تكملة طبيعية لنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأن الرسالة السماوية قد أعلنت عن نبوة محمد الكبير صلى الله عليه وآله وسلم وإمامة محمد الصغير في وقت واحد. إن عليا الذي رباه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وربى الأسلاام معه - فكانا ولديه العزيزين - كان يشعر بإخوته لهذا الأسلام. وقد دفعه هذا الشعور إلى افتداء أخيه بكل شئ حتى أنژ اشترك في حروب الردة التي أعلنها المسلمون يو مذاك (1)، ولم يمنعه تزعم غيره لها عن القيام بالواجب المقدس، لأن أبا بكر إن كان قد ابتزه حقه ونهب تراثه، فالاسلام قد رفعه إلى القمة وعرف له أخوته الصادقة وسجلها بأحرف من نور على صفحات الكتاب الكريم. وصمد الأمام على ترك الثورة ولكن ماذا يفعل ؟ وأي اسلوب يتخذه لموقفه ؟ هل يحتج على الفئة الحاكمة بنصوص النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكلماته التي أعلنت أن عليا هو القطب المعد لأن يدور عليه الفلك الأسلامي والزعيم الذي قدمته السماء إلى أهل الأرض (2) ؟ ؟ تردد هذا السؤال في نفسه كثيرا ثم وضع له الجواب الذي تعينه ظروف محنته وتلزمه به طبيعة الأوضاع القائمة، فسكت عن النص إلى حين. (مسألة عدم الاحتجاج بالنص) ونحن نتبين من الصورة 
=============== 
 (1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 4: 165. (الشهيد) (2) كما هو نص حديث الغدير المتواتر ونصوص اخرى تؤكد أن عليا هو ولي المؤمنين بعد النبي. راجع: التاج الجامع للاصول 3: 335، وأخرجه ابن ماجة في سننه - المقدمة 1: 11، مسند الأمام أحد 4: 281، الصواعق المحرمة: 122، مكتبة القاهرة، ط 2 / 1965.
 
المشوشة التي عرفناها عن تلك الظروف والأوضاع أن الاعتراض بتلك النصوص المقدسة والاحتجاج بها في ساعة ارتفع فيها المقياس الزئبقي للأفكار المحمومة والأهواء الملتهبة التي سيطرت على الحزب الحاكم إلى الدرجة العالية، كان من التقدير المعقول افتراض النتائج السيئة له، لأن أكثر النصوص  (1) التي صدرت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شأن الخلافة لم يكن قد سمعها إلا مواطنوه في المدينة من مهاجرين وأنصار فكانت تلك النصوص إذن الأمانة الغالية عند هذه الطائفة التي لابد أن تصل عن طريقهم إلى سائر الناس في دنيا الاسلام يومئذ وإلى الأجيال المتعاقبة والعصور المتتالية. ولو احتج الأمام على جماعة أهل المدينة بالكلمات التي سمعوها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شأنه وأقام منها دليلا على دإمامته وخلافته كان الصدى الطبيعي لذلك أن يكذب الحزب الحاكم صديق الامة (2) في دعواه وينكر تلك النصوص التي تمحو من خلافة الشورى لونها الشرعي وتعطل منها معنى الدين. وقد لا يجد الحق صوتا قويا يرتفع به في قبال ذلك الأنكار، لأن كثيرا من قريش وفي مقدمتهم الامويون كانوا طامحين إلى مجد السلطان ونعيم الملك، وهم يرون في تقديم الخليفة على أساس من النص النبوي تسجيلا لمذهب الأمامة الألهية. ومتى تقررت هذه النظرية في 
============ 
 (1) النصوص التي صدرت عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم بحق الأمام علي عليه السلام في الخلافة والأمامة والولاية لا تحصى كثرة، راجع على سبيل المثال: كتاب الغدير / العلامة الأ ميني، مختصر تاريخ ابن عساكر 17: 356 وما بعدها، التاج الجامع للاصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم 3: 333 وما بعدها، الصواعق المحرقة: 122 قال: روى حديث الغدير ثلاثون صحابيا. 
(2) راجع: الصواعق المحرقة: قال أمير المؤمنين: (أنا الصديق الأكبر لا يقولها غيري إلا كذاب).
 
عرف الحكم الأسلامي كان معناها حصر الخلافة في بني هاشم آل محمد الأكرمين وخروج غيرهم من المعركة خاسرا. وقد نلمح هذا اللون من التفكير في قول عمر لابن عباس معللا إقصاء علي عن الأمر: (إن قومكم كرهوا أن يجمعوا لكم الخلافة والنبوة) * (1) فقد يدلنا هذا على أن إسناد الأمر إلى علي في بداية الأمر كان معناه في الذهنية العامة حصر الخلافة في الهاشميين، وليس لذلك تفسير أولي من أن المفهوم لجمهرة من الناس يومئذ من الخلافة العلوية تقرير شكل ثابت للخلافة يستمد شرعيته من نصوص السماء لا من انتخاب المنتخبين. فعلي إن وجد نصيرا من علية قريش يشجعه على مقاومة الحاكمين، فإنه لا يجد منهم عضدا في مسألة النص إذا تقدم إلى الناس يحدثهم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد سجل الخلافة لأهل بيته حين قال: إني مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي الخ (2). وأما الأنصار فقد سبقوا جميع المسلمين إلى الاستخفاف بتلك النصوص، والاستهانة بها، إذ حدت بهم الشراهة إلى الحكم إلى عقد مؤتمر في سقيفة بني ساعدة ليصفقوا على يد واحد (3) منهم. فلن يجد علي فيهم إذا استدل بالنصوص النبوية جنودا للقضية العادلة وشهودا عليها، لأنهم إذا شهدوا على ذلك يسجلون على أنفسهم تناقضا فاضحا في يوم واحد وهذا ما يأبونه على أنفسهم بطبيعة الحال. 
============
 (1) راجع: تاريخ ابن الأثير 3: 24. (الشهيد)، تاريخ الطبري 2: 577، محاورة الخليفة عمر مع ابن عباس. 
(2) راجع الرواية في صحيح مسلم 4: 1874، مسند الأمام أحمد 4: 281 طبعة دار صادر. 
(3) راجع تاريخ الطبري 2: 242 في اتفاقهم على سعد بن عيادة.
 
 وليس في مبايعة الأوس لأبي بكر أو قول من قال: لا نبايع إلا عليا (1) مناقضة كتلك المناقضة، لأن المفهوم البديهي من تشكيل مؤتمر السقيفة أن مسألة الخلافة مسألة انتخاب لا نص، فليس إلى التراجع عن هذا الرأي في يوم إعلانه من سبيل. وأما اعتراف المهاجرين بالأمر فلا حرج فيه لأن الأنصار لم يجتمعوا على رأي واحد في السقيفة وإنما كانوا يتذاكرون ويتشاورون، ولذا نرى الحباب بن المنذر (2) يحاول بث الحماسة في نفوسهم والاستمالة بهم إلى رأيه بما جلجل به في ذلك الاجتماع من كلام وهو يوضح أنهم جمعوا لتأييد فكرة لم يكن يؤمن بها إلا بعضهم. وإذن فقد كان الأمام يقدر أنه سوف يدفع الحزب الحاكم إلى إنكار النصوص والاستبسال في هذا الأنكار إذا جاهر بها ولا يقف إلى جانبه حينئذ صف ينتصر له في دعواه، لأن الناس بين من قادهم الهوى السياسي إلى إنكار عملي للنص يسد عليهم مجال التراجع بعد ساعات، وبين من يرى أن فكرة النص تجعل من الخلافة وقفا على بني هاشم لا ينازعهم فيها منازع. وإذا سجلت الجماعة الحاكمة وأنصارها إنكارا للنص واكتفى الباقون بالسكوت في الأقل فمعنى هذا أن النص يفقد قيمته الواقعية وتضيع بذلك مستمسكات الأمامة العلوية كلها ويومن ا لعالم الأسلامي الذي كان بعيدا عن مدينة النبي صلى الله عليه وآله وسلم على إنكار المنكرين لأنه منطق القوة الغالب في ذلك الزمان. 
=========== 
 (1) تاريخ الطبري 2: 233. 
(2) المصدر نفسه 2: 243.
 
لنلاحظ ناحية اخرى فإن عليا لو ظفر بجماعة توافقه على دعواه، وتشهد له بالنصوص النبوية المقدسة، وتعارض إنكار الفئة الحاكمة، كان معنى ذلك أن ترفض هذه الجماعة خلافة أبي بكر وتتعرض لهجوم شديد من الحاكمين ينتهي بها إلى الاشتراك في حرب مع الحزب الحاكم المتحمس لكيانه السياسي إلى حد بعيد، فإنه لا يسكت عن هذا اللون من المعارضة الخطرة. فمجاهرة علي بالنص كانت تجره إلى المقابلة العملية، وقد عرفنا سابقا أنه لم يكن مستعدة لأعلان الثورة على الوضع القائم والاشتراك مع السلطات المهيمنة في قتال. ولم يكن للاحتجاج بالنص أثر واضح من أن تتخذ السياسة الحاكمة احتياطاتها وأساليبها الدقيقة لمحو تلك الأحاديث النبوية من الذهنية الأسلامية، لأنها تعرف حينئذ أن فيها قوة خطر على ا لخلافة القائمة ومادة خصبة لثورة المعارضين في كل حين. وإني أعتقد أن عمر لو التفت إلى ما تنبه إليه الامويون بعد أن احتج الأمام بالنصوص في أيام خلافته (1)، واشتهرت بين شيعته، من خطرها لاستطاع أن يقطعها من اصولها، ويقوم بما لم يقدر الامويون عليه من إطفاء نورها. وكان اعتراض الأمام بالنص في تلك الساعة ينبهه إلى ما يجب أن ينتهجه من اسلوب فأشفق على النصوص المقدسة أن تلعب بها السياسة 
============ 
 (1) أشهد الأمام علي عليه السلام جماعة المسلمين على نص حديث الغدير في زمن خلافته، راجع: البداية والنهاية / ابن كثير 7: 360، وقد أشهد علي جمعا من الناس فشهد له ثلاثون أنهم سمعوا هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، الصواعق المحرقة: 122 قال: رواه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثون صحابيا، وأن كثيرا من طرقه صحيح أو حسن...).
 
 وسكت عنها على مضض، واستغفل بذلك خصومه، حتى إن عمر (رضي الله تعالى عنه) نفسه صرح بأن عليا هو ولي كل مؤمن ومؤمنة بنص النبي (1) صلى الله عليه وآله وسلم. ثم ألم يكن من المعقول أن يخشى الأمام على كرامة حبيبه وأخيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تنتقض وهي أغلى عنده من كل نفيس - إذا جاهر بنصوص النبي صلى الله عليه وآله وسلم - وهو لم ينس موقف الفاروق من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين طلب دواة ليكتب كتابا لا يضل الناس بعده أبدا، فقال عمر: (إن النبي ليهجر أو قد غلب عليه الوجع) (2). وقد اعترف فيما بعد لابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يريد أن يعين عليا للخلافة وقد صده عن ذلك خوفا من الفتنة (3). وسواء أكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يريد أن يحرر حق علي في الخلافة أو لا، فإن المهم أن نتأمل موقف عمر من طلبه، فهو إذا كان مستعدا لاتهام النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجها لوجه بما ينزهه عنه نص القرآن 51 (4)، وضرورة الأسلام، خوفا من الفتنة، فما الذي يمنعه عن اتهام آخر له بعد وفاته مهما تلطفنا في تقديره فلا يقل عن دعوى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يصدر عن أمر الله في موضوع الخلافة، وإنما استخلف عليا بوحي من عاطفته، بل كان هذا أولى من تلك المعارضة لأن الفتنة التي تقوم بدعوى على النص أشد مما كان يترقبه عمر من اضطراب فيما إذا كان 
============= 
 (1) ذخائر العقبى: 67، والحديث يدلنا على أن الفاروق كان يميل أحيانا إلى تغيير الطريقة التي سار عليها الحزب في بداية الأمر مع الهاشميين، غير أن الطابع السياسي الأول غلب عليه أخيرا. (الشهيد)، مسند الأمام أحمد بن حنبل 4: 281. 
(2) راجع الرواية في صحيح البخاري 1: 37 باب كتابة العلم. 
(3) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 3: 97، طبعة دار الكتب العربية الكبرى بمصر. 
(4) القرآن يقول: (وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى) سورة النجم / 3 و 4.
 
النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد خلف نصت تحريريا بإمامة علي يعلمه الجميع. وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد ترك التصريح بخلافة علي في ساعته الأخيرة لقول قاله عمر، فإن المفهوم أن يترك الوصي الاحتجاج بالنصوص خوفا من قول قد يقوله. ونتيجة هذا البحث أن سكوت أمير المؤمنين عن النص إلى حين، كان يفرضه عليه: 1 - إنه لم يكن يجد في رجالات تلك الساعة من يطمئن إلى شهادته بذلك. 2 - إن الاعتراض بالنصوص كان من الحري به أن يلفت أنظار الحاكمين إلى قيمتها المادية، فيستعملون شتى الأساليب لخنقها. 3 - إن معنى الاعتراض بها التهيؤ للثورة بأوسع معانيها، وهذا ما لم يكن يريده الأ مام. 4 - إن اتهام عمر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في آخر ساعاته عرف عليا بمقدار تفاني الحاكمين في سبيل مراكزهم، ومدى استعدادهم لتأييدها والمدافعة عنها وجعله يخاف من تكرر شئ من ذلك فيما إذا أعلن عن نصوص إمامته. (المواجهة السلمية) انتهى الأمام إلى قرار حاسم، وهو ترك الثورة وعدم التسلح بالنصوص في وجه الحا كمين جهارا وعلانية إلا إذا اطمأن إلى قدرته على تجنيد الرأي العام ضد أبي بكر وصاحبيه، وهذا ما أخذ يحاوله علي في محنته آنذاك. فبدأ يطوف (1) سرا على زعماء المسلمين ورجالات المدينة، يعظهم ويذ كرهم ببراهين الحق وآياته، وإلى جانبه قرينته تعزز موقفه وتشاركه في جهاده السري، ولم يكن يقصد بذلك التطو اف إنشاء حزب يتهيأ له القتال به لأننا نعرف أن عليا كان له حزب من الأنصار هتف باسمه، وحاول الالتفاف حوله وإنما أراد أن يمهد بتلك المقابلات لاجماع الناس عليه. وهنا تجئ مسألة فدك لتحتل الصدارة في السياسة العلوية الجديدة، فإن الدور الفاطمي الذي رسم هارون النبوة خطوطه بإتقان، كان متفقا مع ذلك التطواف الليلي في فلسفته وجديرا بأن يقلب الموقف على الخليفة وينهي خلافة الصديق كما تنتهي القصة التمثيلية لا كما يقوض حكم مركز على القوة والعدة. وكان الدور الفاطمي يتلخص في أن تطالب الصديقة الصديق بما انتزعه منها من أموا ل، وتجعل هذه المطالبة وسيلة للمناقشة في المسألة الأساسية وأعني بها مسألة الخلافة وإفهام الناس بأن ا للحظة التي عدلوا فيها عن علي عليه السلام إلى أبي بكر كانت لحظة هوس وشذوذ (2)، وأنهم بذلك أخطأوا وخالفوا كتاب ربهم ووردوا غير شربهم (3). 
============ 
 (1) راجع شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 6: 13، الطبعة المحققة، أخرج عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام أن عليا حمل فاطمة على حمار وسار بها ليلا إلى بيوت الأنصار، يسألهم النصر ة، وتسألهم فاطمة الانتصار له). 
(2) راجع: بلاغات النساء: 25: قالت في هذا المعنى من خطبة لها عليها السلام: (وأطلع الشيطان رأسه من مغرزه، صارخا بكم، فوجدكم لدعائه مستجيبين، وللغرة فيه ملاحظين، فاستنهضكم فوجدكم خفافا... فوسمتم غير إبلكم). 
(3) جاء في شرح البلاغة / ابن أبي الحديد 6: 12: قال علي عليه السلام في محاورة مع القوم: (يا معشر المهاجرين الله الله، لا تخرجوا سلطان محمد عن داره وبيته إلى بيوتكم ودوركم، ولا تدفعوا أ هله عن مقامه في الناس وحقه، فوالله يا معشر المهاجرين لنحن أهل البيت أحق بهذا الأمر منكم..). (*) 
 
 ولما اختمرت الفكرة في ذهن فاطمة اندفعت لتصحح أوضاع الساعة وتمسح عن الحكم الأسلامي الذي وضعت قاعدته الاولى في السقيفة الوحل الذي تلطخ به، عن طريق اتهام الخليفة الحاكم بالخيانة السافرة، والعبث بكرامة القانون، واتهام نتائج المعركة الانتخابية التي خرج منها أبو بكر خليفة بمخالفة ا لكتاب والصواب (1). وقد توفرت في المقابلة الفاطمية ناحيتان لا تتهيئان للأمام فيما لو وقف موقف قرينته. (إحداهما) إن الزهراء أقدر منه بظروف فجيعتها الخاصة ومكانتها من أبيها، على استثارة العواطف، وإيصال المسلمين بسلك من كهرباء الروح بأبيها العظيم صلوات الله عليه وأيامه الغراء وتجنيد مشاعرهم لقضايا أهل البيت. (والاخرى) إنها مهما تتخذ لمنازعتها من أشكال فلن تكتسب لون الحرب المسلحة التي تتطلب زعيما يهيمن عليها ما دامت امرأة وما دام هارون النبوة في بيته محتفظا بالهدنة التي أعلنها حتى تجتمع الناس عليه ومراقبا للموقف ليتدخل فيه متى شاء، متزعما للثورة إذا بلغت حدها الأعلى أو مهدثا للفتنة إذا لم يتهيأ له الظرف الذي يريده. فالحوراء 
=============== 
 (1) راجع الصواعق المحرقة: 36، طبعة مكتبة القاهرة، قال الخليفة الثاني: (كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرها فمن عاد لمثلها فاقتلوه...).
 
 بمقاومتها إما أن تحقق انتقاضا إجماعيا على الخليفة وإما أن لا تخرج عن دائرة الجدال والنزاع ولا تجر إلى فتنة وانشقاق. وإذن فقد أراد الأمام صلوات الله عليه أن يسمع الناس يومئذ صوته من فم الزهراء ويبقى هو بعيدا عن ميدان المعركة ينتظر اللحظة المناسبة للاستفادة منها، والفرصة التي تجعل منه رجل الموقف. وأراد أيضا أن يقدم لامة القرآن كلها في المقابلة الفاطمية برهانا على بطلان الخلافة القائمة. وقد تم للأمام ما أر اد حيث عبرت الزهراء صلوات الله عليها عن الحق العلوي تعبيرا واضحا فيه ألوان من الجمال والنضال. وتتلخص المعارضة الفاطمية في عدة مظاهر: - (الأول) إرسالها لرسول  (1) ينازع أبا بكر في مسائل الميراث ويطالب بحقوقها وهذه هي الخطوة الاولى التي انتهجتها الزهراء صلوات الله عليها تمهيدا لمباشرتها للعمل بنفسها. (الثاني) مواجهتها بنفسها له في اجتماع خاص (2) وقد أرادت بتلك المقابلة أن تشتد في طلب حقوقها من الخمس وفدك وغير هما لتعرف مدى استعداد الخليفة للمقاومة. ولا ضرورة في ترتيب خطوات المطالبة على اسلوب تتقدم فيه دعوى النحلة على دعوى الميراث كما ذهب إلى ذلك أصحابنا، بل قد يغلب على
=========== 
 (1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 218 - 219 عن أبي الطفيل قال: (أرسلت فا طمة إلى أبي بكر: أنت ورثت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أم أهله ؟ قال: بل أهله...). (2) المصدر السابق 16: 230.
 
