شبهات حول المسلمات2
 
الفصل الخامس
تعدد الزوجات
من أكثر الانتقادات شيوعًا على ألسنة المُغْرِضين أن الإسلام جاء بتعدد الزوجات لمصلحة الرجال على حساب النساء، وهو بذلك يلبى شهوات الرجل بينما ينتقص من حق المرأة فى المعاملة بالمثل، ويهدر كرامة الزوجة التى يقترن زوجها بأخرى أو أخريات، ولا يعبأ بمشاعرها, إلى آخر تلك الادعاءات.
وليس أيسر من تفنيد تلك الأقاويل الباطلة بحقائق التاريخ والعلم والواقع المشهود أيضًا.
فمن الناحية التاريخية: نلاحظ أولًا أن تعدد الزوجات نظام عرفته البشرية منذ فجر التاريخ وقبل مجيء الإسلام بآلاف السنين. ولم تكن هناك أية ضوابط من أى نوع بالنسبة للرجل الذى يهوى إقامة علاقات نسائية، لا من حيث العدد، ولا معاملة الزوجات أو الأولاد، ولا حتى التزام أي معيار من معايير العدالة بين نسائه. فقد عرف الفراعنة تعدد الزوجات والمحظيات بلا حدود. وعلى سبيل المثال كان للفرعون الشهير رمسيس الثانى 8 زوجات وعشرات المحظيات ، وأنجب منهن أكثر من مائة وخمسين ولدًا وبنتًا ، وأسماء الجميع منقوشة  على جدران المعابد, وأجساد بعضهن موجودة حتى الآن بالمتاحف. 
وكانت لفرعون موسى عِدَّة زوجات منهن السيدة آسية - رضي الله عنها - التي ربّت موسى - عليه السلام - وكانت قد احتضنته رضيعًا ومنعت فرعون من قتله لتتخذه ولدًا.
 وكذلك كان تعدد الزوجات شائعًا على أوسع نطاق لدى الفرس والرومان والشعوب ذات الأصل السلافى مثل: الروس, والصرب, والسلوفاك، والشعوب الجرمانية والسكسونية مثل: الألمان, وسكان النمسا, وسويسرا, وبلجيكا, وهولندا, وإنجلترا, والنرويج.
 وكان التعدد - وما يزال - منتشرًا عند طائفة المورمون بأمريكا وشعوب وقبائل غير مسلمة مثل: الوثنيين في أفريقيا, والهندوس , والصينيون , واليابانيون (1).
وفى كل شرائع الأنبياء قبل نزول القرآن الكريم على سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - كان التعدد مشروعًا وبلا حد أقصى لعدد الزوجات أو الجواري.
 فقد تزوَّج أبو الأنبياء إبراهيم - عليه السلام - سارة وهاجر، ثم اثنتين أخريين هما قطور ابنة يقطان الكنعانية وحجون بنت أهيب وهى عربية أيضًا.
وتقول مصادر أهل الكتاب أن يعقوب - عليه السلام - تزوج ابنتي خاله لابان وهما "ليا" و"راحيل" معًا، ثم عاشر أيضًا جاريتين لهما وأنجب من النساء الأربعة الأسباط وعددهم اثنا عشر ولدًا.
ولا يمكن لأحد إنكار ما أورده العهد القديم عن داود وسليمان - عليهما السلام - إذ تقول مصادرهم أن داود تزوج مائة امرأة, بينما تزوج ولده سليمان ثلاثمائة امرأة وكانت له سبعمائة جارية بالإضافة إلى زوجاته (2).
 وهذه الأرقام الهائلة لا يجدون فيها أية غرابة، بينما يتصايحون لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - تزوج 11 سيدة معظمهن أرامل ومطلقات وبعضهن كن أكبر منه سنًّا!!
لماذا تقبل عقولهم  أن يتزوج نبى ثلاثمائة زوجة وسبعمائة جارية – أي ألف حليلة – بينما يستنكرون زواج أخيه محمد بإحدى عشر؟!! إنه الحقد على نبى الإسلام فقط لا غير!! كما ذكروا أيضًا أن رحبعام بن سليمان تزوج 18 وكانت له ستون جارية أى كانت له 78 حليلة!!!
وكذلك كان تعدد الزوجات منتشرًا في جزيرة العرب قبل الإسلام. وعلى سبيل المثال أسلم غيلان الثقفى وعنده عشر زوجات فأمره النبى - عليه السلام - باستبقاء 4 وتطليق الباقيات، والحديث رواه البخاري. وروى أبو داود أن عميرة الأسدى أسلم وعنده 8 زوجات، فذكر ذلك للنبى - صلى الله عليه وسلم - فقال له: "اختر منهن أربعًا".
وفى مسند الشافعى أن نوفل بن معاوية الديلمى كانت له 5 زوجات قبل الإسلام فلما أسلم قال له النبى - عليه السلام -: "اختر أربعًا أيتهن شئت وفارق الأخرى".
 ولا يوجد نص فى الإنجيل على  تحريم التعدد، وكل مَن يزعم ذلك من النصارى فإنه يكذب، بل يكفر بدينه الذى يوجب عليه الإيمان بأنبياء العهد القديم، وكلهم كما رأينا أباحوا التعدد وطَبَّقُوه بأنفسهم  عليهم السلام أجمعين . وقد أجازت الكنيسة للملك شارلمان الزواج بعدة نساء في وقت واحد  وأنجب منهن .
 وحتى الآن تمارس طائفة المورمون المسيحية فى أمريكا - كما قلنا – تعدد الزوجات بلا حصر ولا عدد ولا ضوابط من أى نوع كان.
 ومن الناحية العلمية فقد أكد علماء النفس والاجتماع في الغرب أن الرجل بطبعه وتكوينه  مفطور على حب التعدد، ولذلك أكَّدوا عدم صلاحية نظام الزوجة الواحدة للبقاء والاستمرار.
والواقع يثبت أن كثيرًا من الرجال لا يكتفى بامرأة واحدة. والدليل القاطع هو ما نراه في الغرب من فوضى جنسية عارمة. فإذا كانت القوانين هناك تمنع تعدد الزوجات, فإنها تبيح تعدد العشيقات والشذوذ الجنسى بشتى صوره وأشكاله وأنواعه!!
وتكفى نظرة عابرة على ما تنشره وسائل الإعلام فى اوروبا وأمريكا عن فضائح الزعماء هناك وعشيقاتهم. وعلى سبيل المثال أحصى الصحفيون الأمريكان مائة عشيقة للرئيس الأسبق بيل كلينتون طوال مراحل حياته المختلفة.
 واضطر الرئيس الفرنسى ساركوزى إلى تطليق زوجته بعد انتخابه رئيسًا لفرنسا والزواج من عشيقته حرصًا على منصبه بعد أن فجَّرت الصحف الأوروبية فضائحه معها!!! وكذلك كان الحال مع معظم قادة أوروبا وأمريكا والصين. (3)
فأين هذا الدنس والانحلال من طهارة ونقاء الإسلام الذى يضبط التعدد بعدم جواز الزيادة على 4 زوجات، وبشروط مشدّدة هي القدرة على إعالتهن والعدل بينهن فى كل شيء وإلا كان عليه الاكتفاء بواحدة فقط.
وتثبت كل الإحصائيات فى العالم الآن عظمة التشريع الإسلامى فى إباحة التعدد بشرط العدل. ففي معظم دول العالم هناك زيادة خطيرة فى أعداد النساء بالمقارنة بأعداد الرجال. والفجوة تزداد بين أعداد الجنسين عامًا بعد الآخر بسبب الحروب المجنونة التى تفتك بملايين الرجال سنويًّا في مختلف أنحاء العالم. ففي الولايات المتحدة الأمريكية يزيد عدد النساء على عدد الرجال بأكثر من 10 ملايين امرأة.
وفى بريطانيا 5 مليون امرأة زيادة على أعداد الرجال. وفى ألمانيا بلغت النسبة 3 نساء لكل رجل بعد الحرب العالمية الثانية.
 وفى لبنان الآن نسبة عدد النساء إلى عدد الرجال هى 5 إلى 1 بسبب الحروب الطاحنة, وهجرة الذكور للعمل والاستقرار بالخارج وغالبًا ما يتزوج الشاب في البلد الذي يهاجر إليه ويستقر به. ويزيد عدد النساء على عدد رجال الهند بأكثر من 50 مليون امرأة.
 وفى روسيا يزيد عدد النساء على عدد الرجال بعشرين مليون امرأة، مما دعا رئيس الحزب الشيوعى الروسى المتطرِّف إلى المطالبة باستحداث تشريع هناك يسمح بتعدد الزوجات لعلاج الخلل الاجتماعي الخطير.
لاحظ أن هذا الرجل ملحد ولكنه لم يجد حلا آخر أفضل مما جاء به الإسلام !! وأصدر رئيس الشيشان قرارًا جمهوريًّا يسمح بالتعدد للتغلب على مشاكل النقص الحاد فى أعداد الرجال.
 وهو ما فعله أيضًا برلمان جمهورية أنجوشيا – إحدى جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق – إذ أقرَّ قانونًا منذ بضع سنوات أباح تعدد الزوجات هناك ، للتغلب على الخلل الخطير فى العدد بين  الجنسين الذي بلغت نسبته 3 نساء لكل رجل. وذات الخلل موجود أيضًا في الفلبين وأفغانستان والبوسنة والهرسك التى كان الصرب يذبحون الرجال فيها ويتركون النساء لاغتصابهن.
 وفى العراق أظهرت آخر الإحصائيات الرسمية أن النسبة هي رجل واحد لكل ستة نساء , وبلغ عدد الأرامل هناك أكثر من 3 مليون أرملة بسبب الحروب الطاحنة المستمرَّة منذ ما يقرب من 30 سنة, فضلاً عن 5 ملايين من الأيتام. وفى هونج كونج النسبة هى رجلان لكل خمس نساء طبقًا للإحصائيات الرسمية.
ونسال كل مَن يعارض التعدد: كيف يمكن حل هذه الكارثة الإجتماعية فى العراق مثلاً بدون التعدد ؟!! ثلاثة ملايين أرملة معظمهن فى سن الزهور، وبحاجة إلى رجل بأسلوب مشروع نظيف، كما يحتاج أطفالهن إلى رجل صالح يلعب دور الأب الشهيد ويعوضهم ما فقدوه من حنان ورعاية ودفء الأبوَّة التي لا غنى عنها من كل النواحى النفسية والاجتماعية والاقتصادية أيضًا لأي طفل. 
وتشير الإحصائيات كذلك إلى ارتفاع خطير في معدلات العنوسة المتزايدة فى الدول العربية والأسيوية والإفريقية. وتتراوح النسبة بين 35% إلى 50% فى دول الخليج وشمال إفريقيا. كما تتزايد معدلات الطلاق بصورة خطيرة. وكل هذا من شأنه إرتفاع أعداد النساء الوحيدات اللاتى بحاجة إلى الزواج.
وقد نُشرت مؤخرًا أبحاث عملية متواترة فى الغرب أجمعت على أن كروموسوم Y الذى يتسبب فى إنجاب الذكور فى تناقص حادٍّ مستمر جيلاً بعد الآخر. وهذا يتسبب - كما هو مُشاهد الآن – فى تزايد أعداد المواليد من الإناث، وتناقص أعداد المواليد من الذكور. وهو دليل جديد على عظمة تشريع الإسلام فى إباحة التعدد للتغلب على مشكلة تناقص الذكور. وهو يثبت أيضًا صدق ونبوة خاتم المرسلين محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي أخبرنا منذ 14 قرنًا بهذه الظاهرة فى حديث صحيح عن علامات الساعة , ذكر منها تناقص أعداد الرجال وتزايد أعداد النساء، حتى يكون للرجل الواحد خمسين امرأة (رواه البخاري ومسلم) وهو ما تؤكد كل الشواهد والحقائق العلمية والواقعية أننا فى الطريق إليه بالفعل!!
ولو سألنا أية امرأة شريفة عاقلة: هل تفضّلين الحياة كزوجة ثانية أو ثالثة مع العدل وكفالة حقوق متساوية لك ولأولادك مع الأخريات وأولادهن أم كعشيقة فى الظلام لا حقوق لك ولا لأولادك؟! أعتقد أن الجواب بالقطع هو تفضيل الزواج ولو مع أخريات. بل أكدت نساء كثيرات فى إحصائيات واستطلاعات جرت فى مصر ودول عربية أخرى أنهن يفضلن الاقتران برجل متزوج بشروط العدل, على حياة العزوبة الموحشة البائسة.
وهناك ملايين من الزوجات العاقرات غير القادرات على الإنجاب وكذلك المريضات والطاعنات فى السن . وليس من المروءة فى مثل هذه الأحوال أن يطلِّقها الزوج بعد  سنوات طوال من العشرة. والأكرم والأنبل أن تظل هذه العاقر أو المريضة أو العجوز زوجة مُعزَّزة مُكرَّمة، وأن تأتى إلى جانبها أخرى للإنجاب وتلبية رغبات الزوج المشروعة وخدمة الأسرة مع حصولها على حقوق مساوية للأولى.
ويقرر كبار علماء الاجتماع والمؤرخون من غير المسلمين – مثل وسترمارك وهوبهوس وهيلير وجنربرج – أن التعدد ينتشر فقط بين الشعوب التى بلغت قدرًا كبيرًا من الرقى والحضارة وليست الشعوب البدائية. فقد عرفت تعدد الزوجات كل الشعوب التى استقرَّت في وديان الأنهار ومناطق الأمطار الغزيرة، وتحولت إلى الزراعة المنتظمة بدلاً من صيد الحيوانات وجمع ثمار الغابة. ويؤكد هؤلاء العلماء أن نظام تعدد الزوجات آخذ فى الاستمرار ويتسع نطاقه كلما تقدمت البشرية خطوات إلى مزيد من التحضر والتطور والتقدم العلمي ، خلافًا لما يظنه بعض الحاقدين على الإسلام الذين يزعمون أن التعدد ظاهرة متخلفة انقضى زمانها وفات أوانها.
 ويرى المفكر الفرنسى الكبير جوستاف لوبون أن نظام التعدد الذى أقَرَّه الإسلام هو أفضلُ حلٍّ ممكن لضبط العلاقات بين الجنسين. وذكر لوبون فى كتابه "حضارة العرب": أن التعدد كان موجودًا قبل الإسلام, وأن أحوال المسلمات أفضل كثيرًا من أحوال الأوروبيات".
 وقال المفكر الانجليزى لايتنر: أن التعدد يقلل قطعًا من أعداد البغايا والمواليد غير الشرعيين وتندر معه الأمراض الجنسية المنتشرة فى الغرب. وأشاد المفكر الفرنسي رينيه بتعدد الزوجات الإسلامى لذات الأسباب.
 ونظن أن شهادات هؤلاء العلماء والمفكرين - وهم من غير المسلمين – هى أكبر دليل على بطلان دعاوى المغرضين. 
لقد جاء الإسلام ليضبط العلاقات بين الجنسين, ويقضى على الفوضى الجنسية والاجتماعية ، فمنع الزيادة على 4 زوجات فى وقت واحد. وتظهر عظمة الإسلام فى وضع حدٍّ أقصى على ضوء ما نراه عند الآخرين مثل طائفة المورمون المسيحية الأمريكية التى لا تضع أي ضوابط على تعدد الزوجات. ويكفى أن نشير إلى ما نشرته وسائل الإعلام الأمريكية والعالمية مؤخرًا من ضبط رجل أمريكى من المورمون لديه تسعون امرأة, ولم يكتفِ بمعاشرة نسائه التسعين بل اغتصب ابنته أيضًا!!! ولولا ارتكابه جريمة اغتصاب ابنته ما قبضت عليه الشرطة!!(4).
والقرآن الكريم هو الكتاب السماوى الوحيد الذى نص على حظر التعدد فى حالة "مجرد الخوف" من عدم تحقيق العدالة بين الزوجتين.
 قال – تعالى -: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} [النساء: 3], والأمر الإلهي في الآية الكريمة صريح فى وجوب الاكتفاء بزوجة واحدة إذا خاف من عدم العدل.
وأكدت كل الإحصائيات فى أوروبا وأمريكا أن الإسلام هو أسرع الأديان انتشارًا في العالم. ويعتنق الملايين من الناس الدين الإسلامي كل عام عن اقتناع تام بعد دراسات عميقة متأنية.
والطريف الذي ذكرته وسائل الإعلام الغربية أن أكثر من 80% من هؤلاء الذين يعتنقون الإسلام هم من النساء. ويعنى هذا بوضوح أنه مقابل كل رجل يعتنق الإسلام هناك أربع من النساء المسلمات الجدد.
 ومن المعلوم من الإسلام بالضرورة أنه لا يجوز للمسلمة أن تتزوج بشخص غير مسلم. فإذا كانت المسلمة الجديدة لا تستطيع الهجرة أو الانتقال للحياة فى بلد إسلامي , فإنها تكون أمام عدة خيارات أحلاها مرير شديدة المرارة. فإما أن تظل وحيدة وتدفن شبابها وأحاسيسها , وتعانى كل أنواع الأمراض النفسية والعصبية والبدنية الناجمة عن العنوسة والكَبْت والحرمان طوال حياتها , أو تقع في الحرام بمعاشرة جنسية خارج إطار الزواج ، وهو ما يحظره الإسلام  تمامًا, أو تسقط فريسة للشذوذ وهو محظور كذلك.
وهكذا فإنه لا يوجد حل نظيف طاهر أمام ملايين من المسلمات الجدد فى الغرب أفضل من قبول تعدد الزوجات مع العدل وكفالة كل الحقوق المتساوية لهن ولأطفالهن. والله وحده أعلم بما يُصْلِح حال خلقه أجمعين. ولقد بدأت الكثيرات من المسلمات فى الغرب يدركن أهمية التعدد الإسلامى ونُبْل مقاصده وضرورته المتزايدة , وهناك حالات كثيرة قبلت فيها مسلمات جدد الاقتران بمسلم متزوج بالفعل, بعد أن أدركن أنَ هذا هو أفضل وأكرم الحلول لهن(5).
ويحاول المشكِّكون النيل من نظام التعدد بإدعاء أن تحقيق العدل بين الزوجات مستحيل, ويقتطعون جزءًا من الآية 129 من سورة النساء, ويتجاهلون الباقي على طريقة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ} [النساء: 43], دون ذكر باقى الآية: {وَأَنْتُمْ سُكَارَى} فتكون النتيجة قلب المعنى تمامًا وتفسير الآية على خلاف ما أراد الله - تعالى - بها, والله أعلم بمراده.
 يقولون: لقد قال القرآن صراحة {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} ويتجاهلون بقية الآية: {فَلاَ تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 129] (6).
والمعنى كما قال المفسّرون: أن العدل المطلق بين الزوجات فى الميل القلبى مستحيل , فالقلوب بيد الله يُصِّرفها كما يشاء, فيكفى الزوج أن يبذل قصارى جهده فى العدل بينهن فى كل الأمور المادية بما فيها النفقة والمبيت وحتى القُبْلة والابتسامة. أما الميل القلبى فيمكنه أن يحاول التحكُّم فيه حتى لا يؤدى به إلى ظلم إحداهن وهجرها تمامًا , فتكون كالمُعَلَّقة لا هى بُمطَلَّقة يمكنها الزواج من آخر ولا هى بزوجة تحصل على حقوقها. هذا الميل الكامل بشكل ظالم لإحداهن هو المنهى عنه، وليس معنى الآية أن التعدد ممنوع؛ لأن العدل التام مستحيل، فكما قال الشيخ سيد قطب - رحمه الله - في الظلال: "شريعة الله ليست هازلة لتأخذ بالشمال ما أعطته باليمين".
 ونضيف إلى ما قاله سيد قطب: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقسم بين زوجاته فيعدل فى كل الأمور المادية، وكان الجميع يعلمون أنه يحب عائشة أكثر لكنه لم يظلم الأخريات ، وكان يسأل ربه العفو وعدم المؤاخذة بالميل القلبي، لأنه ليس بيد الإنسان.
 ألا تلاحظ أن الإنسان يميل قلبه إلى بعض أولاده أكثر من بعض رغم أن الكل فَلَذَات كبده , فهل نادى أحد بمنع الإنجاب خشية عدم تحقيق العدل بين الأولاد؟؟!!
 وباقي الآية الكريمة يثبت ذلك ، فقد نهى الله - تعالى - عن "الميل" بشكل كامل إلى إحداهن، وأرشد الزوج إلى مقاومة هذا الميل إلى إحداهن، وكبح جماحه حتى لا يتسبب فى تحويل المرغوب عنها إلى مسجونة أو مهجورة، لا هى تحصل على حقوق الزوجة، ولا هى مُطَلَّقة فيمكنها الزواج بآخر يعطيها ما حرمها منه الأول المشغول عنها دائمًا بأخرى. ولو كانت الآية تحظر التعدُّد لعدم إمكان تحقيق العدل المطلق حتى فى المشاعر، لما وعد الله - سبحانه - في آخر الآية من يصلح ويتقي بالمغفرة والعفو عن بعض الميل القلبى الذى لا يملكه الإنسان: "وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورًا رحيمًا" النساء 129.
 ونلمس في هذه الآية العظيمة  تهدئة لروع الرجل  وإخبارا له أنه لا سبيل أمامه إلى  تحقيق العدل بين زوجاته بشكل كامل . والمعنى هو : لا تخف وابذل ما في استطاعتك لإسعاد زوجاتك والعدل بينهن بقدر ما تستطيع ، وسوف يتجاوز الله بكرمه وإحسانه عن القدر الذي ليس في وسعك ويغفره لك .
 ومن الثابت أن العدالة المطلقة  هي الإلهية ، أما العدالة البشرية فهي دائما ناقصة ، لأن الناقص لا يمكنه الإتيان بالكمال ،  والله أعلى وأعلم  .
   وعلى كل حال تملك الزوجة الحق فى طلب التطليق لعدم العدل ، وعلى القاضي أن يحكم لها بالتطليق إذا ثبت وقوع ضرر عليها خاصة فى حالة ثبوت ظلم الزوج لها بعدم المساواة بينها وبين زوجته الأخرى. كما يحكم لها بالخُلع - وهو طلقة بائنة - طالما رَدَّت إلى زوجها ما دفعه لها من مهر ، لأنه ليس من العدل أن تحتفظ هى بالمهر رغم إقدامها على هدم الزوجية بالخُلْع. والفرض هنا أن الزوج لم يرتكب خطأ ما، بل هى التى تريد الفراق وتسعى إليه كما سيأتي عند الكلام عن الخلع .
ونرد على من يستنكرون عدم السماح للمرأة بتعدد الأزواج أيضًا بسؤال: من سيكون الأب لأطفال تلك المرأة التى تضاجع عدة أزواج فى وقت واحد ؟! وما هو الحل إذا كان كل واحد من أزواجها يريدها فى فراشه فى ذات اللحظة ؟! ومَن هو الذي سيدير دفة الأمور فى مثل هذا المنزل الذى لا يُعرف له قائد أو مدبِّر لشؤونه؟!
 ثم يأتي العلم الحديث ليثبت دومًا عظمة الإسلام، وصواب منهجه الإلهي المحكم.
 فقد أثبتت أحدث الأبحاث الطبية فى الغرب أن المرأة التى تمارس الجنس مع أكثر من رجل فى وقت واحد تُصاب غالبًا بسرطان المهبل أوسرطان الرحم بسبب إختلاف الحيوانات المنوية وتنافرها.
 ولا نظن أننا بحاجة إلى الكلام بعد هذه الأبحاث المُوثَّقة التي أجراها علماء من غير المسلمين.
 وقد رفض علماء النصارى تعدد الأزواج للمرأة الواحدة. وعلل القديس أوجستين ذلك بأنه "لا يكون للمرأة سيدان".
 وليس صحيحًا أن التعدد يتم ضد إرادة المرأة ولا ضد مصلحتها. فإن الزوجة الأولى إذا لم تضع شرطًا فى عقد الزواج يمنعه من الزواج بأخري ، فإن هذا يعنى ضمنًا قبولها ما هو معلوم بالضرورة من إباحة الزواج من أخرى مع العدل، فيجب عليها إحترام ذلك بموجب العقد الذى وافقت عليه.
 ولو كانت حريصة على رفض التعدد لوضعت شرطًا يمنعه من ذلك , ويكون عليه احترام هذا الشرط إن وُجد. وأما الزوجة الثانية - أو الثالثة أو الرابعة - فمن الواضح تمامًا أنها تقبل الزواج من رجل تعلم أنه متزوج بالفعل، والزواج الثانى - أو الثالث أو الرابع - يكون باطلاً إذا تم بدون رضاها وموافقتها كما ذكرنا فى فصل"مودة ورحمة".
 فلماذا يلومون الرجل ولا يلومون المرأة التى وافقت على الزواج منه مع علمها بأنه متزوج بالفعل؟!!
 ثم إن هذه الزيجة الثانية أو الثالثة أو الرابعة إن كانت تضرّ - بعض الضرر- بالزوجة الأولى ، فإنها بالقطع تحقق فوائد مؤكدة للمرأة التى تقبل الزواج من رجل متزوج ، فهي تضمن عائلاً لها ولأطفالها إن كانت أرملة أو مُطلَّقة, وتضمن زوجًا يحقق لها المقصود من الزواج بالسكون النفسى والعاطفى والجنسي, ويُعفُّها الله به عن العلاقات المُحَرَّمة.
 والقاعدة المعلومة هى ارتكاب أخف الضررين. ولا شك أن شعور الزوجة الأولى ببعض الغيرة والألم النفسى يظل أخف بكثير من ضياع أرملة أو مُطَلَّقة أو عانس فاتها قطار الزواج ، ومُهَدَّدَة بالحرمان من الحلال إلى نهاية العمر. وعلى ضوء ذلك نسأل الخصوم : ألا يحقق التعدد مصالح مؤكدة  للزوجات الجدد  و هن نساء أيضا ؟!!
وقد أدركت بعض النساء الصالحات الذكيّات هذه المصالح العظمى التى يحققها نظام التعدد الشرعى للملايين من بنات جنسهن الوحيدات فى كل مكان ، فقمن بتبني الدعوة إلى تطبيق تعدد الزوجات على نطاق واسع.
 ومثال ذلك جمعية أسستها فى مصر الإعلامية المصرية السيدة هيام دربك - وهى متزوجة - واختارت لها شعارًا طريفًا يقول:"امرأة واحدة لا تكفى!".
 لاحظ أن الجمعية أسستها امرأة وليست رجلاً ، وأن معظم أعضائها من النساء!! وأكَّدت السيدة هيام ضرورة تطبيق نظام تعدد الزوجات كما جاء به الإسلام للقضاء على مشكلة العنوسة فى المجتمعات العربية التى تهدد عشرات الملايين من الفتيات بفقدان الفرصة فى تكوين أسرة والحرمان من الأمومة إلى الأبد.
 وتأسست في الأردن جمعية نسائية مماثلة تناشد الرجال ممارسة تعدد الزوجات رحمة بملايين العوانس والأرامل والمُطَلَّقات.
 وفى الكويت أرسلت مئات الفتيات اللاتى تجاوزن سن ال30و35 بدون زواج خطابات بريدية إلى مئات الزوجات يناشدنهن فيها التكرُّم بقبول زواج رجالهن من أخريات مع العدل للقضاء على مشكلة العنوسة التى استفحلت لدرجة خطيرة فى الكويت.
 والطريف أن نساء أمريكيات أسلمن مؤخرا قمن بتأسيس جمعية مماثلة تدعو إلى تطبيق ونشر ثقافة تعدد الزوجات في أمريكا ، وبلغ عدد عضوات الجمعية حتى الآن أكثر من 900 امرأة !!
 وبناء على هذا نقول لخصوم التعدد: هاكم شاهدات من النساء على عظمة الإسلام فى تشريع التعدد رحمة بهن وحلاًّ لمشاكلهن ، ومَن لا يعجبه ما نقول فليتوجه إليهن وليجادلهن ما شاء ، وأظن أنه لن يكسب المعركة بأي حال !!.(7) 
 وليس صحيحًا ما زعمه البعض من أن الأصل فى الكون هو وحدة الزوجة لأن آدم - عليه السلام - لم يتزوج سوى حواء... ونرد عليهم بأن الأصل - بهذا المنطق غير الدقيق - ليس الزواج بواحدة بل العزوبة . 
لأن آدم - عليه السلام - خلقه الله أولاً , وظل فترة من الزمن وحيدًا. فهل نقول بناء على ذلك أن الأصل هو عدم الزواج؟!! 
 وقد أباح الله لآدم أن يزوّج أولاده من بناته, فكان ابن آدم يتزوّج أخته التي ولدت في بطن آخر وليست معه فى ذات البطن... فهل نقول أيضًا استنادًا إلى ذلك أن الأصل هو إباحة زواج الأخ من أخته الشقيقة أم أن هذه كانت حالة ضرورة فقط لعدم وجود بشر غيرهم , ثم حَرَّم الله - تعالى - زواج الأخت بعد أن تكاثر البشر؟!
 بل إن الاستدلال هنا لمصلحة  أنصار التعدد وليس خصومه . لأن هذا يؤكد أن تعدد الزوجات جاء في سياق التطور الطبيعي للبشرية ، وكلما تقدمت الحضارة الإنسانية وازدهرت وتكاثر البشر سوف تزداد الحاجة إلى التعدد ويتسع نطاق تطبيقه بمرور الزمن . وأخيرًا فإن الأصل عندنا هو ما كانت عليه الأغلبية الساحقة من الأنبياء والمرسلين وهو تعدد الزوجات. ومَن لا يعجبه أسلوب حياة سادة البشر فلا فائدة من الكلام أو الحوار معه أصلاً !!  أم يظن أولئك أن الرسل - وهم خير خلق الله - قد فعلوا خلاف الأصل  أو خلاف الأولى ؟!!!
 
