دير الزور ... مهد الحضارات
 
قيل قديماً: الحضارات العظيمة لا تتوضع إلا على ضفاف الأنهار العظيمة. ونهر الفرات العظيم بطوله البالغ ألفين وأربعمائة كيلومتراً اختصر على ضفتيه منذ أقدم العصور حضارات العالم بأسرها.
 
نهر له قدسية وجلال جاء لفظه في التوراة والقرآن الكريم، وقد روي عن الإمام علي بن أبي طالب أنه قال: "يا أهل الكوفة إن نهركم هذا يصب إليه ميزابان من الجنة"، وعند عبد الله بن عمير قوله:
   إن الفرات من أنهار الجنة ولولا ما يخالطه من الأذى ما تداوى به مريض إلا أبرأه الله تعإلى إن عليه ملكا يذود عنه الأدواء.
 
وروي أن عبدالله جعفر بن محمد الصادق شرب من ماء الفرات ثم استزاد واستزاد فحمد الله تعإلى وقال:
 
نهر ما أعظم بركته ولو علم الناس ما فيه من البركة لضربوا على حافتيه القباب ولولا ما يدخله من الخطائين ما اغتمس فيه ذو عاهة إلا برأ.
 
وقال فيه الشاعر رفاعة بن أبي الصيفي:
 
ألم تـر هامتي من حب ليلى *** على شاطىء الفرات لها صليل فلو شربت بصافي الماء عذبا *** من الأقـذاء زايلـها الغليـل
 
هذا عن نهر الفرات الذي يمر بمدينة دير الزور، أما النهر الثاني فهو الخابور الذي يبلغ طوله 442 كم فيدخل من مجراه في دير الزور حوالي 75 كم ذلك النهر الذي ينبع من أراضي محافظة الحسكة حيث ينابيع منطقة رأس العين التي تشكل بداية هذا النهير متجهاً نحو الجنوب الشرقي مباشرة من بلدة البصيرة، وقد اشتهر نهر الخابور منذ أقدم العصور وأشارت إليه لوحات بابلية قديمة وذكرته كتب اليونان والرومان والعرب ونوهت بما كان لواديه الجميل من فتنة وبسطة وثراء وقد اشتق اسم الخابور من أرض خبراء وخبرة وهي القاع الذي ينبت فيه السدر أو من الخبار، وهي الأرض الرخوة ذات الحجارة، وقيل من خبرت الأرض إذا حرثتها. ورد ذكر الخابور في الشعر العربي في أبيات الفارعة بنت طريف ترثي أخاها وليد حيث تقول:
 
أيا شجر الخابور مالك ورقا *** كأنك لم تجزع على ابن طريف
 
وقول الأخطل التغلبي: أراعك في الخابور نوق وإجمال ورسم عضه الريح بعدي بأذيال
 
وقول ابن الأعرابي: رأت ناقتـي ماء الفرات بطيبه ***أمر من الدفلى الزعاف وأمقرا وحنت إلى الخابور لما رأت به ***صياح النبيط والسـفين المقيرا
 
وقول جرير: نبئت أنك بالخابور ممتنع *** ثم انفرجت انفراجا بعد أقدار
 
حضارة وقداسة خص الله بهما أبناء الفرات والخابور فلا عجب أن يدون التاريخ بكل فخر حضارتهم وسيرة رجالاتهم أساطين العلم والمعرفة والفكر والأدب الذين أغنوا التراث الإنساني وسطروا في كل سفر منه ملاحم خالدة تعيش في ذاكرة الأجيال. إنها مهد الإنسان القديم الذي عاش في أحضانها منذ أكثر من ستة آلاف سنة وهذه بقرص تدل عليها لكنها بسبب عراقتها وقدمها والحضارات التي تعاقبت عليها جعلت موقعها واسمها يتغيران بتغيير الأحوال والأزمان فلقد استوطن السومريون دير الزور في النصف الثاني من الألف الرابع قبل الميلاد وامتد نفوذهم إلى مدينة ماري (بالقرب من مدينة البوكمال) ثم جاء الأكاديون بقيادة سرجون الأول ليؤسس الدولة الآكادية فيها ويقضي على النفوذ السومري في ماري وغيرها من مدينة الفرات الواقعة ضمن إطار محافظة دير الزور وذلك في عام 2400 ق.م.
 
ثم جاء الأموريون وهم من الأقوام العربية السامية الأولى التي هاجرت من شبه الجزيرة العربية حوالي 2500 ق.م. فأسسوا دولة كبيرة ضمت دير الزور في رحابها.
 
