الطبعة الاولى 1415 ه. 1994 م
حقوق الطبع محفوظة للناشر
فدك في التأريخ بقلم الأمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر قدس سره
تحقيق الدكتور عبد الجبار شرارة
مركز الغدير للدراسات الاسلامية
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة المحقق
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله فدك في التأريخ بقلم الأمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر قدس سره رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين و صحبه المنتجبين. بين يدي الكتاب والمؤلف: (فدك في التاريخ) باكورة النتاج العلمي الخطب للأمام الشهيد الصدر قدس سره. وهذه الدراسة تعد بحق بلحاظ الفترة التاريخية التي كتبت فيها دراسة رائدة وأصيلة، وذلك لاعتمادها المنهج ا لعلمي الحديث ليس في الاستقصاء و التتبع لحيثيات القضية، ومستنداتها فحسب، بل في ب عمق التحليل، ورضانة الاسلوب، ودقة المناقشة، وقوم المنطق. إن النظر إلى الدراسات سواء منها التي صدرت في تلك الفترة أي قبل نصف قرن تقريبا أو الفترة اللاحقة فيما يتعلق بمثل هذه الموضوعات الحساسة، سيتبين منها مدى السبق العلمي والأنجاز التا ريخي الذي حققه الأمام الشهيد في دراسته التي بين يديك أيها القارئ العزيز. ولا غرابة في ذلك فالسيد الشهيد تفجرت عبقريته منذ وقت مبكر، ثم تطورت مواهبه سريعا ليرفد المكتبة الأسلامية بدراساته المبتكرة في مختلف حقول المعرفة الأنسانية وعلوم الشريعة الأسلامية. لقد كان الأمام الشهيد الصدر عالما ربانيا ومجتهدا ورعا وعبقريا فذا، وقد أغنى الفكر الأسلامي المعاصر، وأمده بعناصر الحيوية والاستمرار، حتى ليصح القول: إن الأمام الشهيد كان اطروحة الأسلام المتجدد. يدلك على ذلك أنه قدس سره قد نهض بمسؤوليا ت فكرية وجهادية بما لم ينهض بمثله إلا القائل في تاريخ الأسلام المجيد، إذ كان في جهاد متواصل، وسعي دائب من أجل تحرير وعي الامة المسلمة من اطروحة الغرب الكافر، وتحرير مستقبلها من هيمنة الاستكبار العالمي وعملائه، حتى توجت حياته الشريفة بالشهادة في سبيل الله وفي سبيل إعلاء كلمة الأسلام. المنهج والكتاب: اعتمد السيد الشهيد في هذا الكتاب (فدك في التاريخ) منهجا علميا حدد معالمه ور أي أنه لابد من اعتماد في مثل هذه الدراسات التاريخية ذات الأبعاد السياسية. ويقوم هذا المنهج على اسس المو ضوعية التي عبر عنها (بالتجرد عن المرتكزات)، والتتبع والاستقصاء والتأمل (الأناة في الحكم) ثم (الحرية في التفكير). ويعتبر الشهيد الصدر هذه الامور شروطا أساسية لأقامة بناء تاريخي محكم لقضايا الأسلاف، ترتسم فيه خطوط حياتهم التي عرفوها في أنفسهم، أو عرفها الناس عنهم يومئذ... ثم يرى قدس سره (أن ذلك للبناء ينبغي أن يتسع لتأملا ت شاملة لكل موضوع من موضوعات ذلك الزمن المنصرم يتعرف على لونه التاريخي والاجتماعي، ووزنه في حساب الحياة العامة أو في حساب الحياة الخاصة التي يعنى بها الباحث، وتكون مدارا لبحثه كالحياة الدينية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية). وإذا كان هذا هو الهدف من مثل هذه الدراسات التاريخية، وذاك هو إطارها العام، فإن الشهيد ينبه هنا إلى ضرورة (أن تستمد هذه التأملات كيانها النظري من عالم الناس المنظور، لا من عالم تبتدعه العواطف والمرتكزات، وينشئه التعبد والتقليد). ثم يضع قيدا على مثل تلك التأملات وهو أن لا تستند إلى خيال مجنح يرتفع بالسفاسف إلى الذروة، وتبنى عليها نتائج غير سليمة. وأخيرا يؤ كد السيد الشهيد ضرورة الالتزام بمنطق البحث العلمي لا بما نستلهمه من عواطفنا ومورو ثاتنا. ثم ينبه إلى حقيقة خطيرة في حقل الدراسات هي تحول المؤرخ إلى روائي يستوحي من دنيا ذهنه، لا من الوقائه التاريخية. إن معالم هذا المنهج يكشف عن وعي مبكر وعميق باصول البحث العلمي وشروطه الأساسية. وقد رأيت السيد الشهيد وهو يخوض غمار هذا البحث متسلحا بمنطق العلم، متحمسا لمنطق الحق، مستمسكا بما يهديه إليه منطق الأحداث. وهو في كل ذلك يستند إلى ما نقله المؤرخون، وما نطقت به الوثيقة التاريخية، ويستنتج وفق الضوابط والاصول المعتبرة. لمحة موجزة عن فصول الكتاب: تناول الشهيد الصدر (قضية فدك) بالمنظور الفاطمي أي بأبعادها المتشعبة في جوانب الحياة الأسلامية، وفي آماد الزمان اللاحق، ولذلك اعتبرها أي (قضية فدك) ثورة شاملة، فعرض لخلفية (الحديث) أي ما اعتمل في ذهن الزهراء (سلام الله عليها) من أفكار، وما دار في خلدها من ذكريات عظيمة في حياة أبيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم ها هي تصحو على واقع مؤلم مرير يموج بالمحنة وبالفتنة التي لا تقف عند حدود، فيحفزها ذلك إلى أن تطلق صرختها، وتعلن عن الشروع بالمجابهة، ثم ينتقل السيد الشهيد إلى الفصل الثاني (فد ك في معناها الحقيقي ومعناها الرمزي) فيعرف بها، ثم ينتقل معها عبر مراحل التاريخ المتعاقبة منذ أن انتزعت من يد الزهراء عليها السلام، إلى آخر ما استقر عليه أمرها في أواخر زمن العباسيين. ثم يتحول إلى الفصل الثالث الذي عنونه ب (تاريخ الثورة) فيتحدث عن الثورة ممهدا لها بالكلام على شروط البحث واسلوب كتابة تاريخ الفرد والامة مشيدا بعصر صدر الأسلام وما تحقق فيه من إنجازت. يعرج بعد ذلك إلى كتاب العقاد (فاطمة والفاطميون) فينعى عليه المعالجة المبتسرة لمثل تلك القضية الخطيرة ومحاولته - أي العقاد - حصرها في نطاق ضيق متابعا في مناقشته لها منطق التعبد والتقليد للمتوارث من غير روية أو إعمال فكر. ثم ينطلق بعد ذلك ليحدد أبعاد (فدك)، بأنها ليست منازعة في أمر محدود وحق مغصوب، بل هو يراها أكبر من ذلك بكثير، قال: (إننا نحس إذا درسنا الواقع التار يخي لمشكلة فدك ومنازعاتها أنها مطبوعا بطابع الثورة التي توفرت بواعثها، ونتبين أن هذه المنازعات كانت في وا قعها ودوافعها ثورة على السياسة العليا...). ثم يقدم تبريرا منطقيا لتناوله القضية بكل تلك الأبعاد فيقول: (ادرس ما شئت من المستندات التاريخية الثابتة للمسألة، فهل ترى نزاعا ماديا ؟ أو ترى اختلافا حول (فدك) بمعناها المحدود، وواقعها الضيق ؟ أو ترى تسابقاا على غلات أرض... كلا، بل هي الثورة على اسس الحكم، والصرخة التي أرادت الزهراء عليها السلام أن تقتلع بها الحجر الأساس الذي بني عليه التاريخ بعد يوم السقيفة...). ومن هنا يبدأ السيد الشهيد في رصد الأحداث قبل يوم السقيفة ثم يلاحقها مناقشا، مسلطا الضوء على الزوايا والخفايا سواء فيما يتعلق بالمواقف أو بالشخصيات، مبرزا مواقف الأمام على عليه السلام التي أملتها المصلحة الأسلامية العليا... ينتقل السيد الشهيد في فصل آخر إلى (الخطاب الفاطمي) فيحلل، ويدين المقاصد والأغراض، وينطلق خلال ذلك ليكشف عن خصائص ومواقف أمير المؤمنين عليه السلام، تلك الخصائص والميزات التي تؤهله دون غيره لاحتلال المركز القيادي الأول والمرجعية الكفرية والسياسية لامة الأسلام. ثم يختم الكتاب بفصل عنونه ب (محكمة الكتاب) ناقش فيه (قضية فدك) مبينا ملا بساتها وحيثياتها، مثيرا الأشكالات العميقة على مباني القوم في حرمان الزهراء (سلام الله عليها) من حقها الثابت، مستندا في كل ذلك إلى النصوص الثابتة قرآنا وسنة، وإلى ما يقتضيه قانون الشرع ومنطق الحق والأنصاف. ذلك باختصار لمحات عن فصول الكتاب الذي سيجد فيه القارئ العزيز تحليلا عميقا، ومناقشات رصينة، باسلوب بليغ، مع التزام بشرائط البحث ومقتضاته. كلمة في المقام: إن قضية فدك في منظور الزهراء (سلام الله عليها) إذن ليست مسألة (نحلة) انتزعت من يدها، لأسباب اختلقتها السلطة أو بررتها، بل إن القضية أخطر من ذلك بكثير، إنها تشكل بادرة خطيرة في حياة الدولة الأسلامية وفي حياة التجربة الأسلامية الوليدة، تلك التجربة وهذه الدولة التي ناضى النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم نضالا مريرا في سبيل إقامتها على شرعة الحق وميزان العدل، وأراد لها أن تمتد في أقطار الأرض وآماد الزمان. إن الخطورة تلك تكمن في استعجال (النخبة) التي يفترض أنها المسؤولة عن حماية التجربة، استعجالها للحصول على (المكاسب الانية)، ومحاولة الاستحواذ على المراكز القيادية بغض النظر عن الاصول المقررة، والنصوص المعتبرة. وذلك يعني أول ما يعني فتح الباب واسعا أمام أصحاب المطامع والنهازين، أو على حد تعبير ا م المؤمنين عائشة: إن الخلافة - حينئذ - سينالها البر والفاجر. ولذلك فإن تصدي الزهراء (سلام الله عليها) لمثل تلك الحالة، إنما كان للحيلولة دون تحقق النتائج الخطيرة والمتوقعة. ومن هنا كان الهدف في (إثارة فدك) بأبعادها الشمولية وتبصير الامة قيادات وأفرادا وجماهير بتلك المخاطر الرهيبة التي تنتظرهم في حال الاندفاع بهذا الاتجاه، وقد صرحت الزهراء (سلام الله عليها) بذلك قائلة: (أما لعمر الله لقحت فنظرة ريثما تنتج، ثم احتلبوها طلاع العقب دما عبيطا... هنا ك يخسر المبطلون، ويعرف التالون غب ما أسسه الأولون ثم طيبوا من أفسكم نفسا، واطمئنوا للفتنة جأشا وأبشروا بسيف صارم، وهرج شامل. واستبداد من الظالمين يدع فيئكم زهيدا، وجمعكم حصيدا...) (* *). في ضوء ذل كله يمكن فهم الحماس الذي يبديه السيد الشهيد، والتأثير البالغ الذي يعتمل في داخله، إذ هو يحلل ويناقش ويستنتج (بالمنظور الفاطمي) وبدافع الحرص على نقاء الأسلام. لقد كان السيد الشهيد في طول البحث (يترضى) على الصحابة ويقدر مآثرهم في دنيا ا لأسلام، ولكنه لا يغمض النظر عن موارد الخلل، ومواطن الزلل في مسيرة القوم. ولا
==========
الدر المنثور / السيوطي 6: 19 - المطبعة الميمنية بمصر / 1314 ه. (* *) بلاغات النساء / ابن أبي طاهر طيفور: 33.
نرى أن هناك تقاطعا، إ ذ أن الأكثر أهمية، والأولى بالمراعاة هو سلامة التجربة الأسلامية وأصالتها ونقاؤها. ثم لو أراد البعض أن يتأول - ولا مانع من التأويل - إلا أنه غير ملزم لنا فضلا عن كونه خلاف الواقع، ولنتذكر على سبيل المثال هنا قولة الخليفة الثاني بشأن خالد بن الوليد في قضية مالك بن نويرة، قال الخليفة عمر بن الخطاب لأبي بكر: (إن خالدا قتل امرءا مسلما ونزا على امرأته...)على حد تعبير الطبري فتأول الخليفة الأول لخالد ذلك الفعل، إلا أن ذلك التأويل لم يحقق القناعة عند الخليفة عمر، وأضمرها في نفسه ثم تصرف لا حقا استنادا إلى (الواقعة)، نفسها فعزل خالدا حالما تسلم الحكم. إذن نحن غير ملزمين بقبول كل تأويل على أن تأشير الخطأ، وتسجيل الوقائع، واستنطاقها لا شك أمر يجنبنا النتائج الوخيمة، وهو بالتالي يصب في صالح خدمة مسيرة الامة الأسلامية وأصالة الأسلام. وهذا ما كان يهدف إليه الأمام الشهيد من دراسته القيمة، وذلك هو الذي حفزنا إلى القيام بالتحقيق العلمي لهذه الدراسة، وقد ظهر لنا أن كل إشارة وردت، أو قول أو تحليل أو استنتاج، إنما يستند إلى منطق الأحدات، وإلى المصادر الموثوقة، والوقائع المشهورد، وسيرة القوم. وسوف يظهر للقارئ الكريم من خلال هذا (التحقيق) أنه ليس هناك مجازفة في قول، ولا تحامل في رأي، ولا استنتاج من غير دليل. عملي في التحقيق: ظهر كتاب (فدك في التاريخ) في طبعتين، اولا هما طبعة المطبعة
==========
تاريخ الطبري 2: 280 - الطبعة المحققة (محمد أبو الفضل إبراهيم).