المـراجـع
1- يمكن معرفة المزيد عن تعدد الزوجات والجوارى فى الشعوب والممالك القديمة بالرجوع إلى الموسوعات التاريخية ومنها: "قصة الحضارة"؛ وول ديورانت - طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب ترجمة زكى نجيب محمود ومحمد بدران وآخرين - مكتبة الأسرة.
2- انظر التفاصيل في: "قصص الأنبياء"؛ للإمام ابن كثير - رضي الله عنه - وقصص الأنبياء المسمى "عرائس المجالس"؛ للثعلبي و"تاريخ الرسل والملوك"؛ للطبرى. 
3- المزيد من التفاصيل عن عشيقات زعماء الغرب فى كتابنا "زوجات لا عشيقات التعدد الشرعى ضرورة العصر" طبعة القاهرة 1995م. ويمكن تنزيله مجانًا من شبكة الإنترنت من عدة مواقع إسلامية على رأسها الموقع الممتاز صيد الفوائد  www.saaid.net, وموقع المكتبة الإسلامية، وموقع المنشاوى للبحوث، وموقع موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنَّة و موقع ابن مريم  وموقع مكتبة النبع الصافي وغيرها .
4- القصة منشورة في موقع شبكة سى إن إن على الإنترنت باللغة العربية.
5- قصص المسلمين والمسلمات الجدد يوجد آلاف منها فى عدد من المواقع الإسلامية الجيدة عبر الإنترنت مثل موقع www.turntoislam.com وموقع www.todayislam.com وموقع www.islamway.com وموقع  www.saaid.net 
6- أنظر تفسير الآية 129من سورة النساء عند ابن كثير, والطبرى, وسيد قطب, والجامع لأحكام القرآن للقرطبى, والجصّاص, والنسفى, والبيضاوي, والشوكانى, والسعدي, وغيرهم. 
7- تفاصيل أخرى عن تعدد الزوجات فى الإسلام فى كتابنا الذى سبقت الإشارة إليه: "زوجات لا عشيقات, التعدد الشرعى ضرورة العصر".
 