ظني تقدم المطالبة بالأرث، لأن الرواية تصرح بأن رسول الزهراء إنما كان يطالب بالميراث، والأقرب في شأن هذه الرسالة أن تكون اولى الخطوات كما يقضي به التدرج الطبيعي للمنازعة، وأ يضا فإن دعوى الأرث أقرب الطريقين إلى استخلاص الحق لثبوت التوارث (1) في التشرى الأسلامي بالضرورة فلا جناح على الزهراء في أن تطلب ابتداء ميراثها من أبيها الذي يشمل في معتقد الخليفة لعدم اطلاعه على النحلة (2) وليس في هذه المطالبة مناقضة لدعوى نحلة فدك إطلاقا، لأن المطالبة بالميراث لم تتجه إلى فدك خاصة وإنما تعلقت بتركة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عامة. (الثالث) خطبتها في المسجد بعد عشرة أيام من وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في شرح النهج (3) لابن أبي الحديد. (الرابع) حديثها مع أبي بكر وعمر حينما زاراها بقصد الاعتذار منها وإعلانها غضبها عليهما وأنهما أغضبا الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك (4). 
=========== 
 (1) ثبوت التوارث في التشريع الأسلامي من ضروريات الأسلام للنصوص الصريحة القطعية، منها (للرجال نصيب مما ترك الولدان والأقربون وللنساء نصيب) النساء / 7 وقال تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين...). النساء / 11. (2) ادعى الخليفة الأول عدم اطلاعه على النحلة - شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 225. (3) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 211 أخرج عن جماعة قال: (قالوا: لما بلغ فاطمة عليها السلام إجماع أبي بكر على منعها فدك، لاثت خمارها وأقلبت في لمة من حفدتها ونساء قومها... حتى دخلت على أبي بكر وقد حشد الناس من المهاجرين والأنصار...). (4) راجع: الأمامة والسياسة / ابن قتيبة: 14. (الشهيد)، شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 281، 264. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (فاطمة بضعة مني من أغضبها أغضبني) صحيح البخاري 5: 83 باب 43 - فضائل الصحابة، أعلام النساء 4: 123. (الشهيد) 
 
 (الخامس) خطابها الذي ألقته على نساء المهاجرين والأنصار حين اجتماعهن عندها (1). (السادس) وصيتها بأن لا يحضر تجهيزها ودفنها (2) أحد من خصومها وكانت هذه الوصية الأعلان الأخير من الزهراء عن نقمتها على الخلافة القائمة. وقد فشلت الحركة الفاطمية بمعنى ونجحت بمعنى آخر. فشلت لأنها لم تطوح بحكومة الخليفة رضى عنه الله في زحفها الأخير الخطير الذي قا مت به في اليوم العاشر من وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ولا نستطيع أن نتبين الامور التي جعلت الزهراء تخسر المعركة، غير أن الأمر الذي لا ريب فيه أن شخصية الخليفة رضى عنه الله من أهم الأسباب التي أدت إلى فشلها، لأنه من أصحاب الموا هب السياسية، وقد عالج الموقف بلباقة ملحوظة نجد لها مثالا فيما أجاب به الزهراء من كلام وجهه إلى الأنصار من خطاب بعد انتهائها من خطبتها في المسجد. فبينما هو يذوب رقة في جوابه للزهراء وإذا به يطوي نفسه على نار متأججة تندلع بعد خروج فاطمة من المسجد، في أكبر الظن، فيقول: ما هذه الرعة إلى كل قالة إنما هو ثعالة شهيده ذنبه (3) - وقد نقلنا الخطاب كاملا فيما سبق - فإن هذا الانقلاب من اللين والهدوء إلى الغضب الفائر 
========== 
 (1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 233. 
(2) المصدر السابق 6: 281، حلية الأولياء 2: 42. مستدرك الحاكم 3: 178 طبعة دار الكتب العلمية. 
(3) راجع الخطبة في شرح نهج البلاغة 16: 214 - 215.
 
يدلنا على مقدار ما ا وتي من سيطرة على مشاعره وقدرته على مسايرة الظرف وتمثيل الدور المناسب في كل حين. ونجحت معارضة الزهراء لأنها جهزت الحق بقوة قاهرة، وأضافت إلى طاقته على الخلود في ميدان النضال المذهبي طاقة جديدة. وقد سجلت هذا النجاح في حركتها كلها وفي محاورتها مع الصد يق والفاروق عند زيارتهما لها بصورة خاصة إذ قالت لهما: أرأيتكما إن حدثتكما حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تعرفانه وتفعلان به ؟ فقالا: نعم، فقالت: نشدتكما الله ألم تسمعا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (رضا فاطمة من رضاي وسخط فاطمة من سخطي، فمن أحب فاطمة فقد أحبني ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني) (1) قالا: نعم سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالت: (فإني اشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني ولئن لقيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأشكونكما عنده) (2). 
======== 
 (1) صحت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبائر متعدده بهذا المعنى فقد جاء عنه في الصحيح أنه قال لفاطمة (رضي الله عنها): (إن الله يغضب لغضبك، ويرضى لرضاك..) وقال: (فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها).. راجع: صحيح البخاري 5: 83 باب 43 حديث رقم 232، صحيح مسلم 4: 1902 حديث رقم 93 / 2449، مستدرك الحاكم 3: 167 حديث رقم 4730 / 328، دار الكتب العلمية. (الشهيد)، ذخائر العقبى: 39، مسند الأمام أحمد بن حنبل 4: 328، جامع الترمذي 5: 699، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الصواعق المحرقة / ابن حجر: 190 - طبعة القاهرة، كفاية الطالب: 365، دار احياء تراث أهل البيت - طهران. 
(2) تجد غضب فاطمة عليها السلام على أبي بكر في صحيح البخاري 5: 5 وصحيح مسلم 2: 72 ومسند الأمام أحمد 6: 1، تاريخ الطبري 2: 236، كفاية الطالب: 266، سنن البيهقي 6: 300. (الشهيد)
 
 ويصور لنا هذا الحديث مدى اهتمامها بتركيز الاعتراض على خصميها ومجاهرتهما بغضبها ونقمتها لتخرج من المنازعة بنتيجة لا نريد درسها والانتهاء فيها إلى رأي معين لأن ذلك خارج عن دائر ة عنوان هذا البحث ولأننا نجل الخليفة عن أن ندخل معه في مثل هذه المناشات وإنما نسجلها لتوضيح أفكار الزهراء صلوات الله عليها ووجهة نظرها، فقط، فإنها كانت تعتقد أن النتيجة التي حصلت عليها هي الفوز المؤكد في حساب العقيدة والدين وأعني بها أن الصديق قد استحق غضب الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم بإغضابها، وآذاهما بأذاها لأنهما يغضبان لغضبها و 55 يسخطان لسخطها بنص الحديث النبوي الصحيح، فلا يجوز أن يكون خليفة لله ورسوله. وقد قال الله تبارك وتعالى: (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما) (1). (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والاخرة وأعد لهم عذابا مهينا) (2). (والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم) (3). (يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم) (4). (ومن يحل عليه غضبي فقد هوى) (5). 
========== 
 (1) الأحزاب / 53.
 (2) الأحزاب / 57. 
(3) التوبة / 61. 
(4) الممتحنة / 13. 
(5) طه / 81. (*) 
 
 الفصل الرابع 
قبسات من الكلام الفاطمي يوم جاءت إلى عدي وتيم 
ومن الوجد ما أطال بكاها تعظ القوم في أتم خطاب * حكت المصطفى به وحكاها * (الازري) 
نقتبس هنا عدة عبائر من خطبة الزهراء عليها السلام لنعطيها حقها من التحليل والتوضيح، ونفهمها كما هي في عالم الخلود، وكما هي في واقعها الرائع، قالت: (عظمة الرسول القائد صلى الله عليه وآله وسلم) (ثم قبضه إليه قبض رأفة واختيار ورغبة وإيثار، فمحمد صلى الله عليه وآله وسلم عن تعب هذه الدار في راحة، قد حف بالملائكة الأبرار ورضوان الرب الغفار ومجاورة الملك الجبار). انظر إلى البليغة كيف تركت النعيم المادي كله، وملذو ذات الحس حين أرادت أن تقرض فردوس أبيها، وجنته الخالدة، لأنها رأت في معاني أبيها العظيم ما يرتفع على ذلك كله، وما قيمة اللذة المادية جنينية كانت أو دنيوية في حساب محمد صلى الله عليه وآله وسلم الروحي الذي لم يرتفع أحد بالروح الأنسانية كما ارتفع بها، ولم يبلغ بها أحد سواه أوجها المحمدي (ولم يغذها مصلح عداه بالعقيدة الألهية الكاملة التي هي غاية العقول في طيرانها الكفري والشوط الأخير للطواف الأنساني حول الحقيقة المقدسة الذي يستقر عنده الضمير وتطمئن إليه الروح) (1). 
===========
 (1) نقلنا هذه الجملة عن كتابنا - العقيدة الألهية في الأسلام. (الشهيد) (*) 
 
 فهو إذن: المربي الاكبر للروح، والقائد الفريد الذي سجلت المعنويات الروحية تحت رايته انتصارها الخالد على القوى المادية في معركتهما القائمة منذ بدأ العقل حياته في وسط المادة. وما دام هو بطل المعركة الفاصلة بين الروحية والمادية الذي ختمت برسالته رسالات السماء فلا غرو أن يكون محور ذلك العالم الروحي الجبار، وهذا ما شاءت أن تقوله الزهراء حين قالت تصف الفردوس المحمدي: فمحمد عن تعب هذه الدنيا في راحة، قد حف بالملائكة الأبرار فهو القطب أبدا في الدنيا وا لاخرة، غير أنه في الاولى متعب لأنه القطب الذي يجاهد ليقيم دروة الحياة الأنسانية عليه، على اسلوب خالد، وفي الاخرى مرتاح لأنه المحور الذي يكهرب الحياة الملائكية بنوره، فتحف به الملائكة لتقدم بين يديه آيات الحمد والثناء. وما دام النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الطراز الأسمى فلتكن جنته على غراره ملؤها الترف المادي بل هي في أوضح معانيها الترف المعنوي - إن صح التعبير - وأي ترف روحي أسمى من مجاورة الملك الجبار والظفر برضوان الرب الغفار. وهكذا وصفت الزهراء جنة أبيها في جملتين، فإذا به القطب المتصل بمبدأ النور والشمس التي تحيط بها الملائكة في دنيا النور. (عظمة الأمام علي عليه السلام ومؤهلاته الشخصية) وقالت: - (وكنتم على شفا حفرة من النار مذقة الشارب، ونهزة الطامع، وقبسة العجلان، وموطئ الأقدام، تشربون الطرق، وتفتاتون الورق، أذلة خاسئين تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم، فأنقذكم الله تبارك وتعالى بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد اللتيا والتي، وبعد أن مني ببهم الرجال، وذؤبان العرب، ومردة أهل الكتاب، كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله، أو نجم قرن للشيطان، وفغرت فاغرة من المشركين، قذف أخاه في لهواتها، فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها بأخمصه، ويخمد لهبها بسيفه مكدو دا في ذات الله، مجتهدا في أمر الله قريبا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيد أولياء الله مشتمرا ناصحا مجدا كادحا، وأنتم في رفاهية من العيس وادعون فاكهون آمنون) (1). ما أروعها من مقارنة هذه التي عقدتها الزهراء بين أسمى طراز من الكفاءة العسكرية في دنيا الأسلام يومئذ وبين رجولة مفطومة - إن صح التعبير - من ملكات البطل ومقومات العسكري الموهوب. بين بسالة هتفت بآياتها السماء والأرض، وكتبت بمداد الخلود في فهرس المثاليات الأنسانية، وشخصية اكتفت من الجهاد المقدس بالوقوف في الخط الحربي الأخير - العريش - ويا ليتها اقتنعت بذلك عن الفرار المحرم في عرف الأسلام، وفي عرف التضحية، وفي عرف المفاداة بالنفس لتوحيد الحكومة السماوية على وجه الأرض. ولا نعرف في تاريخ الأنسانية موهبة عسكرية بارعة لها من الاثار الخيرة في حياة هذا الكوكب كالموهبة العلوية الفذة في تاريخ الأبطال، فإن مواقف الأمام (2) في سوح الجهاد وميادين النضال كانت بحق هي الركيزة التي قامت عليها دنيا
======= 
 (1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 250 - 251. 
(2) راجع تاريخ الطبري 2: 25، 65 - 66.
 
الأسلام، وصنغت له تاريخه الجبار. فعلي هو المسلم الأول في اللحظة الاولى من تاريخ النبوة عندما لعلع الصوت الألهي من فم محمد (1) صلى الله عليه وآله وسلم، ثم هو بعد ذلك الغيور الأول، والمدافع الأول الذي أسندت إليه السماء تصفية الحساب (2) مع الأنسانية الكافرة. إن فوز الأمام في هذه المقارنة يعني أن له حقا في الخلافة من ناحيتين: - (إحداهما) إنه الشخص العسكري الفريد بين مسلمة ذلك اليوم الذي لم يكن قد فصل فيه تماما المركز السياسي الأعلى عن المقامات العسكرية. (والاخرى) إن جهاده الرائع يكشف عن إخلاط أروع لا يعرف الشك إليه سبيلا، وجذوة مضطرمة بحرارة الأيمان لا يجد الخمود إليها طريقا. وهذه الجذوة المتقدة أبدا، وذلك الأخلاص الفياض دائما هما الشرطان الأساسيان للزعيم لذي توكل إليه الامة حراسة معنوياتها الغاية وحماية شرفها في التاريخ. (مقارنة بين مواقف الأمام عليه السلام والاخرين) اقرأ حياة النبي صلى الله عليه 
======
 (1) إشارة إلى إسلام علي عليه السلام ومؤازرته النبي صلى الله عليه وآله وسلم وا ستعداده غير المحدود للتضحية والفداء في سبيل الأسلام، راجع: الصواعق المحرقة: 185، تاريخ الطبري 3: 218 - 219، حديث الدار المشهور ذكرناه سابقا. 
(2) راجع رواية سعد بن أبي وقاص - صحيح الترمذي 8: 596.
 
وآله وسلم وتاريخ الجهاد النبوي، فسوف ترى أن عليا هو الذي أدهش الأرض والسماء بمواساته * (1) وأن الصديق رضى عنه الله هو الذي التجأ إلى مركز القيادة العليا الذي كان محاطا بعدة من أبطال الأنصار لحمايته (2) حتى يطمئن بذلك عن غوائل الحرب. وهو الذي فر يوم احد (3) كما فر الفاروق (4) ولم يبايع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الموت في تلك الساعة الرهيبة التي قل فيها الناصر وتضعضعت راية السماء وبايع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الشهادة ثمانية، ثلاثة من المهاجرين وخمسة من الأنصار لم يكن 
========== 
 (1) أخرج الطبري في تاريخه 2: 65 - 66 طبعة دار الكتب العلمية - عن ابن رافع: لما قتل علي ابن أبي طالب أصحاب الألوية أبصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جماعة من مشركي قريش، فقال لعلي: احمل عليهم، فحمل عليهم ففرق جمعهم وقتل عمرو بن عبد الله الجمحي، قال: ثم أبصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جماعة من مشركي قريش فقال لعلي: احمل عليهم، فحمل عليهم ففرق جماعتهم وقتل شيبة بن مالك، فقال جبرئيل: يا رسول الله ان هذه للمواساة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنه مني وأنا منه، فقال جبريل: وأنا منكما، قال: فسمعوا صوتا: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي. ولنتأمل جواب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لنلاحظ كيف أنه ارتفع بعلي عن مفهوم المواساة الذي يقتضي بتعدد محمد وعلي إلى مفهوم الوحدة والامتزاح فقال: إنه مني وأنا منه ولم يرض بأن يفصل الأمام عن شخصه لأنهما وحدة لا تتجزأ ضربها الله مثلا أعلى تأتم بها الأنسانية ويهتدي على ضوئها الأبطال والمصلحون في معارج السمو والارتقاء، وأنا لا أدري كيف حاول الصحابة أو بعض الصحابة أن يفككوا عرى هذه الوحدة ويضعوا بين البطلين أشخاصا ثلاثة كان من الجدير أن لا يفصلوا بهم بين محمد وبين من هو من محمد صلى الله عليه وآله وسلم. (الشهيد) 
(2) راجع عيون الأثر / ابن سيد الناس 1: 336، مؤسسة عز الدين - بيروت. (الشهيد) 
(3) كما يحدثنا بذلك التاريخ الشيعي. (الشهيد) (4) وقد اعترف هو بذلك وذكره به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - سرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 3: 389 - 390. (الشهيد) (*) 
 
هو واحدا منهم، كما صرح بذلك أرباب التاريخ (1)، بل لم يرو له رواة المسلمين جميعا قتالا في ذلك الموقف مهما يكن لونه (2). وإذن فلماذا وقف مع الثائبين إن كان لم يفر ؟ ألم يكن القتال واجبا ما دام المدا فعون لم يبلغوا العدد المطلوب لمقابلة العدو الذي أصاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعدة إصابات اضطرته إلى الصلاة جالسا ؟ ! ولعلنا نعلم جميعا أن شخصا إذا كان في وسط الصراح ومعترك الحرب فلن ينجو من الموت على يد عدوه إلا بالفرار، أو الدفاع بالاشتراك عمليا في المعركة. والصديق إذا لم يكن قد فعل شيئا من هذين وقد نجا بلا ريب فمعنى هذا أن عدوا وقف أمام عدوه مكتف اليدين فلم يقتله خصمه، فهل أشفق المشركون على أبي بكر، ولم يشفقوا على محمد وعلي والزبير وأبي دجانة وسهل بن حنيف ؟ ! وليس لدي من تفسير معقول للموقف إلا أن يكون قد وقف إلى جوار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكسب بذلك موقفا هو في طبيعته أبعد نقاط المعركة عن الخطر لاحتفاف العدد المخلص في ا لجهاد يومئذ برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وليس هذا ببعيد لأننا عرفنا من ذوق الصديق أنه كان يحب أن يكون إلى جانب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحرب لأن مركز النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو المركز المصون الذي تتوفر جميع القوى الأسلامية على حراسته والذب عنه. 
============== 
 (1) صرح بذلك الواقدي كما في شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 3: 338 والمقريزي في الأمتاع: 132. (الشهيد) 
(2) اعترف بذلك ابن أبي الحديد: 3: 389.
 
 وخذ حياة الأمام علي عليه السلام وحياة الصديق وادرسهما، هفل تجد في حياة الأول خمودا في الأخصلاص أو ضعفا في الاندفاع نحو التضحية أو ركونا إلى الدعة والراحة في ساعة الحرب المقدسة ؟ فارجع البصر هل ترى من فطور (ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير) (1) لأنه سوف يجد روعة واستماتة في سبل الله لا تفوقها استماتة، وشخصا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فيه استعداد للخلود ما خلد محمد استاذه الأكبر لأنه نفسه صلى الله عليه وآله وسلم (2). ثم حدثني عن حياة الصديق (رضي الله تعالى عنه) أيام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهل تجد فيها إلا تخاذلا وضعفا في الحياة المبدئية، والحاية العسكرية، يظهر تارة في التجائه إلى ا لعريش، واخرى في فراره يوم احد وهزيمته في غزوة حنين (3) وتلكثه عن الواجب حينما أمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالخروج تحت راية اسامة للغزو (4)، مرة اخرى 
========== 
 (1) الملك / 4. 
(2) استنادا إلى آية المباهلة، وهي قوله تعالى: (فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناء كم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكفم ثم نبتهل...) آل عمران / 61. راجع الرواية في صحيح مسلم 4: 1873، تفسير الكشاف 1: 369، دار الكتب العلمية، الخصائص / النسائي: 89، رواية تصرح أن عليا عليه السلام كنفسه صلى الله عليه وآله وسلم. 
(3) كما في الحلبية 2: 126، إذ حصر الثابتين بغيره، وأما فرار الفاروق في ذلك اليوم، فقد جاء ما يدل عليه في صحيح البخاري 3: 67، دار المعرفة - بيروت. إذ روى بإسناده عمن شهد يوم حنين أنه قال: وانهزم المسلمون، وانهزمت معهم، فإذا بعمر بن الخطاب في الناس، فقلت له: ما شأن الناس ؟ قال: أمر الله. فإن هذا يوضح أن عمر كان من بين المنهزمين. 
(4) فقد جاء في عدة من المصادر أن عمر وأبا بكر كانا فيمن جنده النبي صلى الله عليه وآله وسلم للحرب تحت راية اسامة، منها في السيرة الحلبية ج‍ 3، وراجع طبقات ابن سعد 2: 248 - 250.
 
في هزيمته يوم خيبر حينما بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لاحتلال الوكر اليهودي على رأس جيش فرجع فارا ثم أرسل الفاروق (رضي الله تعالى عنه) وإذا به من طراز صاحبه (1) حيث تبخرت في ذلك الموقف الرهيب حماسة عمر وبطولته الرائعة في أيام السلم التي اعتز بها الأسلام يوم أسلم كما يقولون. ورجع عمر مع أصحابه يجبنهم ويجبنونه (2) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إني دافع الراية غدا لرجل يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله لا يرجع حتى يفتح له (3). يشعر كلامه هذا بتعريض بليغ يدغدغ به مشاعر القائدين الفاشلين واعتزاز صريح بعليه العظيم الذي يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله (4). يا خليفتي المسلمين - أو بعض المسلمين - رضي الله تعالى عنكما أهكذا كان نبيكما الذى قمتما مقامه ؟ ألم تتلقيا عنه دروسه الفذة في الجهاد والمعاناة في سبيل الله ؟ ألم يكن في صحبتكما له طوال عقدين حاجز يحجز عن ذلك ؟
============ 
 (1) راجع مسند أحمد 5: 253، المستدرك / الحاكم 3: 27، كنز العمال 6: 394، تاريخ الطبري 2: 136. (الشهيد) 
(2) هذا تصوير علوي رائع للقائد الفاشل والجنود المتخاذلين وقد اطلع كل منهما على ضعف الاخر فأخذ يهول الموقف ليجد له من ذلك عذرا في الفرار. (الشهيد) راجع تاريخ الطبري 2: 136.. 
(3) صحيح البخاري 5: 18، مسند الأمام أحمد 5: 353، الترمذي 5: 596، صحيح مسلم 4: 1873. 
(4) وأكبر الظن ان الجيش الذي سار الأمام على رأسه لاحتمال المستعمرة اليهودية هو والجيش الذي فر بالأمس، ونفهم ممن هذا مدى تأثير القائد على جيشه وتكهرب الجيش بمشاعره فإن عليا استطاع أن يجعل من اولئك الجنود الذين كانوا يجبنون الفاروق في الحملة السابقة أبطالا فتحين بما سكب في أرواحهم من روحة العظيمة المتدفقة بالحماس والأخلاص.
 