الحيدرية في النجف الأشرف لصاحبها الفاضل الشيخ محمد كاظم الكتبي، وذلك سنة 1374 ه / 1955 / م وهذه الطبعة - في الواقع - جيدة وقليلة الأخطاء... ثم ظهرت الطبعة الثانية بعد ذلك بسنوات، وهي طبعة دا ر التعارف البيروتية التي أشرت إليها، ولم أعثر على طبعات اخرى. ولما كانت الطبعة الحيدرية أدق ولأن السيد الشهيد اطلع عليها بنفسه، فقد اعتمدتها أصلا. ولقد قمت بتخريج الايات والروايات من مظانها كما وثقت الأحالات التي أوردها السيد الشهيد ووضعت إزاءها كلمة (الشهيد) تمييزا لها من التخريجات والتعليقات والأضافات التي اقتضاها التحقيق، ورأيت من المناسب ذكرها. وقد رجعت في كل ذلك إلى الكتب والمصادر المعتمدة عند إخواننا أهل السنة ليتضح جليا أن المطالب التي حققت تعتمد وتستند على هاتيك المصادر. ثم يبقى بعد ذلك أصالة التحليل، والتزام المنهج العلمي في العرض والمناقشة والاستدلال من ميزات السيد الشهيد في هذه الدراسة. وأخيرا فإني في الوقت الذي أحمد الله تعالى على توفيقه وتسديده في إنجاز هذا العمل أرجوه تعالى أن يجعله خالصا لوجهه، كما أسأله تعالى أن يوفق العاملين في مركز الغدير للدراسات الأسلامية لخدمة الأسلام العزيز ومذهب أهل البيت عليهم السلام. ولهم الشكر والثناء. والحمد لله أولا وآخرا
د. عبد الجبار شرارة
دكتوراه في الدراسات الأسلامية والدينية (استاذ مساعد)
أيها اقارئ الكريم: هذا إنتاج اغتنمت له عطلة من عطل الدراسة في جامعتنا الكريمة - النجف الأشرف - وتوفرت فيها على درس مشكلة من مشاكل التاريخ الأسلامي، وهي (مشكلة فدك)، والخصومة التاريخية التي قامت بين الزهراء (صلوات الله عليها) والخليفة الأول (رضي الله تعالى عنه). وكانت تتبلور في ذهني استنتاجات وفكر، فسجلتها على أوراق متفرقة، حتى إذا انتهيت من مطالعة مستندات القضية ورواياتها، ودرس ظروفها، وجدت في تلك الوريقات ما يصلح خميرة لدراسة كافية للمسألة، فهذبتها ورتبتها على فصول، اجتمع منها كتيب صغير، وكان في نيتي الاحفاظ به كمذكر عند الحاجة، فبقي عندي سنين مذكرا ومؤرخا لحياتي الفكرية في الشهر الذي تمخض عنه، غير أن حضرة الوجيه الفاضل الشيخ محمد كا ظم الكتبي ابن الشيخ صادق الكتبي (أيده الله) طلب مني تقديمه إليه ليتولى طبعه. وقد نزلت على رغبته تقديرا لأياديه البيضاء على المكتبة العربية والأسلامية. والكتاب هو ما تراه بين يديك. المؤلف
الفصل الأول
على مسرح الثورة * فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم الله، والزعيم محمد، والموعد القيامة، وعند الساعة يخسر المبطلون. الزهراء عليها السلام
تمهيد وقفت لا يخالجها شك فيما تقدم عليه، ولا يطفح عليها موقفها الرهيب بصبابة من خوف أو ذعر، ولا يمر على خيالها الذي كان جديا كلم الجد، تردد في تصميمها، ولا تساورها هاجسة من هواجس القلق والارتباك، وها هي الان في أعلى القمة من استعدادها النبيل، وثباتها الشجاع على خطتها الطموح، واسلوبها الدفاعي، فقد كانت بين بابين لا يتسعان لتردد طويل، ودرس عريض، فلا بد لها من اختيار أحدهما وقد اختارت الطريق المتعب من الطريقين الذي يشق سلوكه على المرأة بطبيعتها الضعيفة لما يكتنفه من شدائد ومصاعب تتطلب جرأة أدبية، وملكة بيانية مؤثرة، وقدرة على صب معاني الثورة كلها في كلمات وبراعة وفنية في تصوير النقمة، ونقد الأوضاع القائمة تصويرا ونقدا يجعلان في الألفاظ معنى من حياة، وحظا من خلود، لتكون الحروف جنود الثورة الخيرة، وسندها الخالد في تاريخ العقيدة، ولكنه الأيمان والاستبسال في سبيل الحق الذي يبعث في النفوس الضعيفة نقائضها، ويفجر في الطبائع المخذولة قوة لا تتعرض لضعف ولا تردد. ولذا كان اختيار الثاثرة لهذا الطريق مما يوافق طبعها، ويلتئم مع شخصيتها المركزة على الانتصار للحق، والاندفاع في سبيله. وكانت حولها نسوة متعددات من حفدتها ونساء قومها كالنجوم المتناثرة يلتففن بها بغير انتظام، وهن جميعا سواسية في هذا الاندفاع والاتياع، وقائد تهن بينهن تستعرض ما ستقدم عليه من وثبة كريمة تهيئ لها العدة والذخيرة، وهي كلما استرسلت في استعراضها ازدادت رباطة جأش، وقوة جنان، وتضاعفت قوة الحق التي تعمل في نفسها، واشتدت صلابة في الحركة، وانبعاثا نحو الدفاع عن الحقوق المسلوبة، ونشاطا في الاندفاع، وبسالة في الموقف الرهيب، كأنها قد استعارت في لحظتها هذه قلب رجلها العظيم، لتواجه به ظروفها ا لقاسية وما حاكت لها يد القدر. أستغفر الله بل ما قدر لها المقدر الحكيم من مأساة مرؤعة تهد الجبل وتزلزل الصعب الشامخ. وكانت في لحظتها الرهيبة التي قامت فيها بدور الجندي المدافع شبحا قائما ترتسم عليه سحابة حزن مرير، وهي شاحبة اللون، عابسة الوجه، مفجوعة القلب، كاسفة البال، منهدة العمد، ضعيفة الجانب، مائعة الجسم، وفي صميم نفسها، وعميق فكرها، المتأملة إشعاعة بهجة، وإثارة طمأنينة، وليس هذا ولا ذاك استعذابا لأمل باسم، أو سكونا إلى حلم لذيذ، أو استقبالا لنتيجة حسنة مترقبة، بل كانت الأشعاعة إشعاعة رضا بالفكرة، والاستبشار بالثورة، وكانت الطمأنينة ثقة بنجاح، لا هذا الذي نفيناه بل على وجه آخر، وإن في بعض الفشل الاجل إيجابا لنجاج عظيم وكذلك وقع، فقد قامت امة برمتها تقدس هذه الثورة النائرة بل تستمد منها ثباتها واستبسالها في هذا الثبات. ودفعتها أفكارها في وقفتها تلك إلى الماضي القريب يوم كانت موجهات السعادة تلعب بحياتها السعيدة، ويوم كان نفس أبيها يصعد، ونسمه يهبط. وكان بيتها قطب الدولة العتيد، ودعامة المجد الراسخة المهيمنة على الزمن الخاشع المطيع. ولعل أفكارها هذه ساقتها إلى تصور أبيها صلى الله عليه وآله وسلم وهو يضمها إلى صدره الرحيب، ويحوطها بحنانه العبقري، ويطبع على فمها الطاهر قبلاته التي اعتادتها منه، وكانت غذاءها صباحا ومساء. ثم وصلت إلى حيث بلغت سلسلة الزمن، فيواجهها الواقع العابس وإذا بالزمان غير الزمان وها هو بيتها مشكاة النور ورمز النبوة والأشعاعة المتألقة المحلقة بالسماء، مهدد بين الفينة والفينة، وما هو ابن عمها الرجل الثاني في دنيا الأسلام باب علم النبوة (1)، ووزيرها المخلص (2)، وهارونها (3) المرجى، الذي لم يكن لينفصل ببدايته (4) الطاهرة عن بداية النبوة المباركة، فهو ناصرها في البداية،
===========
(1) إشارة إلى الحديث المشهور: (أنا مدينة العلم وعلي بابها) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء 1: 64 طبعة دار الفكر، وصححه السيوطي في جمع الجوامع، وأخرجه الترمذي في صحيحة بلفظ آخر، وراجع: التاج الجامع للاصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم / الشيخ منصور علي ناصب 3: 337، قال: رواه الترمذي والطبراني وصححه الحاكم.
(2) إشارة إلى قوله صلى الله عليه وآله وسلم - في حديث الدار أو الأنذار - المشهور: (إن هذا - والأشارة إلى علي - أخي ووزيري وخليفتي فيكم...) راجع الرواية الكاملة في تاريخ الطبري 3: 218 - 219 طبعة المطبعة الحسينية بمصر، وراجع تفسير الخازن 3: 371 طبعة دار المعرفة.
(3) إشارة إلى الحديث المتواتر: (أما ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) راجع: صحيح البخاري 5: 81 باب 39، صحيح مسلم 4: 1873، التاج الجامع للاصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم / الشيخ منصور علي ناصف 3: 333.
(4) راجع: نهج البلاغة، خطبة 192 ضبط الدكتور صبحي الصالح ص 300 - 301 قال الأمام علي عليه السلام: (وقد علمتم موضعي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا ولد... ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الأسلام غير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي وأشم ريح النبوة...).
وأملها الكبير في النهاية، يخسر أخيرا خلافة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتقوض معنوياته النورية التي شهدت لها السماء والأرض جميعا، وتسقط سوا بقه الفذة عن الاعتبار ببعض المقاييس التي تم اصطلاحها في تلك الأحايين. وهنا بكت بكاء شقيا ما شاء الله لها أن تبكي، ولم يكن بكاء بمعناه الذي يظهر على الأسارير، ويخيم على المظاهر، ت بل كان لوعة الضمير، وارتباع النفس، وانتفاضة الحسرات في أعماق القلب، وختمت طوافها الأليم هذا بعبرتين ندتا من مقلتيها. ثم لم تطل وقفتها، بل اندفعت كالشرارة الملتهبة وحولها صويحباتها حتى وصلت إلى ميان الصراح، فوقفت وقفتها الخالدة، وأثارث حربها التي استعملت فيها ما يمكن مباشرته للمرأة في الأسلام، وكادت ثورتها البكر أن تلتهم الخلافة لولا أن عاكسها شذوذ الظرف، وتناثرت أمامها العقبات. (أجواء الحدث) تلك هي الحوراء الصديقة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ريحانة النبوة، ومثال العصمة، وهالة النور المشعة، وبقية الرسول بين المسلمين - في طريقها إلى المسجد - وقد خسر ت أبوة في أزهى الابوات في تاريخ الأنسان، وأفيضها حنانا، وأكثرها إشفاقا، وأوفرها بركة. وهذه كارثة من شأنها أن تذيق المصاب بها مرارة الموت أو أن تظهر له الموت حلو اشهيا، وأملا نيرا. وهكذا كانت الزهراء حينما لحق أبوها بالرفيق الأعلى، وطارت روحه الفرد إلى جنان ربها راضية مرضية. ثم لم تقف الحوادث المرة عند هذا الحد الرهيب، بل عرضت الزهراء لخطب آخر قد لا يقل تأثيرا في نفسها الطهور، وإيقادا لحزنها، وإذ كاء لأساها عن الفاجعة الاولى كثيرا وهو خسارة المجد الذي سجلته السماء لبيت النبوة على طول التاريخ، وأعني بهذا المجد العظيم سيادة الامة وزعامتها الكبرى، فقد كان من تشريعات السماء أن يسوس آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم امته وشيعته، لأنهم مشتقاته ومصغراته، وإذا بالتقدير المعاكس يصرف مراكز الزعامة عن أهلها، ومناصب الحكم عن أصحابها، (1) كان تخطيط السماء أن يتولى علي وأهل البيت الأطهار إمامة الامة وزعامتها، وقد كانت هناك عملية إعداد واسعة النطاق تربويا وفكريا لمثل هذه الخلافة والزعامة، بل كان هناك منهج واضح تتوالى خطواته بهذا الاتجاه وتشهد لذلك نصوص ا لقرآن الكريم والسنة المطهرة، بما لا يدع مجالا للشك. (راجع بحثا مستفيضا حول هذه النقطة في كتاب نشأة التشيع والشيعة للشهيد الصدر رضوان الله تعالى عليه) بتحقيق الدكتور عبد الجبار شرارة)، فقد أثبتنا بالأرقام والشواهد والنصوص هذه الحقيقة بالرجوع إلى المصادر المعتمدة والروايات الصحيحة عند إخواننا أهل السنة. وراجع أيضا على سبيل المثال: تاريخ الطبري 3: 218 - 219 الطبعة الاولى / المطبعة الحسينية بمصر، تاريخ الخلفاء / السيوطي: 171، الصواعق المحرقة / ابن حجر: 127، مختصر تاريخ ابن عساكر / ابن منظور 17: 356 وما بعدها. (1)
ويرتب لها خلفاء وامراه من عند نفسه. وبهذا وذاك خسرت الزهراء أقدس النبوات والابوات، وأخلد الرئاسات والزعا مات بين عشية وضحاها، فبعثها نفسها المطوقة بآفاق من الحزن والأسف إلى المعركة ومجالاتها، ومباشرة الثورة والأستمرار عليها. والحقيقة التي لا شك فيها أن أحدا ممن يوافقها على مبدئها ونهضتها لم يكن ليمكنه أن يقف موقفها، ويستبسل استبسالها في الجهاد إلا وأن يكون أكلة باردة، وطعمة رخصيصة للسطات الحاكمة التي كانت قد بلغت يومذاك أوج الضغط والشدة. فعلى الأشارة عتاب، وعلى القول حساب، وعلى الفعل عقاب، فلم يكن ليختلف عما نصطلح عليه اليوم بالأحكام العرفية، وهو أمر ضروري للسلطات يومئذ في سبيل تدعين أساسها، وتثبيت بنيانها. أما إذا كان القائم المدافع بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبضعته (2)، وصورته الناضرة، فهي محفوظة لا خوف عليها بلا شك، باعتبار هذه النبوة المقدسة، ولما للمرأة في الأسلام
============
(1) راجع: أخبار السقيفة في تاريخ الطبري 2: 244 طبعة دار الكتب العلمية - بيروت، وما دار فيها، ومن ذلك قول الخليفة الثاني: (اقتلوا سعد بن عبادة...).
(2) جاء في الحديث الصحيح: (فاطمة بضعة مني من اذاها فقد اذاني....). راجع: التاج الجامع للاصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم 3: 353 عن البخاري ومسلم وغير هما، صحيح البخاري - باب فضائل الصحابة 5: 83 باب 43 حديث رقم 232 طبعة دار القلم - بيروت، صحيح مسلم 4: 1902 حديث رقم 2493 باب فضائل الصحابة - فضائل فاطمة عليها السلام.