الفصل السادس
أبغـض الحــلال
 يثير خصوم الإسلام أيضًا شبهة حول إباحة الإسلام للطلاق رغم آثاره الضارة وخاصة تأثيره السلبى على الأطفال. كما يزعمون أن الشريعة الإسلامية جعلت الطلاق بيد الرجل ولم تلتفت إلى إرادة المرأة أو رغبتها.
 وقبل أن نرد بالتفصيل على المزاعم الكاذبة نشير إلى أن أعلى معدلات للطلاق في العالم ليس فى الدول الإسلامية. إذ توضِّح الإحصاءات الرسمية فى الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً أن أكثر من 83 بالمائة من حالات الزواج هناك تنتهى بالطلاق خلال 5 سنوات على الأكثر من تاريخ إبرام عقد الزواج. فإذا أضفنا حالات الطلاق التى تقع بعد أكثر من 5 سنوات فإن الرقم يُظْهِر كارثة اجتماعية مروِّعة.
 وفى إنجلترا زادت معدلات الطلاق 23 ضعفًا خلال خمسين عامًا فقط!! 
وفى المقابل نجد أن بلدًا عربيًا إسلاميًّا مثل ليبيا لم تتجاوز نسبة حالات الطلاق فيه خمسة بالمائة فقط من حالات الزواج فى العام 2008م. والفارق الهائل بين الأرقام هنا وهناك هو وحده دليل كافٍ على كذب مزاعم الخصوم.
 ولعل السبب فى رأينا هو أن المسلم يدرك جيدًا أن استمرار الزواج - رغم إباحة الطلاق - يظل أكرم وأشرف وأفضل من كل الوجوه لجميع الأطراف - خاصَّة الأطفال - كما استقر فى الوعى المسلم كراهية الطلاق تمامًا كالدواء المرير الذى لا يشربه المريض إلا فى حالات الضرورة القصوى , وبإرشاد الطبيب الذى لن ينصحه بتناوله إلا لعدم وجود أى حل آخر لتفادى تدهور صحته.
 
 
 