 ألم تستمعا إلى القرآن الذي اسندت إليكما حراست والتوفر على نشر مثله العليا في المعمورة وهو يقول: - (ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير) (1). وقد توافقني على أن مقام الصديق والفاروق رضى عنه الله في الأسلام يرتفع بهما عن الفرار المحرم، فلا بد أنهما تأولا ووجدا عذرا في فرار هما ونحن نعلم أن مجال الاجتهاد والتأويل عند الخليفة كان واسعا حتى أنه اعتذر عن خالد لما قتل مسلما متعمدا بأنه (اجتهد فأخطأ) (2). عذرتكما إن الحمام لمبغض * وإن بقاء النفس للنفس محبوب ليكره طعم الموت والموت طالب * فكيف يلذ الموت والموت مطلوب ولنعتذر إذا كان فيما قدمناه سبب للاعتذار وقد اضطرنا إلى ذلك الوقوف عند المقارنة الفاطمية وما تستحقه من شرح وتوضيح. (حزب السلطة الحاكمة) قالت: (تتربصون بنا الدوائر وتتوكفون الأخبار).
=============  
 (1) الأنفال / 16. 
(2) تاريخ الطبري 2: 273، قال الخليفة عمر بن الخطاب لأبي بكر: إن في سيف خالد ر هقا، فإن لم يكن هذا حقا، حق عليه أن تقيده، وأكثر عليه في ذلك... فقال - أبو بكر - هيه يا عمر تأول فأخطأ). وراجع تاريخ ابن شحنة: على هامش الكامل 11: 114. (الشهيد)
 
 هذا الخطاب موجه إلى الحزنب الحاكم لأنه هو الذي زعم ما نسبته الزهراء إلى مخاط بيها فيما يأتي من تعليل التسرع إلى إتمام البيعة بالخوف من الفتنة. وإذن فهو اتهام صريح له بالتآمر على السلطا ن واتخاذ التدابير اللازمة لهذه المؤامرة الرهيبة ووضع الخطط المحكمة لتنفيذها وتربص الفرصة السانحة للانقضاض على السلطة وتجريد البيت الهاشمي منها. وقد رأينا في الفصل السابق أن الاتفاق السري بين الصديق والفاروق وأبي عبيدة (1) رضى عنه الله مما تعززه الظواهر التاريخية. ولا ينبغي أن نترقب دليلا ماديا أقوى من كلام الزهراء الذي بينا اشعاره إلى هذه المعنى بوضوح لمعاصرتها لتلك الظروف العصيبة. فلا ريب أنها كانت تفهم حوادث تلك الساعة فهما أخص ما يوصف به أنه أقرب إلى واقعها وأكثر إصابة له من دراسة يقوم بها النقاد بعد مئات السنين. ومن حق البحث أن نسجل أن الزهراء هي أول من أعلنت - إن لم يكن زوجها هو المعلن الأل - عن التشكيلات الحزبية للجماعة الحاكمة واتهمتها بالتآمر السياسي، ثم تبعها على ذلك جملة من معاصريها كأمير (2) المؤمنين (صلوات الله عليه) ومعاوية (3) بن أبي سفيان - كما عرفنا سابقا. 
============ 
 (1) نعتذر إلى سيدنا أبي عبيدة عن ذكر اسمه مجردا عن اللقب، وليس هذا ذنبي بل ذنب الأجل الذى عجل بروحه قبل أن يصير الأمر إليه فيمنحه الناس لقبا من الألقاب، وأما لقب الأمين فالأر جح عندي أنه لم يحصل عليه من طريق النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا عن طريق الناس، وإنما لقب به لمناسباب خاصة ليس من شأنها تقرير الأوسمة الرسمية. (الشهيد) 
(2) إشارة إلى قول الأمام علي عليه السلام: (احلب يا عمر حلبا لك شطره ! اشدد له اليوم أمره ليرد لك غدا...). شرح النهج 6: 11. وراجع ص 12، قول أبي عبيدة للأمام. 
(3) راجع قول معاوية في رسالة جوابية إلى محمد بن أبي بكر - مروج الذهب 3: 199، وقعة صفين / نصر بن مزاحم: 119 - 120.
 
 وما دام هذا الحزب الذي تجزم بوجوده الزهراء ويشير إليه الأمام ويلمح إليه معاوية هو الذي سيطر على الحكم ومقدرات الامة، وما دامت الاسر الحاكمة بعد ذلك التي وجهت جميع مرافق الحياة العامة لخدمتها قد طبقت اصول تلك السياسة وعناصر ذلك المنهج الحزبي الذي دوخ دنيا الأسلام، فمن الطبيعي جدا لا نرى في التاريخ أو على الأقل التاريخ العام صورة واضحة الألوان لذلك الحزب الذي كان يجتهد أبطاله الأولون في تلوين أعمالهم باللون الشرعي الخاص الذي هو أبعد ما يكون عن الألوان السياسية والاتفاقات السابقة. قالت: - (فوسمتم غير إبلكم، وأوردتم غير شربكم هذا والعهد قريب، والكلم رحيب، الجرح لما يندمل، والرسول لما يقبر، أبدرا زعمتهم خوف الفتنة ؟ ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين. أما لعمر الله لقد لقحت فنظرة ريثما تحلب ثم احتلبوها طلاع القعب دما عبيطا هنا لك يخسر المبطلون ويعرف التالون غب ما أسس الأولون ثم طيبوا عن أنفسكم نفسا وابشروا بسيف صارم وهرج شامل واستبداد من الظالمين يدع فيئكم زهيدا وجمعكم حصيدا فيا حسرة عليكم) 
=========== 
 (1). لئن كان الصديق وصاحباه يشكلون حزبا ذا طابع خاص فمن العبث أن ننتظر منهم تصريحا بذلك أو نتوقع أن يعلنوا عن الخطوط الرئيسية 
 (1) خطبة الزهراء، راجع شرح نهج البلاغة 16: 234.
 
 لمنهاجهم ويبرروابها موقفهم يوم السقيفة ومع هذا: فلا بد من مبرر... ولا بد من تفسير... فقد ظهر في ذلك الموقف تسرعهم إلى إتمام البيعة لأحدهم وتلهفهم على المقامات العليا تلهفا لم يكن منتظرا بالطبع من صحابة على نمطهم، لأن المفروض فيهم أنهم اناس من نوع أكمل وعقول لا تفكر إلا في صالح المبدأ، ولا تعبأ إلا بالاحتفاظ له بالسيادة العليا. أما الملك الشخصي واما اقتناص الكراسي فلا ينبغي أن يكون هو الغاية في حساب تلامذة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. أحس الحاكمون بذلك وأدركوا أن موقفهم كان شاذا على أقل تقدير، فأرادوا رضى عنه الله أن يرقعوا موقفهم بالأهداف السامية والخوف على الأسلام من هبوب فتنة طاغية تجهز عليه، ونسوا أن الرقعة تفضح موضعها وأن الخيوط المقحمة في الثوب تشي بها. ولذا دوت الزهراء بكلمتها الخالدة: زعمتم خوف الفتنة (ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) (1). نعم انها الفتنة ثم هي ام الفتن بلا ريب. ما أروعك يا بضعة النبي حين تكشفين القناع عن الحقيقة المرة وتتنبئين لامة أبيك بالمستقبل الرهيب الذي تلتمع في افقه سحب حمراء ! ماذا أقوال ؟.. بل أنهار من دم تزخر بالجماجم وهي تنعى على 
======== 
 (1) من خطبتها عليها السلام، والاية 49 / التوبة.
 
سلفها الصالح فعلهم وتقول: ألا أنهم في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين. (الفتنة الكبرى) كانت العمليات السياسية يومئذ فتنة وكانت ام الفتن (1). كانت فتنة في رأي الزهراء - على الأقل - لأنها خروج على الحكومة الأسلامية الشرععية القائمة في شخص علي هارون النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأولى من المسلمين بأنفسهم (2). ومن مهازل القدر أن يعتذر الفاروق عن موقفه، بأنه خاف الفتنة وهو لا يعلم ان انتزاع الأمر ممن أراده له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باعتراف عمر (3) هو الفتنة بعينها المستوعبة لكل ما لهذا المفهوم من ألوان. 
======== 
 (1) كما يظهر من قولة الخليفة الثاني عمر بن الخطاب: إن بيعة أبي بكر فلتة وقى ا لله المسلمين شرها، تاريخ الطبري 2: 235، وفي الصواعق المحرقة: (... فمن عاد إلى ! مثلها فاقتلوه..) راجع ص 36 من الطبعة المصرية - مكتبة القاهرة بتعليق عبد الوهاب عبد اللطيف - الطبعة الثانية / 1965. 
(2) قال الأمام الشهيد الصدر رضى عنه الله: بنص حديث الغدير الذي رواه مائة وأحد عشر من الصحابة، وأربعة وثمانون من التابعين، وثلاثمائة وثلاثة وخمسون مؤلف من اخواننا السنة كما يظهر من كتاب الغدير للعلامة الأميني، واحب أ ن الاحظ هنا أن كثيرا من القرآن لم يروه من الصحابة - يريد على مبناهم - عدد يبلغ مبلغ الرواة الحديث الغدير منهم، فالتشكيك فيه ينتهي بالمشكك إلى التشكيك في القرآن الكريم. واما دلالة الحديث على خلافة علي وإمامته فهي أيضا ترتفع عن التشكيك لوضوحها وبداهتها، وتعدد القرائن عليها. ولتراجع في ذلك (مراجعات) سيدنا سدن المذهب وحامي التشيع في دنيا الأسلام آية الله السيد عبد الحسين شرف الدين (رضوان الله عليه)، راجع الصواعق المحرقة: 122. 
(3) راجع شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 3: 114 - 115، الطبعة غير المحققة.
 
 وأنا لا أدري ما منع هؤلاء الخائفين من الفتنة الذين لا مطمع لهم في السلطان إلا بمقدار ما يتصل بصالح الأسلام أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن خليفته أن يطلبوا منه أن يعين لهم المرجع الأعلى للحكومة الأسلامية من بعده، وقد طال المرض به أياما متعددة، وأعلن فيها مرارا عن قرب أجله، واجتمع به جماعة من أصحابه فسألوه عن كيفية غسله وتفصيلات تجهيزه (1)، ولم يقع في أنفسهم مطلقا أن يسألوه عن المسألة الأساسية، بل لم يخطر في بال اولئك الذين أصروا على عمر بأن يستخلف ولا يهمل الامة وألحوا عليه في ذلك خوفا من الفتنة (2) أن يطلبوا نظير هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهل ترى أنهم كانوا حينذاك في غفلة عن أخطار الموقف بالرغم من إنذار النبي صلى الله عليه وآله وسلم بفتن كقطع الليل المظلم ؟ ! حتى إ ذا لحق سيد البشر بالرفيق الأعلى توهجت مشاعرهم بالغيرة على الدين، وملأ قلوبهم لخوف من الفتنة والانعكاسات السيئة. أو تعتقد معي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان قد اختار للسفينة ربانها الأفضل ولذلك لم يسأله السا ئلون ! ! دع عنك هذا واختلق لهم ما شئت من المعاذير، فإن هؤلاء الغيارى على الأسلام لم يكتفوا بترك السؤال، بل منعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من مقاومة الخطر المرتقب حينما أراد أن يكتب (كتابا لا يضل المسلمون بعده أبدا) (3). والفتنة ضلال، وإذن فلا فتنة بعد ذلك الكتاب أبدا فهل كانوا 
============= 
 (1) راجع الكامل في التاريخ / ابن الأثير 2: 122 (الشهيد)، والسيرة النبوية / ابن كثير 4 / 527 طبعة دار إحياء التراث العربي - بيروت.
 (2) تاريخ الطبري 2: 580، العقد الفريد 4: 260. (الشهيد) 
(3) إشارة إلى قول الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه الأخير: ائتو ني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده...)، صحيح البخاري 1: 371 كتاب العلم - باب كتابة العلم، وراجع 8: 161 - كتاب الاعتصام.
 
 يشكون في صدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟ ! أو يرون أنهم أقدر على الاحتياط للأسلام والقضاء على الشغب والهرج من نبي الأسلام ورجله الأول ! وخليق بنا أن نسأل عما عناه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالفتن التي جاء ذكرها في مناجاته لقبور البقيع في اخريات أيمه إذ يقول: ليهنكم ما أصبحتم فيه قد أقلبت الفتن كقطع الليل المظلم (1). ولعلك تقول: إنها فتن المرتدين، وهذا تفسير يقبل على فرض واحد وهو: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يتخوف على موتى البقيع من الارتداد، فأما إذا لم يكن يخشى عليهم من ذلك كما - هو في الواقع - لأنهم على الأكثر من المسلمين الصالحين، وفيهم الشهداء فلماذا يهنئهم على عدم حضور تلك الأيام ؟ ولا يستقيم في منطق صحيح أن يريد بهذه الفتن المشاغبات الاموية التي قام بها عثمان ومعاوية (2) بعد عقود ثلاثة من ذلك التاريخ تقريبا. وإذن فتلك الفتن التي عنها النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا بد أن تكون فتنا حادثة بعده مباشرة، ولا بد أيضا أن تكون أكثر اتصالا بموتى البقيع لو قدرت لهم الحياة من فتن الردة والمتنبئين. وهي إذن عين الفتنة التي عنتها الزهراء بقولها: ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين. 
============ 
 (1) تاريخ ابن الأثير 2: 318 دار صادر. (الشهيد) 
(2) راجع: التاج الجامع للاصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم / الشيخ علي ناصف 5: 310 الهامش 4، 5: 316 الهامش 5. (*) 
 
 وهل من غضاضة بعد أن يصطلح عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالفتنة أن تمنح لقب الفتنة الاولى في دنيا الأسلام. وقد كانت العمليات السياسية يومئذ فتنة من ناحية اخرى، لأنها فرضت خلافة على امة لم يقتنع بها إلا القليل (1) من سوقتها الذين ليس لمثلهم الحق في تقرير مصير الحكم في عرف الأسلام ولا في لغة القوانين الدستورية جميعا. تلك هي خلافة الصديق (رضي الله تعالى عنه) عندما خرج من السقيفة (وعمر يهرول بين يديه وقد نبر حتى أزبد شدقاه) وجماعته تحوطه (وهم متزرون بالازر الصنعانية لا يمرون بأحد إلا خبطوه وقدموه فمدوا يده فمسحوها على يد أبي بكر يبايعه شاء ذلك أو أبى) (2). ومعنى هذا أن الحاكمين زفوا إلى المسلمين خلافة لم تباركها السماء ولا رضي بها المسلمون. وأن الصديق لم يستمد سلطانه من نص نبوي - بالضرورة - ولم ينعقد الأجماع عليه ما دام سعد لم يبايع إلى أن مات الخيلفة، وما دام الهاشميون لم يبايعوا إلى ستة أشهر من خلافته - كما في صحيح البخاري (3). قالوا: إن أهل الحل والعقد قد بايعوه وكفى. ولكن ألا يحتاج هذا المفهوم إلى توضيح وإلى مرجع يرجع إليه في ذلك ؟ فمن هو الذي اعتبر مبايعي أبي بكر أهل الحل 
========== 
 (1) راجع تاريخ الطبري 2: 233. 
(2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 1: 74، الطبعة غير المحققة. (الشهيد) 
(3) صحيح البخاري - فضائل الصحابة باب 35 ص 66، وباب 43 ص 83. (الشهيد)
 
والعقد ، وأعطاهم هذه الصلاحيات الواسعة ؟ ليس هو الامة ولا النبي الأعظم، لأننا نعلم أن أبطال السقيفة لم يأخذوا أنفسهم بمناهج الانتخاب غير المباشر، ولم يستفتوا المسلمين في تعيين المنتخبين الثانويين الذين اصطلح عليهم في العرف القد يم بأهل الحل والعقد. كما أنه لم يؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إعطاء هذه الصلاحيات لجماعة مخصوصة، فكيف تمنح لعدد من المسلمين ويستأمنون على مقدرات الامة بغير رضى منها في ظل نظام دستوري كنظام الحكم في الأسلام كما يزعمون ؟ ! ومن العجيب في العرف السياسي أن تعين الحكومة نفسها أهل الحل والعقد (1)، ثم تكتسب منهم كلمتها العليا. وأعجب من ذلك إخراج علي والعباس وسائر بني هاشم وسعد بن عبادة والزبير وعمار وسلمان وأبي ذر والمقداد وجميع أهل الحجى والرأي - على حد تعبير ابن عباس لعمر (2) - من أهل الحل والعقد إذا صح أن في الأسلام طبقة مستأثره بالحل والعقد.
============ 
 (1) راجع تاريخ الطبري 2: 233، قال أبو بكر: إني قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين: عمر وأبا عبيدة،... وأنا أرضى لكم أبا عبيدة، فقام عمر، فقال: أيكم - الخطاب للمجتمعين في السقيفة - تطيب نفسه أن يخلف قدمين قدمهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم ! فبايعه عمر وبايعه الناس، فقالت الأنصار:... لا نبايع إلا عليا. 
(2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 3: 115، الطبعة غير المحققة، إذ قال ابن عباس: أما أهل الحجى والنهى فإنهم ما يزالون يعدونه - أي عليا - كاملا منذ رفع الله منار الأسلام، ولكنهم يعدو نه محروما مجدودا. (الشهيد)
 
 وقد جر وضع هذه الكلمة في قاموس الحياة الأسلامية إلى تهيئة الجو لأرستقراطية هي أبعد ما تكون عن روح الأسلام وواقعة المصفى من الطبقية والعنعنات. وهل كانت تلك الثروات الضخمة التي امتلأت بها أكياس عبد الرحمن بن عوف وطلحة وأضرابهما إلا بسبب هذا اللقب المشؤوم على الأسلام الذي لقبوا به، فرأوا أنهم من الطراز الرفيع الذي يستحق أن يملك الملايين ويتحكم في حقوق الناس كما يريد ؟ ! وقالوا: إن الأكثرية هي مقياس الحكومة الشرعية والمبدأ الذي لا بد أن تقوم على أساسه الخلافة. وقد استهان القرآن الكريم بالأكثرية ولم يجعل منها في حال من الأحوال دليلا وميزانا صحيحا إذ جاء فيه: (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله) (1). (وأكثرهم للحق كارهون) (2). (وما يتبع أكثرهم إلا ظنا (3). (ولكن أكثرهم يجهلون) (4). 
=========== 
 (1) الأنعام / 116. (2) المؤمنون / 70. (3) يونس / 36. (4) الأنعام / 111.
 
 وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في صحاح السنة أنه قال: (بينا أ نا قائم - يعني يوم القيامة على الحوض - فإذا زمرة، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم، فقلت أين ؟ فقال: إلى النار والله، قلت: وما شأنهم ؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم هم القهقرى - إلى أن قال -: فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم) (1). ولا يمكن أن تكون هذه الأكثرية الجهنمية التي حدث عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مصدر السلطة في 65 الأسلام، لأنها لا تنشئ بطبيعة الحال إلا خلافة مطبوعة بطابعها. وإذا خرجنا بالأكثرية عن حدود المدنيين الذين عرفنا أنفا مراكزهم الجهنمية على ا لأغلب في الحياة الخالدة، واعتبرنا أكثرية المسلمين عموما هي المقياس الصحيح، فلا بد أن نلاحظ أن المدينة هل كانت وحدها مسكن المسلمين ليكتمل النصاب المفروض بالأكثرية المدنية أو أن أبا بكر لم يكتف بها وإنما بعث إلى المسلمين المنتشرين في أرجاء المملكة بالخبر ليأخذ آراءهم ويستشيرهم ؟ ! كلا لم يحدث شئ من ذلك وإنما فرض حكومته على آفاق المملكة كلها فرضا لا يقبل مراجعة ولا جدالا حتى أصبح التردد في الخضوع لها جريمة لا تغتفر (2). وقالوا: إن الخلافة تحصل ببعة بعض المسلمين، ولا ريب أن ذلك قد حصل لأبي بكر. ولكن هذا مما لا يقره المنطق 
=========  
 (1) و (2) صحيح البخاري 8: 86 - كتاب الفتن.
 