عموما من حرمات وخصائص تمنعها وتحميها من الأذى. مستمسكات الثورة: ارتفعت الزهراء بأجنحة من خيالها المطهر إلى آفاق حياتها الماضية ودنيا أبيها ا لعظيم التي استحالت حين لحق سيد البشر بربه إلى ذكرى في نفس الحوراء متألقة بالنور، تمد الزهراء في كل حين بألوا ن من الشور والعاطفة والتوجيه، وتشيع في نفسها ضروبا من البهجة والنعيم، فهي وإن كانت قد تأخرت عن أبيها في حساب الزمن أياما أو شهورا، ولكنها لم تنفصل عنه في حساب الروح والذكرى لحظة واحدة. وإذن ففي جنبيها معين من القوة لا ينضب، وطاقة على ثورة كاسحة لا تخمد، وأضواء من نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونفس محمد تنير لها الطريق، وتهديها سواء السبيل. وتجردت الزهراء في اللحظة التي اختمرت فيها ثورة نفسها عن دنيا الناس، واتجهت بمشاعرها إلى تلك الذكرى الحية في نفسها لتستمد منها قبسأ من نور في موقفها العصيب، وصارت تنادي: إلي يا صور السعادة التي أفقت منها على شقاء لا يصطبر عليه... إلي يا أعز روح علي، وأحبها إلي... حدثيني وأفيضي علي من نورك الألهي، كما كنت تصنعين معي دائما. إلي يا أبي أناجيك إن كانت المناجاة تلذ لك، أبثك همومي كما اعتدت أن أفعل في كل حين، واخبرك أن تلك الظلال الظليلة التي كانت تقيني من لهيب هذه الدنيا لم يعد لي منها شئ. قد كان بعدك أبناء وهنبثة لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب إلي يا ذكريات الماضي العزيز حدثيني حديثك الجذاب ورددي على مسامعي كل شئ لاثيرها حربا لا هوادة فيها على هؤلاء الذين ارتفعوا أو ارتفع الناس بهم إلى منبر أبي ومقامه، ولم يعرفوا لا ل محمد صلى الله عليه وآله وسلم حقوقهم، ولا لبيتهم حرمة تصونه من الأحراق (2) والتخريب، ذكريني بمشاهد أبي وغز واته ألم يكن يقص علي ألوانا من بطولة أخيه وصهره واستبساله في الجهاد (3)، تفوقة على سائر الأنداد، ووقوفه إلى صف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أشد الساعات، وأعنف المعارك التي فر فيها فلان وفلان وتقاصر عن اقتحامها (4) الشجعان. أيصح بعد هذا أن نضع أبا بكر على منبر النبي وننزل بعلي عما يستحق من مقام ؟ !
==========
(1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 312.
(2) إشارة إلى التهديد بإحراق بيت الزهراء عليها السلام، راجع: الأمامة والسياسة / ابن قتيبة: 12، والطبري في تاريخه 2: 233 طبعة دار الكتب العلمية - بيروت، شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 6: 47 - 48، رواية تنص على أن عمر بن الخطاب جاء إلى بيت فاطمة عليها السلام في عصابة في رجال من الأنصار ونفر من المهاجرين، فقال: (والذي نفسي بيده لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقن البيت عليكم).
(3) راجع تاريخ الطبري 2: 25 و 65 و 66، عندما قتل علي عليه السلام طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين... وقتل أصحاب الألوية، أبصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جماعة من المشركين، فقال: (احمل عليهم)، فحمل عليهم ففرق جمعهم، وقتل عمرو الجمحي، ثم أبصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جماعة من المشركين، فقال لعلي: (احمل عليهم)، فحمل عليهم ففرق جمعهم، وقتل شبية بن مالك. فقال (جبريل) عليه السلام: (يا رسول الله إن هذه للمواساة)، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنه مني وأنا منه)، فقال (جبريل): (وأنا منكما...).
(4) راجع: رواية سعيد بن أبي وقاص في صحيح مسلم 4: 1873، صحيح الترمذي 5: 596، الصواعق المحرقة / ابن حجر: 143 فهي تنطق بهذا المعنى.
خبريني يا ذكريات أبي العزيز أليس أبو بكر هو الذي لم يأتمنه الوحي على تبليغ (1) آية للمشركين ؟ وانتخب للمهمة عليا، فماذا يكون معنى هذا إن لم يكن معناه أن عليا هو الممثل الطبيعي للأسلام الذي يجب أن تستند إليه كل مهمة لا يتيسر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم مباشرتها ؟ إني لأتذكر بوضوح ذلك اليوم العصيب الذي أرجف فيه المرجفون لما استخلف أبي عليا على المدينة وخرج إلى الحرب، فوضعوا لهذا الاستخلاف (2) ما شاؤوا من تفاسير، وكان علي ثابتا كالطود لا تزعزعه مشاغبات المشاغبين، وكنت احاول أن يلتحق بأبي ليحدثه بحديث الناس، وأخيرا لحق بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم رجع متهلل الوجه ضاحك الأسارير، تحمله الفرحة إلى قرينته الحبيبة ليزف إليها بشرى لا بمعنى من معاني الدنيا بل بمعنى من معاني السماء. فقص علي كيف استقبله النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورحب به وقال له: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) (3)، وهارون موسى كان شريكا له في الحكم، وإماما لامته، ومعدا لخلافته، فلابد أن يكون هارون محمد صلى الله عليه وآله وسلم وليا للمسلمين وخليفته فيهم من بعده.
===========
(1) إشارة إلى قصة تبليغ سورة براءة، وهي في مسند الأمام أحمد بن حنبل 1: 3 طبعة دار صادر - بيروت، وفي الكشاف / الزمخشري 2: 243، قال: (روي أن أبا بكر لما كان ببعض الطريق لتبليغ سورة براءة، هبط جبرائيل عليه السلام فقال: (يا محمد لا يبلغن رسالتك إلا رجل منك، فأرسل عليا...). راجع الرواية أيضا في صحيح الترمذي 5: 594.
(2) راجع تفصيل الرواية في تاريخ الطبري 2: 182 - 183، البداية والنهاية / ابن كثير الدمشقي 7: 340.
(3) راجع: التاج الجامع للاصول في احاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم / الشيخ منصور علي ناصف 3: 332، قال: رواه الشيخان والترمذي، صحيح مسلم 4: 1873، خصائص النسائي: 48 - 50. (الشهيد)
ولما وصلت إلى هذه النقطة من أفكارها المتدفقة صرخت إن هذا هو الأنقلاب الذي أنذر تعالى في كتابه إذ قال: (و 10 ما محمد إلا رسول رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) (1). فها هم الناس قد انقلبوا على أعقابهم، واستولى عليهم المنطق الجاهلي الذي تبادله الحزبان في السقيفة حين قال أحد هما: (نحن أهل العزة والمنعة، واولوا العدد والكثرة، وأجابه الاخر: من ينازعنا سلطان محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونحن أولياؤه وعترته) (2) وسقط الكتاب والسنة في تلك المقاييس ثم أخذت تقول: يا مبادئ محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي جرت في عروقي منذ ولدت كما يجري الدم في العصب، إن عمر الذي هجم عليك في بيتك المكي الذي أقامه النبي مركزا لدعوته قد هجم على آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم في دارهم وأشعل النار فيها أو كاد.. (3). يا روح امي العظيمة إنك ألقيت علي درسا خالدا في حياة النضل الأسلامي بجهادك الرائع في صف سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم وسوف أجعل من نفسي خديجة علي في محنته القائمة (4).
===========
(1) آل عمران / 144.
(2) راجع تفصيل ذلك في أخبار السقيفة / تاريخ الطبري 2: 234 وما بعدها، شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 6: 6 - 9، فقد نقلا هذه المحاورات والمداخلات.
(3) في هذه المسألة التي كثر فيها الكلام، راجع: تارى الطبري 2: 233، أخرج عن ابن حميد بسند قال: أتى عمر بن الخطاب منزل علي وفيه رجال من المهاجرين فقال: (والله لأحرقن عليكم أو لتخرجن إلى البيعة...). (4) إشارة إلى موقف زوج الرسول الكريم خديجة الكبرى التي خصها الله بالكرامة في موقفها من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند محنته مع قريش في تكذيبه.
لبيك لبيك يا اماه إني أسمع صوتك في أعماق روحي يدفعني إلى مقاومة الحاكمين. فسوف أذهب إلى أبي بكر لأقول له: (لقد جئت شيئا فريا، فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم الله، والزعيم محمد، والموعد القيامة (1)، ولانبه المسلمين إلى عواقب فعلتهم والمستقبل القاتم الذي بنوه بأيديهم وأقوال: (لقد لقحت فنظرة ريثما تحلب، ثم احتلبوها طلاع القعب دما عبيطا، وهناك يخسر المبطلون، ويعرف التالون، غب ما أسس الأولون) (2). ثم اندفعت إلى ميدان العمل وفي نفسها مبادئ محمد صلى الله عليه وآله وسلم وروح خديجة، وبطولة علي، وإشفاق عظيم على هذه الامة من مستقبل مظلم. طريق الثورة: لم يكن الطريق الذي اجتازته الثائرة طويلا، لأن البيت الذي انبعث منه شرر الثورة ولهيبها هو بيت علي عليه السلام، بالطبع الذي كان يصطلح عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيت النبوة (3)، وهو جار المسجد (4) لا يفصل بينهما سوى
============
(1) و (2) من خطبتها، راجع: شرح نهج البلاغة 16: 212.
(3) ينقل الرواة والمؤرخون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استمر أكثر من ستة أشهر بعد نزول آية التطهير يقف على باب دار علي وفاطمة عليها السلام، عند ذهابه إلى الصلاة وهو يقول: (السلام عليكم يا نهل البيت)، راجع: مسند الأمام أحمد بن حنبل 3: 285 طبعة دار صادر، المستدرك على الصحيحين / الحاكم ا لنيسابوري 3: 158.
(4) في مسند أحمد بن حنبل 4: 369، وفي تاريخ ابن كثير 3: 355، كان لنفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبواب شارعة في المسجد، فأمر رسول الله بسد هذه الأبواب إلا باب علي عليه السلام.
جدار واحد، فلعلها دخلته من الباب المتصل به، والمؤدي إليه من دارها مباشرة، كما يمكن أن يكون مدخلها الباب العام. ولا يهمنا تعيين أحد الطريقين، وإن كنت ارجح أنها سلكت الباب العام لأن سياق الرواية التاريخية التي حكت لنا هذه الحركة الدفاعية يشعر بهذا، فإن دخولها من الباب الخاص لا يكلفها سيرا في نفس المسجد، ولا اجتياز طريق بينه وبين بيتها، فمن أين للراوي أن يصف مشيها، وينعته بأنه لا يخرم مشية (1) رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو لم يكن معها بالطبع ؟ ! ولو تصورنا أنها سارت في نفس المسجد، لا ينتهي سيرها بالدخول على الخليفة، وإنما يبتدي بذلك، لأن من دخل المسجد صدق عليه أنه دخل على من فيه، وإن سار في ساحته من أن الراوي يجعل دخولها على أبي بكر متعقبا لمشيها، وهذا وغيره يكون قرينة على ما استقريناه. النسوة: وتدلنا الرواية على أن على الزهراء كانت تصحب معها نسوة (2) من قومها وحفدتها كما سبق ذكره، ومرد هذه الصحبة وذلك الاختيار للباب العام إلى أمر واحد، وهو تنبيه الناس، وكسب التفاتهم باجتيازها في الطريق مع تلك النسوة ليجتمعوا في المسجد، ويتهافتوا حيث ينتهي بها السير بقصد التعرف على
===========
(1) راجع الرواية، وأن مشيها لا يخرم مشية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 211. (2) المصدر السابق. (*)
ما تريده، وتعزم عليه من قول أو فعل، وبهذا تكون المحاكمة علنية تعيها أسماع عامة المسلمين في ذلك الوسط المضطرب. ظاهرة: سبق أن الرواية التاريخية جاءت تنص على أن الزهراء لم تكن لتخرم في مشيتها مشية أبيها صلى الله عليه وآله وسلم. ويتسع لنا المجال لفلسفة هذا التقليد الدقيق، فلعله كان طبيعة قد جرت عليها في موقفها هذا بلا تكلف ولا اعتناء خاص، ولى هذا ببعيد فإنها (صلوات الله عليها) قد اعتادت أن تقلد أباها وتحاكيه في سائر أفعالها وأقوالها، ويحتمل أن يكون لهذه المشابهة المتقنة وجه آخر بأن كانت الحوراء قد عمدت في موقفها يو مذاك إلى تقليد أبيها في مشيه عن التفات وقصد فأحكمت التمثيل، وأجادت المحاكاة، فلم تكن لتخرم مشية النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأرادت بهذا أن تستولي على المشاعر وإحساس الناس، وعواطف الجمهور بهذا التقليد البا هر الذي يدفع بأفكار هم إلى سفر تصير، وتجول لذيذ في الماضي القريب حيث عهد النبوة المقدس، والأيام الضواحك التي قضوها تحت ظلال نبيهم الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، فيكون في إرهاف هذه الأحساسات وصقلها صقلا عاطفيا ما يمهد للزهراء الشروع في مقصودها، ويوطئ القلوب لتقبل دعوتها الصارخة، واستجابة استنقاذها الحزين، ونجاح محاولتها اليائسة أو شبه اليائسة. ولذا ترى أن الراوي نفسه أثرت عليه هذه الناحية أيضا من حيث يشعر أو لا يشعر، ودفعه تأثره هذا إلى تسجيلها فيما سجل من تصوير الحركة الفاطمية: صرخة باركتها الزهراء، ورعتها السماء فكانت عند اندلاعها محط الثقل الذي تركز عنده الحق المذبوح، والمحاولة اليائسة التي شاعت حولها ابتسامات أمل استحالت بعد انتهائها إلى عبوس مرير، ويأس ثابت، واستسلام فرضته حياة الناس الواقعة يو مذاك. ثورة لم تكن لتقصد بها الثائرة نتيجة لها على ما يطرد في الثورات الاخرى بقدر ما كانت تهدف إلى تثبيت الثورة لذاتها، وتسجيلها فيما يسجله التاريخ في سطوره البارزة، فكانت الثورة على هذا بنفسها تؤدي الغرض كاملا غير منقوص، وهذا ما وقع بالفعل وبه نفسر الحكم بنجاحها وإن فشلت كما سنوضحه في موقع آخر من هذا الكتاب.
الفصل الثاني
فدك بمعناها الحقيقي والرمزي *
بلى كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء فشحت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس آخرين. (قرين الزهراء) أمير المؤمنين عليه السلام (نهج البلاغة / تنظيم صبحي الصالح: 416)
(الموقع:) فدك: قرية في الحجاز، بينها وبين المدينة يومان، وقيل ثلاثة، وهي أرض يهودية في مطع تاريخها المأثور (1). وكان يسكنها طائفة من اليهود، ولم يزالوا على ذلك حتى السنة السابعة حيث قذف الله بالرعب في قلوب أهليها فصالحوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على النصف من فدك وروي أنه صالحهم عليها كلها (2). (فدك في أدوارها الالى:) وابتدأ بذلك تاريخها الأسلامي، فكانت ملكا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم،
===========
(1) راجع معجم البلدان / ياقوت الحموي 4: 238 - 239 طبعة دار احياء التراث العربي - بيروت - 1399.
(2) راجع: فتوح البلدان / البلاذري: 42 - 46، وما كان من أمر فدك ومصالحة أهلها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على النصف، وأنها خالصة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنها لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب. وفي ص 46 قال: (ولما كانت سنة عشر ومائتين أمر أمير المؤمنين المأمون عبد الله بن هار ون الرشيد، فدفعها إلى ولد فاطمة، وكتب بذلك إلى قثم بن جعفر عامله على المدينة...).