وفي عام 1791 ق.م. جاء إلى الحكم الملك البابلي حمورابي الذي كان قائداً عسكرياً ومشرعاً نابهاً وحاكماً مدنياً فضم دير الزور ومدنها إلى مملكته وظهر على الساحة الملك الآشوري شمس حدد الأول ووضع دير الزور نصب عينيه فضمها إلى مملكته في عام 1310 ق.م.
 
لكن البابليين عادوا مرة أخرى في عام 605 ق.م. واستردوها من الآشوريين، وبقيت دير الزور في حكمهم إلى أن جاء الملك الفارسي كورش عام 559 ق.م. ليضم دير الزور إلى سلطة الإخمينيين الفرس حتى عام 332 ق.م. عندما قدم الإسكندر المقدوني إلى البلاد ليدحر الإمبراطور الفارسي داريوس الثالث وينهي السيطرة الفارسية على دير الزور وقد أخضع سورية بأكملها لحكمه أمر أحد قادته واسمه سلوقس الأول نيكاتور على اسم المدينة التي ولد فيها في مقدونيا وكان ذلك عام 300 قبل الميلاد وهي التي تعرف الآن بصالحية البوكمال. ثم جاء الرومان بقيادة بومبي وقضى على حكم السلوقيين وبقيت دير الزور تحت حكم الرومان حقبة طويلة من الزمن استمرت حتى مطلع القرن السابع الميلادي.
 
أهتم الرومان اهتماما كبيرا بمدينة قرقيسياء (البصيرة حالياً) فشيدوا سورها وأبراجها بالجهة التي تصل الفرات بالخابور، وفي العصر الروماني لعبت الإمارة العربية التي قامت في تدمر دوراً هاماً في تاريخ دير الزور إذ استطاعت في عهد أذينة وزنوبيا أن تصبح مملكة عظيمة زاهرة فأعادوا الحياة إلى مدينة حلبية وزلبية غير أن الرومان أوجسوا خطرا من توسع زنوبيا فأنهوا حكمها في عام 272 م.
 
ثم دخلت دير الزور الإسلام في عهد الخليفة عمر بن الخطاب حوالي 640 م، على يد القائد العربي عياض بن غنم ودخل معظم قبيلة تغلب الإسلام عاشت سنين ازدهار وقد تمردت على الحكم الأموي وتحصن فيها زفر بن الحارث الكلابي فلحقه عبدالملك بن مروان إلى قرقيسيا، وقضى على تمرده.
 
أدرك العباسيون أهمية دير الزور الجغرافية والاقتصادية والسياسية والعسكرية فكانت الرقة مصيفاً للرشيد والرحبة قلعة عسكرية ومركزا للتدريب والسلاح وكان للوالي مالك بن طوق التغلبي في عام 813 م بلاط يؤمه الشعراء أمثال البحتري وحبيب بن أوس (أبو تمام) ثم آلت دير الزور إلى حمدان بن ناصر الدولة التغلبي الذي ولاه إياها وإلى الموصل ناصر الدولة الحسن بن عبدالله بن حمدان. وفي عهد الخليفة العباسي المقتدر سار أبو طاهر القرمطي صاحب البحرين إلى الكوفة 315 هـ وبلغ الرحبة ودير الزور، وفتحهما عنوة وقتل كثيراً من السكان وبقي فيها قرابة سبعة أشهر، ثم خضعت دير الزور إلى سلطان الطولونيين في عهد خمارويه 884-895 م وآلت إلى الفاطميين 969 م (448 هـ) في عهد الخليفة المعز على يد القائد جوهر الصقلي الذي قام بطرد الإخشيديين من سورية. وفي عام 970 م خضعت دير الزور إلى السلاجقة على يد القائد السلجوقي كربوقا الذي جاءها من الموصل ودخل الرحبة ونهبها ووكل نائبا عنه عليها.
 
ولما جاء عماد الدين الزنكي عام 1128 م إلى الحكم على بلاد الشام وهو أول ملوك الدولة الأتابكية أوكل ديرالزور ورحبة إلى جاولي وهو مملوك، ولما امتلك نور الدين محمود بن عماد الدين الزنكي الجزيرة والفرات اقطع أسد الدين شيركوه (عم صلاح الدين الأيوبي) الرحبة ودير الزور لتدخل في ظل العهد الأيوبي تحت لواء صلاح الدين الأيوبي عام 1170 م وبقيت الدير والرحبة بيد عائلة شيركوه قرناً من الزمن.
 