السياسي السليم، لأن البعض لا يمكن أن يتحكم في شؤون الامة كلها، ولأن حياة الامة لا يمكن أن تعلق على خيط ضعيف كهذا الخيط، ويرن في حفظ مقدساتها ومقامها إلى حكومة أنشأها جماعة من الصحابة لم يزكهم إجماع شعبي، ولا نص مقدس، بل هم اناس عاديون من الصحابة. ونحن نعلم أن (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون) (1) (ومنهم من عاهد الله لئن اتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين * فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون * فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون) (2)، ومنهم من خص الله تعالى نفسه بالاطلاع على سرائرهم ونفاقهم فقال لرسوله: (ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم) (3). فجماعة فيها المنافق، وفيها من يؤذي رسول الله، وفيها الكاذب لا يمكن أن يعتبر رأى بعضهم أيا كان، ملاكا للمنصب الأول في العالم الأسلامي. وتعليقا على هذه المعلومات نقول: إن خلافة الصديق لم تكن خلافة نص، ولا خلفاة أكثرية ولا نتيجة انتخاب مباشر ولا غير مباشر، نعم بذل في سبيلها بعض المسلمين جهودا رائعة، والتفت حولها طائفة من الناس وانتصرت لها جماعات عديدة في المدينة، ولكن هؤلاء جميعا ليسوا إلا بعض المسلمين، والبعض ليس له حكم مطاع في الموضوع، لأن الحكم الذي يستمد معنويته القانونية من الامة يلزم أن يكون صاحبه ممثلا للامة بجميع عناصرها أو أكثر عناصرها، هذا أولا، وأما ثانيا فلأن في المسلمين منافقين لا يعلمهم إلا الله بنص القرآن الكريم، وتنزيه هذا البعض المتوفر
========== 
 (1) التوبة / 61. (2) التوبة / 75 - 77. (3) التوبة / 101.
 
على إنشاء الكيان السياسي للامة حينئذ عن النفاق لا بد أن يكون عن طريق النص أو الامة. وإذن فليسمح لنا الصديق أن نميل إلى رأي الزهراء بعض الميل أو كل الميل، لأننا لا نجد للفتنة واقعا أوضح من تسلط رجل بلا وجه قانوني على امة، وتصرفه في مرافقها الحيوية جميعا كالصديق رضى عنه الله في أيام خلافته، أو في الأشهر الاولى أو في الأسابيع الاولى من حكومته التي خطبت فيها الزهراء - على أقل تقدير. وما أدري هل خطرت للمتسرعين المستبدين نتائج استبدادهم واستقلالهم عن العناصر التي كان من الطبيعي أن يكون لها رأي في الموضوع لو قامت تلك العناصر بالمعارضة، واستعد الهاشميون للمقاومة، وقد كان تقدير هذا المعنى قريبا ومعقولا إلى حد بعيد، فكيف لم يحتاطوا له وانتهوا إلى نتيجتهم المط لوبة في مدة قد لا تزيد على ساعة ؟ ! ولماذا نقدس الموقف أكثر مما قدسه أبطاله ؟ فقد بلغ من تقديس الفاروق أنه أمر بقتل من عاد إلى مثل بيعة أبي بكر (1) وكرر ذلك الموقف. وإذا أردنا أن نأخذ هذا الكلام ونفهمه على أنه كلام إمام يراعي دستور الأسلام، فمعنى ذلك أنه رأى موقف أبي بكر وأصحابه في السقيفة فتنة وفسادا، لأن القتل لا يجوز بغير ذلك من 
=========== 
 (1) الصواعق المحرقة: 56، طبعة دار الكتب العلمية، ط 3 - بيروت / 1414 ه‍، طبعة المطبعة الميمنية / 1312 ه‍: 21.
 
الأسباب. وهي بعد ذلك كله ام الفتن لأنها هي التي جعلت الخلافة سلطان الله الذي يأتيه البر والفاجر كما صرحت بذلك السيدة عائشة (رضي الله عنها) التي كانت بلا شك تمثل نظريات الحزب الحاكم  (1). وهي التي فتحت للأهواء والأطماع السياسية ميدانها الو اسع، فتولدت الأحزاب وتناحرت السياسات وتفرق المسلمون وانقسموا شر انقسام (2) ذهب بكيانهم الجبار ومجدهم في التاريخ. وماذا ظنك بهذه الاذمة التي أشأت في ربع قرن المملكة الاولى في أرجاء العالم بسبب ان زعيم المعارضة للحكومة في ذلك الحين - أعني عليا - لم يتخذ للمعارضة أسبابها المزعرعة لكيان الامة ووحد تها ؟ ! (أقول) ماذا تقدر لها من مجد وسلطان وهيمنة على العالم لو لم تبتل بعشاق الملك المتضاربين، والامراء السكارى بنشوة السلطان، ولم تكن مسرحا للمعارك الدامية التي يقل نظيرها في التاريخ، ولم يستغل حكامها الغاشمون إمكانيات الامة كلها للذاتهم وهنائهم ويستهينون بعد ذلك بمقدراتها جميعا (3) ؟ لم ينظر الصديق والفاروق إلا إلى زمانهما الخاص، فتصورا أن في طاقتهما حماية الكيان الأسلامي، ولكنهما لو تعمقا في نظرتهما كما تعمقت الزهراء وتوسعا في مطالعة الموقف لعرفا صدق الأنذار الذي أنذرتهما به الزهراء. 
============= 
 (1) الدر المنثور 6: 19، المطبعة المينية بمصر / 1314 ه‍. (الشهيد) 
(2) الملل والنحل / الشهرستاني 1: 30 - 31، مكتبة الانجلو المصرية - القاهرة / ط 2. 
(3) راجع: مروج الذهب / المسعودي 3: 214 وما بعدها، العقد الفريد / ابن عبد ربه 5: 200 - 202، العدالة الاجتماعية في الأسلام / الشهيدد سيد قطب.
 
 الفصل الخامس 
محكمة الكتاب
 (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا) النساء / 58 
 
 (تمهيد) إذا أردنا أن نرتفع بمستوى دراستنا إلى مصاف الدراسات الدقيقة، فلا بد أن نأخذ أ نفسنا بمناهج البحث العلمي في درس ناحيتين: (موقف الخليفة الأول من تركة النبي صلى الله عليه وآله وسلم) الناحية الاولى: موقف الخليفة تجاه ميراث الزهراء الذي كان يستند فيه إلى ما روا ه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في موضوع الميراث بأساليب متعددة وصور مختلفة لتعددد مواجهات الخصمين، فجاءت الأحاديث التي تنقل روايته وهي لا تتفق  (1) على حد تعبير واحد، ولا تجمع على لفظ معين، لاختلاف المشاهد التي ترويها، واختصاص كل منها بصيغة خاصة للحديث على حسب ما كان يحضر الخليفة من عبائر أو تعدد الروايات التي رواها في المسألة. 1 - وقبل كل شئ نريد أن نلاحظ مقدار تأكد الخليفة من صحة الحديث الذي رآه دالا على نفي توريث
=========== 
 (1) راجع الرواية التي انفرد بها الصديق مع اختلاف التعابير التي وردت فيها في: سنن البيهقي 6: 297 - 302، شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 214، 218، 219، 221، 227.
 
 التركة النبوية واطمئنانه إلى سماع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثباته عليه. ويمكننا فهم ذلك مما تحدثنا به الروايات (1) من أن الخليفة سلم فدك للحوراء وكاد الأمر أن يتم لولا أن دخل عمر وقال له: (ما هذا ؟ فقال له: كتاب كتبته لفاطمة ميثراثها من أبيها، فقال: ماذا تنفق على المسلمين وقد حاربتك العرب كما ترى ثم أخذ الكتاب فشقه) (2). ونحن ننقل هذه الرواية في تحفظ وإن كنا نستقرب صحتها، لأن كل شئ كان يشجع على عدم حكاية هذه القصة لو لم يكن لها نصيب من الواقع، وإذا صحت ففي تدل على أن أمر التسليم وقع بعد الخطبة الفاطمية الخالدة ونقل الخليفة لحديث نفي الأرث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لأن حروب الردة التي أشار إليها عمر في كلامه ابتدأت بعد يوم السقيفة بعشرة أيام (3)، وخطبة الزهراء قد كانت في اليوم العاشر أيضا كما سبق (4). 2 - وقد أظهر الخليفة الندم في ساعة وفاته على عدم تسليم فدك لفاطمة (5)، وقد بلغ به التأثر حينا أن قال للناس وقد اجتمعوا حوله: أقيلوني بيعتي. وندرك من هذا أن الخليفة كان يطوي نفسه على قلق عظيم عظيم مرده إلى الشعور بنقص مادي في حكمه على فاطمة وضعف في المدرك 
=========== 
 (1) ذكره سبط ابن الجوزي كما في السيرة الحلبية 3: 363. (الشهيد)، شرح النهج 16: 234. 
(2) راجع شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 234 - 235. 
(3) مروج الذهب 2: 193. (الشهيد) 
(4) ولعل هذا يضعف من شأن الرواية، لأن الخليفة لو كان مستعدا للتراجع لأجاب ا لزهراء إلى ما تطلب في المسجد حينما خطبت وأسمعته من التأنيب والتقريع الشئ الكثير. (الشهيد) (5) تاريخ الطبري 2: 353، سمو المعنى في سمو الذات / العلايلي: 18. (الشهيد)
 
الذي استند إليه، ويثور به ضميره أحيانا فلا يجد في مستنداته ما يهدئ نفسه المضطربة وقد ضاق بهذه الحالة المريرة، فطفحت نفسه في الساعة الأخيرة بكلام يندم فيه على موقفه من الزهراء، تلك الساعة الحرجة التي يتمثل فيها للأنسان ما مثله على مسرح الحياة من فصل أو شك الستار أن يسدل عليها، وتجتمع في ذاكرته خيوط حيا ته بألوانها المختلفة التي آن لها أن تنقطع، فلا يبقى منها إلا التبعات. 3 - ولا ننسى أن أبا بكر أوصى (1) أن يدفن إلى جوار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يصح ذلك إلا إذا كان قد عدل عن اعتبار روايته مدركا قانونيا في الموضوع، واستأذن ابنته في أن يدفن فيما ورثته من أرض الحجرة - إذا كان للزوجة نصيب في الأرض، وكان نصيب عائشة يسع ذلك - ولو كان يرى أن تركة النبي صلى الله عليه وآله وسلم صدقة مشتركة بين المسلمين عامة، للزمه الاستئذان منهم. وهب أن البالغين أجازوا ذلك فكيف بالأطفال والقاصرين ممن كانوا في ذلك الحين ؟ ! 4 - ونحن نعلم أيضا أن الخليفة لم ينتزع من نساء النبي بيوتهن ومساكنهن التي كن يسكن فيها في حياد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فما عساه أن يكون سبب التفريق الذي أنتج انتزاع فدك من الزهراء وتخصيص حاصلاتها للمصالح العامة وإبقاء بيوت نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهن يتصرفن فيها كما يتصرف المالك في ماله حتى تستأذن عائشة في الدفن في حجرتها ؟ أكان الحكم بعدم التوريث مختصا ببضعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟ ! أو أن بيوت الزوجات كانت 
======== 
 (1) تاريخ الطبري 3: 349.
 
 نحلة لهن ؟ فلنا أن نستفهم عما أثبت ذلك عند الخليفة ولم قتم بينة، عليه ولا ادعته واحدة منهن، وليست حيازتهن للبيوت في زمان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شاهدا على ملكيتهن لها، لأنها ليست حيازة استقلالية، بل من شؤون حيازة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ككل زوجة بالنسبة إلى زوجها ؟ كما أن نسبة البيوت إليهن في الاية الكريمة: (وقرن في بيوتكن) (1)، لا يدل على ذلك، لأن الأضافة يكفي في صحتها أدنى ملابسة، وقد نسبت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في القرآن الكريم بعد تلك الاية بمقدا ر قليل إذ قال الله تبارك وتعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم) (2). فإذا كان الترتيب ا لقرآني حجة، لزم الأخذ بما تدل عليه هذه الاية. وورد في صحاح السنة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إسناد البيت إليه في قوله: (إن ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة) (3). 5 - ولنتساءل عما إذا كان الحكم بعدم توريث الأنبياء الذي ذهب إليه الخليفة مما اختزنه الوحي الخاتم المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم، واقتضت المصلحة تأخيره عن وقت الحاجة، وإ جراءة على الصديقة دون سائر ورثة الأنبياء ؟ أو أن الرسل السابقين قد أهملوا تبليغه وتعريف خلفائهم وورثتهم به طمعا بالمادة الزائفة، واستبقاء لها في أولادهم وآلهم ؟ أو أنهم كانوا قد انتهجوا هذا الطريق ونفذوا الحكم بعدم التور يث، ومع ذلك لم يؤثر في التواريخ جميعا ؟ أو أن السياسة السائدة يو مذاك هي التي أشأت هذا الحكم ؟ 
========
 (1) الأحزاب / 33. 
(2) الأحزاب / 53. 
(3) مسند الأمام أحد 2: 236 - طبعة دار الفكر - بهامشه المنتخب من كنز العمال.
 
 6 - ومن جهة اخرى هل يمكننا أن نقبل أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجر على أحب الناس إليه وأقربهم منه البلايا والشدائد وهي التي يغضب لغضبها ويسر لسرورها وينقبض لانقباضها 
 (1)، ولم يكن ليكلفه دفع هذه لمحن عنها أكثر من إعلامها بحقيقة الأمر لئلا تطلب ما ليس لها بحق، وكأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لذ له أن ترزى ابنته، ثم تتسع هذه الرزية فتكون أداة اختلاف وصخب بين المسلمين عامة، وهو الذي ارسل رحمة للعالمين، فبقي مصرا على كتمان الخبر عنها مع الأسرار به إلى أبي بكر. (روايات الخليفة الأول ومناقشتها) 1 - لأجل أن نلقي نظرة على الحديث من الناحية المعنوية بعد الملاحظات التي أسلفنا ها، نقسم الصيغة التي جاءت في رواية الموضوع إلى قسمين: - (الأول) ما جاء في بعضها من أن أبا بكر بكى لما كلمته فاطمة ثم قال: يا بنت رسول الله، والله ما ورث أبوك دينارا ولا درهما، وإنه قال: إن الأنبياء لا يورثون (2). وما ورد في الخطبة من قوله: (إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إنا معاشر الأنبياء لا نورث ذهبا ولا فضة ولا أرضا ولا عقارا ولا دار ا لكنما نورث الأيمان والحكمة والعلم والسنة) (3). 69 
====== 
 (1) صحيح البخاري 5: 83 باب 43 حديث رقم 232، صحيح مسلم 4: 1902 حديث رقم 93 / 2449. تاريخ بغداد / الخطيب البغدادي 17: 203 دار الكتب العلمية - بيروت. مسند الأمام أحمد 1: 6، ط بعة دار صادر. 
(2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 316، سنن البيهقي 6: 301.
 (3) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 252، 214، سنن البيهقي 6: 300.
 
 (الثاني) التعبير الذي تنقله عدة أخبار عن الخليفة وهو ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من (إنا لا نورث ما تركناه صدقة) (1). 2 - والنقطة المهمة في هدا البحث هي معرفة ما إذا كانت هذه الصيغ تدل بوضوح لا يقبل تشكيكا ولا تأويلا - وهو النص (2) في العرف العلمي - على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تورث تر كته، أو ما إذا كانت تصلح للتعبير بها عن معنى آخر وإن كانت للتعبير بها عن الحكم بعدم التوريث أصلح - وهو الظاهر في الاصطلاح - وللمسألة تقدير ثالث وهو أن لا يرجح المعنى الذي هو في صالح الخليفة على ما قد يؤدي باللفظ من معان اخر - وهو المجمل (3). 3 - إذا لا حظنا القسم الأول من صيغ الحديث وجدنا رواياته تقبل أن تكون بيانا لعدم تشريع توريث الأنبياء كما فهمه الخليفة، ويمكن أن تكون كناية عن معنى أن يقع في نقس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيانه، وهو تعظيم مقام النبوة وتجليل الأنبياء، وليس من مظهر للجلالة الروحية والعظمة الألهية أجلى دلالة وأكثر مادية من الزهد في الدنيا،
============ 
 (1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 224، 218، سنن البيهقي 6: 301. 
(2) النص: قال الرازي: إذا كان اللفظ موضوعا لمعنى، ولا يكون محتملا لغيره فهذا هو النص. وأما المجمل فيظهر من كلامه أنه ما دل على معنيين على التساوي. راجع التفسير الكبير / الرازي 7: 18. وجاء في معارج الاصول / المحقق الحلي: 105: النص: (هو الكلام الذي يظهر إفادته لمعناه، ولا يتناول أكثر مما هو مقول فيه. أما المجمل: فهو ما أفاد جملة من الأشياء... واللفظ لا يعينه...). وراجع بيان النصوص التشريعة / بدران أبو العينين: 5. 
(3) المصباح المنير / 2: 654، نشر دار الهجرة - قم المقدسة.
 
 ولذائذها الزائفة، ومتعها الفانية. فماذا لا يجوز لنا افتراض أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد أن يشير إلى أن الأنبياء اناس ملائكيون وبشر من الطر از الأسمى الذي لا تشوبه الأنانيات الأرضية والأهواء البشرية ؟ لأن طبيعتهم قد اشتقت من عناصر السماء - بمعناها الرمزي - المتدفقة بالخير لا من مواد هذا العالم الأرضي، فهم أبدا ودائما منابع الخير، والطالعون بالنور، والمورثون للأيمان والحكمة، والمركزون للسلطان الألهي في الأرض. وليسوا مصادر للثروة بمعناها المصطلح عليه في عرف الناس، ولا بالساعين وراء نفائسها. ولماذا لا يكون قوله: (إنا معاشر الأنبياء لا نورث ذهبا ولا فضة ولا أرضا ولا عقارا ولا دار ا) كناية عن هذا المعنى ؟ لأن توريثهم لهذه الأشياء إنما يكون بحيازتهم لها، وتركهم إياها بعد موتهم وهم منصرفون عنها، لا يحسبون لها حسابا ولا يقيمون لها وزنا ليحصلوا على شئ منها. فما هو تحت اللفظ نفي التوريث لعدم وجود التركة كما إذا قلنا: إن الفقراء لا يورثون، لا أنهم يختصون عن سائر الناس بحكم يقتضي بعدم جريان أحكام الأرث على تركاتهم. والهدف الأصلي من الكلام بيان جلال الأنبياء. وهذا الاسلوب من البيان مما يتفق مع الأساليب النبوية الرائعة التي تطفح بالمعاني الكبار وتزخر بأسماها في موجاتها اللفظية القصيرة. 4 - ولكي تتفق معي على تفسير معين للحديث، يلزم أن نعرف معنى التوريث لنفهم الجملة النافية له كما يلزم. و 70 معنى التوريث جعل شئ ميراثا، فالمورث من يكون سببا لانتقال المال من الميت إلى قريبه (1) وهذا 
======= 
 (1) المصباح المنير 2: 654 نشر دار الهجرة - قم المقدسة.
 
 الأنتقال يتوقف على أمرين: - (أحدهما) وجود التركة. (والاخر) القانون الذي يجعل للوارث حصة من مال الميت. ويحصل الأول بسبب نفس ا لميت، والثان بسبب المشرع الذي وضع قانون الوراثة سواء أكان فردا أسندت إليه الناس الصلاحيات التشريعية أو هيئة تقوم على ذلك، أو نبيا يشرع بوحي من السماء، فكل من الميت والمشرع له نصيب من إيجاد التوارث، ولكن المورث الحقيقي الذي يستحق التعبير عنه بهذا اللفظ بحق هو الميت الذي أوجد مادة الأرث، لأنه هو الذي هيا للأرث شرطه الأخير بما خلفه من ثروة، وأما المشرع فليس مورثا من ذلك اطراز لأنه لم يجعل بوضعه للقانون، ميراثا معينا بالفعل، بل شرع نظاما يقتضي بأن الميت إذا كان قد ملك شيئا وخلفه بعد موته فهو لأقاربه. وهذا وحده لا يكفي لأيجاد مال موروث في الخارج، بل يتوقف على أن يكون الميت قد أصاب شيئا من المال وخلفه بعده. فالواضع التشريعي نظير من يضيف عنصرا خاصا إلى طبيعة من الطبائع، فيجعلها قابلة لأحراق ما يلاقيها. فإذا ألقيت إليها بورقد فاحترقت كنت أنت الذي أحرقتها لا من أضاف ذلك العنصر المحرق إلى الطبيعة، والقاعدة التي ذلك، أن كل شئ يسند بحسب اصول التعبير إلى المؤثر الأخير فيه. وفي ضوء هذه القاعدة نعر ف أن نسبة التوريث إلى شخص تدل على أنه المؤثر الأخير في الأرث، وهو الموروث (1) الذي أوجد التركة. فالمفهوم من جملة: أن الأنبياء يورثون، أنهم يحصلون على
========= 
 (1) المصدر السابق.
 
الأموال ويجعلونها تركة من بعدهم، وإذا نفي التوريث عنهم، كان مدلول هذا النفي أنهم لا يهيؤون للأرث شرطه الأخير، ولا يسعون وراء الأموال ليتركوها بعد وفاتهم لورثتهم. وإذن فليس معنى: أن الأنبياء لا يورثون، عدم التوريث التشريعي، ونفي الحكم بالأرث، لأن الحكم بالأرث ليس توريثا حقيقيا، بل التوريث الحقيقي تهيئة نفس التركة وهذا هو المنفي في الحديث. وعلى طراز آخر من البيان أن التوريث الذي نفاه خاتم النبيين عن الأنبياء، إن كا ن هو التوريث التشريعي، كان مفاد النفي إلغاء قانون الأرث من شرائع السماء، لأن توريثهم التشريعي لا يختص بورثتهم حتى يكون المنفي توريثهم خاصة. وإن كان هو التوريث الحقيقي، بمعنى تهيئة الجو المناسب للأرث، سقطت العبارة عما أراد لها الصديق من معنى وكان معناها أن الأنبياء لا تركة لهم لتورث. 5 - وفي الرواية الاولى مهد الخليفة للحديث بقوله: (والله ما ورث أبوك دينارا ولا درهما) (1)، وهذا التعبير واضح كل الوضوح في نفي التركة وعدم ترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئا من المال. فإذا صح للخليفة أن يستعمل تلك الجملة في هذا المعنى، فليصح أن تدل صيغة الحديث عليه أيضا ويكون هو المقصود منها. 6 - وإذا لاحظنا الأمثلة التي ذكرت في الرواية الثانية نجد فيها ما يعزز قيمة هذا التفسير،
=========== 
 (1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 216.
 