لأنها مما لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب (1)، ثم قدمها لابنته الزهراء (2)، وبقيت عندها حتى توفي أبوها صلى الله عليه وآله وسلم فانتزعها الخليفة الأول رضى عنه الله - على حد تعبير صاحب الصواعق المحرقة (3) - وأصبحت من مصادر المالية العامة وموارد ثروة الدولة يو مذاك، حتى تولى عمر الخلافة فدفع فدكا إلى ورثة (4) رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبقيت فدك عند آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن تولى الخلافة عثمان بن عفان فأقطعها مروان بن الحكم على ما قيل (5)، ثم يهمل التاريخ أمر فدك بعد عثمان فلا يصرح عنها بشئ. ولكن الشئ الثابت هو أن أمير المؤمنين عليا انتزعها من مروان على تقدير كونها عنده في خلافة عثمان - كسائر ما نهبه بنو امية في أيام خليفتهم. (في عهد أمير المؤمنين:) وقد ذكر بعض المدافعين عن الخليفة في مسألة فدك أن عليا لم يدفعها عن المسلمين بل اتبع فيها سيرة أبي بكر، فلو كان يعلم بصواب الزهراء وصحة دعواها ما انتهج ذلك المنهج. ولا اريد أن أفتح الجواب بحث التقية على مصراعيه واوجه بها
============
(1) كما هو مقتضى النص القرآني: (وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب) الحشر / 6.
(2) فتوح البلدان: 44.
(3) راجع: الصواعق المحرقة: 38.
(4) راجع: شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 213.
(5) فتوح البلدان: 44، إن بني امية اصطفوا فدك وغيروا سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، شرح نهج البلاغة 16: 216.
عمل أمير المؤمنين، وإنما أمنع أن يكون أمير المؤمنين عليه السلام قد سار على طريقة الصديق، فإن التاريخ لم يصرح بشئ من ذلك، بل صرح بأن أمير المؤمنين كان يرى فدك لأهل البيت، وقد سجل هذا الرأي بوضوح في رسالته إلى عثمان بن حنيف (1) كما سيأتي. فمن الممكن أنه كان يخص ورثة الزهراء وهم أولادها وزوجها بحاصلات فدك، وليس في هذا التخصيص ما يوجب إشاعة الخبر، لأن المال كان عنده وأهله الشرعيون هو وأولاده. كما يحتمل أنه كان ينفق غلاتها في مصالح المسلمين برضى منه ومن أولاده عليهم الصلاة والسلام (2)، بل لعلهم أو قفوها وجعلو ها من الصدقات العامة. (في فترة الامويين:) ولما ولي معاوية بن أبي سفيان الخلافة أمعن في السخرية وأكثر من الاستخفاف بالحق المهضوم، فأقطع مروان بن الحكم ثلث فدك، وعمر بن عثمان ثلثها، ويزيد ابنه ثلثها الاخر، فلم يزالوا يتدا ولونها (3) حتى خلصت كلها لمروان بن الحكيم أيام ملكه، ثم صفت لعمربن عبد العزيز بن مروان، فلما تولى هذا الأمر رد فد ك على ولد فاطمة عليها
==========
(1) راجع: شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 208، رسالة الأمام عليه السلام إلى عثمان بن حنيف - (نعم كانت في أيدينا فدك...).
(2) وهذا أقرب الاحتمالات، لأن الأول تنفيه رسالة أمير المؤمنين إلى عثمان بن حنيف إذ يقول: (وسخت عنها نفوس آخرين...)، والثالث يبعده قبول الفاطميين لفدك. (الشهيد)
(3) راجع: شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 216، فتوح البلدان / البلاذري: 46، قال: (ثم ولي معاوية فأقطعها (فدك) مروان بن الحكم..).
السلام وكتب إلى واليه على المدينة أبى بكر بن عمرو بن حزم يأمره بذلك، فكتب إليه: (إن فاطمة عليها السلام قد ولدت في آل عثمان وآل فلان وفلان فعلى من أرد منهم ؟ فكتب إليه: أما بعد، فإني لو كتبت إليك أمرك أن تذبح بقرة لسألتني ما لونها فإذا ورد عليك كتابي هذا فاقسمها في ولد فاطمة عليها السلام من علي عليه السلام) (1)، فنقمت بنو أمية ذلك على عمر بن عبد العزيز وعاتبوه فيه وقالوا له: (هجنت فعل الشيخين). وقيل: إنه خرج إليه عمر بن قيس في جماعة من أهل الكوفة فلما عاتبوه على فعله قال لهم: (إنكم جهلتم وعلمت، ونسيتم وذكرت، إن أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم حدثني عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (فاطمة بضعة مني يسخطها ما يسخطني، ويرضيني ما أرضاها) (2) وإن فدك كانت صافية على عهد أبي بكر وعمر ثم صار أمرها إلى مروان فوهبها لعبد العزيز أبي فورثتها أنا واخوتي عنه فسألتهم أي يبيعوني حصتهم منها فمن بائع وواهب حتى استجمعت لي فرأيت أن أردها على ولد فاطمة)، فقالوا له: (فإن أبيت إلا هذا فامسك الأصل واقسم الغلة، ففعل) (3). ثم انتزعها يزيد بن عبد الملك من أولاد فاطمة فصارت في أيدي بني مروان حتى انقرضت دولتهم (4).
===========
(1) شرح نهج البلاغة / ابن أبى الحديد 16: 278.
(2) الحديث أخرجته الصحاح والمسانيد، راجع: التاج الجامع للاصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم / الشيخ منصور علي ناصف 3: 353، الطبعة الثالثة - مكتبة ياموق - استانبول 1381 ه. وقد مر تخريجه أيضا.
(3) راجع: فتوح البلدان / البلاذري: 46، شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 278.
(4) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 216.
(في فترة العباسيين:) فلما قام أبو العباس السفاح بالأمر وتقلد الخلافة ردها على عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب ثم قبضها أبو جعفر المنصور في خلافته من بني الحسن وردها المهدي بن المنصور على الفاط ميين ثم قبضها موسى بن المهدي من أيديهم (1). ولم تزل في أيدي العباسيين حتى تولى المأمون الخلافة فردها على الفاطميين سنة (210 ه) وكتب بذلك إلى قثم بن جعفر عامله على المدينة: (أما بعد، فإن أمير المؤمنين بمكانه من دين الله وخلافة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم والقرابة به أولى من استن سنته، ونفذ أمره، وسلم لمن منحه منحة وتصدق عليه بصدقة منحته وصدقته، وبالله توفيق أمير المؤمنين وعصمته وإليه في العمل بما يقربه إليه رغبته، وقد كان رسو ل الله صلى الله عليه وآله وسلم أعطى فاطمة بنت رسول الله فدك وتصدق بها عليها، وكان ذلك أمرا ظاهرا معروفا لا اختلاف فيه بين آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم تزل تدعي منه ما هو أولى به من صدق عليه، فرأى أمير المؤمنين أن يردها إلى ورثتها ويسلمها إليهم تقربا إلى الله تعالى بإقامة حقه وعدله وإلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتنفيذ أمره وصدقته، فأمر بإثبات ذلك في دواوينه والكتاب به إلى عماله، فلئن كان ينادى في كل موسم بعد أن قبض الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يذكر كل من كانت له صدقة أو هبة أو عدة ذلك فيقبل قوله وتنفذ عدته، إن فاطمة (رضي
===========
(1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 216 - 217.
الله عنها) لأولى بأن يصدق قولها فيما جعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لها، وقد كتب أمير المؤمنين إلى المبارك الطبري - مولى أمير المؤمنين - يأمره برد فدك على ورثة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحدودها وجميع حقوقها المنسوبة إليها وما فيها من الرقيق والغلات وغير ذلك، وتسليمها إلى محمد بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب ومحمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لتولية أمير المؤمنين إياهما القيام بها لأهلها. فاعلم ذلك من رأى أمير المؤمنين وما ألهمه الله من طاعته ووفقه له من التقرب إليه وإلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وأعلمه من قبلك، وعامل محمد بن يحيى ومحمد بن عبد الله بما كنت تعامل به المبارك الطبري، وأعنهما على ما في عمارتها ومصلحتها ووفور غلاتها إن شاء الله والسلام (1). ولما بويع المتوكل على الله انتزعها من الفاطميين وأقطعها عبد الله بن عمر البا زيار وكان فيها إحدى عشرة نخلة غرسها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده الكريمة، فوجه عبد الله بن عمر البازيار رجلا يقال له: بشران بن أبي امية الثقفي إلى المدينة فصرم تلك النخيل ثم عاد إلى البصرة ففلج (2). وينتهي آخر عهد الفاطميين بفدك بخلافة المتوكل ومنحه إياها عبد الله ابن عمر البازيار (3). هذه إلمامة مختصرة بتاريخ فدك المضطرب الذي لا يستقيم على خط ولا يجمع على قاعدة، وإنما حاكت أكثره الأهواء، وصاغته الشهوات على ما اقتضته المطامع والسياسات الوقتية، وعلى هذا فلم يخل هذا التاريخ من
=========
(1) فتوح البلدان / البلاذري: 46 - 47.
(2) و (3) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 217.
اعتدال واستقامة في أحايين مختلفة، وظروف متباعدة، حيث توكل فدك إلى أهلها وأصحابها الأولين. ويلاحظ أن مشكلة فدك كانت قد حازت أهمية كبرى بنظر المجتمع الأسلامي وأسياده، ولذا ترى حلها يختلف باختلاف سياسة الدوة، ويرتبط باتجاه الخليفة العام نحو أهل البيت مباشرة، فهو إذا استقام اتجا هه، واعتدل رأيه، رد فدك على الفاطميين، وإذا لم يكن كذلك وقع انتزاع فدك في أول القائمة من أعمال ذلك الخليفة. القيمة المعنوية والمادية لفدك: ويدلنا على مدى ما بلغته فدك من القيمة المعنوية في النظر الأسلامى قصيدة دعبل الخزاعي التي أنشأها حينما رد المأمون فدك ومطلعها: أصبح وجه الزمان قد ضحكا * برد مأمون هاشم فدكا (1) وقد بقيت كلمة بسيطة وهي أن فدك لم تكن أرضا صغيرة أو مزرعا متواضعا كما يظن البعض، بل الأمر الذي أطمئن إليه أنها كانت تدر على صاحبها أموالا طائلة تشكل ثروة مهمة وليس علي بعد هذا أن احدد الحاصل السنوي منها وإن ورد في بعض طرقنا الارتفاع به إلى أعداد عالية جدا. ويدل على مقدار القيمة المادية لفدك امور: (الأول) ما سيأتي من أن عمر منع (2) أبا بكر من ترك فدك للزهراء لضعف المالية العامة مع احتياجها إلى التقوية لما يتهدد الموقف من حروب الردة وثروات العصاة.
============
(1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 217
(2) راجع: السيرة الحلبية 3: 391، شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 234.
ومن الجلي أن أرضا يستعان بحاصلاتها على تعديل ميزانية الدولة، وتقوية مالياتها في ظروف حرجة كظرف الثورات والحروب الداخلية لا بد أنها ذات نتاج عظيم. (الثاني) قول الخليفة لفاطمة في محاورة له معها حول فدك: (إن هذا المال لم يكن للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وإنما كان مالا من أموال المسلمين يحمل النبي به الرجال وينفقه في سبيل الله) (1)، فإن تحميل الرجال لا يكون إلا بمال مهم تتقوم به نفقات الجيش. (الثالث) ما سبق من تقسيم معاوية فدك أثلاثا (2)، وإعطائه لكل من يزيد ومروان وعمرو بن عثمان ثلثا، فإن هذا يدل بوضوح على مدى الثروة المجتناة من تلك الأرض، فإنها بلا شك ثروة عظيمة تصلح لأن توزع على امراه ثلاثة من أصحاب الثراء العريض والأموال الطائلة. (الرابع) التعبير عنها بقرية كما في معجم البلدان (3)، وتقدير بعض نخليها بنخيل الكوفة في القرن السادس الهجري كما في شرح النهج لابن أبي الحديد (4).
=========
(1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 214
(2) المصدر السابق 16: 216.
(3) معجم البلدان / الحموي 4: 238، فتوح البلدان: 45، قال: حدثنا سريج بن يونس قال: أخبر إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن الزهري في قول الله تعالى: (فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب) قال: هذه قرى عربية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فدك وكذا وكذا.
(4) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 236.
الفصل الثالث تاريخ الثورة
قد كان بعدك أنباء وهنبثة * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب أبدت رجال لنا نجوى صدورهم لما مضيت وحالت دونك الترب شرح نهج البلاغة 16: 212 صبت علي مصائب لو أنها * صبت على الأيام صرن لياليا قد كنت أرتع تحت ضل محمد * لا اختشي ضيما وكان جماليا واليوم أخضع للذليل وأتقي * ضيمي وأدفع ظالمي بردائيا الزهراء عليها السلام
(منهج دراسة التاريخ) إذا كان التجرد عن المرتكزات، والأناة في الحكم، والحرية في التفكير شروطا للحياة الفكرية المنتجة، وللبراعة الفنية في كل دراسة عقلية مهما يكن نوعها، ومهما يكن موضوعها، فهي أهم الشروط الأساسية لأقامة بناء تاريخي محكم لقضايا أسلافنا ترتسم فيه خطوط حياتهم التي صارت ملكا للتاريخ، ويصور عناصر شخصياتهم التي عرفوها في أنفسهم أو عرفها الناس يومئذ فيهم، ويتسع لتأملات شاملة لكل موضوع من موضوعات ذلك الزمن المنصرم يتعرف بها على لونه التاريخي والاجتماعي ووزنه في حساب الحياة العامة، أو في حساب الحياة الخاصة التي يعني بها الباحث، وتكون مدارا لبحثه، كالحياة الدينية، والأخلاقية، والسياسية إلى غير ذلك من النواحي التي يأتلف منها المجتمع الأنساني على شرط أن تستمد هذه التأملات كيانها النظري من عالم الناس المنظور لا من عالم تبتدعه العواطف والمرتكزات، وينشئه التعبد والتقليد، ولا من خيال مجنج يرتفع بالتوافه والسفاسف إلى الذروة، ويبني عليها ما شاء من تحقيق ونتائج، ولا من قيود لم يستطع الكاتب أن يتحرر عنها ليتأ مل ويفكر كما تشاء له أساليب البحث العلمي النزيه.
