذين اكتسبوا العلم ابتغاء وجه ربهم وربوا به الأمة علماً وعملاً فكانوا هداة مهتدين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين, وجامع الناس ليوم لا ريب فيه ليحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خاتم النبيين وإمام المتقين, فليس بعده نبي وإنما هم العلماء كالأنبياء في هداية العالمين, صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً, أما بعد7:
أيها الناس:
ونحن نتحدث عن سيرة العظماء من أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين أناروا السبيل للأمة يجب أن لا يفوتنا أن السيرة العطرة لم تقتصر على علماء الأمة من التابعين ومن بعدهم, بل لابد من التطرق إلى من جمعوا بين تلك السيرة المضيئة وصحبة رسول الهدى والسيرة الشريفة محمد -عليه الصلاة والسلام- إنهم أصحابه الكرام, إنهم حملة رسالة الإسلام الأولون، وهم أنصار رسول الله -صلى الله عليه وسلم-المنافحون عنه، المجاهدون في سبيل إعلاء كلمة الله، ونشر دعوته, هؤلاء الذين كانوا في يوم من الأيام لو أصابهم الهلاك لما عبد الله بعد ذلك, هؤلاء الذين كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-ينظر إليهم يوم بدر وهم يقاتلون المشركين، ويرفع رأسه إلى السماء قائلًا: (اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ)8, هؤلاء الذين ورد في فضائلهم من الآيات والسنن ما يضيق عن الحصر، ويتجاوز العد, هؤلاء الصحابة الذين آمنوا بالله ورسوله، وعزروه ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه, هؤلاء هم أفضل خلق الله بعد أنبياء الله، وهم أكرم خلق الله على الله بعد أنبيائه ورسله, هؤلاء الذين أكّد كتاب الله، وأكدت سنة رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- صدقهم وعدالتهم وتقواهم، والتزامهم التام بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ولذلك فقد نوه بفضائلهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-وحذر من أن تجحد أو تنسى، وأوصى بهم كما أوصى بأهل بيته، فقال: (لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي, لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي, فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ, لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا, مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ)9.
وأمر -عليه الصلاة والسلام- بحبهم وتوقيرهم، والنظر إليهم نظرة إجلال وتقدير, فلقد كانت بين أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- محاورة فأغضب أبو بكر عمرَ فانصرف عنه عمر مغضباً, فاتبعه أبو بكر يسأله أن يستغفر له فلم يفعل حتى أغلق بابه في وجهه, فأقبل أبو بكر إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال أبو الدرداء: "ونحن عنده" فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أَمَّا صَاحِبُكُمْ هَذَا فَقَدْ غَامَرَ) قال: وندم عمر على ما كان منه فأقبل حتى سلَّم وجلس إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وقص على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الخبر, قال أبو الدرداء: "وغضب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجعل أبو بكر يقول: "والله يا رسول الله, لأنا كنت أظلم", فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي صَاحِبِي؟ هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي صَاحِبِي؟ إِنِّي قُلْتُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا, فَقُلْتُمْ: كَذَبْتَ, وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقْتَ)10.
فإذا كان الصحابي المتأخر لا يبلغ من الفضل مبلغ الصحابي المتقدم ويعتبر رفعه لصوته عليه، وعدم تأدبه معه يغضب الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- فما بالكم بأولئك الذين ينتقدون أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويؤذون رسول الله فيهم ويوجهون لهم شتى التهم والطعون؟!11.
فيجب علينا أن نتأدب مع العلماء من الصحابة الكرام ومن بعدهم, ويجب أن نقدرهم ونعطيهم ما يستحقون من الإجلال والتقدير؛ فهم من أخشى العباد لله -جل وعلا- كما قال تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء (28) سورة فاطر. فهم العظماء وتلك سيرتهم, ونسأل الله أن يرزقنا الهداية والعلم النافع والعمل الصالح, وصلى الله على نبينا محمد, وعلى آله وصحبه وسلم, والحمد لله رب العالمين.
1 رواه أبو داود (3641) والترمذي (2682) وقال الألباني: "حسن لغيره", كما في صحيح الترغيب والترهيب (70).
2 رواه ابن ماجة (254), وقال الشيخ الألباني: صحيح انظر حديث رقم (7370) في صحيح الجامع.
3 رواه الترمذي (2382) وصححه الألباني في صحيح الجامع (1713).
4 رواه أبو داود (3664) وأحمد (8438) وصححه الألباني في مشكاة المصابيح (227).
5 رواه الطبراني في الكبير (9772) وحسنه الألباني في صحيح الجامع (7299).
6 من مقال لـ(عبد اللطيف الوابل) في مجلة البيان العدد 79 ص 16 ربيع الأول 1425هـ.
7 من مقدمات خطب الضياء اللامع للشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى.
8 رواه مسلم (1763).
9 رواه البخاري (3470) ومسلم (2540).
10 رواه البخاري (4364).
11 بتصرف من كتاب خطب مختارة اختيار وكالة شئون المطبوعات والنشر بوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية.
المراجع
موسوعة امام المسجد
التصانيف
المعرفة