لأن ذكر الذهب والفضة والعقار والدار - مع أنها من مهمات التركة - لا يتفق مع تفسير الحديث بأن لا تورث، لأن اللازم ذكر أتفه الأشياء لبيان عموم الحكم بعدم الأرث لسائر مصاديق التركة. كما إنا إذا أردنا أن نوضح عدم إرث الكافر لشئ من تركة أبيه لم نقل: إن الكافر لا يرث ذهبا ولا فضة ولا دارا وإنما نقول: إنه لا يرث تمرة واحدة من تركة الميت. وبتعبير واضح أن الاهتمام بتوضيح عموم الحكم لكل أقسام التركة يقتضي التصريح ببعض أقسام المال الذي قد يتوهم متوهم عدم اندراجه في التركة التي لا تورث. وقولنا: الأنبياء لا يو رثون أو أن الكفار لا نصيب لهم من تركة آبائهم، يدل أول ما يدل على عدم انتقال الدار والعقار والذهب والفضة وغيرها من نفيس التركة ومهمها. فذكر هذه الامور في الحديث يرجح أن المقصود بنفي توريث الأنبياء، بيان زهدهم وعدم اهتمامهم بالحصول على نفائس الحياة المحدودة التي يتنافس فيها المتنافسون، لأن المناسب لهذا الغرض ذكر الأموال المهمة التي تكون حيازتها وتوريثها منافيا للزهد والمقامات الروحية العليا. وأما الأخبار عن عدم التوريث في الشر يعة فاللائق به ذكر التوافه من التركة دون أقسامها الواضحة المهمة. 7 - وأمر آخر يشهد لما ذركناه من التفسير وهو الجملة الثانية الأيجابية في الحديث أي جملة: (ولكنا نورث الأيمان والحكمة والعلم والسنة) (1)، فإنها لا تدل على تشريع وراثة هذه الامور، بل على توفرها في الأنبياء 
=========== 
 (1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 214.
 
إلى حد يؤهلهم لنشرها وإشاعتها بين الناس. فقد نفهم حينئذ أن المراد بالجملة الاولى التي نفت التوريث، بيان أن الأنبياء لا يسعون للحصول على الذهب والعقار ونحو هما، ولا يكون لهم من ذلك شئ ليرثه آلهم. 8 - ولا يجوز لنا أن نقيس عبارة الحديث المروية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: (إن الناس لا يورثون الكافر من أقاربهم (1)، بل يلزمنا أن نفرق بين التعبيرين لأن المشرع إذا تكلم عمن يشرع لهم أحكامهم كان الظاهر من كلامه أنه يلقي بذلك عليهم حكما من الأحكام. فإخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن عدم توريث الناس للكافر من أقاربهم لا يصح تفسيره بأنه إخبار فقط، بل يدل فوق هذا على أن الكافر لا يرث في شريعته. وتختلف عن ذلك العبارة التي نقلها الخليفة، لأن موضوع الحديث فيها هو الأنبياء لا جماعة ممن تشملهم تشريعات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأحكامه، فليس في الأمر ما يدل على حكم وراء الأخبار عن عدم توريثهم. 9 - وليس لك أن تعترض بأن الأنبياء كثيرا ما يحوزون على شئ مما ذكر في الحديث، فيلزم على ما ذكرت من التفسير أن يكون الحديث كاذبا، لأنك قد تتذكر أن الذي نفي عن الأنبياء هو التور يث خاصة، وهو ينطوي على معنى خاص، وأعني به إسناد الأرث إلى المورث. وهذا الأسناد بتوقف على أن يكون المورث قد سعى في سبيل الحصول على المال الذي تركه ميراثا بعده، كما يتوقف معنى المهذب على استعمال 
======== 
 (1) ورد الحديث بألفاظ وعبارات اخرى مفادها ما تقدم، فعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: لا يرث المسلم الكافر ولا الكفار المسلم، راجع سنن ابن ماجة 2: 164، صحيح سنن المصطفى / أبي داود 2: 19 - باب هل يرث المسلم الكافر.
 
وسائل التهذيب.  فإذا استطاع شخص أن يقرأ أفكار عالم من علماء الأخلاق، ويهذب نفسه على هدى تلك الأفكار، لم يصح تسمية ذلك العالم مهذبا، لأن إيجاد أي شئ سواء أكان تهذيبا أو توريثا أو تعليما أو نحو ذلك لا يستقيم إسناده إلى شخص إلا إذا كان للشخص عمل إيجابي، وتأثير ملحوظ في تحقق ذلك الشئ الموجود. والأنبياء وإن حازوا شيئا من العقارات والدور، ولكن ذلك لم يكن بسعي منهم وراء المال كما هو شأن الناس جميعا. ونقرر علاوة على هذا أن المقصود من الكلام ليس هو بيان أن الأنبياء لا يورثون ولا يتركون مالا، بل ما يدل عليه ذلك من مقامهم واميتازهم. وما دامت الجملة كذلك ولم يكن الهدف الحقيقي منها بيان معناها الحرفي، فلا يمنع حيازة الأنبياء لبعض تلك الأموال عن صواب التفسير الذي قدمناه، كما أن من كنى قديما عن الكريم بأنه كثير الرماد  (1) لم يكن كاذبا سواء أكان في بيت الكريم رماد، أو لا، لأنه لم يرد نعته بهذا الوصف حقا وإنما أشار به إلى كرمه، لان أظهر لوازم الكرم يومذاك كثرة المطابخ الموجبة لكثرة الرماد. وعدم التوريث من أوضح آثار الزهد والورع، فيجوز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أشار إلى ورع الأنبياء بقوله: إن الأنبياء لا يورثون. 10 - ولأجل أن نتبيم معنى القسم الثاني من صيغ الحديث يلزمنا أن نميز بين معان ثلاثة -: 
=========== 
 (1) الكناية عن الكريم بكثير الرماد، مما شاع على ألسنة البلغاء والشعراء. راجع: جواهر البلاغة / أحمد الهاشمي: 363. لاحظ بيت الخنساء المشهور في أخيها صخر: رفيع العماد طويل النجاد كثير الرماد...
 
 (الأول) أن تركة الميت لا تورث، ومعنى هذا إن ما كان يملكه إلى حين وفاته، وتر كه بعده لا ينتقل إلى آله بل يصبح صدقة حين موته. 
(الثاني) أن ما تصدق به الميت في حياته، أو أقفه على جهات معينة لا يورث بل يبقى صدقة ووقفا، والورثة إنما يورثون غير الصدقات من الأموال التي كان يملكها الميت إلى حين وفاته. 
(الثالث) أن الشخص ليس لديه أموال مملوكة له لتورث، وكل ما سوف يتكره من أموال إنما هو من الصدقات والأوقاف. ومتى عرفنا الفارق بين هذه المعاني يظهر أن صيغة الحديث ليست واضحة كل الوضوح ولا غنية عن البحث والتمحيص، بل في طاقتها التعبيرية إمكانيات التفسير بالمعاني الانفة الذكر جميعا، فإن النصف الثاني من الحديث وهو - ما تركناه صدقة - يجوز أن يكون مستقلا في كيانه المعنوي، مركبا من مبتدأ وخبر، ويمكن أن يكون تكملة لجملة لا نورث. ففي الحالة الاولى يقبل الحديث التفسير بالمعنى الأول والثالث من المعاني السابقة لأن جملة - ما تركناه صدقة - قد يراد بها أن التركة لا تنقل من ملك الميت إلى آله وإنما تصبح صدقة بعد موته، وقد يقصد بها بيان المعنى الثالث وهو أن جميع التركة صدقة ولم يكن يملك منها الميت شيئا ليورث كما إذا أشار الأ نشان إلى أمواله وقال: إن هذه الأموال ليست ملكا لي وإنما هي صدقات أتولاها. والحديث على تقدير أن تكون له وحدة معنو ية، يدل على المعنى الثاني، أي أن الصدقات التي تصدق بها الميت في حياته لا تورث دون سائر تركته، ويكون الموصول مفعولا لا مبتدأ. ويتضح من الصيغة على هذا التقدير نفس ما يفهم منها إذا انعكس الترتيب فيها وجاءت هكذا: - ما تركناه صدقة لا نورثه - فكما يؤتى بهذه الجملة لبيان أن الصدقات لا تور ث، لا أن كل أقسام التركة صدقة، كذلك يصح أن يقصد نفس ذلك المعنى من صيغة الحديث بترتيبها المأثور. فتكون دليلا على عدم انتقال الصدقات إلى الورثة على على عدم تشريع الأرث إطلاقا. وقد يكون من حق سيبويه علينا أن نشير إلى أن قواعد النحو ترفع كلمة صدقة على تقدير استقلال - ما تركناه صدقة - معنويا وتنصبها على التقدير الاخر. ومن الواضح أن الحركات الاعرابية لا تلحظ في التكلم عادة بالنسبة إلى الحرف الأخير من حروف الجملة للوقوف عليه المجوز لتسكينه. 11 - وإذن فقد وضعنا بين يدي الحديث عدة من المعاني في سبيل البحث عن مدلوله. وليس من الأسراف في القول أن نقرر أن تفسير الحديث بما يدل على أن أموال النبي صلى الله عليه وآله وسلم تكون صدقة بعد موته، لا يرجح على المعنيين الاخرين، بل قد نتبين لونا من الرجحان للمعنى الثاني - وهو أن المتروك صدقة لا يورث - دون سائر التركة إذا تأملنا ضمير الجمع في الحديث، وهو النون، وهضمنا دلالته كما يجب لأن استعماله في شصخه الكريم خاصة لا يصح إلا على سبيل المجاز، ثم هو بعد ذلك بعيد كل البعد عن تواضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله وفعله. فالظواهر تجمع على أن النون قد استعملت في جماعة، وإن الحكم الذي تقرره العبارة ثابت لها وليس مختصا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، والأوفق باصول التعبير أن تكون الجماعة جماعة المسلمين لا الأنبياء، لأن 73 الحديث مجرد عن قرينة تعين هؤلاء، ولم يسبق بعهد يدل عليهم. وليس لك أن تعترض بأن صيغة الحديث يجوز أنها كانت مقترنة حال صدورها من النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقرينة أو مسبوقة بعهد يدل على أن مراده من الضمير جماعة الأنبياء، لأن اللازم أن تعتبر عدم ذكر الخليفة لشئ من ذلك - مع أن الراوي لحديث لا بد له من نقل سائر ما يتصل به مما يصلح لتفسيره - دليلا على سقوط هذا الاعتراض. وأضف إلى هذا أن إغفال ذلك لم يكن من صالحه، وإذن فليكن الواقع اللفظي للحديث هو الواقع المأثور عن الخليفة بحدوده الخاصة بلا زيادة ولا نقيضة. والمفهوم من الضمير حينئذ جماعة المسلمين لحضورهم ذاتا عند صدور العبارة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وقد جرت عادة المتكلمين على أنهم إذا أوردوا جملة في مجتمع من الناس، وأ درجوا فيها ضمير المتكلم الموضوع للجماعة، أن يريدوا بالضمير الجماعة الحاضرة. فلو أن شخصا من العلماء اجتمع عنده جماعة من أصدقائه، وأخذ يحدثهم وهو يعبر بضمير المتكلم الموضوع للجمع بلا سبق ذكر العلماء، لفهم من الضمير أن المتكلم يعني بالجماعة نفسه مع أصدقائه الحاضرين لا معشر العلماء الذين يندرج فيهم، ولو أراد جماعة غير اولئك الحاضرين لم يكن مبينا بل ملغزا. وتعليقا على هذا التقدير ماذا تراه يكون هذا الحكم الذي أثبته الحديث للمسلمين - الذين قد عرفنا أن الضمير يدل عليهم - هل يجوز أن يكون عبارة عن عدم توريث المسلم لتركته ؟ أو أن الأموال التي عند كل مسلم ليست ملكا له وإنما هي من الصدقات ؟ كلا ! فإن هذا لا يتفق مع الضروري من تشريع الأسلام، لأن المسلم في عرف القرآن يملك بألوان متعددة من أسباب الملك عند الناس، ويورث ما يتركه من أموال (بعد وصية يوصي بها أو دين) (1). وأنت ترى معي الان
============= 
 (1) إشارة إلى قوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولاءبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلاءمه االثلث فإن كان له إخوة فلاءمه السدس من بعد وصية يوصي بها أو دين) النساء / 11.
 
 بوضوح أن الحكم ليس إلا أن الصدقة لا تورث، فإن هذا أمر عام لا يختص بصدقة دون صدقة بل يطرد في سائر صدقات المسلمين. ولا غرابة في بيان الحكم بعدم توريث الصدقات في صدر زمان التشريع مع وضوحه الان، لأن قواعد الشريعة وأحكامها لم تكن قد تقررت واشتهرت بين المسلمين فكان لاحتمال انفساخ الصدقات والأوقاف بموت المالك ورجوعها إلى الورثة متسع، ولا يضعضع قيمة هذا التفسير عدم ذكر الز هراء له واعتراضها به على الخليفة. أما أولا: فلأن الموقف الحرج الذي وقفته الزهرء في ساعتها الشديدة لم يكن ليتسع لمثل تلك المناقشات الدقيقة، حيث أن السلطة الحاكمة التي كانت تريد تنفيذ قراراتها بصورة حاسمة قد سيطرت على الموقف بصرامة وعزم لا يقبلان جدالا، ولذا نرى الخليفة لا يزيد في جواب استدلال خصمه بآيات ميراث الأنبياء على الدعوى الصارمة إذ يقول: (هكذا هو) - كما في طبقات ابن سعد * (1) - فلم يكن مصير هذه المناقشات لو قدر لها أن تساهم في ا لثورة بنصيب إلا الرد والفشل. وأما ثانيا: فلأن هذه المناقشات لم تكن تتصل بهدف الزهراء وغرضها الذي كان يتلخص في القضاء على جهاز الخلافة الجديدة كلها، فمن الطبيعي أن تقتصر على الأساليب التي هي أقرب إلى تحقيق ذلك الغرض، فتراها مثلا في خطابها الخالد خاطبت عقول
========= 
 (1) طبقات ابن سعد 2: 315، طبعة دار صادر، قول الخليفة الأول في الجواب: هكذا هو.
 
 الناس وقلوبهم معا، ولكنها لم تتجاوز في احتجاجها الوجوه البديهية التي كان من القريب أن يستنكر اغضاء الخليفة عنها كل أحد، ويجر ذلك الاستنكار إلى معارضة حامية. فقد نفت وجود سند لحكم الخليفة من الكتاب الكريم، ثم ذكرت ما يخالفه من الايات العامة المشرعة للتوارث بين سائر المسلمين (1)، والايات الخاصة الدالة على توريث بعض الأنبياء كيحيى وداود عليهما السلام، ثم عرضت المسألة على وجه آخر وهو: إن ما حكم به الخليفة لو كان حقا للزم أن يكون أعلم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووصيه، لأنهما لم يخبراها بالخبر مع أنهما لو كانا على علم به لأخبر اها به، ومن الواضح أن الصديق لا يمكن أن يكون أعلم بحكم التركة النبوية من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو علي الذي ثبتت وصايته (2) لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذلك في قولها: (يا ابن أبي قحافة أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي ؟ لقد جئت شيئا فريا ! أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم ؟ إذ يقول: (وورث سليمان داود) (3) وقال فيما اقتص من خبر يحيى 
=========== 
 (1) من الواضحات العلمية أخيرا: أن الخبر الواحد المعتبر يصلح لتخصيص الكتاب، لأنه حاكم أو وارد كما هو الصحيح على أصالة العموم وأصالة الأطلاق. وإنما احتجت الزهراء بالايات العامة، لأنها لم تكن تعترف بوثاقة الصديق وعدالته. (الشهيد) 
(2) وصاية الأمام علي عليه السلام ثابتة على كل حال: أما عند الأمامية، فعليها الأجماع، وعلى أنها بالمعنى الأعم أي الخلافة أيضا، وأما عند غيرهم فثابتة ولكن بالمعنى الأخص. راجع حديث الدار ا لمشهور تاريخ الطبري 2 وقد تقدم، مسألة الوصية والاستدلال عليها تفصيلا، المراجعات / العلامة عبد الحسين شرف ا لدين: 236. 
(3) النمل / 16.
 
بن زكريا: (فهب لي من لدنك وليا * يرئني ويرث من آل يعقوب) (1) وقال: (وأ ولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) (2) أفخصكم الله بآية أخرج منها أبي ؟ أم هل تقولون: أهل ملتين لا يتوارثان ؟ ! أو لست أنا وأبي من أهل ملة واحدة ؟ أن أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي (3) ؟ !). وكانت أبرز الناحيتين في ثورتها الناحية العاطفية. وليس من العجيب أن تصرف الزهراء أكثر جهودها في كسب معركة القلب، فإنه السلطان الأول على النفس، والمهد الطبيعي الذي تترعرع فيه ر وح الثورة. قد نجحت الحوراء في تلوين صورة فنية رائعة تهز المشاعر، وتكهرب العواطف، وتهيمن على القلوب، كانت هي أفضل سلاح تتسلح به امرأة في ظروف كظروف الزهراء. ولأجل أن نستمتع بالجمال الفني في تلك الصورة الملونة بأروع الألوان، لا بأس بأ ن نستمع إلى الصديقة حين خاطبت الأنصار بقولها: (يا معشر البقية، وأعضاد الملة، وحضنة الأسلام، ما هذه الفترة عن نصرتي ؟ والونية عن معونتي ؟ والغمزة في حقي ؟ والسنة عن ظلامتي ؟ أما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (المرء يحفظ في ولده) (4) ؟ ! سرعان ما أحدثتم،
============ 
 (1) مريم / 5 و 6. 
(2) الأنفال / 75. 
(3) نقلنا هذه القطعة على وجه الاختصار (الشهيد)، إن اختصاص الأمام علي عليه السلام بفقه القرآن، ومعرفة عامه وخاصه ومحكمه ومتشابهه وظاهره وباطنه مما تضافر على نقله الخاص والعام. را جع: الأتقان / السيوطي 4: 233، طبقات ابن سعد 2: 338، الصواعق المحرقة / ابن حجر: 127 وغيرها. 75 
(4) وردت روايات بمعناه كثيرة راجع: الصواعق المحرقة: 173.
 
وعجلان ما أتيتم، ألأن مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمتم دينه ؟ ! ها إن موته لعمري خطب جليل، استوسع وهنه، واستبهم فتقه، وفقد راتقه، وأظلمت الأرض له، خشعت الجبا ل، وأكدت الامال. اضيع بعده الحريم، وهتكت الحرمة، واذيلت المصونة، وتلك نازلة أعلن بها كتاب الله قبل موته، وأنبأكم بها قيل وفاته، فقال: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين) (1) إيها بني قيلة ! هتضم تراث أبي وأنتم بمرأى ومسمع تبلغكم الدعوة، ويشملكم الصوت، وفيكم العدة والعدد، ولكم الدار والجنن، وأنتم نخبة الله التي انتخب وخيرته التي اختار... الخ) (2). وإذن فلم تكن المناقشات في تفسير الحديث وتأويله مما تهضمها السلطات الحاكمة، ولا هي على علاقة بالغرض الرئيسي للثائرة من ثورتها. وهذا يفسر لنا عدم تعرضها للنحلة في خطابها أيضا. (موقف الخليفة من مسألة الميراث) 1 - يجب الان توضيح موقف الخليفة تجاه الزهراء في مسألة الميراث وتحديد رأيه فيها - بعد أن أوضحنا حظ الصيغ السابقة من وضوح المعنى وخفائه - وهو موقف لا يخلو من تعقيد إذا تعمقنا 
=============  
 (1) آل عمران / 144. 
(2) خطبة الزهراء / شرح النهج 16: 212 - 213.
 
شيئا ما في درس المستندات التاريخية للقضية. ومع أن المستندات كثيرة فإنها مسألة محيرة أن نعرف ماذا عسى أن تكون النقطة التي اختلف فيها التنازعان، ومن الصعوبة توحيد هذه النقطة. والناس يرون أن مثار الخلاف بين أبي بكر والزهراء هو مسألة توريث الأنبياء، فكانت الصديقة تدعي توريثهم، والخليفة ينكر ذلك. وتقدير الموقف على هذا الشكل لا يحل السمألة حلا نهائيا ولا يفسر عدة امور: (الأول) قول الخليفة لفاطمة في محاورة له معها - وقد طالبته بفدك -: إن هذا المال لم يكن للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وإنما كان مالا من أموال المسلمين يحمل النبي به الرجال وينفقه في سبيل الله، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليته كما كان يليه (1). فإن هذا الكلام يدل بوضوح على أنه كان يناقش في أمر آخر غير توريث الأنبياء. (الثاني) قوله لفاطمة في محاورة اخرى: (أبوك والله خير مني وأنت والله خير من بناتي وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا نورث ما تركناه صدقة (2). يعني هذه الأموال القائمة، وهذه الجملة التفسيرية التي ألحقها الخليفة بالحديث تحتاج إلى عناية، فإنها تفيدنا أن الخليفة كان يرى أن الحكم الذي تدل عليه عبارة الحديث مختص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وليس ثابتا لتركة سائر الأنبياء ولا لتركة سا ئر المسلمين جميعا، فحدد التركة التي لا تورث بالأموال القائمة، وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يعنيها هي بالحديث. وعلى 
============= 
 (1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 214. 
(2) المصدر السابق.
 