وأما إذا جئنا للتاريخ لا لنسجل واقع الأمر خيرا كان أو شرا، ولا لنجس دراستنا في حدود من مناهج البحث العلمي الخالص، ولا لنجمع الاحتمالات والتقديرات التي يجوز افتراضها ليسقط منها على محك البحث ما يسقط ويبقى ما يليق بالتقدير والملاحظة، بل لنستلهم عواطفنا وموروثاتنا ونستمد من وحيها الأخاذ تاريخ أجيالنا السابقة، فليس ذلك تاريخا لاولئك الأشخاص الذين عاشوا على وجه الأرض يوما ما، وكانوا بشرا من البشر تتازعهم ضروب شتى من الشعور والأحساس، وتختلج في ضمائرهم ألوان مختلفة من نوازع الخير ونزعات الشر، بل هو ترجمة لأشخاص عاشوا في ذهننا وطارت بهم نفوسنا إلى الافاق العالية من الخيال. فإذا كنت تريد أن تكون حرا في تفكيرك، ومؤرخا لدينا الناس لا روائيا يستوحي من دنيا ذهنه ما يكتب، فضع عواطفك جانبا أو إذا شئت فاملأ بها شعاب نفسك فهي ملك لا ينازعك فيها أحد، واستثن تفكيرك الذي به تعالج البحث، فإنه لم يعد ملكك بعد أن اضطلعت بمسؤولية التاريخ وأخذت على نفسك أن تكون أمينا ليأتي البحث مستوفيا لشروطه قائما على اسس صحيحة من التفكير والاستنتاج (1). كثيرة جدا هذه الأسباب التي تحول بين نقاد التاريخ وبين حريتهم فيما ينقدون، وقد اعتاد المؤرخون أو أكثر المؤرخين بتعبير أصح، أن يقتصروا على ضروب معينة من
============
(1) يلاحظ معالم المنهج العلمي الذي يحدده الأمام الشهيد الصدر رضوان الله عليه سو اء في قراءته التاريخ أو في كتابته، والخطوات التي يحددها رضوان الله عليه هنا هي ما تقتضيه اصول البحث التاريخي. راجع: منهج البحث التاريخي / الدكتور حسن عثمان، طبعة دار المعارف بمصر.
هندسة الحياة التى يؤرخونها، وأن يصوغوا التاريخ صياغة قد يظهر فيها الجمال الفني أحيانا حينما يتوسع الباحث في انطباعاته عن الموضوع، ولكنها صورة باهتة في أكثر الأحايين ليس فيها ما في دنيا الناس التي تصورهم من معاني الحياة وشؤونها المتدفقة بألوان من النشاط، والحركة، والعلمل، وسوف تجد فيما يأتي أمثلة بمقدار ما يتسع له موضوعنا من الزمن الدقيق الذي ندرسه في هذه الفصول أعني الظرف الذي تلا وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتقررت فيه المسألة الأساسية في تاريخ الأسلام على شكل لا يتغير، وهي نوع السلطة التي ينبغي أن تتولى امور المسلمين. (تقويم تاريخ صدر الأسلام:) كلنا نود أن يكون التاريخ الأسلامي في عصره الأول الزاهر طاهرا كل الطهر، بريئا مما يخالط الحاية الأنسانية من مضاعفات الشر ومزالق الهوى، فقد كان عصرا مشعا بالمثاليات الرفيعة، إذ قام على إنشائه أكبر المنشئين للعصور الأنسانية في تاريخ هذا الكوكب على الأطلاق، وارتقت فيه العقيدة الألهية إلى حيث لم ترتق إليه الفكرة الألهية في دنيا الفلسفة والعلم، فقد عكس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم روحه في روح ذلك العصر، فتأثر بها وطبع بطابعها الألهي العظيم، بل فنى الصفوة من المحمديين في هذا الطابع فلم يكن لهم اتجاه إلا نحو المبدع الأعظم الذي ظهرت وتألقت منه أنوار الوجود وإليه تسير، كما كان استاذهم الأكبر الذي فنى الوجود المنبسط كله بين عينيه ساعة هبوط الرسالة السماوية عليه. فلم يكن يرى شيئا ولا يسمع صوتا سوى الصوت الألهي المنبعث من كل صوب وحدب، وفي كل جهة من جهات الوجود، وناحية من نواحي الكون يعلن تقليده الشارة الكبرى.
إن عصرا تلغى فيه قيمة الفوارق المادية على الأطلاق، ويستوي فيه الحاكم والمحكوم في نظر القانون (1)، ومجالات تنفيذه، ويجعل مدار القيمة المعنوية، والكرامة المحترمة فيه تقوى الله (2) التي هي تطهير روحي، وصانية للضمير، وارتفاع بالنفس إلى آفاق من المثالية الرفيعة، ويحرم في عرفه احترام الغني لأنه غني، وإهانة الفقير لأنه فقير، ولا يفرق فيه بين الأشخاص إلا بمقدار الطاقة الانتاجية (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) (3). ويتسارع فيه إلى لجهاد لصالح النوعى الأنساني الذي معناه إلغاء مذهب السعادة الشخصية في هذه ا لدنيا، وإخراجها عن حساب الأعمال (4). (أقول) إن العصر الذي تجتمع له كل هذه المفاخر لهو خليق بالتقديس والتبجيل والأعجاب والتقدير، ولكن ماذا أراني دفعت إلى التوسع في أمر لم أكن اريد أن اطيل فيه ؟ وليس لي أن افرط في جنب الموضوع الذي احاوله بالتوسع في أمر آخر، ولكنها الحماسة لذلك العصر هي التي دفعتني
=========
(1) راجع الحادثة التاريخية المشهورة في موقف الأمام علي عليه السلام في مجالس القضاء، وكذلك ما جرى عليه الأمر في تاريخ القضاء الأسلامي. لاحظ الأشارة إلى ذلك في شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 269
(2) إشارة إلى قوله تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) الحجرات / 13.
(3) البقرة / 286.
(4) إشارة إلى الاستعداد للتضحية بالغالي والنفيس من أجل الأسلام ورفع الظلم ونصرة المستضعفين كما في قوله تعالى: (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره...) التوبة / 24.
إلى ذلك، فهو بلا ريب زين العصور في الروحانية والاستقامة. أنا أفهم هذا جيدا، واوافق عليه متحمسا(1)، ولكني لا أفهم أن يمنع عن التعمق في الدرس العلمي، أو التمحيص التاريخي لموضوع كموضوعات الساعة التي نتكلم عنها من مراحل ذلك الزمن، أو يحظر علينا أن نبدأ البحث في مسألة فدك على أساس أن أحد الخصمين كان مخطئا في موقفه بحسب موازين الشريعة ومقاييسها، أو أن نلاحظ أن قصد الخلافة وفكرة السقيفة لم تكن مرتجلة ولا وليدة يومها إذا دلنا على ذ لك سير الحوادث حينذاك، وطبيعة الظروف المحيطة بها. وأكبر الظن أن كثيرا منا ذهب في تعليل مناقب ذلك العصر ومآثره مذهبا جعله يعتقد أن رجالات الزمن الخالي، وبتعبير أوضح تحديدا أن أبا بكر وعمر وأضرابهما الذين هم من موجهي الحياة العامة يومئذ لا يمكن أن يتعرضوا لنقد أو محاكمة، لأنهم بناة ذلك العصر، والواضعون لحياته خطوطها الذهبية، فتاريخهم تاريخ ذلك العصر، وتجريدهم عن شئ من مناقبهم تجريد لذلك العصر عن مثاليته التي يعتقدها فيه كل مسلم. واريد أن أترك لي كلمة مختصرة في هذا الموضوع فيها مادة لبحث طويل، ولمحة من دراسة مهمة قد أعرض لها في فرضة اخرى من فرص التأليف، وأكتفي الان أن أتساءل عن نصيب هذا الرأي من الو اقع.
============
(1) لاحظ التقويم الدقيق للحالة الأسلامية في صدر الأسلام، وزمن الخلفاء الراشدين، ومدى التقدير العالي 19 لمناقبية ذلك العصر، ومع ذلك فإن الأمام الشهيد رضوان الله عليه لا يريد أن يقع تحت جاذبية الانبهار والأعجاب بذلك العصر ويغمض النظر عما وقع فيه من مفارقات، تدعو إلى الدراسة والبحث والتحليل والتحقيق وصولا إلى الرأي الأقرب إلى الصواب.
صحيح أن الأسلام في أيام الخليفتين كان مهيمنا، والفتوحات متصلة والحياة متدفقة بمعاني الخير، وجميع نواحيها مزدهرة بالانبعاث الروحي الشامل، واللون القرآني المشع، ولكن هل يمكن أن نقبل أن التفسير الوحيد لهذا وجود الصديق أو الفاروق على كرسي الحكم ؟ (1) والجواب المفصل عن هذا السؤال نخرج ببيانه عن حدود الموضوع، ولكنا نعلم أن المسلمين في أيام الخليفتين كانوا في أوج تحمسهم لدينهم، والاستبسال في سبيل عقيدتهم، حتى إن التاريخ سجل لنا (إن شخصا أجاب عمر حينما صعد يوما على المنبر وسأل الناس: لو صرفناكم عما تعرفون إلى ما تنكرون ما كنتم صانعين ؟ - إذن كنا نستتيبك فإن تبت فبلناك، فقال عمر: وإن لم ؟ - قال نضرب عنقك الذي فيه عيناك. فقال عمر: الحمد لله الذي جعل في هذه الامة من إذا اعوججنا أقام أودنا) (2). ونعلم أيضا أن رجالات الحزب المعارض - وأعني به أصحاب علي - كانوا بالمرصاد للخلافة الحاكمة، وكان أي زلل وانحراف مشوة للون الحكم حينذاك كفيلا بأن يقلبوا الدنيا رأسا على عقب، كما قلبوها على عثمان - يوم اشترى قصرا، ويوم ولى أقاربه، ويوم عدل عن السيرة النبوية المثلى (3) - مع أن الناس في أيام عثمان كانوا أقرب إلى الميوعة (4) في الدين واللين والدلة منهم في أيام صاحبيه. ونفهم من هذا أن ===============
(1) طرح مثل هذا الافتراض يعد منطقيا ومتسقا مع المنهج العلمي في صدد تقديم تفسير دقيق للمرحلة التاريخية.
(2) القضية مشهورة في سيرة الخليفة الثاني عمر بن الخطاب.
(3) راجع: تاريخ الطبري 2: 651، فقد نقل المحاورة بين الخليفة عثمان والوفود التي قدمت من مصر وغيرها للتفاوض معه، وفيها تصريح بهذه الامور. (4) المجموعة الكاملة لمؤلفات الدكتور طه حسين، المجلد الرابع: 268 - دار الكتاب اللبناني - بيروت.
الحاكمين كانوا في ظرف دقيق لا يتسع للتغيير والتبديل في اسس السياسة ونقاطها الحساسة لو أرادوا إلى ذلك سبيلا، لأنهم تحت مراقبة النظر الأسلامي العام الذي كان مخلصا كل الأخلاص لمبادئه، وجاعلا لنفسه حق الأشراف على الحكم والحاكمين، ولأنهم يتعرضون لو فعلوا شيئا من ذلك لمعارضة خطرة من الحزب الذي ما يزال يؤمن بأن الحكم الأسلامي لا بد أن يكون مطبوعا بطابع محمدي خالص، وأن الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يطبعه بهذا الطابع المقدس هو علي - وارث رسول الله ووصيه وولي المؤمنين من بعده (1). وأما الفتوحات الأسلامية فكان لها الصدارة في حوادث تلك الأيام ولكننا جميعا نعلم أيضا أن ذلك لا يسجل للحكومة القائمة في أيام الخليفتين بلونها المعروف مجدا في حساب التاريخ ما دام كل شأن من شؤون الحرب ومعداته وأساليبه يتهيأ بعمل أشبه ما يكون بالعمل الأجماعي من الامة الذي تعبر به عن شخصيتها الكاملة تعبيرا عمليا خالدا، ولا يعبر عن شخصية الحاكم الذي لم يصل إليه من لهيب الحرب شرر، ولم يستقل فيه برأي، ولم يتهيأ له إلا بأمر ليس له فيه أدنى نصيب، فإن خليفة الوقت سواء أكان وقت فتح الشام أو العر اق ومصر لم يعلن بكلمة الحرب عن 20 قوة حكومته ومقدرة شخصه على أن يأخذ لهذه الكلمة اهبتها، بل أعلن عن قوة الكلمة
==============
(1) تاريخ الطبري 3: 218 - 219 حديث الدار - طبعة المطبعة الحسينية بمصر، تفسير الخازن 3: 371 - طبعة دار المعرفة، الخصائص / النسائي: 86 - 87، المستدرك 3: 126.
النبوية التي كانت وعدا قاطعا بفتح بلاد كسرى وقيصر (1) اهتزت له قلوب المسلمين حماسة وأملا بل إيمانا ويقينا، ويحدثنا التاريخ أن كثيرا ممن اعتزل الحياة العملية بعد رسول الله لم يخرج عن عزلته إلى مجالات العمل إلا حين ذكر هذا الحديث النبوي، فقد كان هو والأيمان المتركز في القلوب القوة هيأت للحرب كل ظروفه وكل رجاله وإمكانياته. وأمر آخر هيأ للمسلمين أسباب الفوز، وأنالهم ا لنصر في معارك الجهاد لا يتصل بحكومة الشورى عن قرب أو بعد، وهو الصيت الحسن الذي نشره رسول الله للأسلام في آفاق الدنيا، وأطراف المعمورة، فلم يكن يتوجه المسلمون إلى فتح بلد من البلاد إلا كان أمامهم جيش آخر من الدعايات والترويجات لدعوتهم ومبادئهم (2). وفي أمر الفتوحات شئ آخر هو الوحيد الذي كان من وظيفة الحاكمين وحدهم القيام به دون سائر المسلمين الذين هيئوا بقية الامور وهو ما يتلو الفتح من بث الروح الأسلامية، وتركيز مثاليات القرآن في البلاد المفتوحة، وتعميق الشعور الوجداني والديني في الناس الذي هو معنى وراء الشهادتين، ولا أدري هل يمكننا أن نسجل للخليفتين شيئا من البراعة في هذه الناحية، أو نشك في ذلك كل الشك كما صار إليه بعض الباحثين، وكما يدل عليه تاريخ البلاد المفتوحة في الحياة الأسلامية. لقد كانت الظروف كلها تشارك الخليفتين في تكوين الحياة العسكرية المنتجة التي قامت على عهدهما، وفي بناء الحياة السياسية الخاصة التي اتخذاها.
===========
(1) راجع: تاريخ الطبري 2: 92.
(2) راجع: فتوح البلدان: 44، شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 210.