وفي عام 1259 سيطر هولاكو على المنطقة ليستعيدها منه الظاهر بيبرس (لأن الظاهر بيبرس قضى على جيش هولاكو في معركة عين جالوت عام 1260 م) ثم يغزوها التتار بقيادة خربندا وتتعرض لغزو مغولي آخر بقيادة تيمورلنك 1400 م وهكذا بعد الغزوات والحروب المتعاقبة من قبل التتار فإن كل المدن الواقعة على ضفاف الفرات والتي كانت عامرة في الماضي أخذت تتهدم وتضمحل يضاف إلى ذلك العوامل الاقتصادية التي ساهمت في هذا الاضمحلال ومن بين هذه العوامل اكتشاف رأس الرجاء الصالح الذي حول طريق الهند عن اتجاهه الأصلي هذا الطريق الذي كان يصل مدن الفرات بالعراق ولم تشذ دير الزور عن هذه النهاية المحزنة.
 
لقد أثرت غزوات الأتراك لسورية 1516 في حالة هذه المدن فأصبحت شواطئ الفرات خالية خاوية وتحول طريق الهند إلى الشمال نحو بحر قزوين وإلى الجنوب نحو الإسكندرية وهدمت جميع السدود والمشاريع المتعلقة بالسقي والزراعة فازداد عمق الصحراء.
 
في عام 1574 م توقف في دير الزور الطبيب والعالم النباتي روولف أثناء زيارته لشواطىء الفرات قادماً من مدينة براجيك التركية متوجهاً إلى مدينة الفلوجة العراقية، وقد وصف مدينة دير الزور في كتابه الذي أصدره فيما بعد بأنها مدينة صغيرة يحكمها الأتراك وسكانها عرب ويقول: إن البيوت مبنية على تل من الجهة اليمنى لنهر الفرات وهي محاطة بسور وخندق
 
ويصف السكان بقوله: إنهم أقوياء الأجسام شعورهم سوداء، وهم لطيفون ويحبون الغرباء.
 
وفي 16 نيسان 1769 م وصل إلى دير الزور الأب اليسوعي جاكوب فيليوب وتلميذه، وقد أتيا من القسطنطينية، وكان الاثنان جائعين وقعا بأيدي قطاع الطرق، ويصف الأب فيليوب مدينة ديرالزور بقوله: ولقد وصلنا مسرعين إلى دير الزور حيث كان البدو يطاردوننا، ودير الزور قرية فقيرة قائمة على الفرات ويحميها أحد البكوات العرب باسم سلطان الأتراك ويتقاضى هذا البيك ديناراً ذهبياً عن كل مسيحى يمر من مدينة ديرالزور.
 
وفي عام 1809 م وصف السائح الفرنسي روسو في كتابه "باشوات بغداد" دير الزور بقوله: إنها قرية قليلة الأهمية تقطنها بعض العائلات العربية والتي تخضع من حيث المبدأ لسلطة باشا بغداد ولكنها في الواقع مستقلة.
 
وفي 15 أيار 1826 جاء إلى دير الزور الكولونيل الإنكليزي شيسني قادماً من براجيك عن طريق نهر الفرات وهو أول من سار في النهر بمركب تجاري وكان يأمل أن يكتشف طريقاً مائياً بين الهند والبحر المتوسط ماراً ببراجيك فانطاكية فنهر العاصي، وقد وصف دير الزور بقوله: الدير مبنية على هضبة مخروطية على الضفة اليمنى للنهر مواجهة لجزيرة الحويقة وعدد بيوتها ألفا بيت، وجزيرة الحويقة واقعة بين ذراع الفرات وقناة محفورة لتخفيف المياه أثناء الفيضان وهذه القناة جيدة الحفر قابلة لسير المراكب. 
 
وبدأ يقيس أثناء رحلته أعماق النهر ويحضر لخارطة طوبوغرافية نراها في كتابه "دي سورتي" وأوضح الكولونيل أنه لا توجد في تلك الفترة بدير الزور حكومة ولا تشكيلات إدارية وإنما أعيان البلد يحكمونها وفقا للتقاليد العشائرية.
 
وفي عام 1858 م مر بدير الزور القائد التركي السرادار الأكبر عمر باشا الكرواتي وهو من أصل مجري وأخضع دير الزور للنظام والقانون التركي.
 
وفي عام 1864 م جاء إلى دير الزور عمر باشا حاكماً من قبل ثريا باشا وكان والياً على حلب فأقام فيها تشكيلات إدارية جديدة وكانت دير الزور تابعة إلى حلب.
 