هذا التحديد نفهم أن المفهوم للخليفة من الحديث ليس هو عدم توريث الصدقات، لأن هذ ا الحكم عام، ولا اختصاص له بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلا يجوز أن يحدد موضوعه بالأموال القائمة بل كان اللازم حينئذ أن يأتي الخليفة بجملة تطبيقية بأن يقول: إن الأموال القائمة مما ينطبق عليها الحديث. كما يتضح لدينا أن الخليفة لم يكن يفسر الحديث بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تورث تركته وأملاكه التي يخلفها، بل تصبح صدقة بعد موته، لأنه لو كان يذهب هذا المذهب في فهم الحديث لجاء التفسير في كلامه على اسلوب آخر، لأن المقصود من موضوع الحديث حينئذ تركة النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الأطلاق ولا يعني الأموال القائمة التي كانت تطالب بها الزهراء خاصة. وأعني بذلك أن هذه الأموال الخاصة لو كانت قد خرجت عن ملك النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل وفاته، لم يكن الحكم بعدم التوريث ثابتا لها كما أن غيرها من الأحوال لو حصل (للنبي) لما ورثها آله أيضا. فعدم توريث التركة النبوية إن ثبت فهو امتياز لكل ما يخلفه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أملال سواء أكانت هذه التي خلفها أو غيرها. ولا يصح أن يقال: إنه عنى بالتركة الأموال القائمة التي كانت تطالب بها الزهراء. ونظير ذلك قولك لصاحبك: أكرم كل من يزورك الليلة، ثم يزوره شخصان فإنك لم تعن بكلامك هذين الشخصين خاصة، وإنما انطبق عليهما الأمر دون غير هما على سبيل الصدفة. وعلى اسلوب أوضح، إن تفسير التركة التي لا تورث بأموال معينة - وهي الأموال القائمة - يقضي بأن الحكم المدلول عليه بالحديث مختص - عند المفسر - بهذه الأموال المحدودة. ولا ريب أن تركة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لو كانت لا تورث لما اختص الحكم بالأموال المعينة المتروكة بالفعل، بل لثبت لكل يتركه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإن لم يكن من تلك الأموال. وأيضا فمن حق البحث أن أتساءل عن فائدة الجملة التفسيرية، والغرض المقصود من ورا ئها فيما إذا كان الحكم المفهوم للخليفة من الحديث أن أملاك النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تورث، فهل كان صدق التركة على الأموال القائمة مشكوكا، فأراد أن يرفع الشك لينطبق عليها الحديث، ويثبت لها الحكم بعدم التور يث ؟ وإذا صح هذا التقدير فالشك المذكور في صالح الخليفة لأن المال إذا لم يتضح أنه من تركة الميت لا ينتقل إلى ا لورثة، فلا يجوز أن يكون الخليفة قد حاول رفع هذا الشك، ولا يمكن أن يكون قد قصد بهذا التطبيق منع الزهراء من المناقشة في انطباق الحديث على ما تطالب به من أموال، لأنها ما دامت قد طالبت بالأموال القائمة على وجه الأرث فهي تعترف بأنها من تركة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ولنفترض أن الأموال القائمة قسم من التركة النبوية وليس المقصود منها مخلفات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جميعا - ولعلها عبارة عن الأموال والعقارا ت الثابتة نحو فدك - فهل يجوز لنا تقدير أن غرض الخليفة من الجملة تخصيص الأموال التي لا تورث بها ؟ لا أظن ذلك، لأن أملاك النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تختلف في التوريث وعدمه. ونخرج من هذه التأملات بنتيجة وهي أن ا لمفهوم من الحديث للخليفة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبر عن عدم تملكه للأموال القائمة، وأشار إليها بوصف التركة فقال: (ما تركناه صدقة)، فشأنه شأن من يجمع ورثته ثم يقول لهم: إن كل تركتي صدقة، يحاول بذلك أن يخبرهم بأنها ليست ملكا له ليرثوها بعده لأن ذلك هو المعنى الذي يمكن أن يختص بالأموال القائمة ويحدد موضوعه بها. 
 
 (الثالث) جواب الخليفة لرسول أرسلته فاطمة ليطالب بما كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر، إذ قال له: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا نورث ما تركناه صدقة إنما يأكل آل محمد من هذا المال، وإني والله لا أغير شيئا من صدقات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (1). فإننا إذا افترضنا أن معنى الحديث في رأي الخليفة عدم توريث النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأملاكه، كان كلامه متناقضا، لأن استدلاله بالحديث في صدر كلامه يدل حينئذ على أنه يعترف بأن ما تطالب به الزهراء هو من تركة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأملاكه التي مات عنها - ليصح انطباق الحديث عليه - والجملة الأخيرة من كلامه وهي قوله: (وإني والله لا اغير شيئا من صدقات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)، تعاكس هذا المعنى، لأن ما طلبت الزهراء تغييره عن أيام النبي صلى الله عليه وآ له وسلم - بزعم الخليفة - هو فدك وعقاراته في المدينة، وما بقي من خمس خيبر. فأبوبكر حين يقول: إني والله لا اغير شيئا من صدقات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يعني بها تلك الأموال التي طالبت بها الزهراء، ورأى معنى مطالبتها بها تغييرها عن حالها السابقة، ومعنى تسميته لها بصدقات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن من رأيه أنها ليست ملكا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بل صدقاته التي كان يتولاها في حياته. ويوضح لنا هذا أن استدلاله بالحديث في صدر كلامه لم يكن لأثبات أن أملاك النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تورث وإنما أراد بذلك توضيح أن الأموال القائمة ليست من أملاك النبي، لأنه صلى الله عليه وآله وسلم ذكر أنها صدقة. 2 - ونستطيع أن نتبين من بعض روايات الموضوع أن الخليفة ناقش في توريث الأنبياء 
========== 
 (1) شرح النهج 16: 218.
 
لأملاكهم ولم يقصر النزاع على الناحية السابقة، فإن الرواية ا لتي تحدثنا بخطبة الزهراء واستدلال أبي بكر بما رواه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حديث: (إنا معاشر الأنبياء لا نورث... الخ) واعتراض الزهراء عيله بالايات العامة المشرعة للميراث والايات الخاصة الدالة على توريث بعض الأنبياء تكشف عن جانب جديد من المنازعة إذ ينكر أبو بكر توريث النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأمواله، ويستند إلى الحديث في ذلك، ويلح في الأنكار كما تلح فاطمة في مناقشته (1) والتشبت بوجهة نظرها في المسأ لة. 3 - وإذن فللخليفة حديثان: (الأول) لا نورث ما تركناه صدقة (2). (والثاني) إنا معاشر الأنبياء لا نورث ذهبا ولا فضة (3). وقد ادعى أمرين: أحدهما: إن فدك صدقة فلا تورث. والاخر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تورث أملاكه. واستدل بالحديث الأو ل على أن فدك صدقة وبالحديث الثاني على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يورث. (نتائج المناقشة) 1 - قد لا يكون من العسير تصفية الحساب مع الخليفة بعد أن اتضح موقفه، وتقررت 
========== 
 (1) المصدر السابق 16: 211. 
(2) المصدر نفسه 16: 218، وراجع سنن البيهقي 6: 300 - 301. 
(3) شرح النهج 16: 252.
 
الملاحظات التي لا حظناها في الحديثين اللذين رواهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وتتلخص المؤاخذة التي آخذناه بها حتى الان في عدة امور نشير إليها لنجمع نتائج ما سبق: (الأول) أن الخليفة لم يصدق روايته في بعض الأحايين كما المعنا في مستهل هذا الفصل... (الثاني) أن من الأسراف في الاحتمال أن نجوز إسرار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الخليفة بحكم تركته 78 وإخفاءه عن بضعته وسائر ورثته. وكيف اختص بالخليفة دون غيره بمعرفة الحكم المذكور ؟ (1) مع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن من عادته الاجتماع بأبي بكر وحده إلا بأن يكون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اخبره بالخبر في خلوة متعمدة ليبقى الأمر مجهولا لدى ورثته وبضعته ويضيف بذلك إلى آلامها من ورائه محنة جديدة. (الثالث) أن عليا هو وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلا ريب، للحديث الدال على ذلك الذي ارتفع به رواته إلى درجة التواتر واليقين حتى شاع في شعر أكابر الصحابة فضلا عن رواياتهم كعبد الله بن عباس وخزيمة بن ثابت الأنصاري وحجر بن عدي وأبي الهيثم بن التيهان وعبد الله بن أبي سفيان بن الحرث بن عبد المطلب وحسان بن ثابت وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (2). وإذن فالوصاية من الأوسمة الأسلامية الرفيعة التي اختص بها 
============= 
 (1) حتى قالت عائشة في كلام لها: واختلفوا في ميراثه فما وجدنا عند أحد في ذلك علما، فقال أبو بكر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إنا معاشر الأنبياء لا نورث... إلخ. راجع الصواعق المحرقة / ابن حجر: 34. (الشهيد) تاريخ الخلفاء / السيوطي: 73. 
(2) راجع شرح النهج 1: 47 - 48 و 3: 15 من الطبعة المصرية غير المحققة.
 
 الأمام بلا ريب (1). وقد اختلف شيعة علي وشيعة أبي بكر في معنى هذه الوصاية فذهب السابقون الأولون إلى أنها بمعنى النص عليه بالخلافة، وتأولها الاخرون فقالوا: إن عليا وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على علمه أو شريعته أو مختصاته. ولا نريد الان الاعتراض على هؤلاء أو تأييد اولئك، وإنما نتكلم على الحد يث بمقدار ما يتطلبه اتصاله بموضوع هذا البحث ونقرر النتيجة التي يقضي بها على كل من تلك التفاسير. فنفترض أولا: إن الوصاية بمعنى الخلافة، ثم نتبين الصديق على هدى الحديث. فإنا سوف نراه شخصا سارقا لأنفس المعنويات الأسلامية، ومتصرفا في مقدرات الامة بلا سلطان شرعي. ولا مجال لهذا الشخص حينئذ أن يحكم بين الناس، ولا يسعنا أن نؤمن له بحديث. ولنترك هذا التفسير ما دام شديد القسوة على صاحبنا ونقول: إن عليا وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على علمه وشريعته، فهل يسعنا مع الاعتراف بهذه الوصاية المقدسة أن نؤمن بحديث ينكره الوصي ؟ ! وما دام هو العين الساهرة على شريعة السماء (2)، فلا بد أن يؤخذ رأيه في كل مسألة نصا لا مناقشة فيه، لأنه أدرى بما أوصاه به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وائتمنه 
=========== 
 (1) قال ابن أبي الحديد في شرح النهج 1: 46: فلا ريب عندنا أن عليا عليه السلام كان وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإن خالف من ذلك من هو منسوب عندنا إلى العناد. (الشهيد) 
(2) راجع قول النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: (علي مع القرآن والقرآن مع علي لا يفترقان حتى يردا علي الحوض) - المعجم الصغير / الطبراني وإنه صلى الله عليه وآله وسلم اختصه من بين أصحابه وأهل بيته بأن عهد إليه سبعين عهدا لم يعهد لأحد غيره، أنه مع الحق والحق معه، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (علي مني وأنا ولا يؤدي عني إلا هو...). راجع في كل ذلك الصواعق المحرقة / ابن حجر: 122 وما بعدها، مختصر تاريخ ابن عساكر 17: 256 وما بعدها.
 
عليه. وخذ إليك بعد ذلك الاسلوب الثالث، فإنه ينتهي إلى النتيجة السابقة عينها لأن عليا إذا كان وصيا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على تركته ومختصاته، فلا معنى لسطو الخليفة على التركة النبوية ووصي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليها موجود وهو أعرف بحكمها ومصيرها الشرعي. (الرابع) أن تأميم التركة النبوية من أوليات الخليفة في التاريخ، ولم يؤثر في تواريخ الامم السابقة ذلك، ولو كان قاعدة متبعة قد جرى عليها الخلفاء بالنسبة إلى تركة سائر الأنبياء لاشتهر الأمر، وعرفته امم الأنبياء جميعا. كما أن إنكار الخليفة لملكية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لفدك - كما تدل عليه بعض المحاورات السابقة - كان فيه من التسرع شئ كثير، لأن فددك مما لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، بل استسلم أهلها خوفا ورعبا باتفاق أعلام المؤرخين 
 (1) من السنة والشيعة. وكل أرض يستسلم أهلها على هذا الاسلوب فهي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم خالصة (2). وقد أشار الله تعالى في الكتاب الكريم إلى أن فدك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: (وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب) (3). ولم يثبت تصدق النبي بها ووقفه لها. (الخامس) إن الحديثين اللذين استدل بهما في الموضوع لا يقوم منهما دليل على ما أراد، وقد خرجنا من دراستهما قريبا
=========== 
 (1) راجع: فتوح البلدان / البلاذري: 46، تاريخ ابن الأثير 2: 231 دار صادر، شرح نهج البلاغة 4: 78، سيرة ابن هشام 2: 368، دار إحياء التراث العربي - بيروت / 1985. (الشهيد) 
(2) راجع تفسير الكشاف / الزمخشري 4: 502. 
(3) الحشر / 6.
 
 بمعنى لكل منهما لا يتصل بمذهب ا لخليفة عن قرب أو بعد. وإن أبيت فلتكن المعاني الانفة الذكر متكافئة، ولتكن العبارة ذات تقادير متساوية، ولا يجوز حينئذ ترجيح معنى لها والاستدلال بها عليه. 2 - هذه هي الاعتراضات التي انتهينا إليها أنفا. ونضيف إليها الان اعتراضا سادسا بعد أن نفترض أن جملة (إنا معاشر الأنبياء لو نورث) أقرب إلى نفي الحكم بالميراث منها إلى نفي التركة الموروثة، ونقدر لجملة: (لا نورث ما تركناه صدقة) من المعنى ما ينفع الخليفة، ونلغي تفسيرها بأن الصدقة المتروكة لا تورث، ثم ندرس المسألة على ضوء هذه التقادير. وهذا الاعتراض الجديد هو أن اللازم - في العرف العلمي - متى صحت هذه الفروض تأويل الخبر، ولم يجز الركون إلى أوضح معانيه، لأنه يقرر حينئذ عدم توريث سائر الأنبياء لتركاتهم، لما جاء في بعضها من التصريح بالتعميم نحو إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ولما يدل عليه بالنون في قوله: لا نورث ما تركناه صدقة، من تعليق الحكم على جماعة. وحيث يتضح أن الحكم في الحديث عدم توريث التركة، يتجلى أن المراد بالجماعة جماعة الأ نبياء، إذ لا توجد جماعة اخرى نحتمل عدم انتقال تركاتها إلى الورثة. وقد دل صريح القرآن الكريم على توريث بعض الأنبياء، إذ قال الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم مخبرا عن زكريا عليه السلام: (وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا * يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا) (1). والأرث في الاية بمعنى إرث المال، لأنه هو الذي ينتقل حقيقة من الموروث
 إلى الوارث، وأما العلم والنبوة فلا ينتقلان انتقالا حقيقيا (2)، وامتناع انتقال العلم على نظرية اتحاد العاقل والمعقول (3) واضح كل الوضوح. وأما إذا اعترفنا بالمغايرة الوجودية بينهما، فلا ريب في تجرد الصور العلمية (4) وأنها قائمة بالنفس قياما صدوريا (5)، بمعنى أنها معلولة للنفس والمعلول الواحد بحسب الذات
========= 
(1) مريم / 6. 
(2) شرح النهج 16: 241. 
(3) وتقوم الفكرة في هذه النظرية على أن الصور المعقولة - وهي عبارة عن وجود مجرد عن المادة - لا قوام لها إلا 80 بكونها معقولة. فالمعقولية نفس هويتها، وتجريدها عن العاقل تجريد لها عن نحو وجودها الخاص. وهذا آية الوحدة الوجودية. وإذن فتدرج النفس في مراتب العلم هو تدرجها في أطوار الوجود، وكلما صار الوجود النفسي مصداقا فالمفهوم عقلي جديد زاد في تكامله الجوهري وأصبح من طراز أرفع، ولا مانع مطلقاا من اتحاد مفاهيم متعددة في الوجود كما يتحد الجنس والفصل، وليس ذلك كالوحدة الوجودية لوجودين أو الوحدة المفهومية لمفهومين، فإن هاتين الوحدتين مستحيلتان في حساب العقل دون ذاك الاتحاد. والتوسع لا مجال له. (الشهيد) 
(4) فإن الحق جميع مراتب العلم والصور المدركة، ولكن على تفاوت في مراتب التجريد، فإن المدرك بالذات لا يمكن أن يكون أن يكون نفس الشئ بهويته المادية، فحتى المدرك بحاسة البصر له نحو من التجرد وليس في نورية خروج الشعاع أو الانطباع. وما ثبت حول الرؤية في علم المرايا أو بحوث الفيزياء ما يفسر الأدراك البصري تفسيرا فلسفيا، فلا بد من الاعتراف بتجرده فضلا عن الخيال والعقل. وقد أوضحنا هذا المذهب في كتابنا العقيدة الألهية في الأسلام. (الشهيد) 
(5) لا قياما حلوليا بمعنى كونها أعراضا لها، وإنما ذهب هذا المذهب بعض الفلاسفة لحل المشكلة التي اعترضت الباحثين عندما أردوا أن يوفقوا بين أدلة الوجود الذهني وبين ما اشتهر من كون العلم كيفا، وهي أن الصورة المعقولة إذا كانت كيفا فما نتعقله من الأنسان ليس جوهرا لأنه كيف وليس إنسانا إذن لأن كل إنسان جوهر وإنما هو مثال. ولما أفلست جميع الحلول التي وضعت لحل الشبهة من إنكار الوجود الذهني وتقرير مذهب المثالية، واختيار التعدد وكون العلم عرضا والمعلوم جوهرا وتفسير الجوهر بأنه الموجود المستقل خارجا لا ذهنا، والانقلاب: اضطر الباحثون المتأخرون إلى تقرير أن الصورة المعقولة من الجوهر جوهر لا كيف، غير أن الفيلسوف الأسلامي الكبير صدر الدين الشيرازي اختار في الأسفار أنها جوهر بحسب ماهيتها وكيف بالعرض. ويمكن الاعتر اض عليه بأن كل ما بالعرض لا بد أن ينتهى إلى ما بالذات وإذن فلا بد أن نفترض كيفا حقيقيا متحدا مع الصورة لتكو ن كيفا بالعرض. وتنتهي النظرية حينئذ بصاحبها إلى أحد أمرين أما الالتزام بتعدد ما في النفس أو الاصطدام بالمشكلة الاولى نفسها ولذا كان الأفضل تقرير ان الصورة المدركة من الأنسان مثلا جوهر وليست بعرض إطلاقا، وارتباطها با لنفس ارتباط المعلول بالعلة لا العرض بموضوعه. (الشهيد)
 
 - لا بمجرد الاتصال فقط - متقوم بعلته ومرتبط الهوية بها، فيستحيل انتقاله إلى علة اخرى. ولو افترضنا أن الصور المدركة أعراض وكيفيات قائمة بالمدرك قياما حلوليا، فيستحيل انتقالها لاستحالة انتقال العرض من موضوع إلى موضوع كما برهن عليه في الفلسفة سواء أقلنا بتجردها أو بماديتها بأن اعترافنا باشتمال الصور المدركة على الخصائص العامة للمادة من قابلية الانقسام ونحوها. وإذن فالعلم يستحيل انتقاله في حكم المذاهب الفلسفية الدائرة حول الصور العلمية جميعا. وإذا لاحظنا النبوة وجدنا أنها هي الاخرى أيضا مما لا يجوز في عرف العقل انتقالها سواء أذهبنا في تفسيرها مذهب بعض الفلاسفة وقلنا أنها مرتبة من مراتب الكمال النفسي، ودرجة من درجات الوجو د الأنساني الفاضل الذي ترتفع إليه المهية الأنسانية في ارتقاءاتها الجوهرية وتصاعداتها نحو الكمال المطلق، أو أخذنا بالمعنى المفهوم للناس من الكلمة واعتبرنا النبوة منصبا إلهيا مجعولا لا كمنصب الملك والوزير، ويكون ذلك التكامل النفسي شرطا له، فالمفهوم الأول يمتنع انتقاله بالضرورة لأنه نفس وجود النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكمالاته الذاتية، والنبوة بالمعنى الاخر يستحيل انتقالها أيضا لأنها حينئذ أمر اعتباري متشخص الأطراف ولا يعقل تبدل طرف من أطرافه إلا بتبدل نفسه وانقلابه إلى فرد آخر. فنبوة زكريا مثلا هي هذه التي اختص بها زكريا ولن يعقل ثبوتها لشخص آخر لأنها لا تكون حينئذ تلك النبوة الثابتة لزكريا بل منصبا جديدا أو مقاما نبويا حادثا. والنظر الأولي في المسألة يقضي بامتناع انتقال العلم والنبوة من دون حاجة إلى هذا التعمق والتوسع. وإذن فالنتيجة التي يقررها العقل في شوطه الفكري القصير الذي لا يعسر على الخليفة مسايرته فيه هي أن المال وحده الذي ينتقلت دون العلم والنبوة. 3 - وقد يعترض على تفسير الأرث في كلام زكريا بإرث المال بأن يحيى عليه السلام لم يرث مال أبيه لاستشهاده في حياته فيلزم تفسير الكلمة بإرث النبوة، لأن يحيى قد حصل عليها ويكون دعاء النبي حينئذ قد استجيب. ولكن هذا الاعتراض لا يختص بتفسير دون تفسير، لأن يحيى عليه السلام كما أنه لم يرث مال أبيه كذلك لم يخلفه في نبوته. وما ثبت له من النبوة لم يكن وراثيا وليس هو مطلوب زكريا وإنما سأل زكريا ربه وا رثا يرثه بعد موته ولذا قال: (وإني خفت الموالي من ورائي) (1) أي بعد موتي، فإن كلامه يدل بوضوح على أنه أراد وارثا يخلفه ولم يرد نبيا يعاصره، وإلا لكان خوفه من الموالي بعد وفاته باقيا. فلا بد - على كل تقدير - أن نوضح الاية على اسلوب يسلم عن الاعتراض، وهو أن تكون جملة (يرثني ويرث من آل يعقوب)، جوابا للدعاء بمعنى إن رزقتني ولدا
============ 
 (1) مريم / 6، وراجع تفسير الكشاف 3: 4، طبعة دار الكتاب العربي - بيروت.
 