ولا أدري ماذا كان موقفهما لو قدر لهما ولعلي أن يتبادلوا ظروفهم فيقف الصديق والفاروق موقف الأمام ويسود في تلك الظروف التي كانت كلها تشجع على بناء سياسة، ومنهج لحكم جديد، وإنشاء حياة لها من ألوان الترف، وضروب النعيم حظ عظيم، فهل كانا يعاكسان تلك الظروف كما عاكسها أمير المؤمنين ؟... فضرب بنفسه مثلا في الأخلاص للمبدأ والنزاهة في الحكم. وأنا لا أقصد بهذا أن أقول إن الخليفتين كانا مضطرين اضطرارا إلى سيرة رشيدة في الحكم، واعتدال في السياسة والحياة، ومرغمين على ذلك، وإنما أعني أن الظروف المحيطة بهما كانت تفرض عليهما ذلك سواء أكانا راغبين فيه أو مكرهين عليه. كما أني لا اريد أن اجردهما عن كل أثر في التاريخ، وكيف يسعني شئ من ذلك، وهما اللذان كتبا يوم السقيفة سطور التاريخ الأسلامي كله، وإنما عنيت أنهما كانا ضعيفي الأثر في بناء تاريخ أيامهما خاصة، وما ازدهرتت به من حياة مكافحة وحياة فاضلة. (مع العقاد في دراسته) أكتب هذا كله وبين يدي كتاب (فاطمة والفاطميون) للاستاذ عباس محمود العقاد، وقد جئته بشوق بالغ لأرى ما يكتب في موضوع الخصومة بين الخليفة والزهراء، وأنا على يقين من أن أيام التعبد (1) بأعمال السالفين
===========
(1) يعني أن التقليد والمتابعة في الدراسة والتقويم سواء ما يتعلق بالشخصيات أم بالأحداث التاريخية من دون تحقيق وتدقيق علمي، ما عاد لها وزن، ولا اعتبار في نظر العلم، بالأخص ونحن نعيش في عصر اخضع كل شئ فيه إلى المحاكمة العلمية، والتحقيق العلمي.
وتصويبها على كل تقدير قد انتهت، وأن الزمان الذي يتحاشى فيه عن التعمق في شئ من مسائل الفكر الأنساني دينا كانت، أو مذهبا أو تاريخا أو أي شئ آخر قد مضى مع ما مضى من تاريخ الأسلام بعد أ ن طال قرونا. ولعل الخليفة الأول كان هو أول من أعلن ذلك المذهب عندما صرخ في وجه من سأله عن مسألة الحرية الأنسانية والقدر وهدده وتوعده (1) ولكن أليس قد أراحنا الله تعالى من هذا المذهب الذي يسئ إلى روح الأسلام ؟ وإذن فكان لي أن أتوقع بحثا لذيذا يتحفنا به الاستاذ في موضوع الخصومة من شتى نواحيها، ولكن الواقع كان على عكس ذلك، فإذا بكلمة الكتاب حول الموضوع قصيرة وقصيرة جدا وإلى حد أستبيح لنفسي أن أنقلها وأعرضها عليك دون أن اطيل عليك، فقد قال: (والحديث في مسألة فدك هو كذلك من الأحاديث التي لا تنتهي إلى مقطع للقول متفق عليه، غير أن الصدق فيه: لا مراء أن الزهراء أجل من أن تطلب ما ليس لها بحق وأن الصديق أجل من أن يسلبها حقها الذي تقوم به البينة عليه، ومن أسخف ما قيل أنه إنما منعها فدك مخافة أن ينفق علي من غلتها على الدعوة إليه، فقد ولي الخلافة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ولم يسمع أن أحدا بايعهم لمال أخذه منهم ولم يرد ذكر شئ من هذا في إشاعة ولا في خبر يقين، وما نعلم تزكية لذمة الحكم من عهد الخليفة الأول أوضح بينة من حكمه في مسألة فدك، فقد كان يكسب برضى فاطمة ويرضى الصحابة برضاها وما أخذ من فدك شيئا لنفسه فيما ادعاه عليه مدع،
===============
(1) سنن الدارمي: 53 - 54 - دار إحياء السنة النبوية.
وإنما هو الحرج في ذمة الحكم بلغ أقصاه بهذه القضية بين هؤلاء الخصوم الصادقين المصدقين رضوان الله عليهم أجمعين انتهى) (1). ونلاحظ قبل كل شئ أن الاستاذ شاء أن يعتبر البحث في مسألة فدك لونا من ألوان النزاع التي ليس لها قرار، ولا يصل الحديث فيه إلى نتيجة فاصلة ليقدم بذلك عذره عن التوفر على دراستها، واعتقد أن في محاكمات هذا الكتاب التي سترد عليك جوابا عن هذا، ونلاحظ أيضا أنه بعد أن جعل مسألة فدك من الأحاديث التي لا تنتهي إلى مقطع للقول متفق عليه، رأى أن فيها حقيقتين لا مراء فيهما ولا جدال: (أحدهما) أن الصديقة أرفع من أن تنالها تهمة بكذب. و (الاخرى) أن الصديق أجل من أن يسلبها حقها الذي تثبته البينة. فإذا لم يكن في صحة موقف الخليفة واتفاقه مع القانون جدال، ففيم الجدال الذي لا قرار له ؟ ! ولم لا تنتهي مسألة فدك إلى مقطع للقول متفق عليه ؟ ! وأنا أفهم أن للكاتب الحرية في أن يسجل رأيه في الموضوع أي موضوع كما يشاء وكما يشاء له تفكيره بعد أن يرسم للقارئ مدارك (2) ذلك الرأي وبعد أن يدخل تقديرات المسألة كلها في الحساب ليخرج منها بتقدير معين، ولكني لا أفهم أن يقول أن المسألة موضوع لبحث الباحثين ثم لا يأتي إلا برأي مجرد عن المدارك يحتاج إلى كثير من الشرح والتويح وإلى كثير من البحث والنظر، فإذا
==========
(1) فاطمة الزهراء والفاطميون / عباس محمود العقاد - سلسلة الهلال.
(2) المدارك جمع مدرك، والمدرك في لغة الفقه وفي مصطلح الفقهاء هو: الدليل. راجع: المصباح المنير 1: 192 - نشر دار الهجرة - قم المقدسة.
كانت الزهراء أرفع من كل تهمة فما حاجتها إلى البينة ؟ وهل تمنع التشريعات القضائية في الأسلام عن أن يحكم العالم استنادا إلى علمه (1) ؟ وإذا كانت تمنع عن ذلك فهل معنى هذا أن يجوز في عرف الدين سلب الشئ من المالك ؟ هذه أسئلة، ومعها أسئلة اخرى أيضا في المسألة تتطلب جوابا علميا، وبحثا في ضوء أساليب الاستناط في الأسلام. واريد أن أكون حرا، وإذن فإني أستميح الاستاذ أن الاحظ أن تزكية موقف الخليفة والصديقة معا أمر غير ممكن، لأن الأمر في منازعتهما لو كان مقتصرا على مطالببة الزهراء بفدك وامتناع الخليفة عن تسليمها له لعدم وجود مستمسك شرعي يحكم بواسطته لها بما تدعيه، وانتهاء المطالبة إلى هذا الحد، لو سعنا أن نقول إن الزهراء طلبت حقها في نفس الأمر والواقع، وإن الخليفة لما امتنع عن تسليمه لها لعدم تهيؤ المدرك الشرعي الذي تثبت به الدعوى تركت مطالبتها، لأنها عرفت أنها لا تستحق فدك بحسب النظام القضائي وسنن الشرع، ولكننا نعلم أن الخصومة بينهما أخذت أشكالا مختلفة حتى بلغت مبلغ الاتهام الصريح من الزهراء وأقسمت على المقاطعة (2).
==========
(1) راجع في جواز حكم الحاكم أو القاضي بعلمه / سنن البيهقي 10: 142، تنقيح الأدلة في بيان حكم الحاكم بعلمه / السيد محمد رضا الحسيني / الأعرجي - المطبعة العلمية - قم، فهو بحث تفصيلي استدلالي في المسألة.
(2) راجع الرواية في صحيح البخاري، عن عروة عائشة 3: 1374، شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 281، وقال ابن أبي الحديد تعقيبا في ص 286: (وأما إخفاء القبر وكتمان الموت - موت الزهراء عليها السلام - وعدم الصلاة وكل ما ذكره المرتضى - أي الشريف - فيه فهو الذي يظهر ويقوى عندي، لأن الروايات به أكثر وأصح من غيرها، وكذلك القول في موجدتها وغضبها...)، أعلام النساء 4: 123 - 124.
وإذن فنحن بين اثنتين: إحداهما أن نعترف بأن الزهراء قد ادعت بإصرار ما ليس لها بحق في عرف القضاء الأسلامي والنظام الشرعي وإن كان ملكها في واقع الأمر، والاخرى أن نلقي التبعة على الخليفة ونقول إنه قد منعها حقها الذي كان يجب عليه أن يعطيها إياه أو يحكم لها بذلك على فرق علمي بين التعبيرين يتضح في بعض الفصول الاتية، فنتزيه الزهراء عن أن تطلب طلبا لا ترضى به حدود الشرع، والارتفاع بالخليفة عن أن يمنعها حقها الذي تسخو به عليها تلك الحدود لا يجتمعان إلا إذا توافق النقيضان. ولنترك هذا إلى مناقشة اخرى، فقد اعتبر الاستاذ حكم الخليفة في مسألة فدك أوضح بينة ودليل على تزكيته وثباته على الحق وعدم تعديه عن حدود الشريعة لأنه لو أعطى فدك لفاطمة لأرضاها بذ لك وأرضى الصحابة برضاها. ولنفترض معه أن حدود القانون الأسلامي هي التي كانت تفرض عليه أن يحكم بأن فدك صدقة، ولكن ماذا كان يمنعه عن أن ينزل للزهراء عن نصيبه ونصيب سائر الصحابة الذين صرح الاستاذ بأنهم يرضون بذلك ؟... أكان هذا محرمات في عرف الدين أيضا ؟ أو أن أمرا ما أوحى إليه بأن لا يفعل ذلك، بل ماذا كان يمنعه عن تسليم فدك للزهراء بعد أن أعطته وعدا قاطعا بأن تصرف حاصلاتها في وجوه الخير والمصالح العامة ؟ وأما ما استسخفه الكاتب من تعليل لحكم الخليفة فسوف نعرف في هذا الفصل ما إذا كان سخيفا حقا. إذا عرفنا أن مرتكزت الناس ليست وحيا من السماء فلا تقبل شكا ولا جدالا، وأن درس مسائل السالفين ليس كفرا، ولا زندقة، ولا تشكيكا في أعلام النبوة كما كانوا يقولون، فلنا أن نتساءل عما بعث الصديقة إلى البدء بمنازعتها حول فدك على ذلك الوجه العنيف الذي لم يعرف أو لم يشأ أن يعرف هيبة للسلطة المهيمنة، أو جلالا للقوة المتصرفة، يعصم الحاكمين من لهيبها المتصاعد، وشررها المتطاير، وبقي الحكم من إ شعاعة نور متألقة تلقي ضوءا عليه، فتظهر للتاريخ حقيقته مجردة عن كل ستار، بل كانت بداية المنازعة ومراحلها نذير ثورة مكتسحة أو ثورة بالفعل عندما اكتملت في شكلها الأخير، ويومها الأخير، تحمل كل ما لهذا المفهوم من مقدمات ونتائج، ولا تتعرض لضعف أو تردد. وما عساه أن يكون هدف السلطة الحاكمة، أو بالأحرى هدف الخليفة رضى عنه الله نفسه في أن يقف مع الحوراء على طرفي الخط، أولم يكن يخطر بباله أن خطته هذه تفتح له بابا في التاريخ في تعدا د أولياته، ثم يذكر بينها خصومة أهل البيت ؟ ! فهل كان راضيا بأوليته هذه مخلصا لها حتى يستبسل في امتناعه، وموقفه السلبي، بل الأيجابي المعاكس ؟ أو أنه كان منقاد للقانون، وملتزما بحرفيته في موقفه هذا كما يقولون، فلم يشأ أ ن يتعد حدود الله تبارك وتعالى في كثير أو قليل، وإن لموقفه الغريب نجاه الزهراء صلة بموقفه في السقيفة، وأعني بهذه ا لصلة الاتحاد في الغرض، أو اجتماع الغرضين على نقطة واحدة (1). وبالأحرى أن تقوم على داثرة
=============
(1) ينقل ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 16: 284 قال: (وسألت علي بن الفارقي مدرس المدرسة الغربية ببغداد، فقلت له: أكانت فاطمة صادقة ؟ قال: نعم، قلت: فلم لم يدفع إليها أبو بكر فدك وهي عنده صادقة ؟ فتبسم، ثم قال كلاما لطيفا مستحسنا مع ناموسه وحرمته وقلة دعايته، قال: لو أعطاها اليوم فد ك بمجرد دعواها لجاءت إليه غدا، وادعت لزوجها الخلافة، وزحزحته عن مقامه، ولم يكن يمكنه الاعتذار والموافقة بشئ، لأنه يكون قد أسجل على نفسه أنها صادقة فيما تدعي كاثنا ما كان من غير حاجة إلى بينة ولا شهود). قال ابن أبي الحديد: وهذا كلام صحيح.
واحدة متسعة اتساع دولة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها آمال بواسم، وموجات من الأحلام ضحك لها الخليفة كثيرا وسعى في سبيلها كثيرا أيضا. (بواعث الثورة) إننا ندرك بوضوح، ونحن نلاحظ الظرف التاريخي الذي حف بالحركة الفاطمية، أن البيت الهاشمي المفجوع بعميده الأكبر قد توفرت له كل بواعث الثورة على الأوضاع القائمة، والانبعاث نحو وتغييرها وإنشائها إنشاء جديدا، وأن الزهراء قد اجتمعت لها كل إمكانيات الثورة ومؤهلات المعارضة التي قرر المعارضو ن أن تكون منازعة سلمية (1) مهما كلف الأمر. وإننا نحس أيضا إذا درسنا الواقع التاريخي لمشكلة فدك ومنازعاتها بأنها مطبوعة بطابع تلك الثورة، ونتبين بجلاء أن هذه المنازعات كانت في واقعها ودوافعها ثورة على السياسة العليا وألوانها التي بدت للزهراء بعيدة عما تألفه من ضروب الحكم، ولم تكن حقا منازعة في شئ من شؤون السياسة المالية، والمناهج الاقتصادية التي سارت عليها
===========
(1) كان هناك إصرار عجيب من الأمام علي عليه السلام على أن تكون المعارضة سلمية لا تتعدى حدود الاحتجاج وقطع الأعذار، ولو كلف ذلك أن يجر ابن أبي طالب ويسحب من بيته سحبا للمبايعة، أو أن يتعرض البيت الطاهر إلى التهديد بالأحراق. ويلاحظ هنا أن الأمام عليا عليه السلام عندما جاء، أبو سفيان، وقال له: لو شئت لأملأنها عليهم خيلا ورجالا، نهره الأمام عليه السلام ورفض مبادرته. راجع: شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 6: 47 - 49 وص 11 في احتجاج الأمام علي عليه السلام بالحجة البالغة، وص 17 - 18 في موقف أبي سفيان، تاريخ الطبري 2: 233 و 237.