وفي عام 1865 م أصبحت المدينة سنجقاً مستقلاً تابعاً مباشرة للباب العالي وعين له حاكم هو القائمقام خليل بن ثاقب الأورفلي وهو الذي بنى السرايا القديمة.
 
وفي عام 1866 م أحدثت في دير الزور أول مدرسة ابتدائية وبوشر ببناء مدرسة إعدادية وعين المتصرف أرسلان باشا حاكماً على دير الزور.
 
وفي عام 1882 م بوشر بأول عملية إحصاء للسكان فبلغ خمسة آلاف نسمة، وقسمت المدينة إلى أربعة أقسام هي عبد العزيز والوسط والجامع الكبير والغرب، ومجموع هذه الأحياء ما يسمى بالدير العتيق الذي هو نواة المدينة الحديثة على التل.
 
وفي عم 1887م عين المتصرف إبراهيم باشا حاكماً على دير الزور فقام ببناء مدرسة مهنية ومدرسة ابتدائية للبنات، وكان قد بنى داراً للبلدية وجامع السرايا وتكية الشيخ أحمد الراوي عام 1885م. وفي عام 1893م في زمن المتصرف صالح باشا توسعت المدينة نحو الشرق والغرب على طرفي الطريق العام الحالي وتشكلت أحياء الشيخ ياسين، الرشيدية، وأبو عابد.
 
وفي عم 1896م زمن المتصرف مصطفى رفقي باشا أحدثت محلة الحميدية باسم السطلان عبد الحميد وبوشر ببناء الجسر الصغير والمشفى البلدي (قيادة المنطقة الشرقية حاليا).
 
وفي عام 1904م زمن المتصرف أحمد رشيد باشا الذي بنى مقراً للمتصرفية (مكان اتحاد العمال وسينما الكندي حاليا) وبنى الطابق الثاني من دار البلدية وفي عام 1908 بنى مدرسة فيض المشروطية (هنانو الآن).
 
وفي عام 1911م في عهد المتصرف جلال الدين بك الجبان انتهى العمل في بناء الجسر الكبير على شكل جسر فوق مراكب ثابتة متصلة (وهو غير الجسر الحالي).
 
وفي عام 1912م بلغ عدد سكان الدير 13 ألفاً وألحقت أحياء البعاجين والحميدية وعلي بك والعثمانية.
 
وفي عام 1916م عين المتصرف زكي بك الجركسي وفي عهده جرت مذابح الأرمن الذين ساعدهم سكان المدينة.
 
وفي عام 1917م عين المتصرف عبد القادر بك وفي هذه الفترة ظهرت أول جريدة في دير الزور اسمها "چول".
 
وفي 6 تشرين الثاني عام 1918 انسحب الجيش العثماني من دير الزور، وجاءت بعدها الحكومة الشريفية ممثلة بالشريف علي ناصر إلى دير الزور في كانون الثاني 1919 وتم تعيين مرعي باشا الملاح متصرفاً ومنهياً حكومة الحاج فاضل العبود "حكومة الفلت" ولم تدم الحكومة الوطنية ولا الحكومة الشريفية طويلاً إذ دخلت القوات الانجليزية إلى دير الزور ومعها صك تبعية دير الزور إلى الانتداب الإنجليزي بصفتها تابعة للعراق واستلم الميجر كاروير زمام الأمور بدير الزور أحد عشر شهراً وقعت خلالها ثورات عارمة في دير الزور والبوخابور والمسلخة والميادين والبوكمال حتى رحل وتسلم رمضان باشا شلاش حاكماً على دير الزور وبفضله تحررت دير الزور من الإنجليز، وأرجعت إلى الوطن الأم سورية.
 
وفي عام 1920 أرسلت الحكومة القنصلية موعود مخلص العراقي متصرفاً لدير الزور وهو العدو اللدود لرمضان شلاش فرحل رمضان شلاش عن دير الزور إلى الأردن ثم إلى لبنان ثم انخرط في صفوف الثورة السورية الكبرى عام 1925.
 
وفي نهاية 1921 عين الأمير مختار الجزائري متصرفاً على دير الزور وهو الذي أشرف على بناء دار الحكومة وثانوية الفرات وتولى تعيين الحكام والمتصرفين على دير الزور التي كانت تعيش الثورة بكل أبعادها وفي كل منطقة وقرية حتى جلاء آخر جندي فرنسي في السابع من نيسان 1946 لتبدأ دير الزور كغيرها من المحافظات السورية عهد الصراع على السلطة.
 
 
 

المراجع

موقع محمد حداد الأدبي

التصانيف

تصنيف :الجغرافيا