 
ثورة تشريعية حول العالم
ولدينا دليل آخر قاطع على عظمة وحكمة ودقة تشريع الطلاق فى الإسلام، وهو أن كل دول العالم التى كانت تحظر الطلاق أو تضع قيودًا مشددة تحول دونه - رغم كراهية وعداء كلا الزوجين للآخر - اضطرت جميعها إلى إجراء تعديلات جذرية فى القوانين تسمح بالطلاق على أوسع نطاق ضاربة بكل الاعتراضات عرض الحائط. ومن الواضح أن القوم لم ينقلبوا على أنفسهم وقوانينهم القديمة من فراغ ، فقد اضطرتهم إلى ذلك الفوضى العارمة والجرائم المروِّعة التي نتجت عن حظر الطلاق  و استحالة التعايش السلمي بين أزواج الأمس أعداء اليوم!!
ومن المعلوم أن الطلاق مسموح به فى الديانة اليهودية كما يتضح من النص التالي: "إذا تزوج رجل بامرأة ولم تعد تجد حظوة عنده لعيب أنكره عليها , فعليه أن يكتب لها كتاب طلاق ويسلمه إلى يدها ويصرفها من بيته" (تثنية 24/1). وأقرَّ الإنجيل الطلاق فى حالة الزنا فقط. روى متى عن السيد المسيح: "من طلَّق امرأته لغير الزنى يجعلها تزني". إلاَّ أنه بحلول القرن الثاني عشر الميلادي كان الفكر المسيحى الخاص بمنع الطلاق قد استقرَّ في أوروبا, فلا طلاق مهما كانت الظروف، حتى لو كان الزوج مصابًا بمرض تناسلي أو فاقدًا للقدرة الجنسية أو بسبب القسوة. ويقول لورانس ستون فى كتابه "الطريق الطويل إلى الطلاق فى انجلترا"(1):
"في عام 1660 كان قد بدأ نمو الطبقة المتوسطة الاقتصادى والاجتماعى وفكرها الفردى مع البعد عن الالتزام بالدين ومجىء مُثُل جديدة, كل هذا حلَّ محل الفكر السابق فى أوروبا بتدريج اختلف من دولة إلى أخرى.
ففي إنجلترا استغرق الأمر قرنين من الزمان ليُسْمح بالطلاق بسبب الخيانة الزوجية عام 1857م , مع اعتبار خيانة الزوج أمرًا يمكن التغاضي عنه , ولكن ظل الطلاق يُمارس عمليًّا حتى القرن العشرين. وقبل عام 1857م كان هناك طرق لإنهاء الزواج فى إنجلترا منها طريقان قانونيان هما:
1- الحصول على فصل جسدى من الكنيسة بسبب الخيانة الزوجية أو القسوة التى تهدد الحياة مع عدم السماح بالزواج ثانية لأى طرف.
ويرى بعض الباحثين أن الفصل الجسدى لم تقرره الكنيسة فى مراحلها الأولى، وأنه ليس أكثر من ابتكار لبعض العُزَّاب بالكنيسة الغربية فى العهود الوسطى الباكرة، ويصفه البعض بأنه أقبح أنواع العقاب فهو يترك الناس معلقين بين السماء والأرض فلا هم بمتزوجين أو غير متزوجين. 
وهذا الفصل الجسدى الذى كان يمارس فى بعض دول أوروبا إلى عهد قريب لا يمكن وصفه إلا بأنه تصريح بالفجور لكلا الطرفين  ، و إلا فما العمل مع طاقة جنسية تخبو لتفور؟
2- الحصول على الطلاق بسبب خيانة الزوجة بتصريح من البرلمان فى الفترة من 1690 إلى 1857م مع السماح بالزواج ثانية ، وهذا النوع من الطلاق لم يكن متاحًا إلا لقلة من كبار الأغنياء ، كما زادت أهمية الخدم كشهود على الفضائح. 
أما الطرق الثلاثة غير القانونية فهي:
( أ ) الاتفاق الودي على الانفصال - عادة من طريق وسيط - مع عمل ترتيبات مالية وخاصة تقرير نفقة للزوجة، لكن الكنيسة لم تكن تعترف بهذا النوع من إنهاء الزواج, فقد كان ممكنًا لأى طرف الرجوع فيه وخاصة الزوج للتخلص من عبء النفقة.
(ب) سلوك غير الأثرياء قد يكون هجر البيت وعدم العودة نهائيًّا وبدء حياة جديدة فى مكان بعيد مع زوجة جديدة أو عشيقة, أو أن تهرب الزوجة مع عشيقها متخلية عن بيتها.
(جـ) وقد يحاول الزوج معاملة الزوجة بطريقة تدفعها إلى الجنون أو الانتحار وخاصة إذا كان لديها بعض الممتلكات. كما كان يمكن للزوج أن يُمسك الزوجة بالقوة الجبرية. وقد يجد الزوج الحل فى طرد الزوجة خارج المنزل وإحضار عشيقته لتحل محلها, ويقوم بالصرف عليها من أموال الزوجة. أما مصير الأطفال فى حالة الانفصال فقد كان القانون يعطى الأب كامل الهيمنة عليهم فى كل شيء حتى لو كان سبب الحكم بالانفصال هو القسوة المفرطة!!
 وكان يمكنه أن يحرمهم من أمور كثيرة , كما كان يمكنه أن يحرم أمهم من رؤيتهم بل حتى من مجرد الكتابة إليهم ، مما كان يدعو الأمهات إلى تحمل ما لا يمكن تحمله فى سبيل البقاء إلى جانب أطفالهن. والعجيب أن يظل هذا الوضع حتى منتصف القرن العشرين عندما وُضِعت مصلحة الصغير فوق كل شيء اعتمادًا على الشخصية والظروف.
وفي عام 1923 صدر تعديل يسمح للزوجة بطلب الطلاق لخيانة الزوج ولو لمرة واحدة. وأصبح ممكنًا للزوج الذي يرغب في الانفصال عن زوجته أن يقيم ليلة بفندق مع امرأة أخرى مسجلاًّ ذلك في فاتورة الفندق, أو أن يُصَوَّر نفسه فى وضع مخل مع عاهرة ويرسل بالصورة إلى زوجته. وفى عام 1937 صدر قانون جديد للطلاق يرعى الأطفال ويرفع الحرج عن كثير من الزيجات البائسة, كما أتاح للفقير أن يُطَلَّق مما أدى إلى قفزة كبيرة فى حالات الطلاق. وقد استحدث القانون فى عام 1938إجراءات لمحاولة الصلح خارج وداخل المحكمة (وهو ما أمر به القرآن منذ أربعة عشر قرنًا كما سنوضح بعد قليل). وبعد عام 1938 أصبح أيضًا لا يحق لطرف عدم الاستجابة للرغبات الجنسية للطرف الآخر طالما لم تكن شاذة أو غير معقولة ، وهو ما سبق إليه الإسلام أيضا بحديث شريف ينهى المرأة عن عدم الاستجابة لزوجها إن دعاها إلى الفراش والحكم ينطبق أيضا على الرجل كما سيأتي .  كذلك عليه ألا يستخدم وسيلة لمنع الحمل دون موافقة الطرف الآخر(2). وعندما اشتعلت الثورة الجنسية فى الغرب فى النصف الثانى من القرن العشرين, وزادت الزيجات الشبابية المتسرِّعة, وأمكن علاج الأمراض التناسلية المعدية, وعُرفت وسائل منع الحمل المتطورة سادت المجتمع قِيَم جديدة استوجبت قانونًا جديدًا للطلاق بمفهوم جديد سرى فى المجتمعات الغربية بسرعة هو "No Fault Divorce" أى الطلاق بدون خطأ يُنْشَر على الملأ (وهوالمفهوم الإسلامي للطلاق فليس هناك طلاق بدون سبب). وبهذا المفهوم صدر فى إنجلترا قانون جديد للطلاق عام 1971أتاح ما يسمى بثورة الطلاق، وقُدِّر وقتها أن هذا سيسمح بآلاف الزيجات بين الذين يتعاشرون بدون زواج, كما سيمنح الشرعية لمائتى ألف طفل غير شرعى. وبالنسبة إلى الخطبة فقد فقدت أهميتها؛ حيث كان ممكنا في الماضي إجبار الخطيب على استكمال الزواج إلا إذا استطاع إثبات حقه فى الفصم بإعلان فضيحة للأنثى(3). أما في بقية أوروبا- طبقًا لكتاب "قوانين الزواج والطلاق فى أوروبا" الذى صدر عام 1893 (4)- فالقاعدة كانت هي عدم الطلاق.
 ففي إيطاليا كان الطلاق ممنوعًا ولكن يُسمح بالفصل الجسدى فى حالة خيانة الزوجة. ولابد من أسباب إضافية مثل القسوة وسوء المعاملة.
 وفى أسبانيا الكاثوليكية يتم الزواج أمام مختص بشهادة بالغين والزواج ممكن بالتوكيل (لاحظ مدى التأثر بالشريعة الإسلامية).
 وفى ألمانيا البروتستانتية سُمح بالطلاق فى القرن السادس عشر لسوء المعاملة والإهانة الكبرى أو عقوبة لجريمة مُخلة بالشرف. ولكن الفئات الكاثوليكية كانت تحكم بالفصل الجسدى. وقد أدى هذا الازدواج إلى اتساع نطاق الزواج المدني عام 1879 ليشمل كل أنحاء ألمانيا. ولا يسمح بزواج الأرملة قبل مُضِىِّ عشرة شهور، وهذا أول توجه أوروبى إلى ما يشبه فترة العدة الإسلامية، فالديانة المسيحية الكاثوليكية أو البروتستانتية لم تكن تشترط فترة عِدَّة بعد الانفصال أو وفاة الزوج. ويمكن للزوج أن يطلب الطلاق إذا رفضت الزوجة أن تتبع زوجها إذا انتقل إلى مكان آخر . كما تميزت ألمانيا بأحقية الولى فى طلب الفصل بين الزوجين لعدم التكافؤ. (لاحظ هنا التأثر أيضًا بالشريعة الغَرَّاء).
 وفى فرنسا كان الطلاق مُمكِنًا فقط في حالة الخيانة. وفى كتاب "السلوكيات الجنسية فى فرنسا خلال فترة ما بين 1780و1980" يربط المؤلف كوبلاى بين منع الطلاق وأحكام الفصل الجسدى والإجبار على حياة بدون زواج وبين انتشار الشذوذ الجنسى الذى يضمن عدم الإنجاب، وعُرفت ممارسة اللواط والسحاق بواسطة شخصيات مرموقة فى المجتمع الفرنسي!! (5). ويرى كوبلاى أن الزواج الذى يُوصف بأنه مثالى حيث يعتمد على الارتباط الجنسى بشخص واحد طوال الحياة كان على حساب صمام الأمن الذى هو الطلاق مما قد يؤدى إلى توتر لا يمكن علاجه، وأن الفكر التقليدى المسيحى - فى الحقيقة - قد قلل من قيمة الزواج وأعطى قيمة كبرى للزهد الجنسى. وفى تعاليم بولس أن الزواج أفضل من الزنا لتفريغ الطاقة الجنسية, وأنه أفضل سلوك تال للعزوبية، وقد حرمت فرنسا نفسها من المرونة التى تمتعت بها بعض المجتمعات البروتستانتية، والقيود التى وضعت للحصول على الطلاق أدت إلى زيجات بائسة. واضطرت الكنيسة إلى الالتفاف حول موضوع الطلاق بابتكار إلغاء الزواج رغم مضى سنوات عليه وإنجاب أطفال يتحولون إلى أطفال غير شرعيين مثلما كان يحدث عندما يتزوج الرجل لاختفاء زوجته الأولى سبع سنين ثم ظهورها ثانية حيث كان يحكم بإلغاء الزواج الثانى. وقد جاءت الثورة الفرنسية فى نهاية القرن الثامن عشر بأفكار جديدة عن أهمية سعادة الفرد، وكان لابد من النظر إلى الزواج كعقد بين فردين وليس إجراءً كنسيًا، ومن هنا بدأ الزواج المدنى مع السماح بالطلاق من منطلق الحرية الذى لا حيدة عنه. وقد صدر قانون الطلاق الفرنسى الأول عام 1792م ومن دواعيه:
الجنون أو عقوبة طويلة المدة أو مخلة بالشرف أو المعاملة القاسية أو الهجر أو الغياب لأكثر من خمس سنوات. والعجيب أن هذه القائمة لم تشمل الخيانة الزوجية!!. إلا أن القانون احتوى على نوعين آخرين من الطلاق: أولهما: الطلاق الذي يتم بالإتفاق. وثانيهما: عدم توافق المزاج حتى لو كان من جهة واحدة.
وهذا النوع من الطلاق - كما جاء فى كتاب كوبلاى - يماثل إدخال النظام الإسلامى للتفريق بين الزوجين.
وقد صدر هذا القانون دون الإشارة إلى عقوبات ممارسة اللواط السابقة مما يوحى ببداية السماح بالشذوذ الجنسي. وقد ارتفع معدل طلبات الطلاق بشدة بعد صدور القانون، إلا أن المحاكم وقطاعات كبيرة من الشعب لم تُفضّل العمل به ، ودارت مناقشات كبيرة أدت فى عام 1816 إلى العودة إلى نظام الفصل الجسدى. وكما يقول كوبلاى فإن هذا أدى إلى انتشار الخيانة الزوجية وإقامة البيوت الثانية وانتشرت الدعارة والشذوذ الجنسى وزاد عدد الأطفال غير الشرعيين. وفى عام 1905 قننت شرعية أبناء الخيانة. وفى عام 1907 سمح بزواج المحكوم لهم بالانفصال بعد عشرة شهور، وهذا ثانى تحديد أوروبى بعد ألمانيا لفترة لابد أن تنقضى قبل الزواج ثانية (نظام العدة). وفى عام 1922 سمح بزواج مَن يحملن بعد الانفصال مباشرة. وفى عام 1937 وُسِّعت دواعى الطلاق لتشمل خيانة الزوج والزوجة أو الهجر لثلاث سنوات أو القسوة أو الجنون. ورغم أنه كان قد تمَّ الفصل بين الدولة والكنيسة منذ زمن، ورغم تزايد الشعور بعد الحرب العالمية الثانية بأن الطلاق هو فى مصلحة المجتمع مثلما هو فى مصلحة الفرد, إلا أن الأمل فى الحصول على قانون حقيقى للطلاق فى فرنسا ظل بعيدًا عن التحقيق حتى عام 1975 عندما صدر القانون المطلوب, والذي وصفه أحدهم بأنه قانون للطلاق حسب الطلب: (Divocrce a, la cart) رغم اعتباره قانونًا خجولاً حيث يمكن إطالة القضية حتى سنتين.
 وفى إيطاليا - معقل الكاثوليكية - كانت محاولات المصلحين لتقنين الطلاق بتشجيع من الحكومة تنتهي بالفشل حتى أصدر البرلمان فى عام 1973 قانونًا يسمح بالطلاق المدنى. وفى الاتحاد السوفيتى السابق حيث ينتشر المذهب الأرثوذكسى أصبحت المحاكم اعتبارًا من 1966 م  تمنح الطلاق عندما تفشل كل وسائل الصلح تماما  كما يرى الإسلام!! .
 ومن الولايات المتحدة الأمريكية يقول جيرالد ليسلى فى كتابه "الزواج فى عالم متغير"(7) أن كل ولاية من الولايات الخمسين لها قانونها الخاص بالطلاق، و تتفاوت القوانين هناك من المنع شبه الكامل إلى الإباحة الواسعة. وتكلفة الطلاق فى عمومها عالية بالولايات المتحدة مما أقعد الكثيرين عن طلبه و اضطرهم إلى السكوت عما لا يُسكت عليه, كما أقعدت الكثيرين عن الزواج الشرعى. ولم يُوحَّد بين الولايات الخمسين إلا تغيير المفاهيم عن الطلاق فى المجتمع, فأصبح يُنظر إليه كشرٍّ لابد منه، وأصبحت الحركة نحوNo Fault divorce" " هي السائدة. وقد بدأتها ولاية كاليفورنيا عام 1969 بفكرة أن الزواج يجب أن يُفْصَم عندما تستحيل إعادة الحياة إليه. ومنذ عام 1970 توالت قوانين الطلاق بهذا المفهوم فى الولايات المختلفة فيما يشبه الثورة. وبالنسبة لحضانة الأطفال يُفضل أن يكونوا في حضانة الأم قبل البلوغ - كما قرر الإسلام - و بعد البلوغ ترى بعض المحاكم أن يكون الولد فى رعاية الأب خاصة إذا طلب الولد ذلك.
 أما في الهند فإن الديانة الهندوكية الأصلية كانت ترى أن الزواج علاقة مقدسة غير قابلة للانفصام لا فى الدنيا ولا بالموت!! ولا يمكن للزوجة أن تطلب الطلاق حتى لو كان الزوج مجنونًا أو عاجزًا جنسيًّا أو مُصابًا بالجذام أو هاجرًا أو مصابًا بالأمراض التناسلية أو مخصيًّا!!، ولا يمكن للزوج أيضًا من ناحيته أن يطلب طلاقًا، ولكنه كان يستطيع أن يتقدم بطلب زواج آخر لمرات تبعًا لمقدرته. وحتى قبل عام 1955 عندما صدر القانون الجديد للزواج الهندوكى كان مسموحًا للرجل بعدد غير محدود من الزوجات. ويمكن للزوج أن يتخلص من زوجته لأسباب عديدة , ولكن الزوجة المطرودة تظل علاقتها الزوجية قائمة ولا يمكنها الزواج ثانية حتى لو توفى زوجها!! بل أن الأرملة التى يتوفى عنها زوجها لا يمكن لها الزواج حتى لو ترملت وهى فى سنوات شبابها الأولى ، وتظل طرفًا شبه منبوذ فى الأسرة طيلة حياتها أو تتجه إلى ممارسة الدعارة. و هذا المستقبل المظلم دفع بعض الزوجات إلى المطالبة بأن يُدْفَن أو يُحْرَقن أحياء مع أزواجهن، واعتبر هذا فى الفكر الهندوكى قمة الإخلاص الزوجى!! ولم يتوقف هذا إلا فى منتصف القرن التاسع عشر بقانون أصدرته حكومة الاحتلال البريطانية (8). ولما كانت الهند على علاقة وثيقة بالإسلام على مدى التاريخ فإنه فى منتصف القرن التاسع عشر بدأت الحركة لتغيير ذلك الوضع. وفى عام 1964م صدر القانون الذى يسمح لأى الطرفين بطلب الطلاق مع تقرير مرتب مدى الحياة للطرف الضعيف ، حيث ما زالت فرصة زواج المُطَلَّقة نادرة. 
وفى الصين أصبح ممكنًا في عام 1930م أن يتفق الطرفان على الطلاق كتابة بوجود شاهدين. وفى عام 1949م أصبح ذلك مسموحًا به فى المحكمة. وفى عام 1964م أتاحت الثورة لأى من الطرفين حق طلب إنهاء الزواج.
 وفى اليابان صدر قانون الحقوق المدنية عام 1947م ليسمح بالطلاق باتفاق الطرفين وطلب الانفصال بسبب الخيانة أو الهجر(9).
وسائل مكافحة الطلاق
تسعى الشريعة الإسلامية إلى الحفاظ على تماسك وبقاء الأسرة بكل السبل الممكنة. لكنها فى ذات الوقت - مثلها مثل أى تشريع آخر- لا تستطيع إجبار شخصين على العيش معًا إذا استحكم بينهما العداء والنفور على نحو يستحيل معه دوام العشرة الطيبة.
بل إن محاولة فرض استمرار علاقة زوجية على مَن لا يرغبها هو فى الواقع إهدار لحقوق الإنسان ومصادرة لحريته. ولهذا أباح الإسلام الطلاق أو الخلع للضرورة القصوى كحلًّ أخير عندما تفشل كل الوسائل فى إقناع الزوجين بالعدول عن قرار الإنفصال. ومن هذه الوسائل التى يضعها القرآن الكريم تبشير الرجال بالخير الكثير والبركات فى الاحتفاظ بالزوجات حتى ولو لم يعد الزوج يحب زوجته. قال الله – تعالى -: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19] قال أصحاب "المنتخب" في تفسير الآية: "عليكم أيها المؤمنون أن تحسنوا عشرة نسائكم قولاً وعملاً، فإن كرهتموهن لعيب فى الخُلُق أو غير ذلك فاصبروا ولا تتعجلوا فراقهن، فعسى أن يجعل الله فى المكروه لكم خيرًا كثيرًا وعلم الأمور كلها عند الله" انتهى (10). وقال الشوكانى: "وَعاشروهن بالمعروف في هذه الشريعة وأهلها من حسن المعاشرة، وهو خطاب للأزواج أو لِمَا هو أعم، فإن كرهتموهن لسبب من الأسباب من غير ارتكاب فاحشة أو نشوز فعسى أن يؤول الأمر إلى ما تحبونه من ذهاب الكراهة وتَبَدلها بالمحبة، فيكون فى ذلك خير كثير من استدامة الصحبة وحصول الأولاد، أي: فإن كرهتموهن فاصبروا" انتهى. (11) وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - تفسيرًا للآية: "ربما رزقه الله منها ولدًا فجعل الله فيه خيرًا كثيرًا" انتهى (12).
 ويلاحظ كاتب هذه السطور أن المولى - سبحانه وتعالى - استخدم لفظ "فعسى" ، وكما قال الشيخ الشعراوى وغيره من علماء التفسير - رضي الله عنهم - فإن "عسى" من الله تفيد التحقيق ولزوم الحدوث، وعلى هذا يكون المعنى أن الله - تعالى - سيجعل - حتمًا - خيرًا كثيرًا فيما تكرهونه من زوجات أو أولاد وغير ذلك، والله يعلم ما لا نعلم. وفى ذات معنى الآية يقول النبى - صلى الله عليه وسلم -: "لا يَفْرك مؤمن مؤمنة إن سَخط منها خُلقًا رضي منها آخر" , وفى رواية "رضى منها غيره" رواه مسلم وأحمد بن حنبل. والمعنى الواضح أن كل زوجة - مثل أى إنسان - فيها مزايا ولها عيوب، فلا يكره الرجل زوجته لعيب فيها طالما أنها مؤمنة ، وليبحث فى مزاياها فسوف يجد فيها من الصفات الحسنة ما يرضيه ويقنعه بالاحتفاظ بها وعدم تطليقها.
التحكيـم
وقد ابتكر الإسلام نظامًا اجتماعيا بالغ الحكمة والتأثير فى الحد من حالات الطلاق وحصرها فى أضيق نطاق ممكن. قال الله – تعالى -: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا}الآية 35 من سورة النساء. 
ونرى هنا أمرًا إلهيًّا للمجتمع الإسلامي بالتدخُّل في حالة حدوث نزاع ومشاكل بين الزوجين، لمحاولة حل الخلافات والإصلاح - تحقيق الصلح - بينهما قبل أن يزداد الوضع سوءًا وينتهى بهما إلى الطلاق. ونلاحظ هنا أن الله – تعالى - أمر بندب حكم من أهلها مثلما أمر بندب حكم من أهله حتى لا يزعم أحد أن هناك ظلمًا لها، والله  تعالى  هو ربها أيضًا وليس ربه وحده.
ويشترط فى الحكمين أن يكونا من أهل الصلاح والتقوى والخبرة, وأن يقصد كلاهما الإصلاح بنية صادقة حتى يوفقهما الله في سعيهما للصلح, وأن يجتهدا لمعرفة المخطئ منهما ورَدِّه إلى صوابه. ونلاحظ هنا الحكمة البالغة فى اشتراط كون الحكمين من أهل الزوجين؛ لأنهما في هذه الحالة أدرى بهما, كما أنهما سيحرصان على مصالحهما ومصالح أطفالهما, وسوف يحافظان على سرية ما قد يَطَّلعان عليه من أمور حَسَّاسة لا يجوز مطلقًا إفشاءها حرصًا على سمعة العائلة ومستقبل الأطفال. ولذات السبب حدَّد ربنا حكمًا واحدًا من هنا وآخر من هناك, ولم يَقُل جماعة كبيرة من الحُكَّام حتى لا تُفشى أسرار البيوت, ولتقليل احتمالات الخلاف بين الحُكَّام أنفسهم. وغالبًا ما تنجح جهود الحكمين إذا صدقت النية فى الإصلاح, وامتثل المخطئ من الزوجين, وأذعن للحق، واستمع الجميع إلى نداء الحكمة والإصلاح الذى يحرص عليه الإسلام كل الحرص.
فإذا بذل الحكمان أقصى ما فى وسعهما بإخلاص وتجرُّد لوجه الله, وفشلت كل محاولات التوفيق والإصلاح بين الزوجين, فإن هذا يعنى شدة الخلافات والنفور. والشقاق معناه: أن يأخذ كل منهما شقًا أى مكانًا بخلاف مكان صاحبه كناية عن التباعد والنفور. وفى مثل هذه الحالة لا مفرَّ من الانفصال بأقل الخسائر. ولا يقولنَّ متنطعٌ أنه يجب إجبارهما على العيش معًا, فإن الملايين من جرائم القتل والخيانة الزوجية والسرقات وإحداث العاهات المستديمة تقع فى الغرب إذا تأخر الطلاق أو تم منعه بقوة القانون, ومن لم يقنع بما نقول فليُعد قراءة هذا الفصل من أوله.
وهناك حديث آخر يُنَفِّر الناس من الطلاق ويحاول صرفهم عنه ما أمكن إلا فى حالات الضرورة القصوى التى تفرضه. قال صلى الله عليه وسلم: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق" رواه أبو داود وابن ماجه وصححه الحاكم ورجّح أبو حاتم أنه مرسل. فإذا أخبر الحديث أن الله يُبغض – يكره بشدة – هذا الطلاق, فإن هذا يعنى الحث على كراهية العباد للطلاق بدورهم, فلن يكون الإنسان مؤمنًا حقًّا إلا بأن يحب ما يحبه الله ورسوله, ويكره ما يكرهه ربه - تعالى - وإن كان مباحًا للضرورات. يقول الصنعانى: "والحديث فيه دليل على أن فى الحلال أشياء مبغوضة إلى الله – تعالى - وأن أبغضها الطلاق, فيكون مجازًا عن كونه لا ثواب فيه ولا قُربة فى فعله... والحديث دليل على أنه يحسن تجنب إيقاع الطلاق ما وجد عنه مندوحة – أي بديلاً – والطلاق المكروه هو الواقع بغير سبب مع استقامة الحال, وهذا هو القسم المبغوض مع حله". انتهى (13)
ونلاحظ هنا استخدام لفظ "أبغض" الذى هو أشد أنواع الكراهية للتنفير من الطلاق الذى هو خراب حقيقى للبيوت. بل إن الطلاق يكون حرامًا فى حالات أخرى وليس مكروهًا فقط. فالحرام هو الطلاق البدعى - أي: المخالف للسُنَّة - مثل تطليق الزوجة أثناء فترة الحيض أو فى طُهر يكون قد جامعها فيه, وكذلك النطق بلفظ الطلاق ثلاثًا مرة واحدة. وقد ذهب فريق من العلماء إلى أنه إذا طلََّق الرجل زوجته أثناء الحيض أو فى طُهر جامعها فيه فإن هذا الطلاق لا يقع (14). وذهب آخرون إلى وقوع الطلاق البدعى أي المخالف لهديه - صلى الله عليه وسلم – ولا يخفى ما في الرأي الأول من محافظة على كيان الأسرة من الانهيار بسبب تسرع الزوج أو انفعاله الشديد الذى قد يدفعه إلى تطليق زوجته فى فترة الحيض. وأغلب النساء يعانين من توتر نفسى وعصبى شديد خلال فترة حيضهن, وبالتالي تكون سريعة الغضب والانفعال, فترد على زوجها بحدّة أثناء أية مناقشة بينهما – ولأتفه الأسباب - فتكون حدَّة ردها عليه – بسبب توتر الحيض – سببًا فى تسرعه بالنطق بلفظ الطلاق, ثم يندم كلاهما بعد أن يعود إليهما الهدوء والسكينة, وخاصة إن كان لهما أطفال صغار!! لهذا نرى أن الرأى القائل بعدم وقوع الطلاق البدعى المخالف للسُنَّة هو رأىٌ وجيه له أهمية بالغة فى الحفاظ على استمرار ومستقبل الأسرة من الانهيار فى وقت يكون فيه الزوجان فى حالة غير طبيعية بسبب حيض الزوجة كما أوضحنا. وهو رأى أئمة كبار مثل ابن تيمية وابن القيم والصنعانى ومحمد بن إبراهيم الوزير وغيرهم رضى الله عن علمائنا جميعًا وجزاهم عنا وعن الإسلام كل الخير.
والحديث المتفق عليه – عند البخارى ومسلم – أن ابن عمر - رضي الله عنهما - طلَّق امرأته وهى حائض فى عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - فسأل عمر النبى - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال له - عليه السلام -: "مُرْه فليراجعها ثم ليتركها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر, ثم إن شاء أمسك بعد, وإن شاء طلق قبل أن يمس, فتلك العدَّة التي أمر الله عز وجل أن تُطلق لها النساء", وفى رواية لمسلم: "مُره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملاً". ونلاحظ هنا رحمة النبى - صلى الله عليه وسلم - بالأمة ورغبة الإسلام فى إعطاء الطرفين وقتًا أطول لإعادة التفكير والتأني والتمهل قبل اتخاذ قرار الانفصال الخطير.
فقد ألغى عليه السلام ما فعله الزوج من تطليق زوجته أثناء فترة حيضها, وأمره أن يراجعها ويتمسك بها إلى أن تنتهى الحيضة ثم تطهر – وذلك يستغرق عادة بضعة أيام, وقد تطول فترة الحيض عند بعض النساء إلى أسبوعين, وهى فترة كافية لزوال غضب الزوج وانفعاله الشديد الذى تسبب فى إقدامه على الطلاق.
وكثيرًا ما يندم الأزواج بعد النطق بكلمة الطلاق, كما تندم زوجات كثيرات إن طلبن الطلاق, أو طلقت نفسها هى إن كانت العصمة بيدها, فهنا يمهل الإسلام كلاهما فترة أطول لإعادة النظر فى هذا القرار الخطير بعد أن تهدأ النفوس, ويأخذ كلاهما وقتًا أطول للتفكير الهادئ المتروي في الأمر. فإذا انتظرا انتهاء الحيض وبدء فترة الطهر من الدم, فإن على الزوج ألا يجامعها فى ذلك الطهر وإلا كان عليه انتظار حيضة جديدة ثم طهر جديد لا يجامعها فيه للتطليق... وكون الزوجة عنده ومعه فى بيته يصعب معه عليه الصبر على عدم جماعها, وهذا قد يجعله غالبًا يعدل عن الطلاق, وكذلك الزوجة إذ تراجع نفسها وتندم على أية تصرفات من جانبها تكون قد أغضبت الزوج ودفعته إلى التفكير فى الطلاق. فإذا لم يفلح كل ذلك فى إعادة المياه إلى مجاريها, فلا خير للمرأة فى استمرار العلاقة مع زوج لديه هذا التصميم على فراقها, ولعل الله أن يُبدلها مَن هو خير لها منه, ويُبدله خيرًا منها, لقوله – تعالى -: {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا} [النساء: 130].
ولذات السبب نهى الإسلام عن إيقاع الطلاق ثلاث مرات بلفظ واحد فى مجلس واحد؛ لأنه يخالف ما نص عليه القرآن وجاءت به السُّنة وهو إيقاع الطلاق مرة ثم تنقضى فترة العدَّة ثم يراجعها فى فترة العدَّة أو بعقد ومهر جديدين بعدها, ثم إن طلق مرة ثانية تنتظر فترة عدة جديدة يمكنه أن يراجعها خلالها, فإن لم يراجع خلال العدَّة فلا مفر من عقد جديد ومهر جديد, فأن طلقها الثالثة لا تحل له إلا إذا تزوجت من آخر – بعد انتهاء العدَّة – ثم يُطلقها الآخر بعد أن يجامعها فعليًّا وبشرط ألا يكون زواج الثانى بها ثم تطليقها لمجرد إعطاء الزوج السابق الفرصة لاستعادتها، فهذا حرام وتحايل على الشريعة الغَرَّاء, وسمَّاه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتيس المستعار.
قال الله تعالى: {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229], قال الإمام النسفى فى تفسيره للآية: "الطلاق بمعنى التطليق أي: التطليق الشرعي تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع والإرسال دفعة واحدة... وأضاف: هو دليل لنا فى أن الجمع بين الطلقتين والثلاث فى طهر واحد بدعة؛ لأن الله تعالى أمرنا بالتفريق (15).
وقال الشوكانى وغيره من المفسرين: "إنما قال - سبحانه -: "مرتان" ولم يقل طلقتان إشارة إلى أنه ينبغى أن يكون الطلاق مرة بعد مرة لا طلقتان دفعة واحدة, ولما لم يكن بعد الطلقة الثانية إلا أحد أمرين, أما إيقاع الثالثة التى تبين بها الزوجة – بينونة كبرى فلا تحل له إلا بالزواج من آخر ثم طلاقها منه بدون تحايل – وإما الإمساك لها واستدامة نكاحها بالمعروف أي: بما هو معروف عند الناس من حُسن العشرة, أو "تسريح بإحسان" بإيقاع طلقة ثالثة عليها بدون إضرار لها". أي بإعطائها كافة حقوقها وعدم الإساءة إليها فى حالة الانفصال. ونلاحظ هنا الحكمة فى إعطاء الزوج الفرصة تلوَ الأخرى لمراجعة نفسه والتفكير بهدوء فى مسألة الطلاق ومستقبل الأسرة لعله يراجع زوجته ويحتفظ بها. 
وفرض فترة العدة يستهدف - فضلا عن التأكد من عدم وجود حمل - إعطاء الزوجين فرصة لإعادة النظر في الأمر واحتواء الخلافات. وذكر الشوكانى أيضًا أن رأى الجمهور أن طلاق الثلاث دفعة واحدة يقع ثلاثًا، لكنه – أى: الشوكانى – رَجَّح الرأى الآخر الذى أكد أن طلاق الثلاث يقع واحدة فقط.. (16).
 وقال مؤلفو المنتخب فى التفسير: "الطلاق مرتان يكون للزوج بعد كل واحدة منها الحق فى أن يمسك زوجته بمراجعتها خلال فترة العدة أو إعادتها إلى عصمته بعقد جديد إن انتهت العدة, وفى هذه الحالة يجب أن يكون قصده الإمساك بالعدل والمعاملة بالحسنى, أو أن يُنهى الحياة الزوجية مع المعاملة الحسنة وإكرامها من غير مجافاة" انتهى (17).
وقد أخبر النبى - صلى الله عليه وسلم - عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا, فغضب - صلى الله عليه وسلم - وقال مستنكرًا: "أيُلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟!"؛ أخرجه النسائي من حديث بن لبيد. و "كان عمر - رضي الله عنه - إذا أُوتى برجل طَلَّق ثلاثًا أوجعه ضربًا" رواه ابن أبى شيبة فى الطلاق. وروى مسلم عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: "كان الطلاق على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبى بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة – أي: يُحسب طلقة واحدة فقط – فقال عمر: "إن الناس قد استعجلوا فى أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم", أي: حسبه عليهم ثلاث طلقات وليست واحدة كما كان الحال من قبل. وقد روى أبو داود أن أبا رُكانة طلق أم رُكانة فى مجلس واحد ثلاثًا فحزن عليها. فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "إنها واحدة". وفى رواية أخرى أنه - عليه السلام - أمره أن يراجعها, وفى رواية ثالثة عند أبى داود أن أبا ركانة طلق امرأته سهيمة البتَّة – أي ثلاثًا ونهائيًّا, فقال للنبي - عليه السلام -: والله ما أردت بها إلا واحدة – تطليقة واحدة – فردَّها إليه النبى - صلى الله عليه وسلم.
وقد اختلف العلماء كما ذكرنا, وحكى الصنعانى فى "سبل السلام" آراء الجميع ومنها: أن طلاق الثلاث فى مجلس واحد لا يقع به شيء؛ لأنه بدعة لا يعتد بها, والرأي الثاني: يقع به طلاق الثلاث (وهو رأى مخالف لما رويناه من حديث أبى رُكانة وحديث النسائى), والرأي الثالث: أنه يقع به طلقة واحدة رجعية وهذا مطابق للحديثين المذكورين, والرأي الرابع: يُفرق بين المدخول بها وغيرها. انتهى (18). والرأيان الأول والثالث أصلح للحفاظ على الأسرة وإتاحة الفرصة للمراجعة.
تحريم الإيلاء والظهار
ومَن يراجع أحكام الإيلاء والظهار فى الإسلام يلمس بوضوح أن تحريمهما جاء لحماية المرأة من الإضرار بها, وإتاحة الفرصة للاستمرار فى الحياة الزوجية لمصلحة الطرفين وأطفالهما أيضًا.
فقد حرَّم الإسلام الإيلاء وهو أن يحلف الرجل ألا يجامع زوجته فترة من الزمن أو طوال عمره. ومن الواضح أن هذا الحلف أو اليمين فيه إضرار بالغ بالزوجة التى لها عليه حق تلبية غرائزها بالطريق المشروع وهو الجماع – ممارسة الجنس بين الزوجين – كما أن هذا الإيلاء أو الحلف يُهدر غاية أساسية من غايات الزواج وهى إنجاب ذرية صالحة لعمارة الأرض؛ لأنه لن يحدث حمل بدون معاشرة زوجية. ولهذا حرَّمه الإسلام وأمر الزوج بمجامعة زوجته والتكفير عن يمينه الباطل. قال الله – تعالى -: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاؤوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 226- 227].
فإذا حلف الزوج وامتنع عن مجامعة – وطء – زوجته يعطيه الإسلام مهلة – فترة أربعة أشهر - فإن عاد إلى صوابه وجامَع امرأته قبل انقضاء المدة المذكورة فإن الله يغفر له ما مضى وعليه كفَّارة اليمين. أما لو أصرَّ الزوج على ترك مباشرة الزوجة طوال الأشهر الأربعة فإنه يُؤمَر بعد انقضائها بالرجوع إلى الجماع وإعطائها حقها الشرعى فى الوطء ليعفَّها عن الحرام, وإلا فإن عليه أن يطلِّقها إن أصرَّ على هجرها فى الفراش أكثر من أربعة أشهر. فإن رفض الجماع ورفض أيضًا التطليق, فإنه يجوز للمرأة رفع الأمر إلى القضاء, وفى هذه الحالة يحكم القاضى بالطلاق رغمًا عن الرجل لرفع الضرر عن المرأة وتخليصها من زواج لا يحقق لها رغباتها المشروعة فى الجماع والعفة والإنجاب. روى الإمام البخارى عن ابن عمر وبضعة عشر صحابيًّا من كبار الصحابة أن حكم الإيلاء هو: "إذا مضت أربعة أشهر (على حلف الزوج) فهو مُوَلٍ – أى حالف على عدم جماع الزوجة – يُوقَف حتى يُطلِّق – إن لم يعد إلى جماعها – ولا يقع عليه الطلاق حتى يُطلِّق". وقال سليمان بن يسار: "أدركت بضعة عشر صحابيًّا كلهم يُوقفون المولى -يعطونه مهلة أربعة أشهر- يُطلق بعدها إن لم يعاشر – يجامع – زوجته" أخرجه الدارقطنى والبيهقى. وقد ألحق الفقهاء بالمُولِّى فى هذا الحكم مَن ترك جماع – وطء – زوجته إضرارًا بها بلا يمين أكثر من أربعة أشهر بغير عذر, وكذلك من ظاهر من زوجته ولم يُكَفِّر عن يمين الظهار – قوله لها: أنت علىَّ مثل ظهر أمى – لأن كلا من هذين تارك لوطء – مجامعة – زوجته إضرارًا بها فأشبها المولى (19). فإذا مضت أربعة أشهر بلا جماع يُؤمر بالتطليق إن لم يعد إليها وإلا طَلَّقَها القاضي رغما عنه.
ولذات الحكمة حرَّم الإسلام الظهار وأوجب فيه الكفارة المغلظة – تحرير عبد أو جارية أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينًا- ثم يجامع زوجته – يباشرها – فهى ليست كظهر أمه, وقوله هذا باطل ومنكر وزور حرَّمه الله ورسوله(20).
 