خلافة الشورى، وإن بدت على هذا الشكل في بعض الأحايين وإذا أردنا أن نمسك بخيوط الثورة الفاطمية من اصولها، أو ما يصح أن يعتبر من اصولها، فعلينا أن ننظر نظره شاملة عميقة لنتبين حادثتين متقاربتين في تاريخ الأسلام، كان أحدهما صدى للاخر وانعكاسا طبيعيا له، وكانا معا يمتدان بجذور هما وخيوطهما الاولى إلى حيث قد يلتقي أحد هما بالاخر أو بتعبير أصح إلى النقطة المستعدة في طبيعتها إلى أن تمتد منها خيوط الحادثتين. أحدهما: الثورة الفاطمية على الخليفة الأول التي كادت أن تزعزع كيانه السياسي، وترمي بخلافته بين مهملات التاريخ. والاخر: موقف ينعكس فيه الأمر فتقف عائشة ام المؤمنين (1) بنت الخليفة الموتور في وجه علي زوج الصديقة الثائرة على أبيها. وقد شاء القدر لكلتا الثائرتين أن تفشلا مع فارق بينهما مرده إلى نصيب كل منهما من الرضا بثورتها، والاطمئنان الضميري إلى صوابها وحظ كل منهما من الانتصار في حساب الحق الذي لا التواء فيه وهو أن الزهراء فشلت بعد أن جعلت الخليفة يبكي ويقول: أقيلوني (2) بيعتي، والسيدة عائشة فشلت فصارت تتمنى أنها لم تخرج إلى حرب (3) ولم تشق عصا طاعة.
===========
(1) إشارة إلى يوم الجمل المشهور، وكان أبطاله الزبير وطلحة وعائشة ام المؤمنين وذلك سنة 36 ه، وكان موقع المواجهة في البصرة. راجع: تاريخ الطبري 3: 476 حوادث سنة 36 ه، مطبعة الاستقامة - القاهرة.
(2) راجع: أعلام النساء 4: 124، قال أبو بكر بعد المحاورة مع الزهراء: أقيلوني. تاريخ الطبري 3: 353، وفيه: قال أبو بكر رضى عنه الله أجل، إني لا آسى على شئ من الدنيا إلا على ثلاث فعلتهن، وودت أني تركتهن... وذكر منها: فوددت أني لم أكشف بيت فاطمة عن شئ)، شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 6: 41 في حبه للأمارة.
(3) راجع: تاريخ ابن الأثير 3: 111، تذكرة الخواص / سبط ابن الجوزي: 80 - 81، إصدار مكتبة نينوى الحديثة - طهران.
هاتان الثورتان متقاربتان في الموضوع والأشخاص فلماذا لا تنتهيان إلى أسباب متقاربة وبواعث متشابهة. ونحن نعلم جيدا سر الانقلاب الذي طرأ على السيدة عائشة حين إخبارها بأن عليا ولي الخلافة يرجع إلى الأيام الالى في حياة علي وعائشة حينما كانت المنافسة على قلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين زوجته وبضعته. ومن شأن هذه المنافسة أن تتسع في آثارها فتثبت مشاعر مختلفة من الغيظ والتنافر بين الشخصين المتنافسين وتلف بخيوطها من حولهما من الأنصار والأصدقاء، وقد اتسعت بالفعل في أحد الطرفين فكان ما كان بين السيدة عائشة وعلي، فلا بد أن تتسع في الطرف الاخر فتعم من كانت تعمل ام المؤمنين على حسابه في بيت النبي. نعم إن انقلاب ام المؤمنين إنما هو من وحي ذكريات تلك الأيام التي نصح فيها علي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يطلقها في قصة الأفك المعروفة (1). وهذا النصح إن دل على شئ فإنه يدل على انزعاجه منها ومن منافستها لقرينته، وعلى أن الصراع بين زوج الرسول وبضعته كان قد اتسع في معناه وشمل عليا وغير علي ممن كان يهتم بنتائج تلك المنافسة وأطوارها. (دوافع الخليفة الأول في موقفه)
===========
(1) راجع تفصيل الحادثة في صحيح البخاري 3: 24 طبعة الميمنية - مصر 1312 ه، تاريخ الطبري 2: 113 حوادث سنة 6 ه.
نعرف من هذا أن الظروف كانت توحي إلى الخليفة الأول بشعور خاص نحو الزهراء وزوج الزهراء، ولا ننسى أنه هو الذي تقدم لخطبتها فرده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم تقدم علي إلى ذلك فأجابه النبي إلى ما أراد (1). وذاك الرد وهذا القبو ل يولدان في الخليفة إذا كان شخصا طبيعيا يشعر بما يشعر به الناس، ويحس كما يحسون شعورا بالخيبة والغبطة لعلي - إذا احتطنا في التعبير - وبأن فاطمة كانت هي السبب في تلك المنافسة بيه وبين علي التي انتهت بفوز منافسه. ولنلاحظ أيضا أن أبا بكر هو الشخص الذي بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليقرأ سورة التوبة على الكافرين، ثم أرسل وراءه وقد بلغ منتصف الطريق ليستد عيه ويعفيه من مهمته (2) لا لشئ إلا لأن الوحي شاء أن يضع أمامه مرة اخرى منافسه في الزهراء الذي فاز بها دونه (3). ولا بد أنه كان يراقب ابنته في مسابقتها مع الزهراء على الأولية لدى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويتأثر بعواطفها كما هو شأن الاباء مع الأبناء. وما يدرينا لعله اعتقد في وقت من الأوقات أن فاطمة هي التي دفعت بأبيها إلى الخروج لصلاة الجماعة في المسجد يوم مهدت له ام المؤمنين التي
===========
(1) الصواعق المحرمة / ابن حجر الهيتمي: 249 - دار الكتب العلمية - بيروت - ط 2 / 1414 ه، قال: وأخرج أبو داود أن أبا بكر خطب فاطمة، فأعرض عنه رسول الله ثم عمر فأعرض عنه.
(2) راجع قصة تبليغ سورة براءة، مسند الأمام أحمد 1: 3 مطبعة دار صادر، الصواعق المحرقة: 32، الخصائص / النسائي: 90 - 91.
(3) جاء في الصواعق / ابن حجر: 143 عن أنس قال: (بينما أنا قاعد عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ غشيه الوحي، فلما سرى عنه، قال: إن ربي أمرني أن ازوج فاطمة من علي...)، أخرجه ابن عسا كر... ثم قال تعليقا على رأي الذهبي: (أخرجه النسائي بسند صحيح وفيه رد على الذهبي... وتبين أن للقصة أصلا أصيلا...).
كانت تعمل على حسابه فهي بيت النبي أن يؤم الناس ما دام النبي مريضا (1). إن التاريخ لا يمكننا أن نترقب منه شرح كل شئ شرحا واضحا جليا غير أن الأمر الذي تجمع عليه الدلائل أن من المعقول جدا أن يقف شخص مرت به ظروف كالظروف الخاصة التي أحاطت بالخليفة من علي وفاطمة موقفه التاريخي المعروف، وأن امرأة تعاصر ما عاصرته الزهراء في أيام أبيها من منافسات حتى في شباك يصل بينها وبين أبيها حري بها أن لا تسكت إذا أراد المنافسون أن يستولوا على حقها الشرعي الذي لا ريب فيه. (أبعاد قضية فدك السياسية) هذه هي الثورة الفاطمية في لونها العاطفي وهو لون من عدة ألوان أوضحها وأجلاها اللون السياسي الغالب على أساليبها وأطوارها. وأنا حين أقول ذلك لا أعني بالسياسة مفهومها الرائج في أذهان الناس هذا اليوم المركز على الالتواء والافتراء، وإنما أقصد بها مفهومها الحقيقي الذي لا التواء فيه. فالممعن في دراسة خطوات النزا ع وتطوراته والأشكال التي اتخذها لا يفهم منه ما يفهم من قضية مطالبة بأرض، بل يتجلى له منها مفهوم أوسع من ذلك ينطوي على غرض طموح يبعث إلى الثورة ويهدف إلى استرداد عرش مسلوب وتاج ضائع ومجد عظيم وتعديل أمة ا نقلبت على أعقابها (2).
==========
(1) سيرة ابن هشام - مج 3 / 4: 653، توجد رواية تشير إلى ذلك.
(2) إشارة إلى قوله تعالى: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين) آل عمران / 144. وراجع الرواية التي تشير إلى ارتداد الناس وانكفائهم عن الأسلام حديث الحوض المشهور، قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أنا فرطكم على الحوض فيؤتى برجال أعرفهم فيمنعون مني، فأقول أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقا سحقا لمن بدل بعدي...، صحيح البخاري 8: 86 كتاب الفتن، الكشاف / الزمخشري 4: 811، تاريخ الطبري 2: 245. (*)
وعلى هذا كانت فدك معنى رمزيا يرمز إلى المعنى العظيم ولا يعني تلك الأرض الحجازية المسلوبة، وهذه الرمزية التي اكتسبتها فدك في التي ارتفعت بالمنازعة من مخاصمة عادية منكمشة في افقها، محدودة في دائرها إلى ثورة واسعة النطاق رحيبة الافق. ادرس ما شئت من المستندات التاريخية الثابتة للمسألة، فهل ترى نزاعا ماديا، أو ترى اختلافا حول فدك بمعناها المحدود وواقعها الضيق، أو ترى تسابقا على غلات أرض مهما صعد بها المبالغون وا رتفعوا ؟ فليست شيئا يحسب له المتنازعون حسابا. كلا ! بل هي الثورة على اسس الحكم، والصرخة التي أرادت فاطمة أن تقتلع بها الحجر الأساسي الذي بني عليه التاريخ بعد يوم السقيفة. ويكفينا لأثبات ذلك أن نلقي نظرة على الخطبة التي خطبتها الزهراء في المسجد أمام الخليفة وبين يدي الجم المحتشد من المهاجرين والأنصار، فإنها دارت أكثر ما دارت حول امتداح علي والثناء على مواقفه الخالدة في الأسلام وتسجيل حق أهل البيت الذين وصفتهم بأنهم الوسيلة إلى الله في خلقه وخاصته ومحل قدصه وحجته في غيبه، وورثة أنبيائه في الخلافة والحكم. وإلفات المسلمين إلى حظهم العاثر واختيارهم المرتجل وانقلابهم على أعقابهم، وورودهم غير شربهم، وإسنادهم الأمر إلى غير أهله، والفتنة (1) التي سقطوا فيها، والدواعي التي دعتهم إلى ترك الكتاب ومخالفته فيما يحكم به في موضوع الخلافة والأمامة. فالمسألة إذن ليست مسألة ميراث ونحلة إلا بالمقدار الذي يتصل بموضوع السياسة العليا، وليست مطالبة بعقار أو دار، بل هي في نظر الزهراء (مسألة إسلام وكفر، ومسألة إيمان ونفاق، ومسألة نص وشورى) (2). وكذلك نرى هذا النفس السياسي الرفيع في حديثها مع نساء المهاجرين والأنصار، إ ذ قالت فيما قالت: (أين زحزحوها عن رواسي الرسالة، وقواعد النبوة، ومهبط الروح الأمين والطبين بأمر الدنيا والدين ألا ذلك هو الخسران المبين، وما الذي نقموا من أبي الحسن، نقموا والله نكير سيفه، وشدة وطأته، ونكال وقعته، وتنمره في ذات الله، تالله لو تكافؤوا عن زمام نبذه إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا عتلقه وسار إليهم سيرا سجحا لا تكلم حشاشه، ولا يتعتع راكبه (3)، ولأوردهم
=============
(1) راجع نصوص السقيفة في تاريخ الطبري 2: 235 وما بعدها، وفيها: (أن بيعة أبي بكر فلتة..).
(2) هذا بلحاظ المنظور الفاطمي للقضية برمتها وفي أبعادها، وقد عبرت عن ذلك في خطبتها قائلة: إنما زعمتهم خوف الفتنة ثم تلت قوله تعالى: (ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) التوبة / 49، وراجع المناقشة الوافية الشافية لمسألة (النص والشورى) في نشأة التشيع والشيعة / الأمام السيد الشهيد الصدر - بتحقيق الدكتور عبد الجبار شرارة.
(3) تاريخ الطبري 2: 580، قول الخليفة الثاني في قصة الشورى... قالوا: يا أمير المؤمنين لو عهدت عهدا ! فقال: قد كنت أجمعت بعد مقالتي لكم أن أنظر فاولي رجلا أمركم، هو أحراكم أن يحملكم على الحق. وأشار إلى علي...). وراجع أنساب الأشراف / البلاذري 2: 214.
منهلا نميرا فضفاضا تطفح فضفاضه، ولأصدرهم بطانا قد تحير بهم الرأي غير متحل بطائل إلا بغمر الناهل وردعه سورة الساغب، ولفتحت عليهم بركات من السماء والأرض، وسيأخذهم الله بما كانوا يسكبون، ألا هلم فاستمع وما عشت أراك الدهر عجبا وإن تعجب فقد أعجبك الحادث إلى أي لجأ استندوا وبأي عروة تمسكوا، لبئس المولى ولبئس العشير، ولبئس للظالمين بدلا. استبدلوا والله الذنابى بالقوادم والعجز بالكاهل فرغما لمعاطس قو م يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ألا أنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون، ويحهم (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون) (1). ولم يؤثر عن نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنهن خاصمن أبا بكر في شئ من ميراثهن، أكن أزهد من الزهراء في متاع الدنيا، وأقرب إلى ذوق أبيها في الحياة ؟ أو أنهن اشتغلن بمصيبة رسول الله ولم تشتغل بها بضعته، أو أن الظروف السياسية هي التي فرقت بينهن فأقامت من الزهراء معارضة شديدة، ومنازعة خطرة دون نسوة النبي اللاتي لم تزعجهن أوضاع الحكم. وأكبر الظن أن الصديقة كانت تجد في شيعة قرينها، وصفوة أصحابه الذين لم يكونوا يشكون في صدقها من يعطف شهادته على شهادة علي وتكتمل بذلك البينة عند الخليفة. أفلا يفيدنا هذا أن الهدف الأعلى لفاطمة الذي كانوا يعرفونه جيدا ليس هو إثبات النحلة أو الميراث، بل القضاء على نتائج السقيفة (2) ؟ وهو لا يحصل بإقامة
============
(1) يونس / 35.
(2) راجع: شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 236، ويظهر أن الخلافة فطنت إلى هذا الأمر، فحالت دونه، ويظهر من المحاورة التي جرت بين الخليفة الثاني وابن عباس جلية الموقف، جاء في تاريخ الطبري 2: 578... قال عمر: يا ابن عباس أتدري ما منع قومكم منهم - من بني هاشم - بعد محمد صلى الله عليه وآله وسلم ؟ قال ابن عباس: فكرهت أن اجيبه، فقلت: إن لم أكن أدري فأمير المؤمنين يدريني، فقال عمر: كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة فتبجحوا على قومكم بجحا بجحا، فاختارت قريش لنفسها فأصابت ووفقت. فقلت: يا أمير المؤمنين إن تأذن لي في الكلام... فقال: تكلم يا ابن عباس، فقلت: أما قولك: اختارت قريش فأصابت... فلو أن قريشا اختارت لأنفسها حيث اختار الله عز وجل لكان لها الصواب بيدها غير مردود... أما قولك: كرهوا أن تجتمع النبوة والخلافة فإن الله وصف قوما بالكراهية فقال: (ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم) سورة محمد / 9.