 يرث، لا صفة ليكون زكريا قد سأل ربه وليا وارثا. فما طلبه النبي من ربه تحقق وهو الولد وتوريثه المال أو النبوة لم يكن داخلا في جملة ما سأل ربه وإنما كان لازما لما رجاه في معتقد زكريا عليه السلام. ويختلف تقدير العبارة صفة عن تقديرها جوابا من النواحي اللفظية في الاعراب، لأن الفعل إذا كان صفة فهو مرفوع، وإذا كان جوابا يتعين جزمه. وقد ورد في قراءته (1) كلا الوجهين. وإذا لا حظنا قصة زكريا في موضعها القرآني الاخر وجدنا أنه لم يسأل ربه إلا ذرية طيبة، فقد قال تبارك وتعالى في سورة آل عمران: (هنالك دعا زكريا ربه قال رب هبب لي من لدنك ذرية طيبة) (2). وأفضل الأساليب في فهم القرآن ما كان منه مركزا على القرآن (3) نفسه، وعلى هذا فنفهم من هذه الاية أن زكريا كان مقتصدا في دعائه ولم يطلب من ربه إلا ذرية طيبة، وقد جمع القرآن الكريم دعاء زكريا في جملة واحدة تارة وجعل لكل من الذرية ووصفها دعوة مستقلة في موضع آخر فكانت جملة هب لي من لدنك وليا طلبا للذرية، وجملة واجعله ربي رضيا دعوة بأن تكون الذرية طيبة. وإذا جمعنا هاتين الجملتين أدت نفس المعنى الذي تفيده عبارة هب لي من لدنك ذرية طيبة وتخرج كلمة
============ 
 (1) راجع: املاء ما من به الرحمن من وجوه الاعتراب والقراءات / أبي البقاء العكبري، مطبعة مصطفى البابي الحلبي - القاهرة / 1969، تفسير مجمع البيان / الطبرسي 6: 647. الكشاف / الزمخشري 3: 5. 
(2) آل عمران / 38. 
(3) راجع الأتقان / السيوطي 4: 200، مقدمة في اصول التفسير / ابن تيمية.
 
 (يرثني) بعد عملية المطابقة ابقة بين الصيغتين القرآنيتين عن حدود الدعاء، ولا بد حينئذ أن تكون جوابا له. 4 - وعلى ذلك يتضح أن كلمة الأرث في الاية الكريمة قد اعطيت حقها من الاستعمال واريد بها إرث النبوة، لأن الشئ إنما يصح أن يقع جوابا للدعاء فيما إذا كان ملازما للمطلوب ومتحققا عند وجوده دائما أو في أكثر الأحايين. ووراثة النبوة ليست ملازمة لوجود الذرية إطلاقا، بل قد لا تتفق في مئات الملايين من الأشخاص لما يلزم في هذا المقام من كفاءة فذة وكمال عظيم، فلا يجوز أن توضع النبوة بجلالها الفريد جوابا لسؤال الله تعالى ذرية طيبة، لأن النسبة بين الذرية الأنسانية وبين الجديرين بتحمل أعباء الرسالة السماوية هي النسبة بين الاحاد والملايين. وأما وراثة المال فيمكن أن تكون جوابا لدعاء زكريا عليه السلام لأن الولد يبقى بعد أبيه عليه الأكثر فوراثته للمال مما يترتب على وجوده غالبا، وأضف إلى ذلك أن زكريا نفسه لم يكن يرى النبوة ملازمة لذريته بل ولا ما دونها من المراتب الروحية، ولذا سأل ربه بد ذلك بأن يجعل ولده رضيا. 5 - ولنترك هذا لندرس كلمة الأرث في الاية على ضوء تقدير الفعل صفة لا جوابا للد عاء. وفي رأيي أن هذا التقدير لا يضطرنا إلى الخروج بنتيجة جديدة، بل الأرث في كلمة (يرثني) هو إرث المال في ا لحاالين معا بلا ريب. والذي يعين هذا المعنى للكلمة على التقدير الجديد أمران: 
(الأول) أن زكريا عليه السلام لو كان قد طلب من ربه ولدا وارثا لنبوته لما طلب بعد ذلك أن يكون رضيا، لأنه دخل في دعوته الاولى ما هو أرفع من الرضا. 
(الثاني) أن إغفال الأرث بالمرة في قصة زكريا الواردة في سورة آل عمران إن لم يد ل على أن الأرث خارج عن حدود الدعاء، فهو في الأقل يوضح أن معنى الأرث في الموضع القرآني الاخر للقصة إرث المال لا إرث النبوة، لأن زكريا لو كان قد سأل ربه أمرين: أحدهما أن يكون ولده طيبا رضيا، والاخر أن يرث نبوته، لما اقتصر القرآن الكريم على ذلك الوصف الأول الذي طلبه زكريا عليه السلام فإنه ليس شيئا مذكورا بالأضافة إلى النبوة. ولكي تتفق معي على هذا لاحظ نفسك فيما إذا سألك سائل بستانا ودرهما فأعطيته الأمرين معا. ثم أردت أن تنقل القصة وتخص الدرهم بالذكر، لا أراك تفعل ذلك إلا إذا كنت كثير التواضع. ورجحان البستان على الدراهم في حساب القيم الما دية هو دون امتياز النبوة على طيب الذرية في موازين المعنويات الروحية. وإذن فقصة زكريا التي جاءت في سورة آل عمران، ولم يذكر فيها عن الأرث كثير أو قليل، دليل على أن الأرث المذكور في الصورة الاخرى للقصة بمعنى إرث المال لا إ رث النبوة، وإلا لكان من أبرز عناصر القصة التي لا يمكن إغفالها. 
(السادس) ولاحظ بعض الباحثين (1) في الاية الكريمة نقطتين تفسران الأرث فيها بإرث النبوة: 
(الاولى) قول زكريا عاطفا على كلمة (يرثني): - (ويرث من آل يعقوب) - فإن يحيى لا يرث أموال آل يعقوب، وإنما يرث منهم النبوة والحكمة.
========== 
 (1) راجع الملاحظة والأيراد والمناقشة في شرح النهج / ابن أبي الحديد 16: 239.
 
(الثانية) ما قدمه النبي تمهيدا لدعائه من قوله: وإني خفت الموالي من روائي، حيث أن خوفه إنما كان سبب الأشفاق على معالم الدين، والرغبة في بقائها باستمرار النبوة، لأن هذا هو اللائق بمقام الأنبياء دون الحرص على الأموال، والخوف من وصولها إلى بعض الورثة. واعترض أصحابنا على النقطة الاولى، بأن زكريا عليه السلام لم يسأل ربه أن يرث ولده أموال آل يعقوب جميعا، وإنما أراد أن يرث منها، فلا يكون دليلا على التفسير المزعوم. وأما النقطة الثانية فهي من القرائن على التفسير الذي اخترناه، لأن الخوف على ا لدين والعلم من أبناء العم لا معنى له، لأن اللطف الألهي لا يترك الناس سدى بلا حجة بالغة. فمعالم الدين، وكلمة السماء محفوظة بالرعاية الألهية، والنبوة مخوصة أبدا بالأقلين من نوابغ البشر لا يخشى عليها من السطو والنهب. وإذ ن فماذا كان يحسب زكريا ربه صانعا 83 لو لم يمن عليه بيحيى ؟ أكان يحتمل أن يكلف برسالته مواليه ؟ أعني بني عمومته مع عدم كفاءتهم للقيام بواجب الرسالة الألهية وعدم جدارتهم بهذا الشرف ؟ ! أو كان يرى أن الله تعالى يهمل أمر خلقه ليكون لهم الحجة عليه ؟ ليس هذا ولا ذاك مما يجوزه نبي، وإنما خاف زكريا من بني أعمامه على أمواله فطلب من الله ولدا رضيا يرثها. ولا جناح عليه في ذلك، إذ يحتمل أن تكون رغبته في صرف أمواله عن بني عمومته بسبب أنها لو آلت إليهم لوضعوها في غير مواضعها، وأنفقوها في المعاصي وألوان الفساد لما كان يلوح عليهم من علامات الشر وإمارات السوء حتى قيل أنهم شرار بني إسرائيل. وقد حاول ابن أبي الحديد أن يصور وجها لخوف زكريا من الموالي على الدين من ناحيتين: - 
(الاولى) عن طريق اصول الشيعة، فذكر أن دعوى امتناع مثل هذا الخوف على النبي غير مستقيم على مذهب الشيعة لأن المكلفين قد حرموا بغيبة الأمام عندهم ألطافا كثيرة الوصلة بالشرعيات كالحدود وصلاة الجمعة والأعياد، وهم يقولون في ذلك أن اللوم على الملكلفين لأنهم قد حرموا أنفسهم اللطف، فهلا جاز أن يخاف زكريا عليه السلام من تبديل لدين وتغييره وإفساد الأحكام الشرعية لأنه إنما يجب على الله التبليغ بالرسول إلى المكلفين، فإذا أفسدوا هم الأديان وبدلوها لم يجب عليه أن يحفظها عليهم لأنهم هم الذين حرموا أنفسهم اللطف (1). ولاسجل ملاحظتي على هذا الكلام ثم نتقل بك إلى الناحية الثانية. فأقول: إن الخوف من انقطاع النبوة إنما يصح على اصول الشيعة إذا نشأ عن احتمال إفساد الناس لدينهم على نحو لا يستحقون معه ذلك، كما هو الحال في زمان غيبة الأمام المنتظر صلوات الله عليه، لا فيما إذا كان سببه الاطلاع على عدم لياقة جماعة خاصة للنبوة مع استحقاق الناس لها. فإن إرسال الرسول، أو نصب من يقوم مقامه واجب في هذه الصورة على الله تعالى لما أوجبه على نفسه من اللطف بعباده. وإذن فقصور أبناء العمومة عن نيل المنصب الألهي لا يجوز أن ينتهي بزكريا إلى احتمال انقطاع النبوة وانطماس معالم الدين إذا كان الناس مستحقين للألطاف الألهية. وإذا لم يكونوا جديرين بها فمن الممكن انقطاع الاتصال بين السماء والأرض سواء أكان بنو العمومة صالحين أو لا، وسواء من الله عليه بذرية أو بقى عقيما. والاية الكريمة تدل على أن الباعث إلى الخوف في نفس زكريا إنما هو فساد الموالي لا فسا د الناس
========== 
 (1) راجع شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 257، الطبعة المحققة.
 
(الثانية) عن طريق تفسير الموالي بالامراء، بمعنى أن زكريا خاف أن يلي بعد موته ا مراء ورؤساء يفسدون شيئا من الدين، فطلب من الله ولدا ينعم عليه بالنبوة والعلم ليبقى الدين محفوظا (1). ولنا أن نتساءل عما إذا كان هؤلاء الرؤساء الذين اشفق على الدين منهم، هم الأنبياء الذين يخلفونه أو أنهم أصحاب السلطان الزمني والحكم المنفصل عن السماء ؟ ولا خوف منهم على التقدير الأول إطلاقا لأنهم أنبياء معصومون. وأما إذا كانوا ملوكا فقد يخشى منهم على الدين. ولكن ينبغي أن نلاحظ أن وجود النبي حينئذ هل يمنعهم عن التلاعب في الشريعة والاستخفاف بالدستور الألهي أو لا ؟ فإن كان كافيا لو قاية الشريعة وصون كرامتها فلماذا خاف زكريا من اولئك الامراء ما دامت الألطاف الألهية قد ضمنت للنبوة الامتداد في تاريخ الأنسانية الواعية وخلود الاتصال بين الأرض والسماء ما بقيت الأرض أهلا للتثقيف السماوي ؟ وإن لم يكن وجود النبي كافيا تللحراسة المطلوبة فلا يرتفع الخوف من الحاكمين بوجود ولد لزكريا يرث عنه النبوة ما دام النبي قاصرا عن مقاومة القو ة الحاكمة، وما دام الامراء من الطراز المغشوش، مع أن الاية تدل على أن زكريا كان يرى أن خوفه يرتفع فيما
======== 
 (1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 257 - 258.
 
 إذا من الله عليه بولد رضي يرثه. ونتيجة هذا البحث أن الأرث في الاية هو إرث المال بلا ريب. وإذن فبعض الأنبياء يورثون وحديث الخليفة يقضي بأن الجميع لا يورثون. فالاية والرواية متعاكستان وكل ما عارض 
 (1) الكتاب الكريم فهو ساقط. ولا يجوز أن تستثني زكريا خاصد من سائر الأنبياء، لأن حديث الخليفة لا يقبل هذا ا لاستثناء وهذا التفريق بين زكريا عليه السلام وغيره. والنبوة إن اقتضت عدم التوريث فالأنبياء كلهم لا يورثو ن. ولا نحتمل أن يكون لنبوة زكريا عليه السلام خاصية جعلته يورث دون سائر الأنبياء. وما هو ذنب زكريا عليه السلام، أو ما هو فضله الذي يسجل له هذا الامتياز ؟ أضف إلى ذلك أن تخصيص كلمة الانبياء الواردة في الحديث والخروج بها عما تستحقه من وضع لا ضرورة له بعد أن كان الحديث كما أوضحناه سابقا، فهو تفسير على كل حال، فلماذا نفسر الحديث بأن تركة النبي لا تورث لنضطر إلى أن نقول بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يعني بالأنبياء غير زكريا عليه السلام ؟ بل لنأخذ بالتفسير الاخر ونفهم من الحديث أن الأ نبياء ليس لهم من نفائس الدنيا ما يورثونه ونحفظ للفظ العام حقيقته (2). 
======== 
 (1) جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصح عنه قوله: (ما خالف كتاب الله فاضربوا به عرض الجدار، أو فدعوه...). راجع: اصول الكافي / الكليني 1: 55 كتاب فضل العلم - باب الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب، الرد على سير الأوزاعي / أبى يوسف الأنصاري: 25. 
(2) والجملة خبرية وليست إنشائية، لأن إنشاء حكم على الأنبياء بعد وفاتهم، وانقراض ورثتهم لا معنى له، وحينئذ فالتخصيص يستلزم مجازية الاستعمال، وليس شأن صيغة الحديث شأن الجمل الأنشائية التي يكشف تخصيصها عن عدم إرادة الخاص بالأرادة الجدية. ويقدم لذلك على سائر التأويلات والتجوزات، بل هي خبرية، والجملة الخبرية إذا خالفت الأرادة الاستعمالية فيها الجد والحقيقة كانت كذبا، فتخصيصها يستلزم صرفها إلى المعنى المجازي، وحينئذ فلا يرجع على تجوز آخر إذا دار الأمر بينهما. (الشهيد)
 
 ونعرف مما سبق أن صيغة الحديث لو كانت صريحة في ما أراده الخليفة لها من المعاني، لنا قضت القرآن الكريم، ومصيرها الاهمال حينئذ. وليس في المسألة سبيل إلى اعتبار الحديث مدركا قانونيا في موضوع التوريث، ولذا لم يتفطن الصديق إلى جواى يدفع به اعتراض خصمه عليه بالاية الانفة الذكر، ولم يوفق اوحد من أصحابه إلى الدفاع عن موقفه. وليس ذلك إلا لأنهم أحسوا بوضوح أن الحديث يناقض الاية بمعناه الذي يبرر موقف الحاكمين. ولا يمكن أن نعتذر عن الخليفة بأنه يجوز اختيار أحد النصين المتناقين وتنفيذه كما يرتئيه جماعة من علماء الأسلام، وقد اختار أن ينفذ مدلول الحديث، وذلك لأن المعارض للقرآن باطل بلا ر يب لأنه الحق، وهل بعد الحق إلا الضلال ؟ ؟ (مسألة النحلة) الناحية الثانية: المناقشة التي قامت بين الخيلفة والصديقة حول نحلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إياها فدك، فقد ادعت الصديقة النحلة وشهد بذلك قرينها وام أيمن فلم يقبل الخليفة دعواها 
 (1)، ولم يكتف بشاهديها، وطالبها بينة كاملة وهي رجلان أو رجل وامرأتان. 
 1 - والنقطة الاولى التي نؤاخذ الصديق عليها هي وقوفه موقف الحاكم في المسألة مع أن خلافته لم تكتسب لونا شرعيا إلى ذلك الحين على أقل تقدير (1). ولكننا لا نريد الان أن نضع هذه المؤاخذة قيد الدرس، لأن المناقشة على هذا الشكل تبعثنا إلى آفاق واسعة من البحث وتضطرنا إلى نسف الحجر الأساسي لدنيا السياسة في الأسلام، وهي عملية لها حساب طويل.
 2 - والملاحظة الثانية في الموضوع هي أن فدك إذا كانت في حيازة الزهرا عليها السلا م فلا حاة لها إلى البينة وفي هذه الملاحظة أمران:
 (أولا) من هو الذي كانت فدك في حيازته ؟ وهل كانت في يد الزهراء حقا ؟ قد يمكن أ ن نفهم ذلك من قول أمير المؤمنين في رسالته الخالدة إلى عثمان بن حنيف: بلى كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء. فشحت عليها نفوس قوم، وسخت عنها نفوس آخرين (2). فإن المفهوم من كلمة أيدينا أن فدك كانت في أيدي أهل البيت وقد نصت على ذلك روايات الشيعة. وحصر ما كان في تلك الأيدي التي عناها الأمام بفدك يدل على أنها كانت في حياز ة علي وزوجه خاصة، ويمنع عن تفسير العبارة بأن فدك كانت في يد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باعتبار أن حيازته حيازة أهل البيت، لأننا نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت في يده
============ 
 (1) قوله: إلى ذلك الحين، أي بعد عشرة أيام من قيام الخلافة وحينذاك لم يكن بنو هاشم وجماعة من أجلاء الصحابة قد بايعوا أبا بكر، فلم يكتسب الخليفة إذن الشرعية الكاملة. راجع تاريخ الطبري 2: 233. 
(2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 208.
 
أشياء اخرى غير فدك من مختصاته وأملاكه. (وثانيا) هل الحيازة دليل على الملكية ؟ والجواب الأيجابي عن هذه المسألة مما أجمع (1) عليه المسلمون، ولو لا اعتبارها كذلك لاختل النظام الاجتماعي للحياة الأنسانية. وقد يعترض على دعوى أن فدك كانت في يد الزهراء بأنها لم تحتج بذلك، ولو كانت في يدها لكفاها عن دعوى النحلة والاستدلال بآيات الميراث، وفي المستندات الشيعية للقضية جواب عن هذا الاعتراض لأنها تنقل احتجاج أهل البيت بذلك على الخليفة، غير أننا لا نريد دراسة المسألة على ضوء شئ منها. ولكن ينبغي أن نلاحظ أن فدك كانت أرضا مترامية الأطراف وليس شأنها شأن التوافه من الأملاك والمختصات الصغيرة التي تتضح حيازة مالكها لها بأدنى ملاحظة. فإذا افترضنا أن فدك كانت في يد فاطمة يتعهدها وكيلها الذي يقوم بزراعتها، فمن يجب أن يعرف ذلك من الناس غير الوكيل ؟ ! ونحن نعلم أن فدك لم تكن قريبة من المدينة ليسلع أهلها 
=========== 
 (1) راجع: القواعد الفقهية / السيد حسن البجنوردي 1: 113، المحلى / ابن حزم 9: 436، المهذب / الشيرازي الشافعي 2: 312، الفروق / القراني المالكي 4: 78، تحرير المجلة الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء 4: 150 قال: إن اليد هي إمارة على الملكية شرعا وعرفا...).
 