طلب الطلاق للضرر
ومفهومٌ من الأساس الذى بنى عليه الإسلام تحريم الإيلاء والظهار أنه يجب على الزوج أن يُعف زوجته بالجماع, فليس الجماع حقًّا للزوج وحده. ورَوَت كتب الأحاديث - الشيخان وأصحاب السنن - وكل مراجع الفقه أن النبي - عليه السلام - قال لعبد الله بن عمرو: "وإن لزوجك عليك حقا". ولهذا قرر الفقهاء أنه يجب على الزوج أن يجامع زوجته بقدر كفايتها ما لم يضره ذلك أو يشغله عن طلب الرزق بلا إفراط أو تفريط أي بالقدر المعقول. واختلف العلماء فيمن كف عن جماع زوجته فقال مالك: إن كان بغير ضرورة ألزم به أو يفرق بينهما, ونحوه عن أحمد, والمشهور عند الشافعية أنه لا يجب عليه, وقيل: يجب مرة, وعن بعض السلف في كل أربع ليال ليلة, وعن بعضهم في كل طهر مرة. وقال الإمام ابن تيمية - رضي الله عنه -: "وحصول الضرر للزوجة بترك الوطء – الجماع – يقتضى الفسخ – فسخ العقد – بكل حال سواء كان بقصد من الزوج أو بغير قصد, مع قدرته أو عجزه كالنفقة وأولى" انتهى (21)، فيجوز طبقًا لهذا الرأى أن تطلب الزوجة فسخ عقد الزواج إذا امتنع الزوج عن مباشرتها – معاشرتها جنسيًّا – سواء برغبته أو لعجزه عن ذلك, فإن امتناعه عن جماعها مثل امتناعه عن الإنفاق عليها، بل هو أخطر لأنه يُعرِّضها للفتنة بذلك, وقد تصبر على نقص الطعام لكنها ربما لا تصبر على عدم الجماع, فيكون الانفصال أفضل لها لعل الله - تعالى - يرزقها بزوج آخر يُعفها به. ويجوز للمرأة طلب فسخ الزواج للعيوب التى تجدها فى الزوج وتتأذى بها مثل كونه مقطوع الذكر – ليس له عضو ذكورة – أو منزوع الخصيتين, ولو زعمت أنه عِنِّين – عاجز جنسيًا – فإن أقرَّ بذلك يمهله القاضى فترة للعلاج, فإن استطاع أن يجامعها ورضيت به وإلا حكم لها القاضى بفسخ العقد أي: التطليق للعيب. ولها أيضًا حق طلب الفسخ والانفصال لو كان به عيب آخر مُنفِّر مثل: الجنون, أو البرص, أو الجذام, أو القرع, أو نتن رائحة الفم, أو أي مرض آخر لا علاج له أو تنتقل عدواه إلى الغير مثل الإيدز أو الأمراض الوبائية الخطيرة. وفى ذلك يقول الإمام ابن القيم: "كل عيب يُنَفِّر أحد الزوجين من الآخر ولا يحصل به مقصود النكاح يوجب الخيار وإنه أولى من البيع" انتهى (22). وكذلك يعطى الإسلام المرأة الحق فى طلب التطليق للضرر فى كل حالة تتضرَّر فيها من استمرار الزواج كامتناعه عن الإنفاق عليها أو تكرار اعتدائه عليها بالضرب الشديد الذى يُحدِث بها إصابات جسيمة أو عاهات مستديمة... إلخ. وللقضاء سلطة تقدير كل حالة على حدة. فإن تبيَّن للقاضي أن استمرار الزواج فيه ضرر بالغ للزوجة لا يُستطاع معه العشرة الطيبة فإنه يحكم لها بالتطليق رفعًا للضرر عنها وحماية لها من الوقوع فى الفتنة. ويصدر الحكم بالتطليق ولو بدون موافقة الزوج على الطلاق. وهكذا نرى أن الإسلام يعطى المرأة حق طلب التطليق فى حالات كثيرة, فليس الطلاق بيد الرجل وحده كما يزعم الخصوم.
العصمة بيدها
وهناك حالة يتجاهلها – أو يجهلها – الخصوم, وهى حالة اشتراط الزوجة أن تكون العصمة – حق التطليق – بيدها. فإذا وافق الرجل على إدراج هذا الشرط فى عقد الزواج فإنه يلتزم بالوفاء به لقوله تعالى: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} الآية الأولى من سورة المائدة, وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أحق الشروط أن تُوفوا بها ما استحللتم به الفروج"؛ رواه البخاري ومسلم. فإذا اشترطت المرأة أن يكون تقرير الطلاق من عدمه بيدها هي فإنها تستطيع تطليق نفسها فى أى وقت بدون موافقة أو رغبة الزوج , ولا يملك منعها، لأنه يعتبر متنازلاً لها عن الحق فى توقيع الطلاق. وأساس ذلك ما قرره الفقهاء من أنه: "يجوز للزوج أن يوكِّل من يُطلِّق عنه سواء كان الوكيل أجنبيًّا أو كانت الزوجة, فيجوز أن يُوكِّلها فيه, ويجعل أمرها بيدها, فيقوم الوكيل مقامه" انتهى (23). أما لو لم تضع المرأة هذا الشرط فى عقد الزواج, فإن ذلك يعنى بوضوح أنها قبلت الزواج بكل أحكامه ومنها أن الطلاق بيد الرجل. ويظل لها – كما ذكرنا – أن تطلب الطلاق أيضًا فى كل حالة يقع عليها فيها ضرر جسيم تستحيل معه العشرة بالمعروف... فماذا يمكن أن يقدم التشريع للمرأة أكثر من ذلك؟!!
 
الخُـلْع
وكذلك انفرد الإسلام قبل 14 قرنًا من الزمان بإعطاء المرأة الحق فى الانفصال وإنهاء العلاقة الزوجية ولو لم يكن هناك أى إضرار بها، ولها هذا الحق ولو لم يقع أي خطأ من جانب الزوج أو بدون وجود عيب فيه. وكل ما هو مطلوب منها فى هذه الحالة أن ترد إليه ما دفعه لها من مهر فقط لا غير بلا زيادة أو نقصان. ويُعرف هذا بنظام "الخُلْع". والمرأة هنا تطلب الانفصال عن زوج لم يرتكب ذنبًا ولا عيب فيه, فالعدل كل العدل أن ترد إليه ما دفعه من مهر مقابل حصولها على حريتها.
وأساس إباحة الخُلع قوله - تعالى -: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229]. قال الشوكانى: "المعنى: لا جناح على الرجل فى الأخذ, ولا جناح على المرأة فى الإعطاء ببذل شىء من المال يرضى به الزوج فيطلقها لأجله, وهذا هو الخُلع, وقد ذهب جمهور العلماء  إلى جواز ذلك" انتهى (24). ولا يجوز للزوج هنا أن يأخذ منها أكثر مما كان قد دفعه لها لما رواه ابن ماجه فى قصة خلع زوجة ثابت بن قيس: "فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذ حديقته التى كان أعطاها لها كمهر ولايزداد". وفى رواية البيهقى أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال لها عندما طلبت الانفصال عن ثابت بن قيس: "أتردين عليه حديقته التى أصدقك" أي: التي أعطاك إياها مهرًا, فقالت المرأة: نعم وزيادة, فقال لها - عليه السلام -: "أما الزيادة من مالك فلا". وفى رواية ثانية للبيهقى أيضًا عن عطاء: "كره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذ – الزوج – من المختلعة أكثر مما أعطاها". وحديث المختلعة كما رواه البخارى والنسائى وابن ماجه وابن مردويه والبيهقى عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن جميلة بنت أُبِّى بن سلول امرأة ثابت بن قيس بن شمَّاس قالت: يا رسول الله, ثابت بن قيس ما أعتب عليه فى خلق ولا دين, ولكن لا أطيقه بُغضًا, وأكره الكفر فى الإسلام, فقال لها - صلى الله عليه وسلم -: "أتردين عليه حديقته؟" قالت: نعم. فقال - عليه السلام - لثابت: "اقبل الحديقة وطلِّقها تطليقة". والحديث موجود فى كل كتب التفسير والسير والسنن والفقه. وهو قاطع الدلالة على أن من حق الزوجة طلب الانفصال – الخُلع – مقابل رد المهر إلى الزوج؛ لأنها هي الراغبة في الانفصال وليس هو, كما أن الفرض هنا أنها لا تجد سببًا لذلك سوى أنها تكره زوجها ولا تحبه بغير خطأ منه أو ذنب له. ومما فعله - عليه السلام - نستنبط أن على القضاء إجابتها إلى الخُلع وتطليقها دون اعتبار لاعتراض الزوج أو رغبته فى إمساكها.
وهنا نلاحظ أن النبى - عليه السلام - أمر الزوج باسترداد المهر فقط بلا زيادة, وأن يُطلِّقها, فلا خير له فى الحياة مع مَن تكرهه. ومَن هو هذا الزوج؟ إنه الصحابي الجليل ثابت بن قيس الذى كان من أكابر الأنصار وساداتهم وأكثرهم علمًا وتقوى وفصاحة حتى كانوا يلقِّبونه بخطيب الأنصار (25), وشهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - له بالجنَّة في حديث رواه مسلم والهيثمى فى مجمع الزوائد وعبد الرزاق وابن كثير, ولفظه عند الحاكم أن النبى - عليه السلام - قال له: "يا ثابت أما ترضى أن تعيش حميدًا, وتُقتل شهيدًا, وتدخل الجنة؟". وبالفعل استشهد - رضي الله عنه - في موقعة اليمامة فى عهد أبى بكر - رضي الله عن الجميع - وفى حديث ثان قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "نعم الرجل ثابت بن قيس"؛ رواه الحاكم في المستدرك والترمذي والبخاري في مناقب الأنصار والذهبي في ترجمته لثابت بن قيس - رضي الله عنه.
 وإذا كان لنا من تعليق فإننا نقول إن مثل ثابت - رضي الله عنه - خير من ملء الأرض من تلك الزوجة المختلعة, ولا نظن أنها وجدت بعده مَن هو خير منه, ولولا أن هذا الصحابى العظيم تزوَّجها لما ورد لها أى ذكر فى كتب التاريخ والإسلاميات، وإنه لشرف عظيم لها ولقومها ونعمة كبرى حُرمت منها أنها كانت قرينة مثل هذا السيد من سادات الإسلام ولو لبضع سنين.
 لكن الإسلام العظيم لا يفرض عليها الحياة معه, فلها حق الخُلع ولو كان قرارها خاطئًا بلا جدال.
وقد صرَّحت إحدى الروايات عند البخارى بأن المختلعة كانت أخت عبد الله بن أُبِّى بن سلول رأس النفاق وزعيم المنافقين فى المدينة , كما صرَّحت روايات أخرى بأن تلك المختلعة ذكرت سبب كراهيتها لذلك الزوج العظيم خطيب الأنصار المشهود له بالجنة لأنه كان قصيرًا أسود اللون!! وقالت المرأة فى رواية لابن عباس: "إني رفعت جانب الخباء – الخيمة – فرأيته أقبل فى عِدَّة – عدد من الناس – فإذا هو أشدهم سوادًا وأقصرهم قامة وأقبحهم وجهًا"!! ومتى كان للشكل الخارجى دور فى تقدير ووزن معادن الرجال؟!! ثم أنها ارتكبت معصية مؤكدة حيث إنها لم تلتزم بالأمر الإلهى بغض البصر، وراحت تطيل النظر إلى رجال غرباء وتقارن بينهم وبين زوجها!! وكان عليها أن تلتزم بالحياء وأن تغض بصرها. ومع كل هذا لم تخجل من ذكر ما فعلته من النظر إلى رجال غرباء!! إن الجمال الظاهرى لا يدوم ولا قيمة له بالمقارنة بجمال الدين والروح والطهارة والشجاعة ومكارم الأخلاق, وقد كان للزوج ثابت بن قيس - رضي الله عنه - من كل ذلك أوفر نصيب!! وهل تطلب عاقلة – فضلاً عن تقية – الانفصال عن صحابى من السابقين وزعيم مُفَوَّه وسيد مُقدم من سادات العرب والعجم أخبر عنه الصادق الأمين أنه حميد شهيد ثم هو فى الجنة؟!! ثم أنه كان كريمًا سخيًّا بدليل أنه أعطاها حديقة كبيرة - مهرًا - وكان غيره لا يزيد على دراهم معدودات فى المهر. ورغم كل ذلك أمره النبى - صلى الله عليه وسلم - بتطليقها مقابل استرداد مهره, فلا خير لها فى العيش مع من تكرهه. كما أنه لا خير لهذا الصحابى الجليل - على الإطلاق – فى إمساك مثل هذه الزوجة التى تهتم بالمظهر دون الجوهر فضلاً عن بُغضها الشنيع له(26).
 
 
قصة بُريرة 
"بُريرة" هي الجارية التي أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - زوجته عائشة أن تعتقها بعد أن اشترتها من مالكها. وكان زوج بريرة عبدًا اسمه مُغيث, وحصلت زوجته بُريرة على حريتها بالعتق قبله, فخيَّرها النبي  عليه السلام  بعد العتق بين البقاء مع مُغيث أو الانفصال عنه – الفسخ بسبب العتق – فاختارت الفسخ لأنها كانت تكرهه. وأورد البخاري قصتها تحت عنوان: "باب شفاعة النبى - صلى الله عليه وسلم - في زوج بُريرة". وذكر ابن عباس - رضي الله عنهما - في الحديث عن مُغيث زوجها أنه كان يمشى خلفها في طرقات المدينة يبكى وتسيل دموعه على لحيته لأنها فارقته! وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمه العباس: "يا عباس ألا تعجب من حُبِّ مُغيث بريرة ومن بُغض بريرة مُغيثًا؟!!" وفى رواية أبى داود أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لبُريرة: "يا بُريرة اتقِ الله فإنه زوجك وأبو ولدك" فقالت: يا رسول الله أتأمرنى بذلك؟ قال: "لا. إنما أنا شافع", فرفضت بُريرة البقاء معه بعد أن أعتقتها السيدة عائشة - رضي الله عنها - وفى رواية البخارى قالت: "لا حاجة لى فيه".(27)
ونرى أن قصة "بُريرة" تُلَخِّص تمامًا وبكل وضوح ما قدَّمه الإسلام للمرأة:
 فماذا كانت "بريرة" قبل الإسلام؟ مجرد جارية تُباع فى السوق ببضعة دنانير أو دراهم , تنتقل من سيد إلى آخر بلا إرادة منها ولا حول ولا طول, يضاجعها سيدها وقتما يشاء أو يأمرها بمضاجعة ضيوفه تكريمًا لهم رغم أنفها, أو يُجْبِرَها على ممارسة الدعارة كسبًا للمال, يُطعمها الفتات, ويبيعها أو يقتلها بلا حساب أو عقاب من أحد..
 وجاء الإسلام فحررها من هذا الهوان. ردَّ إليها إنسانيتها المُهدرة وكرامتها وحريتها, ثم أعطاها الحق فى اختيار زوجها بعد العتق؛ لأنها تبدأ حياة جديدة مع الحرية والإسلام, وربما كان سيدها السابق هو الذى أجبرها على هذه الزيجة لتنجب كثيرًا من الأطفال ليصبحوا عبيدًا له بدورهم - كما كانوا يفعلون - فمن الرحمة والعدل أن تسترد بعد تحريرها كل حقوقها, ومنها حقها المشروع فى اختيار زوجها شريك حياتها ووالد أطفالها.
 وقصة بُريرة تُثبت بوضوح ويقين أن الإسلام أعطى المرأة أيضًا الحق في التعبير وحرية الرأى  والتقاضي على أوسع نطاق ممكن لأول مرة فى تاريخ البشرية.
ونتأمل حوارها مع النبى  صلى الله عليه وسلم  ونتساءل: أكانت أية جارية – أو حُرَّة – تتجرأ فى ذلك الوقت أو قبله أو بعده على الدخول – مجرد الدخول – إلى مجلس ملك من ملوك الأرض – كسرى أو قيصر مثلا - فضلاً عن الكلام معه أو مجادلته ثم رفض الاستجابة إلى شفاعته؟!!
 وانظر إلى صاحب الخلق العظيم سيد ولد آدم الذى بلغ من نُبله وكرمه وتواضعه أن تناقشه من كانت - منذ لحظات - جارية اشترتها زوجته وأعتقتها. ثم هو لا يُوجِّه إليها أمرًا بالبقاء مع زوجها العبد أو معاشرته بالقوة, بل يقول بكل لطف ومودة أنه: "شافع" أي: يتوسط في الخير حرصًا على كيان أسرتها وأطفالها الذين هم أطفال مُغيث فى ذات الوقت.
 ويصل الحوار إلى ذروته فترفض الجارية التى تحررت - منذ دقائق فحسب - شفاعة سيد الأولين والآخرين  عليه السلام  فلا ينهرها, ولا يضربها, ولا يأمر بقتلها أو سجنها, بل يُقِرها على ما تريد, ولا يزيد على ملاطفة عمه العبَّاس الجالس معه لافتًا انتباهه إلى المفارقة العجيبة بين حُب زوجها لها وكراهيتها الشديدة له !! وصدق فيه قول ربنا - سبحانه وتعالى -: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107].
 
هوامش الفصل
1. Laurence Stone, Road to Divorce – England 1530 – 1987, Oxford University Press (1990).
2. Fredric R. Coudert, Jr., Marriage and Divorce Laws in Europe, A study in comparative Legislation, first published in 1893, press of Levingston Middelditch Co., NY.
3. Anna Ward et al., Woman and Citizenship in Europe, Trentham Boosk and EFSF (1992).
4. Archana Paashar, Women and Family Laws Reform in India, Sage Publications – New Delhi (1992).
5. Antony Copley, Sexual Moralities in France 1780-1980, Routledge – London (1990).
6. Gerald Leslei, Marriage in a Changing World Edition, John Wiley & sons (1980).
7. Pal B.K., Problems and Concens of Indian Woman, ABC Publishing House, New Delhi (1986).
8. Shiv Sahai Singh, Unification of Divorce Laws in India, Deen & Deep Publications, New Delhi (1993).
9. Marc J.N.C. Keirs, New Prespectives for the effective Treatment of preterm labour, Am J. Obstet Gynecol.
والمراجع الأجنبية مشار إليها أيضا عند الدكتور حافظ يوسف فى كتابه "اليقين الإسلامي" ص 337 وما بعدها – طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة.
10- المنتخب في تفسير القرآن الكريم – تأليف عدد من علماء الأزهر الشريف – ص 132 – طبعة المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية – مصر.
11- فتح القدير – الشوكانى – الجزء الأول ص 708 – طبعة دار الوفاء – مصر.
12- أخرجه الطبرانى وابن حاتم فى تفسيريهما.
13- سبل السلام – الصنعانى – كتاب الطلاق – ص 598 – طبعة دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان.
14- المرجع السابق – ص 600 وما بعدها.
15- تفسير النسفى – ج1 ص115 – طبعة دار إحياء الكتب العربية.
16- فتح القدير – الشوكانى – الجزء الأول – ص 414-415 – طبعة دار الوفاء – مصر.
17- المنتخب فى تفسير القرآن الكريم – ص 63 – طبعة المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية – القاهرة – مصر.
18- سبل السلام – الصنعانى – من ص 601 إلى 604 – طبعة دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان.
19- الملخص الفقهى – د.صالح بن فوزان الفوزان – ص 701 وما بعدها – طبعة دار الآثار – القاهرة – مصر.
20- انظر الكلام عن المجادلة والظهار فى الفصل الثانى من هذا الكتاب.
21- حاشية الروض المربع (6/438).
22- زاد المعاد – ابن القيم-(5/166) بتصرف.
23- الملخص الفقهى – د. صالح بن فوزان الفوزان – ص 694 – طبعة دار الآثار – مصر.
24- فتح القدير – الشوكانى – الجزء الأول - ص 415.
25- انظر ترجمة ثابت بن قيس فى سير أعلام النبلاء للذهبى – الجزء الأول ص 308 – طبعة مؤسسة الرسالة – بيروت.
26- سبل السلام – الصنعانى – ص 597.
 27- الحديث عند البخارى ومسلم وأبو داود وغيرهم, وهو موجود فى كل كتب الفقه فى باب تخيير الحُرَّة عند العتق وفى باب الولاء لمن أعتق وفى كتاب الطلاق وغيرها من الأبواب.
 