على شؤونها، ويعرفوا من يتولاها، فقد كانت تبعد عنها بأيام، كما أنها قرية يهودية (1)، وليست في محيط إسلامي لتكون حيازة فاطمة لها معروفة بين جماعة المسلمين. فماذا كان يمنع الزهراء عن الاعتقاد بأن الخليفة سوف يطالبها بالبينة على أن فدك في يدها إذا ادعت ذلك كما طالبها على النحلة ما دام - في نظرها - مسيرا في الموقف بقوة طاغية من هواه لا تجعله يعترف بشئ ؟ وكان من السهل في ذلك اليوم أن تتبلع الحوتو كيل فاطمة على فدك أو أي شخص له اطلاع على حقيقة الأمر كما 86 ابتلعت أبا سعيد الخدري فلم يرو النحلة. وقد حدث بها بعد ذلك كما ورد في طريق الفريقين، أو أن تقتله الجن كما قتلت سعد بن عبادة وأراحت الفاروق (2)، أو أن يتهم بالردة لأنه امتنع عن تسليم صدقة المسلمين للخليفة كما اتهم مانعوا الزكاة والرافضون لتسليمها له (3). 3 - ولنترك هذه المناقشة لنصل إلى المسألة الأساسية وهي: أن الخليفة هل كان يعتقد بعصمة الزهراء ويؤمن بآية التطهير نفت الرجس عن جماعة منهم فاطمة أو لا ؟ ! ونحن لا نريد أن نتوسع في الكلام على 
========= 
 (1) راجع: فتوح البلدان / البلاذري: 42 - 43. 
(2) وقد جاءت الرواية مصرحة بأن عمر أرسل رسولا إلى سعد ليقتله إن لم يبايع، فلما أبى سعد قتله الرسول. راجع العقد الفريد 4: 247.
 (3) كما في قصة مالك بن نويرة. راجع تاريخ الطبري 2: 273، وراجع الطبعة المحققة 2: 28، وقد وضح ذلك الخليفة الثاني مطالبا بالقود من خالد بن الوليد لأنه على حد تعبيره: (قتل مسلما ونزا على امرأته).
 
العصمة وإثباتها للصديقة بآية التطهير لأن موسوعات الأمامية في فضائل أهل البيت تكفينا هذه المهمة. ولا نشك في أن الخليفة كان على علم بذلك لأن السيدة عائشة نفسها كانت تحدث بنزول آية التطهير في فاطمة وقرينها وولديها (1)، وقد صرحت بذلك صحاح الشيعة والسنة. وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلما خرج إلى الفجر بعد نزول الاية يمر ببيت فاطمة ويقول الصلاة يا أهل البيت إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا، وقد استمر على هذا ستة أشهر (2). وإذن فلماذ طلب الخليفة بينة من فاطمة على دعواها ؟ وهل تحتاج الدعوى المعلوم صدقها إلى بينة ؟ قال المعترضون على أبي بكر: إن البينة إنما تراد ليغلب في الظن صدق المدعي، والعلم أقوى منها فإذا لزم الحكم للمدعي الذي تقوم البينة على دعواه يجب الحكم للمدعي الذي يعلم الحاكم بصدقه. والاحظ أن في هذا الدليل ضعفا ماديا لأن المقارنة لم تقم فيه بين البينة وعلم الحاكم، بالأضافة إلى صلب الواقع، وإنما لوحظ مدى تأثير كل منهما في نفس الحاكم، وكانت النتيجة حينئذ أن العلم أقوى من البينة لأن اليقين أشد من الظن. وكان من حق المقارنة أن يلاحظ الأقرب منهما إلى الحقيقة المطلوب مبدئيا ا لأخذ بها في كل مخاصمة. ولا يفضل علم 
========== 
 (1) صحيح مسلم: 3: 331، المستدرك 3: 159، طبعة دار الكتب العلمية، التاج الجامع للاصول في أحاديث الرسول / منصور علي ناصف 3: 333. 
(2) مسند الأمام أحمد 3: 295 - طبعة دار صادر، وراجع المستدرك 3: 172 - طبعة دار الكتب العلمية.
 
 الحاكم في هذا الطور من المقايسة على البينة، لأن الحاكم قد يخطأ كما أن البينة قد تخطأ، فهما في شرع الواقع سواء كلاهما مظنة للزلل والاشتباه. ولكن في المسألة أمر غفل عنه الباحثون أيضا، وهو أن ما يعلمه الخليفة من صدق (1) الزهراء يستحيل أن لا يكون حقيقة، لأن سبب علمه بصدقها ليس من الأسباب التي قد تنتج توهما خاطئا وجهلا مركبا، وإنما هو قرآن كريم دل على عصمة  (1) المدعية. وعلى ضوء هذه الخاصية التي يمتاز بها العلم بصدق الزهراء، يمكننا أن نقرر أن البينة التي قد تخطأ إذا كانت دليلات شرعيا مقتضيا للحكم على طبقه. فالعلم الذي لا يخطئ وهو ما كان بسبب شهادة الله تعالى بعصمة المدعي، وصدقة أولى بأن يكتسب تلك الصفة في المجالات القضائية. وعلى اسلوب آخر من البيان نقول: إن القرآن الكريم لو كان قد نص على ملكية الزهراء لفدك وصدقها في دعوى النحلة لم يكن في المسألة متسع للتشكيك لمسلم أو مساغ للتردد لمحكمة من محاكم القرآن. ومن الواضح أن نصه على عصمة الزهراء في قوة النص على النحلة، لأن المعصوم لا يكذب، فإذا ادعى شيئا فدعواه صائبة بلا شك. ولا فرق بين النص على العصمة والنص على النحلة فيما يتصل بمسألتنا، سوى أن ملكية الزهراء لفدك هي المعنى الحرفي للنص الثاني، والمعنى المفهوم من النص الأول عن طريق مفهومه الحرفي.
============= 
 (1) راجع قوله - أي الخليفة الأل - في تصديق الزهراء، شرح النهج 16: 216. 
(2) كما في آية التطهير قوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل لبيت ويطهركم تطهيرا) الأحزاب / 33. راجع المستدرك 3: 160 - 161، طبعة دار الكتب العلمية، راجع صحيح مسلم 5: 37، فضائل الصحابة، باب فضائل أهل البيت عليهم السلام، ط 1، مؤسسة عز الدين - بيروت / 1407 ه‍، تحقيق الدكتور موسى لاشى والدكتور أحمد عمر هاشم.
 
 4 - ونقول من ناحية اخرى: إن أحدا من المسلمين لم يشك في صدق الزهراء ولم يتهمها بالافتراء على أبيها، وإنما قام النزاع بين المتنازعين في أن العلم بصواب الدعوى هل يكفي مدركا للحكم على وفقها أو لا ؟ فلندع آية التطهير ونفترض أن الخليفة كان كأحد هؤلاء المسلمين، وعلمه بصدق الزهراء حينئذ ليس حاويا على الامتياز الذي أشرنا إليه في النقطة السابقة، بل هو علم في مصاف سائر الاعتقادات التي تحصل بأسباب هي عرضة للخطأ والاشتباه، ولا يدل حينئذ جعل البينة دليلا على مشاركته لها في تلك الخاصية، لأنه ليس أولى منها بذلك كما عرفنا سابقا. ولكن الحاكم يجوز له مع ذلك - أن يحكم على وفق علمه (1)، كما يجوز له أن يستند في الحكم إلى البينة بدليل ما جاء في الكتاب الكريم مما يقرر ذلك، إذ قال الله تعالى في سورة النساء: (وإذا حكمتم بين االناس أن تحكموا بالعدل) (2)، وقال في سورة الأعراف: (وممن خلقنا امة يهدون بالحق وبه يعدلون) (3) أي يحكمون. وللحق والعدل ملاحظتان: - 
============ 
 (1) راجع سنن البيهقي 10: 142، طبعة دار الفكر، وقد نقل عن الشيخ الطوسي أنه ادعى الأجماع في الجواز. راجع: تنقيح الأدلة في بيان حكم الحاكم بعلمه / محمد رضا الحائري، كما ذكر ابن رشد: إنه قول الجمهور (أي الجواز) راجع بداية المجتهد 2: 465 منشورات الرضي - قم / 1966. 
(2) النساء / 58. 
(3) الأعراف / 181.
 
 (إحداهما) الحق والعدل في نفس الأمر والواقع.
 (والاخرى) الحق والعدل بحسب الموازين القضائية. فالحكم على وفق البينة. حق واعتدال في عرف هذه الملاحظة وإن أخطأت، ويعاكسه الحكم على وفق شهادة الفاسق، فإنه ليس حقا ولا عد لا وإن كان الفاسق صادقا في خبره. والمعني بالكلمتين في الايتين الكريمتين إن كان هو المعنى الأول للحق والعدل، كانتا دالتين على صحة الحكم بالواقع من دون احتياج إلى البينة فإذا أحرز الحاكم ملكية شخص لمال صح له أن يحكم بذلك لأنه يرى أنه الحق الثابت (1) في الواقع والحقيقة العادلة، فحكمه بملكية ذلك الشخص للمال مصد اق في عقيدته للحكم بالحق والعدل الذي أمر به الله تعالى. وأما إذا فسرنا الكلمتين في الايتين بالمعنى الثا ني أعني ما يكون حقا وعدلا بحسب مقاييس القضاء فلا يستقيم الاستدلال بالنصين القرآنيين على شئ في الموضوع لأنهما لا يثبتان حينئذ أن أي قضاء يكون قضاء بالحق وعلى طبق النظام، وأي قضاء لا يكون كذلك ؟ ومن الواضح أن المفهوم المتبادر من الكلمتين هو المعنى الأول دون الثاني وخاصة كلمة الحق، فإنها متى وصف بها شي فهم أن ذلك الشئ أمر ثابت في الواقع، فالحكم بالحق عبارة عن الحكم بالحقيقة الثابتة. ويدل على ذلك الاسلوب الذي صيغت عليه الاية الاولى، فإنها تضمنت أمرا بالحكم بالعدل. وواضح جد ا أن تطبيق التنظيمات الأسلامية في 
=========== 
 (1) الحق: هو الأمر الثابت. راجع المصباح المنير 1: 143، نشر دار الهجرة.
 
موارد الخصومة لا يحتاج إلى أمر شرعي، لأن نفس وضعها قانونا للقضاء معناه لزوم تطبيقها، فلا يكون الأمر بالتزام القانون إلا تكرارا أو تنبيها، وليس من حقيقة الأمر في شئ. وأما الأمر بالحكم على طبق الحقائق الواقعية سواء أكان عليها دليل من بينة وشهادة أو لا، فهو من طبيعة الأمر بالصميم لأنه تقرير جديد يوضح أن الواقع هو ملاك القضاء الأسلامي والمحور الذي ينبغي أن يدور عليه دون أن يتقيد بالشكليات والأدلة الخاصة (1). وإذن فالايتان دليل على اعتبار علم الحاكم في قوانين القضاء الأسلامية (2). وأضف إلى ذلك أن الصديق نفسه كان يكتفى كثيرا بالدعوى المجردة عن البينة. فقد جاء عنه في صحيح البخاري (3) أن النبي صلى الله 
=========== 
 (1) وإذا أردنا أن نترجم هذا المعنى إلى اللغة العلمية قلنا: إن الأمر على التقد ير الثاني يكون إرشاديا إذ لا ملاك للأمر المولوي في المقام، حيث أن المأمور اتباعه هو بنفسه كاف للبعث والتحريك، فظهو ر الأمر في المولوية يقضي بصرف لفظة العدل إلى المعنى الأول لجواز الأمر مولويا باتباع الواقع فيما إذا دلت عليه البينة خاصة وإمكان الأمر باتباعه مطلقا. وأنا أعتذر عن عدم استعمال الاصطلاحات العلمية الدائرة في مباحث المنطق والفلسفة والفقه والاصول - إلا حين اضطر إلى ذلك اضطرارا - لأنني احاول أن تكون بحوث هذا الفصل مفهومة لغير المتخصصين في تلك العلوم. (الشهيد) 
(2) إن قيل: إن الحديث الوارد عن أهل البيت فيمن قضى بالحق وهو لا يعلم الحكم باستحقاقه للعقاب يدل على عدم كون القضاء من آثار الواقع، فيدور الأمر بين صرف هذه الرواية عن ظهورها في عدم نفوذ الحكم وحمل العقاب فيها على التجري، وبين صرف الكلمتين إلى المعنى الثاني قلت: لا وجه لكلا التأويلين بل الرواية المذكورة مقيدة للايات بصورة العلم، فيكون موضوع القضاء مركبا من الواقع والعلم به، وبتعبير آخر أنه من آثار الواقع الواصل. (الشهيد) (3) صحيح البخاري 2: 953، حديث 2537 كتاب الشهادات - باب 29. (الشهيد)
 
عليه وآله وسلم لما مات، جاء لأبي بكر مال من قبل العلاء بن الحضرمي فقال أبو بكر: من كان له على النبي دين أو كانت له قبله عدة فليأتنا. قال جابر: وعدني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يعطيني هكذا وهكذا وهكذا فبسط يده ثلاث مرات، قال جابر: فعد في يدي خمسمائة، ثم خمسمائة، ثم خمسمائة. وروي في الطبقات 
 (1) عن أبي سعيد الخدري أنه قال: سمعت منادي أبي بكر ينادي بالمدينة حين قدم عليه مال البحرين: من كانت له عدة عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فليأت ؟ فيأتيه رجال فيعطيهم. فجاء أبو بشير المازني فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: يا أبا بشير إذا جاءنا شئ فأتنا، فأعطاه أبو بكر حفنتين أو ثلاثا فوجدوها ألفا وأربعمائة درهم. فإذا كان الصديق لا يطالب أحدا من الصحابة بالبينة على الدين أو العدة فكيف طب من الزهراء بينة على النحلة ؟ ! وهل كان النظام القضائي يخص الزهراء وحدها بذلك أو أن الظروف السياسية الخاصة هي التي جعلت لها هذا الاختصاص ؟ ومن الغريب حقا أن تقبل دعوى صحابي لوعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمبلغ من المال وترد دعوى بضعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنها لم تجد بينة على ما تدعيه. وإذا كان العلم بصدق المدعي مجوزا لأعطائه ما يدعيه فلا ريب أن الذي لا يتهم جابر ا أو أبا بشير بالكذب يرتفع بالزهراء عن ذلك أيضا. وإذا لم يكن إعطاء الخليفة لمدعي العدة ما طلبه على أساس الأخذ 
=========== 
 (1) الطبقات الكبرى 2: 318، طبعة دار صادر. (الشهيد)
 
 بدعواه، وإنما دعاه احتمال صدقة إلى إعطائه ذلك، وللأمام أن يعطي أي شخص المبلغ الذي يراه، فلماذا لم يحتط بمثل هذا الاحتياط في مسألة فدك ؟ ! وهكذا أجز الصديق وعود رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التي لم تقم عليها بينة وأهمل هباته المنجزة التي ادعتها سيدة نساء العالمين. وبقي السؤال عن الفارق بين الديون والعدات وبين نحلة بلا جواب مقبول. 5 - ولنستأنف مناقشتنا على أساس جديد وهو: إن الحاكم لا يجوز له الحكم على طبق الدعوى المصدقة لديه إذا لم يحصل المدعي على بينة تشهد له، ونهمل النتيجة التي انتهينا إليها في النقطة السا بقة ونسأل على هذا التقدير: (أولا) عما منع الصديق من التقدم بالشهادة على النحلة إذا كان عالما بصدق الحوراء سلام الله عليها، إذ يضم بذلك شهادته إلى شهادة علي وتكتمل بهما البينة ويثبت الحق. واعتباره لنفسه حاكما لا يوجب سقوط شهادته لأن شهادة الحاكم معتبرة  (1) وليست خارجة عن الدليل الشرعي الذي أقام البينة مرجعا في موارد الخصومة. (وثانيا) عن التفسير المقبول لأغفال الخليفة للواقع المعلوم لديه بحسب الفرض. ولأجل توضيح هذ النقطة يلزمنا أن نفرق بين أمرين اختلطا على جملة الباحثين في المسألة. 
========== 
 (1) شهادة الحاكم جائزة: راجع سنن البيهقي 10: 131.
 
 (أحدهما) الحكم للمدعي بما يدعيه.
 (والاخر) تنفيذ آثار الواقع. وإذا افترضنا أن الأول محدود بالبينة فالاخر واجب على كل تقدير، لأنه ليس حكما ليحدد بحدوده. فإذا علم شخص بأن بيته للاخر فسلمه لمالكه، لم يكن هذا حكما بملكيته له، وإنما هو إجراء للأحكام التي نص عليها القانون. كما أن الحاكم نفسه إذا ادعى شخص عنده ملكية بيت وكان في حيازته، أو دل الاستصحاب على الملكية المدعاة، فاللازم عليه وعلى غيره من المسلمين أن يعتبروا هذا البيت كسائر ممتلكات ذلك ا لمدعي. وليس معنى هذا ان الحاكم حكم بأن البيت ملك المدعية مستندا إلى قاعدة اليد (1) أو الاستصحاب. وإن المسلمينن أخذوا أنفسهم باتباع هذا الحكم، بل لو لم يكن بينهم حاكم للزمهم ذلك. وليس الاستصحاب أو اليد من موازين الحكم في الشريعة وإنما يوجبان تطبيق أحكام الواقع. والفارق بين حاكم الحاكم بملكية شخص لمال، أو فسقه ونحو هما من الشؤون التي تتسع لها صلاحيات الحاكم وبين تطبيق آثالر تلك الامور هو: امتياز الحكم بفصل الخصومة، ونعني بهذا الامتياز أن الحاكم إذا أصدر حكما حرم نقضه على جميع المسلمين، ولزم اتباعه من دون نظر إلى مدرك آخر سوى ذلك الحكم. وأما تطبيق القاضي لاثار الملكية 
=========== 
 (1) قاعدة اليد هنا تعني: إثبات الملكية بواسطة اليد. والمقصود باليد التسلط على المال. راجع: القواعد / السيد محمد كاظم المصطفوي: 329.
 
عمليا بلا حكم فلا يترتب عليه ذلك المعنى ولا يجب على كل مسلم متابعته وإجراء تلك الاثار كما يجريها إلا إذا حصل له العلم بذلك كما حصل للحاكم. والنتيجة: إن الخليفة إذا كان يعلم بملكية الزهراء لفدك، فالواجب عليه أن لا يتصرف فيها بما تكرهه، ولا ينزعها منها سواء أجاز له أن يحكم على وفق علمه أو لا. ولم يكن في المسألة منكر ينازع الزهراء ليلزم طلب اليمين منه واستحقاقه للمال إذا أقسم، لأن الأموال التي كانت تطالب بها الزهراء أما أن تكون لها أو للمسلمين. وقد افترضنا أن أبا بكر هو الخليفة الشرعي للمسلمين يومئذ، وإذن فهو وليهم المكلف بحفظ حقوقهم وأموالهم، فإذا كانت الزهراء صادقة في رأيه، ولم يكن في الناس من هو: امتياز الحكم بفصل الخصومة، ونعني بهذا الامتياز أن الحاكم إذا أصدر حكما حرم نقضه على جميع المسلمين، ولزم اتباعه من دون نظر إلى مدرك آخر سوى ذلك الحكم. وأما تطبيق القاضي لاثار الملكية عمليا بلا حكم فلا يترتب عليه ذلك  (1) قاعدة اليد هنا تعني: إثبات الملكية بواسطة اليد. والمقصود باليد التسلط على المال. راجع: القواعد / السيد محمد كاظم المصطفوي: 329.
المعنى ولا يجب على كل مسلم متابعته وإجراء تلك الاثار كما يجريها إلا إذا حصل له العلم بذلك كما حصل للحاكم. والنتيجة: إن الخليفة إذا كان يعلم بملكية الزهراء لفدك، فالواجب عليه أن لا يتصرف فيها بما تكرهه، ولا ينزعها منها سواء أجاز له أن يحكم على وفق علمه أو لا. ولم يكن في المسألة منكر ينازع الزهراء ليلزم طلب اليمين منه واستحقاقه للمال إذا أقسم، لأن الأموال التي كانت تطالب بها الزهراء أما أن تكون لها أو للمسلمين. وقد افترضنا أن أبا بكر هو الخليفة الشرعي للمسلمين يومئذ، وإذن فهو وليهم المكلف بحفظ حقوقهم وأموالهم، فإذا كانت الزهراء صادقة في رأيه، ولم يكن في الناس من ينازعها فليس للخليفة أن ينتزع فدك منها. وتحديد الحكم بالبينة خاصة إنما يحرم الحكم ولا يجيز انتزاع الملك من صاحبه. وإذن فعدم جواز حكم الحاكم على وفق علمه (1) لا يخفف من صعوبة الحساب ولا يخرج الخليفة ناجحا من الامتحان. 
============== 
 
 
 

المراجع

مكتبة شبكة أمل الثقافية

التصانيف

أبحاث