 
الفصل السابع
الحقوق المـاليـة
 كل مَن يدرس الحقوق المالية للمرأة فى الإسلام – بتجرد وحياد – لا بد أن يعترف بأنه ليس فى الإمكان وضع قواعد أكثر عدلاً وإنصافًا ورحمة من تلك التى جاءت بها الشريعة الإسلامية... فها هو ذا مفكر هندى غير مسلم درس كل القوانين والقواعد المنظمة لشؤون الأسرة في بلاده ذات الأعراق واللغات والديانات المختلفة. وبعد مقارنة كل القواعد فى كل المذاهب والديانات قال الدكتور أرشانا باشار: "لا يمكن إنكار أن نظام المواريث الإسلامى الذى حددته ثلاث آيات فقط فى القرآن كان رائدًا فى إدخال المرأة والطفل ضمن قائمة الورثة لأوَّل مرة في العالم كله". انتهى (1).
ويكفى أن نشير أولاً إلى أن النساء فى الغرب ما زلن يكافحن للحصول على أجور متساوية مع أجور الرجال عن ذات الأعمال المتشابهة فى كل شيء. ففي الولايات المتحدة تطالب الجمعيات النسائية حتى الآن – 2009م – بإعطاء العاملات الأمريكيات أجورًا متساوية مع أجور الرجال عن ذات الأعمال, وكان هذا أحد الوعود الانتخابية للمرشح باراك أوباما, ولم تتحقق مساواتهن فى الأجور حتى لحظة كتابة هذه السطور!! وذات الحال فى معظم دول أوروبا حتى الآن!!
وثانيًا: لم تكن للمرأة فى الغرب ذمة مالية منفصلة عن ذمة الزوج, وظل هذا الوضع قائمًا حتى منتصف القرن العشرين, فكانت أموالها تذهب إلى الزوج بمجرد إبرام الزواج... ولم يكن مالها فقط بل تفقد حتى اسمها!! وما زالت المرأة في الغرب حتى الآن تحمل لقب واسم عائلة زوجها بدلاً من أبيها!! مثلاً: هيلارى وزير خارجية أمريكا ينادونها هيلارى كلينتون, وهو لقب زوجها بيل كلينتون وليس لقب أبيها الذى أنجبها!! أما في الإسلام فلا يجوز أن تنسب لغير أبيها ولا تفقد اسمها ولا مالها بالزواج.
وحتى في نظام الوصية اضطرت دول كثيرة فى عصرنا إلى الأخذ بمبدأ التدخل التشريعى للحد من مقدار المال الذى تجوز الوصية به حرصًا على حقوق أقارب الموصى وخاصة أطفاله وأبويه وزوجته. والمعروف أن الرسول  صلى الله عليه وسلم حدد القدر الذي تجوز الوصية فيه بالثلث لا أكثر. فالحد الأقصى لنفاذ الوصية لا يتجاوز بأى حال ثلث التركة , وما زاد على الثلث لا ينفذ إلا برضا الورثة.
عن سعد بن أبى وقاص - رضي الله عنه - قال: "قلت يا رسول الله أنا ذو مال ولايرثنى إلا ابنة لى واحدة, فأتصدق بثلثي مالي؟ قال  عليه السلام: لا, قلت: فأتصدق بشطره – بنصفه؟ قال: لا, قلت فأتصدق بثلثه؟ قال  عليه السلام :" الثلث والثلث كثير إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس" متفق عليه. وهكذا ينهى  عليه السلام  عن الوصية بأكثر من الثلث حرصًا على مستقبل الورثة وخاصة الأطفال الصغار والأرملة والأبوين الطاعنين فى السن. وأوضح - عليه السلام - أن تركهم أغنياء بما يرثون خير وأفضل قطعًا من أن يوصى مورثهم بكل التركة أو معظمها لغيرهم ويتركهم فقراء محتاجين يتسوَّلون الطعام والملابس من الناس.
 وأبلغ وأقوى دليل على عظمة هذا التشريع الذى جاء به الإسلام منذ أكثر من 14 قرنًا أن دولاً عديدة في عصرنا اضطرت إلى الأخذ بهذا المبدأ. ومثال ذلك فرنسا التى اضطرت إلى إصدار قانون عام 1972م – منذ 37 عامًا فقط – يأخذ بمبدأ تحديد مقدار الوصية المسموح بها للحفاظ على حقوق الورثة (2). وسبب صدور القانون هو ما لوحظ من انتشار ظاهرة التوصية بمعظم التركة أو كل التركة للعشيقات الفرنسيات دون الأولاد والزوجات, أو وجود خلافات زوجية أو عائلية طاحنة تتسبَّب في رغبة الكيد للزوج أو الأولاد العاقين مثلاً, فيوصى المورث لآخرين بالتركة انتقامًا منهم. وقد أخذوا أيضًا بقاعدة الوصية وتسديد الديون أولاً ثم توزيع باقى التركة على الورثة, وهى التي وردت  في قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 11]. واقتباس فرنسا ودول أخرى كثيرة لما جاءت به الشريعة الإسلامية -مبدأ وضع حد أقصى لمقدار الوصية حرصًا على حقوق الورثة- يثبت ما قلناه ونقوله دائمًا وهو: أنه لا يمكن لبشر الإتيان بأفضل من الحلول التى جاء بها الإسلام , ولو لم يفهم البعض أسرارها أو أسبابها, فسوف تأتى أجيال أخرى تكتشف الأسرار الإلهية والأسباب المنطقية للشرع الحكيم.
ورغم أنهم أخذوا فى فرنسا بهذا الجزء الخاص بتحديد الوصية إلا أن القانون الفرنسى ما تزال به ثغرة خطيرة هائلة حتى الآن. وإنها لصفعة مدوية على وجوه الحاقدين عندما يعلمون أن فرنسا – أم القوانين والحريات المزعومة – لا تعطى نصيبًا فى باقى التركة - بعد الوصية – للزوجة ولو كانت قد أفنت عمرها وشبابها مع المورث وأنفقت عليه كل مدخراتها!! في قلب أوروبا المعاصرة وفى باريس – عاصمة النور المزعومة – تمضى مئات الألوف من العجائز والأرامل ما تبقى لهن من عمر بائس يتكفَّفن العيش, ويتعرَّضن للشقاء والذل والمهانة - أواخر العمر- في سن الشيخوخة والمرض؛ لأن القانون الفرنسى لا يعطيهن نصيبًا فى الباقى من الميراث بعد تنفيذ الوصايا. وغالبًا ما تكون الوصايا للعشيقات والأولاد غير الشرعيين, بينما الأرامل اللاتى أنفقن كل ما يملكن, وبذلن زهرة العمر للأولاد والزوج الهالك لا يحصلن على فرنك واحد من كل التركة ولو بلغت الملايين! ويحاول أئمة الضلال والتضليل الزعم بأن سبب ذلك هو أن القانون الفرنسى يعطى الأولوية لقرابة الدم وليس لرابطة الزوجية!! وهذا وجه آخر يثبت عظمة الإسلام الذى يعطى كل ذى حق حقه, ويوازن بحكمة بالغة بين الحقوق, فيحصل كل من الورثة على قدر معلوم يناسبه ولا يحرم أحدًا كما يفعلون!!
وكان أقصى ما حصلت عليه الحركة النسائية فى فرنسا, واعتبروه نصرًا فى عام 1965م حين نجحت النساء فى الحصول على حق فتح حساب مستقل فى البنك والحق فى إدارة محل تجارى بدون موافقة الزوج!! ولم يتذكر أحد هناك أن الإسلام قد أعطى المرأة  المسلمة هذا الحق قبل الفرنسيات بألف وأربعمائة سنة.
وفى انجلترا أو ما كانوا يسمونها "بريطانيا العظمى" كان الزوج يسيطر على كل ممتلكات زوجته وإيراداتها الحالية والمستقبلية حتى فى حال الانفصال. وكما يقول الدكتور حافظ يوسف: "كانت الأُسَر البريطانية تعتبر ما تحصل عليه البنت نصيبًا ضائعًا من ممتلكات الأسرة, وكان كثير من الأزواج هناك ينفقون أموال زوجاتهم على العشيقات"!!! ولم يصدر تعديل كامل للقانون لرفع هذا الظلم عن المرأة الانجليزية إلا فى عام 1949م. أي أنه في منتصف القرن العشرين فقط أصبحت للمرأة الانجليزية ذمة مالية منفصلة عن زوجها لأول مرة فى تاريخ بريطانيا, وحصلت كذلك على حرية في التصرفات المالية.
وبالنسبة للمواريث كانت القاعدة العامة هى أن يوصى الرجل بكل ثروته لمن يشاء. وكثير من الرجال كان يوصى بكل ثروته للأجانب ويحرم زوجته وأطفاله منها. ولم يتغير هذا الوضع الشاذ فى انجلترا حتى عام 1938م حيث أصبح للورثة الحق فى مطالبة القضاء بتوزيع عادل للتركة. وكان المبدأ المعمول به هناك هو أن الابن البكر يرث كل الأرض مع استبعاد البنات وحتى الذكور الصغار!!
 لاحظ التشابه فى هذا بين الإنجليز فى قلب أوروبا وعرب الجاهلية فى صحراء الجزيرة قبل الإسلام , فكلا الجانبين كان يحرم الإناث والصغار بدعوى عدم قدرتهم على المساهمة فى حماية الممتلكات والقتال دفاعًا عنها وعن القبيلة!! وحتى عام 1926م ظل الذكور مُفَضَّلون على الإناث فى الميراث , كما ظل الولد البكر مُقَدَّمًا على إخوته الصغار. فإذا توفى الابن البكر قبل أبيه المورث , فإن أولاد هذا البكر يُفَضَّلون على عمهم الأصغر, وهذا كله فى بريطانيا أحد  معاقل المسيحية في العالم!!!
وإذا لم يكن للمتوفى أبناء ولا أب, يُفَضَّل الذكور من الأعمام وخاصة الأكبر!! وتقول إحصائيات انجليزية أنه فى شرق يوركشاير حصلت النساء على 5% فقط من إجمالى التركات الموزعة فى الفترة من 1530م حتى 1919م؛ لأن أملاك المرأة تذهب إلى الزوج بمجرد إبرام عقد الزواج, كما أن الذكر غير الشقيق كان مفضلاً على ابنة صاحب التركة!!!
وقد أخذت أسبانيا حتى اليوم  بمبدأ بتحديد مقدار الوصية بالثلث كحد أقصى, وتلك شهادة فى حد ذاتها لصالح التشريع الإسلامي. لكنهم لم يمضوا على طريق العدالة حتى نهايته , إذ يحصل الأبوان على تركة ابنهما بعد خصم الوصية فى حالة عدم وجود أبناء للمتوفى, وإذا لم يكن قد أوصى للزوجة بشىء فإنه ليس لها إلا حق الانتفاع – وليست ملكية كاملة – ببعض الممتلكات!!
ويرى الباحث بونفيلد أن الأسر الثرية فى أوروبا كلها كانت تأخذ بمبدأ تفضيل الابن البكر فى الإرث كله بدرجات متفاوتة؛ كي تحافظ على نفسها, وأن ما تطورت إليه قوانين المواريث الآن فى أوروبا لا يختلف كثيرًا عما ذهب إليه التشريع الإسلامى إلا فى القليل , وأن مؤتمرًا عقد فى هامبورج عام 1985م أظهر المأزق التشريعى فى أوروبا, لعدم الموازنة بين حقوق أفراد الأسرة على اختلاف درجاتهم، وبين التقاليد الأوروبية المتأصلة فى نظام المواريث(3).
وفى الصين أكبر دولة فى العالم – 1500 مليون نسمة – كانت القاعدة الدائمة هناك هى استبعاد الإناث وكل أبنائهن وبناتهن من المواريث, ويحصل الذكور فقط الذين هم من نسل الجد الأكبر ويحملون اسمه على كل التركة. ولا ترث الأرملة شيئًا بل تحصل على ترضية قليلة المقدار!! وظل هذا الوضع ساريًا هناك حتى عام 1931م(4).
 
 
 
 
عدالة الإسلام
أما في الإسلام فنلاحظ أن: "أنصبة الوارثين والوارثات فى الإسلام تحكمها ثلاثة معايير:
أولها: درجة القرابة بين الوارث – ذكرًا كان أم أنثى – وبين المُوَرِّث – المتوفَّى - فكلما اقتربت الصلة زاد النصيب فى الميراث, وكلما ابتعدت الصلة قل النصيب فى الميراث , دون اعتبار لجنس الوارثين.
وثانيها: موقع الجيل الوارث من التتابع الزمنى للأجيال, فالأجيال التي تستقبل الحياة وتستعد لتحمل أعبائها, يكون نصيبها في الميراث- عادة-  أكبر من نصيب الأجيال التى تستدبر الحياة, وتتخفف من أعبائها, بل وتصبح أعباؤها مفروضة على غيرها , بصرف النظر عن الذكورة والأنوثة للوارثين والوارثات. فبنت المتوفَّى ترث أكثر من أمه – وكلتاهما أنثى - بل وترث البنت أكثر من الأب! حتى لو كانت رضيعة لم تعرف شكل أبيها, حتى لو كان الأب هو مصدر الثروة التى للابن, والتي تنفرد البنت بنصفها! وكذلك يرث الابن أكثر من الأب وكلاهما من الذكور!.
وفى هذا المعيار من معايير فلسفة الميراث فى الإسلام حِكَم إلهية بالغة ومقاصد ربانية سامية تخفى على الكثيرين! وهى معايير لا علاقة لها بالذكورة والأنوثة على الإطلاق.
وثالثها: العبء المالي الذي يوجب الشرع الإسلامى على الوارث تحمله والقيام به حيال الآخرين... وهذا هو المعيار الوحيد الذى يُثمر تفاوتًا بين الذكر و الأنثى... لكنه تفاوت لا يفضى إلى أى ظلم للأنثى أو انتقاص من إنصافها... بل ربما كان العكس هو الصحيح!
ففي حالة ما إذا اتفق وتساوى الوارثون فى درجة القرابة... واتفق وتساووا في موقع الجيل الوارث من تتابع الأجيال – مثل أولاد المتوفَّى, ذكورًا وإناثًا – يكون تفاوت العبء المالى هو السبب فى التفاوت فى أنصبة الميراث... ولذلك, لم يعمِّم القرآن الكريم هذا التفاوت بين الذكر والأنثى فى عموم الوارثين, وإنما حصره فى هذه الحالة بالذات, فقالت الآية القرآنية: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11], ولم تقل: يوصيكم الله فى عموم الوارثين.. والحكمة في هذا التفاوت, في هذه الحالة بالذات, هي أن الذكر هنا مكلَّف بإعالة أنثى – هى زوجته - مع أولادهما.. بينما الأنثى الوارثة – أخته – إعالتها, مع أولادها, فريضة على الذكر المقترن بها.. فهي – مع هذا النقص فى ميراثها – بالنسبة لأخيها الذى ورث ضعف ميراثها - أكثر حظًّا وامتيازًا منه فى الميراث.. فميراثها – مع إعفائها من الإنفاق الواجب – هو ذمة مالية خالصة ومُدَّخرة, لجبر الضعف الأنثوي, ولتأمين حياتها ضد المخاطر والتقلبات.. وتلك حكمة إلهية قد تخفى على الكثيرين.." انتهى (5).
وهناك مغالطة سافرة من أعداء الإسلام تتمثل فى محاولة التركيزعلى حالات زيادة نصيب الذكر على نصيب الأنثى فى الميراث, وتجاهل الحالات الأخرى التى يتساوى فيها نصيب كل من الرجل والمرأة مثل حالة الإخوة والأخوات لأم فى حالة عدم وجود أصول أو فروع .
 بل إن هناك حالات عديدة يزيد فيها نصيب المرأة على نصيب الرجل, وقد يُمنع الذكر من الميراث تمامًا بينما ترث الأنثى فى حالات أخرى. ولعل الكثيرين لا يعلمون كذلك أن هناك حالات تَحْجُب المرأة فيها الرجل تمامًا فلا يرث شيئًا من التركة بسبب وجودها. وحتى من الناحية العددية فإن الأرقام تحسب لصالح الإسلام العظيم وليس ضده. إذ يبلغ عدد الحالات التى ترث المرأة فيها أكثر من الرجل أو تحجبه عن الميراث كلية أو تتساوى معه ثلاثين حالة من حالات المواريث, بينما يزيد نصيب الرجل على نصيب المرأة فى أربع حالات فقط من كل حالات الميراث!! فهل يحاكمون الإسلام بسبب 4 حالات فقط بينما يتجاهلون ثلاثين حالة تحظى فيها النساء بنصيب أوفر أو متساوٍ أو حتى تمنع الرجل فيها من الميراث؟!
 وعلى سبيل المثال: إذا مات شخص عن بنتين وأم و3 إخوة ذكور, فإن البنتين ترثان الثلثين وحدهما وتحصل الأم على السدس, ولا يتبقى لإخوته الذكور مجتمعين سوى سدس التركة فقط!! ونلاحظ هنا أن كل بنت حصلت وحدها على ضعف نصيب أعمامها الذكور مجتمعين رغم أنها امرأة وهم رجال!! وقد ترث الأنثى كل التركة ولا يرث الذكر شيئًا إن كان قاتلاً لمورثه ، لأنه لا ميراث للقاتل,  أو كان يدين بدين آخر غير دين المورث بينما الأنثى تشترك مع المورث فى ذات الدين ، لأن اختلاف الدين يمنع الولد من الميراث هنا .
ثم إنهم يتجاهلون أن الإسلام يفرض على الرجل أعباء مالية يعفى منها المرأة تمامًا , فلا تساهم فيها ولو كانت غنية اللهم إلا إذا رغبت هى فى ذلك أملاً فى ثواب الله ورحمته على سبيل التطوُّع وليس الإلزام. فالمرأة ينفق عليها الرجل منذ ولادتها كابنة، ويظل الأب هو الذى ينفق عليها حتى تتزوج ، فتنتقل مسؤولية الإنفاق عليها وعلى أولادها إلى رجل آخر هو زوجها ولو كانت غنية وهو فقير. فإذا كان الرجل هو المسئول عن الإنفاق على الأسرة , فإنه يكون من الطبيعى إذًا أن يحصل على ضعف نصيب أخته من الميراث؛ لأنه ينفق على بيته, أمَّا هي فإن المُكَلَّف شرعًا بالإنفاق عليها هو زوجها. وهكذا تحتفظ هى بما ورثته عن أبيها كاملاً, بينما ينفق أخوها ما ورثه من أبيه على الأسرة. ولو مات زوجها ولم يكن عندها ما يكفى من مال لنفقتها , فإن المسؤولية عن الإنفاق عليها ترجع إلى أخيها ثانية إن كان موسرًا. وهكذا يمكن فى هذه الحالة أن ينفق عليها الأخ ربما أكثر مما ورثه عن أبيه, فمن يكون هو الرابح فى مثل هذه الأحوال؟ أليست هي المرأة المُعَزَّزة المُكَرَّمة التى يظل الرجال دائمًا ينفقون عليها سواء كان الأب أو الزوج أو الأخ عند وفاة الأب, أو الابن إن كان كبيرًا موسرًا؟!!
وهذا كله في حالة ما إذا ترك المورث مالاً لورثته.
 
 ولكن ماذا عن ملايين الحالات التى يتوفى فيها الأب الفقير دون أن يترك شيئًا؟!
هنا يفرض الإسلام على الذكور القادرين الإنفاق على إناث الأسرة من أمهات وجَدَّات وبنات وأخوات وزوجات وعمات وخالات أيضًا إن لم يكن لهن مال يكفيهن. فلماذا لا يذكر الخصوم هذه الحالات وهى الأكثر فى عالم به أكثر من مليار فقير؟!!
وكذلك يلزم الإسلام الرجل بدفع المهر إلى الزوجة, وليس كما هو الحال عند غير المسلمين من الهندوس وأغلب أنحاء أوروبا إلى عهد قريب, حيث يلزمون أهل المخطوبة بدفع مبالغ طائلة إلى الخاطب – الدوطة – ليقبل الزواج من ابنتهم!!
وما زالت هذه التقاليد الظالمة موجودة فى الهند حتى الآن, وتتسبب في حرمان عشرات الملايين من بنات الأسر الفقيرة من الزواج... فأين هذا من رحمة وعظمة الإسلام؟!
عطية من الله
قال الله تبارك وتعالى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} [النساء: 4]. قال ابن عباس: يعنى بالنِحْلة: المهر, وقالت السيدة عائشة: النحلة هي الواجبة, وقال ابن جريج: المهر نِحْلة أي: فريضة مسماة. انتهى (6).
ونقل الإمام البغوى فى تفسيره "معالم التنزيل" مقولة الكلبي ومجاهد: "هذا الخطاب للأولياء، وذلك أنَّ وَليَّ المرأة كان إذا زوَّجها ، فإن كانت معهم في العشيرة لم يُعْطِها من مهرها قليلاً ولا كثيرًا ، وإن كان زوجها غريبًا حملوها إليه على بعير ولم يعطوها من مهرها غير ذلك ، فنهاهم الله عن ذلك ، وأمرهم أن يدفعوا الحق إلى أهله. وقال الحضرمي: كان أولياء النساء يُعطي هذا أُختَه على أن يعطيه الآخرُ أُخته ، ولا مهرَ بينهما ، فنُهوا عن ذلك وأُمروا بتسميةِ المهر في العقد.انتهى.
وقال آخرون: النِّحْلة هي العطية, وعلى ذلك يكون المهر عطية من الله للمرأة. وقال أصحاب "المنتخب في التفسير": أن معنى الآية هو: "وأعطوا النساء مهورهن عطية خالصة وليس لكم – أي الرجال – حق فى شىء من هذه المهور" انتهى (7).
وإذا كان الأمر بدفع المهر إلى المرأة صريحًا وقاطعًا فى الآية, فإنها أضافت إلى ذلك نهيًا عن أخذ شىء منها بدون رضاها وذلك فى قوله - تعالى - بذات الآية: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء: 4].
والمعنى كما ذكر أصحاب "المنتخب": "فإن طابت نفوسهن بالنزول عن شىء من المهر – لزوجها أو لوليها – فخذوه وانتفعوا به طيبًا محمود العاقبة" انتهى.
 وقد تكرَّر النهى الصريح عن الاستيلاء على المهر أو اغتصاب شيء من أموال المرأة فى العديد من الآيات.
قال – تعالى -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ} [النساء: 19]. وقالت الآية التى تليها مباشرة: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [النساء: 20], قال الشوكانى في " فتح القدير": هذا الكلام متَّصل بما تقدم قبله من ذكر الزوجات والمقصود نفى الظلم عنهن, والخطاب للأولياء, وقيل: الخطاب لأزواج النساء إذا حبسوهن مع سوء العشرة طمعًا فى إرثهن أو ليفتدين ببعض مهورهن... والأَوْلى أن يقال أن الخطاب للمسلمين جميعًا  أي: لا يحل لكم معاشر المسلمين أن تعضلوا أزواجكم, أي: تحبسوهن عندكم مع عدم رغبتكم فيهن, بقصد أن تستولوا على بعض مهورهن مقابل تطليقهن" انتهى.
 ولا يوجد أروع ولا أوضح من هذا الكلام الذي قاله ذلك العالم الجليل وغيره من علماء السلف منذ مئات السنين لبيان كيف يحمى الإسلام حقوق النساء.
وهكذا فرض القرآن الكريم على الرجال دفع المهر للزوجات, ونهى وحرَّم أشد التحريم ممارسة أية ضغوط أو إكراه بدنى أو معنوى على المرأة للتنازل عنه كله أو بعضه. وقد ثبت عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر مَن يريد الزواج بدفع مهر للزوجة. ففي حديث سهل بن سعد - رضي الله عنه - في قصة التي وهبت نفسها للنبى  صلى الله عليه وسلم  فلم يُجبها: "فقال رجل: زوجنيها يا رسول الله إن لم تكن لك فيها حاجة". وفى الحديث أن النبى قال له: "التمس ولو خاتمًا من حديد" أي: كمهر تدفعه لها. رواه البخاري ومسلم. وروى أبو داود أن النبى  صلى الله عليه وسلم  منع عليًّا من الدخول بفاطمة - رضي الله عنهما - ما حتى يعطيها شيئًا, فقال على: يا رسول الله ليس لى شي , فقال له النبى  صلى الله عليه وسلم: "أعطها درعك الحطمية" فأعطاها درعه ثم دخل بها. وكما نرى فالدرع زهيدة القيمة , وفاطمة لا تحتاجها بل أعطتها لعلى ليرتديها فى الحروب بعد ذلك! لكن النبي - عليه السلام - يعلِّمنا أنه لا بد من المهر وإن قلَّ, ويُعْلِّم النساء أيضًا عدم المغالاة فى المهور تيسيرًا للزواج. وروى عنه أحمد والحاكم والبيهقى أنه صلى الله عليه وسلم  قال: "أعظم النساء بركة أيسرهن مئونة".
 ولهذا الهدى الشريف قيمة عظمى فى مكافحة العنوسة التى تفشَّت الآن كما نرى ، لأن تقليل المهور يحقق مصلحة مؤكدة للنساء فى عدم تفويت فرصة الزواج بسبب عجز الرجال عن دفع مهور باهظة.
وفى حالة الطلاق يفرض الإسلام على الزوج أن يدفع لمطلقته المدخول بها مهرها كاملاً, كما يدفع لها نفقة العدة, وتشمل كل ما يلزمها من طعام وشراب وثياب ومسكن طوال فترة العدة التى تلى الطلاق؛ لأنه هو السبب فى احتباسها طوال تلك الفترة التى لا تستطيع أن تتزوَّج خلالها من شخص آخر ينفق عليها بدلاً من الأول. وكل نفقات ومصروفات الأولاد على الأب سواء خلال فترة الزواج أو بعد طلاق الأم.
ويفرض الإسلام على الزوج كذلك أن يدفع لمُطَلقته نوعًا آخر من النفقة تسمى بـ"المُتعة" طالت فترة زواجهما أم قصرت. وتُقَدَّر المتعة حسب حال الزوج من اليسار أو الفقر لقوله – تعالى -: {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} [البقرة: 236] (8) والآية الأخرى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 241] (9).
 وعلى الزوج دفع نفقة العدة وكذلك المتعة ولو كانت الزوجة أغنى منه.
بينما نجد أنه فى كثير من الولايات الأمريكية والبلاد الأوروبية يقتسم الزوجان الثروة فى حالة الطلاق. فإذا كانت الزوجة موسرة يحصل المُطَلِّق على نصف ثروتها فى هذه الحالة , وهو ما يأباه الإسلام. فلماذا يتجاهل المغرضون هذه التشريعات الظالمة للمرأة فى البلاد غير الإسلامية, ولا يذكرون كل هذه الحقوق والامتيازات المالية للمرأة فى الإسلام قبل وأثناء وحتى بعد انتهاء الزواج؟!!
ونشير أيضًا إلى أن الأم تحصل على نفقة من والد الطفل طوال فترة الحمل وكل مصروفات الولادة , ثم تحصل على أجر نظير إرضاع الطفل وحضانته رغم أنها أمه , والأمومة غريزة أودعها الله  تعالى  في كل المخلوقات , لكن الإسلام العظيم يأبى إلا أن يعطى المرأة أجرًا نظير ممارستها للأمومة!!!
قال - تعالى - في الآية 233 من سورة البقرة: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} [البقرة: 233]. لاحظ أنها أمه , ولو طبَّقنا المعايير الغربية لكانت الأم ملتزمة بالمشاركة فى دفع كل نفقات الأبناء مع الأب مناصفة , لكن الإسلام العظيم أعفاها من ذلك, ولو كانت غنية تملك أضعاف ما يملكه الأب , بل وألزمه بالإنفاق عليها هى الأخرى طوال فترة الرضاعة ، ثم يواصل الإنفاق وحده على أولاده حتى يبلغ الولد سن  الرشد, وحتى تتزوج البنت فتنتقل مسؤولية الإنفاق عليها إلى زوجها وهو رجل أيضًا!! ماذا يريدون من الإسلام أكثر من هذا؟! وهل استطاع أى تشريع عالمى آخر أن يأتى بأفضل من هذا أو حتى بمثله؟!!
وهناك حكم آخر لم يعرفه أحد قبل الإسلام ولا بعده... ففي حالة الطلاق قبل الدخول بالزوجة يُلْزم الله  تعالى  الرجل بأن يدفع نصف المهر المتفق عليه إلى الزوجة التى طَلَّقها قبل أن يدخل بها حتى لو كان الطلاق بسبب أخطاء ارتكبتها هى أو سوء أخلاقها , و هذا  جاء جبرًا لخاطرها وتعويضًا لها عن آلام الطلاق النفسية, ولا يحصل الرجل في هذه الحالة على أى تعويض رغم أن الطلاق يُسبب له قطعًا آلامًا نفسية مماثلة.
 فإن قالوا: إن آلام المرأة أشد لأنها أكثر رقة وأرهف حسًا نرد عليهم فورًا: إذًا لماذا المكابرة وادعاء  المساواة التامة بين الجنسين فى كل شىء؟!! أليس هذا اعترافًا بوجود فوارق بينهما ؟!!
وفى حالة فسخ الخطوبة يقرر فريق من العلماء أن الرجل إذا كان هو الذى فسخ الخطبة فلا يسترد شيئًا من الهدايا. وتحتفظ المرأة المخطوبة بالهدايا تعويضًا لها عما سبَّبه فسخ خطوبتها من آلام نفسية وحرج فى المجتمع.
وحتى لو كانت المرأة هى التى فسخت الخطبة فإن الخاطب لا يمكنه المطالبة بتعويض عن الفسخ. وكل ما له فى هذه الحالة أن يطلب باسترداد ما كان دفعه لها من هدايا وأموال طوال فترة الخطبة. ويرى بعض العلماء أنه حتى فى هذه الحالة لا يمكنه استرداد الهدايا إذا كان قد استهلكت أو تلفت ولا تلتزم المرأة بردها, مثل الهدايا من الطعام والفاكهة والملابس التى ارتدتها المخطوبة وأبلتها بالفعل , وهو ما يكثر حدوثه خصوصًا إذا طالت فترة الخطبة كما نرى فى هذه الأيام.
والعجيب أن الخصوم يتجاهلون أيضًا أن المرأة فى الإسلام تحصل على كامل المهر ونفقة العدة ونفقة المتعة وكل ما أهداه إليها ولو كانت هى التى سعت إلى الطلاق وطلبته من القاضي في حالات الضرر أو الغش أو عدم التزام الزوج بشروط عقد النكاح وغير ذلك. بل تحصل المرأة على كل حقوقها المذكورة حتى ولو كانت هى التى أوقعت الطلاق بنفسها بدون رغبة الزوج, وهذا يحدث فى حالة ما إذا كانت العصمة – حق التطليق – بيد الزوجة إذا وافق الزوج على ذلك عند إبرام عقد الزواج. ولم نجد أحدًا يتباكى أو يتحسر على ذلك الزوج المسكين الذي تُطَلّقه زوجته بإرادتها المنفردة , و تسلبه كل المهر ونفقة المتعة ونفقة العدة ونفقة الرضاعة والأولاد الذين فى حضانتها أيضًا!!!
 وحتى في حالة الخُلع وهو رغبة الزوجة فى إنهاء الزوجية مقابل رد المهر إليه, فقد صرَّح النبي  عليه السلام  في حديث صحيح - كما تقدم عند الكلام على الخلع - بأنه لا حق له فى أية زيادة على ما دفعه لها من مهر.
وعلى الرجل نفقات الجهاد لأن القتال فرض عليه , وليس على النساء قتال, فجهادهن الحج والعمرة كما ورد بالأحاديث الشريفة عند البخارى وغيره. وفى حالة عدم وجود زوج لها أو أب أو أخ أو ابن قادر على الكسب يتدخل بيت المال –الخزانة العامة - لينفق عليها وعلى أطفالها. أما الرجال فيطالبهم الإسلام بالسعى لكسب الرزق. وقصة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - مع المرأة الأعرابية ذات العيال مشهورة وموجودة فى كتب سِيَر الخلفاء الراشدين والتاريخ الإسلامى وكان  رضي الله عنه  يرعى الأرامل والمطلقات. وأوردت القصة أن عمر رضي الله عنه  حمل كيسًا من الدقيق وكمية من السمن أو الزيت على ظهره – وهو الخليفة  وأقوى حاكم في الأرض يومئذ – ورفض أن يحمل عنه غلامه هذا الكيس من بيت المال إلى خيمة الأعرابية وأطفالها الجِيَاع, وطَبَخَ لهم الطعام بنفسه والدخان يتخلَّل لحيته, والمرأة تقول له وهى لا تعرفه: جزاك الله خيرًا. كنت أولى بهذا الأمر – الخلافة – من عمر بن الخطاب!!!
 والقصة دليل قاطع على أن نفقة المرأة التى لا عائل لها وأطفالها على بيت مال المسلمين. وهناك قصة أخرى عند البخارى أن عمر  رضي الله عنه  فرض لأرملة أخرى وأطفالها وأعطاها كثيرًا. فلما اعترض أحد الجالسين على كثرة ما أعطاها الخليفة ، أخبره عمر  أن أباها وأخاها كانا ممن فتحوا خيبر, ومال خيبر إنما توافر في بيت المال بسيفيهما.
ومن الواجبات التي فرضها الإسلام على الزوج الذى طلَّق زوجته أن يدفع إيجار المسكن الذى تقيم فيه طوال فترة العدَّة التي تعقب الطلاق أو تقيم بالمسكن الذى يملكه حتى انتهاء فترة العدة ولو لم يكن ينوى ردها إلى عصمته. قال الله – تعالى -: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ...} [الطلاق : 6].
ومن يتأمل النص الحكيم يرى بوضوح كيف يساوى الإسلام العظيم الزوجة بزوجها, إذ يأمر الرجل أن يُسكنها حيث يسكن حتى فى فترة العِدَّة بعد الطلاق, ومن باب أولى تسكن معه طوال الزواج حيث يسكن. وينهى الله - تعالى - عن الإضرار بالمرأة أو التضييق عليها بأية وسيلة لإجبارها على التنازل عن شىء من حقوقها المالية أو ترك المسكن خلال فترة العدة.
وكذلك يعطيها الإسلام الحق فى حضانة الصغار حتى يبلغوا سن الرشد, وينهى عن التفريق بين والدة وأطفالها. وإذا قيل: هذا لمصلحة الأطفال فإننا نرد: نعم هي أكثر حنانًا ورعاية للصغار بحكم تكوينها, ولكن ألا يتضمن هذا أيضًا رحمة بالأم وشفقة عليها بعدم حرمانها من فلذات أكبادها ؟! وفى ذات الوقت يلزم الشارع الحكيم أباهم بالإنفاق عليهم حتى لا يجتمع على تلك المسكينة آلام الطلاق مع أعباء تربية الصغار والسهر عليهم والكدح للإنفاق عليهم وتوفير احتياجاتهم المختلفة. ومَن يدرس تفاصيل نظام حضانة الصغار فى الشريعة الإسلامية سوف يجد أن الحضانة مكفولة للأم ما لم تتزوَّج بآخر غير أبيهم. فإذا تزوجت من آخر تنتقل الحضانة إلى أمها – جدتهم - وبذلك يظل الأطفال قريبين منها حتى لو تزوَّجت, وتطمئن عليهم لاستمرار وجودهم فى نطاق أٍسرتها هى وليس أسرة الأب. ولا تنتقل الحضانة إلى ذوى الأب إلا إذا تزوجت الأم ولم تكن الجدَّة لأم على قيد الحياة. قال  عليه السلام  لمُطَلَّقة: "أنت أحق به ما لم تنكحي" رواه أحمد وأبو داود والحاكم. وقال ابن عباس  رضي الله عنه لرجل أراد حرمان من طلقها من حضانة طفلها : "ريحها وفراشها وحجرها خير له منك حتى يكبر ويختار لنفسه".
 
 

المراجع

شبكة الألوكة

التصانيف

أبحاث