البينة في موضوع فدك، بل بأن تقدم البينة لدى الناس جميعا على أنهم ضلوا سواء السبيل (1). وهذا ما كانت تريد أن تقدمه الحوراء في خطتها المناضلة. ولنستمع إلى كلام الخليفة بعد أن انتهت الزهراء من خطبتها وخرجت من المسجد، فصعد المنبر وقال: (أيها الناس ما هذه الرعة إلى كل قالة ! أين كانت هذه الأماني في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ألا من سمع فليقل، ومن شهد فليتكلم، إنما هو ثعالة شهيده ذنبه، مرب لكل فتنة (هو الذي يقول: كروها جذعة بعد ما هرمت، يستعينون بالضعفة، ويستنرون بالنساء)، كام طحال أحب أهلها إليها البغي. ألا إني لو أشاء أ ن أقول لقلت ولو قلت لبحت، إني ساكت ما تركت)، ثم التفت إلى الأنصار وقال: (قد بلغني يا معشر الأنصار مقالة سفهائكم وأحق من لزم عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنتم، فقد جاءكم فآويتم ونصرتم، ألا إني لست باسطا يد ا ولا لسانا على من لم يستحق ذلك (منا) (2). وهذا الكلام يكشف لنا عن جانب من شخصية الخليفة، ويلقي ضوءا على منازعة الزهراء له، والذي يهمنا الان ما يوضحه من أمر هذه المنازعة
==========
(1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 236.
(2) المصدر السابق 214 - 215.
وانطباعات الخليفة عنها، فإنه فهم حق الفهم أن احتجاج الزهراء لم يكن حول الميراث أو النحلة، وإنما كان حربا سياسية كما نسميها اليوم وتظلما لقرينها العظيم الذي شاء الخليفة وأصحابه من يبعدوه عن المقام الطبيعي له في دنيا الأسلام، فلم يتكلم إلا عن علي فوصفه بأنه ثعالة وأنه مرب لكل فتنة، وأنه كام طحال، وأن فاطمة ذنبه التابع له، ولم يذكر عن الميراث قليلا أو كثيرا. ولنلاحظ ما جاءت به الرواية في صحاح السنة من أن عليا والعباس كانا يتنازعان في فدك في أيام عمر بن الخطاب، فكان علي يقول إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جعلها في حياته لفاطمة، وكان العباس يأبى ذلك ويقول هي ملك رسول الله وأنا وارثه، ويتخاصمان إلى عمر، فيأبى أن يحكم بينهما ويقول: (أنتما أعرف بشأنكما أما أنا قد سلمتها إليكما) (1) فقد نفهم من هذا الحديث إذا كان صحيحا أن حكم الخليفة كان سياسيا موقتا وإن موقفه كان ضرورة من ضرورات الحكم في تلك الساعة الحرجة، وإلا فلم أهمل عمر بن الخطاب رواية الخليفة وطرحها جانبا وسلم فدك إلى العباس وعلي، وموقفه منهما يدل على أنه سلم فدك إليهما على أساس أنها ميراث رسول الله لا على وجه التوكيل، إذ لو كان على هذا
=======
(1) شرح نهج البلاغة 16: 221، لاحظ الروايات التي تؤكد أن علي بن أبي طالب وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووارثه وخليفته والولي من بعده. راجع مثلا: تاريخ دمشق / ابن عساكر الشافعي 3: 5 ح 1021، 1022 قول الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: (لكل نبي وصي ووارث وإن عليا وصيي ووارثي) وراجع حديث الدار المشهور في تاريخ الطبري 3: 218، ط 1، الحسينية بمصر، وتفسير الخازن 3: 371 - طبعة دار المعرفة - في تفسير قوله تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين...)، مسند 29 أحمد بن حنبل 2: 352 ح 1371 - طبعة دار المعارف، بسند صحيح. (*)
الوجه لما صح لعلي والعباس أن يتنازعا في أن فدك هل هي نحلة من رسول الله لفاطمة أو تركة من تركاته التي يستحقها ورثته ؟ وما أثر هذا النزاع لو فرض أنها في رأي الخليفة مال للمسلمين وقد وكلهما في القيام عليه ؟ ولفض عمر النزاع وعرفهما أنه لا يرى فدك مالا موروثا ولا من أملاك فاطمة، وإنما أوكل أمرها إليهما لينوبا عنه برعايتها وتعاهدها، كما أن عدم حكمه بفدك لعلي وحده معناه أنه لم يكن واثقا بنحلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فدك لفاطمة فليس من وجه لتسليمها إلى علي والعباس إلا الأرث. وإذن ففي المسألة تقديران: (أحدهما) أن عمر كان يتهم الخليفة بوضع الحديث في نفي الأرث (1). (والاخر) أنه تأوله وفهم منه معنى لا ينفي التوريث ولكن لم يذكر تأويله، ولم ينا قش به أبا بكر حينما حدث به وسواء أصح هذا أو ذاك، فالجانب السياسي في المسألة ظاهر، وإلا فلماذا يتهم عمر الخليفة بوضع الحديث إذا لم يكن في ذلك ما يتصل بسياسة الحكم يومئذ، ولماذا يخفي تأويله وتفسيره، وهو الذي لم يتحرج عن إبداء مخالفته للنبي أو الخليفة الأول فيما اعترضهما من مسائل. وإذا عرفنا أن الزهراء نازعت في أمر الميراث بعد استيلاء الحزب الحاكم عليه، لأن الناس لم يعتادوا أن يستأذنوا الخليفة في قبض مواريثهم أو في تسليم المواريث إلى أهلها، فلم تكن فاطمة في
==============
(1) إشارة إلى الرواية التي انفرد بها الخليفة الأول، وهي قوله: قال رسول الله: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة...)، راجع: الصواعق المحرقة: 34 شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 223. (*)
حاجة إلى مراجعة الخليفة، ولم تكن لتأخذ رأيه وهو الظالم (1) المنتزي على الحكم في رأيها، فالمطالبة بالميراث لابد أنها كانت صدى لما قام به الخليفة من تأميمه للتركة على ما نقول اليوم (2)، والاستيلاء عليها. (أقول): إذا عرفنا هذا وإن الزهراء لم تطالب بحقوها قبل أن تنتزع منها، تجلى لد ينا أن ظرف المطالبة كان مشجعا كل التشجيع للمعارضين على أن يغتنموا مسألة الميراث مادة خصبة لمقاومة الحزب الحاكم على اسلوب سلمي كانت تفرضه المصالح العليا يومئذ، واتهامه بالغصب والتلاعب بقواعد الشريعة والاستخفاف بكرامة القانون. (قضية فدك في ضوء الظروف الموضوعية) وإذا أردنا أن نفهم المنازعة في أشكالها وأسبابها في ضوء الظروف المحيطة بها، وتأثيرها، كان لزاما علينا أن نعرض تلك الظروف عرضا مستعجلا ونسجل صورة واضحة الألوان للعهد الانقلابي بالمقدار الذي يتصل بغرضنا. ولا أعني بالانقلاب حين أصف عهد الخليفة الأول بذلك إلا مفهومه الحقيقي المنطبق على تلون السلطة الحاكمة بشكل جمهوري يتقوم بالثورة ويكتسب صلاحياته من الجماعات المنتخبة، ونزعها لشكلها الأول الذي يستمد قوته وسلطته من السماء.
===========
(1) راجع المحاورة بين الخليفة الثاني وبين علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب، شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 222.
(2) أصبح مصطلح التأميم شائعا، وهو يعني المصادرة والاستيلاء على الملك الخاص من قبل الدولة.
فقد كانت تلك اللحظة التي ضرب بها بشير بن سعد (1) على يد الخليفة نقطة التحول في تاريخ الأسلام التي وضعت حدا لأفضل العهود وأعلنت عهد آخر نترك تقريضه للتاريخ. (مسألة موت الرسول القائد صلى الله عليه وآله وسلم) وقد كان ذلك في اليوم الذي حانت فيه الساعة الأخيرة في تاريخ النبوات التي قطعت أقدس أداة وصل بين السماء والأرض وأبركها وأفيضها خيرا ونعمة وأجودها صقلا للأنسانية إذ لفظ سيد البشر نفسه الأخير وطارت روحه إلى الرفيق الأعلى فكان قاب قوسين أو أدنى، فهرع الناس إلى بيت النبوة الذي كان يشرق بأضوائه لتوديع العهد المحمدي السعيد وتشييع النبوة التي كانت مفتاح مجد الامة، وسر عظمتها، واجتمعوا حوله تتقاذفهم شتى الخواطر وترتسم في أفكارهم ذكريات ممن روعة النبوة وجلال النبي العظيم. وقد خيل إليهم أن هذه السنوات العشر التي نعموا فيها برعاية خير الأنبياء، وأبر الاباء كانت حلما لذيذا تمتعوا به لحظة من زمان وازدهرت به الأنسانية برهة من حياتها، وهاهم قد أفاقوا على أسوأ ما يستيقظ عليه نائم. وبينما كان المسلمون في هذه الغمرة الطاغية، والصمت الرهيب لا ينطق منهم أحد بكلمة، وقد اكتفوا في تأبين الراحل العظيم بالدموع والحسرات والشخوع والذكريات، إذ يفاجؤون بصوت يجلجل في الفضاء ويقطع خيط الصمت الذي لف المجتمعين وهو يعلن أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يمت ولا يموت حتى يظهر دينه على الدين كله وليرجعن فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم ممن أرجف بموته: (لا أسمع رجلا يقول مات رسول الله
=============
(1) راجع: تاريخ الطبري 2: 243، وفيه إشارة إلى سبق بشير بن سعد إلى مبايعة الخليفة الأول.
إلا ضربته بسيفي) (1). والتفت الأنظار إلى مصدر الصوت ليعرفوا القائل، فوجدوا عمر بن الخطاب قد وقف خطيبا بين الناس وهو يجلجل برنيه في شدة لا تقبل نزاعا وشاعت الحياة في الناس من جديد فتكلموا وتحدثوا في كلام عمر والتف بعضهم حوله. وأكبر الظن أن قوله وقع من أكثرهم موقع الاستغراب والتكذيب، وحاول جماعة منهم أن يجادلوه في رأيه ولكنه بقي شديدا في قوله ثابتا عليه والناس يتكاثرون حوله ويتكلممون في شأنه ويعجبون لحاله حتى جاء أبو بكر، وكان حين توفي النبي في منزله بالسنح، والتفت إلى الناس وقال: (من كان يعبد محمدا فإنه قد مات، ومن كان يعبد الله فإنه حي لا يموت. قال الله تعالى: (إنك ميت وإنهم ميتون) (2) وقال: (أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) (3)، ولما سمع عمر ذلك أذعن واعترف بموت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: (كأني سمعتها - يعني الاية - (الان) (4). ونحن لا نرى في هذه القصة ما يراه كثير من الباحثين من أن الخليفة كان بطل ذلك ا لظرف العجيب، والرجل الذي تهيأت له معدات الخلافة بحكم موقفه
============
(1) تاريخ الطبري 2: 232 - 233، وفيه: وكان عمر يتوعد الناس بالقتل، الملل والنحل / الشهرستاني 1: 29... قال عمر بن الخطاب: من قال: (إن محمدا قد مات قتلته بسيفي هذا...).
(2) الزمر / 30، 31.
(3) آل عمران / 144.
(4) تاريخ الطبري 2: 232 - 233. (*)
من رأي عمر، لأن المسألة ليست والأهمية بهذ ا الحد ولم يحدثنا التاريخ عن شخص واخذ انتصر لعمر في رأيه، فلم يكن إلا رأيا شخصيا لا خطر له ولا شأن للقضاء عليه. وقد يكون من حق البحث أن الاحظ أن شرح الخليفة لحقيقة الحال في خطابه الذي وجهه إلى الناس كان شرحا باهتا في غير حد لا يبدو عليه من مشاعر المسلمين المتحرقة في ذلك اليوم شئ، بل لم يزد في بيان الفاجعة الكبرى على أن قال: (إن من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات). وقد كان الموقف يتطلب من أبي بكر إذا كان يريد أن يقدم في نفسه زعيما لتلك الساعة تأبينا للفقيد الأعظم يتفق مع العواطف المتدفقة بالذكريات الحسرات يومئذ. ومن الذي كان يعبد سيد الموحدين حتى يقول من كان يعبد محمدا فإنه قد مات ؟ وهل كان في كلام عمر معنى يدل على أنه كان يعبد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ أو كانت قد سرت موجة من الارتداد والألحاد في ذلك المجتمع المؤمن الذي كان يعتصر دموعه من ذكرياته، وصبره، وتماسكه من عقيدته حتى يعلن لهم أن الدين ليس محدودا بحياة رسول الله لأنه ليس بالأله المعبود. إذن فلم يكن لكلام أبي بكر الذي خاطب به الناس صلة بموقفهم ولا علاقة برأي عمر، ولا انسجام مع عواطف المسلمين في ذلك اليم وشؤونهم، وقد سبقه به غيره ممن حاول مناقشة الفاروق كما سيأتي. (مسألة السقيفة وموقف الأمام علي عليه السلام) وكان يعاصر هذا الاجتماع الذي تكلمنا عنه اجتماع آخر للأنصار عقدوه في سقيفة بني ساعدة برئاسة سعد بن عبادة زعيم الخزرج ودعاهم فيه إلى إعطائه الرئاسة والخلافة فأجابوه (1). ثم ترادوا الكلام فقالوا: (فإن أبى المهاجرون وقالوا: نحن أولياؤه وعترته، فقال قوم من الأنصار نقول: منا أمير ومنكم أمير، فقال سعد: فهذا أومل الوهن، وسمع عمر الخبر، فأتى منزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه أبو بكر فأرسل إليه أن اخرج إلي، فأرسل إني مشغول، فأرسل إليه عمر أن اخرج فقد حدث أمر لا بد أن تحضره، فخرج فأعلمه الخبر، فمضيا مسرعين نحوهم ومعهما أبو عبيدة، وفتكلم أبو بكر فذكر قرب المهاجرين من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنهم أولياؤه وعتره، ثم قال: نحن الامراء وأنتم الوزراء لا نفتات عليكم بمشورة، ولا نقضي دونكم الامور، فقام الحباب بن المنذر بن الجموح فقال: يا معشر الأنصار املكوا عليكم أمركم فإن الناس في ظلكم ولن يجترئ مجترئ على خلافكم ولا يصدر أحد إلا عن رأيكم، أنتم أهل العزة والمنعة واولو العدد والكثرة وذوو البأس والنجدة وإنما ينظر الناس ما تصنعون فلا تختلفوا فتفسد عليكم اموركم فإن أبى هؤلاء إلا ما سمعتم فمنا أمير ومنهم أمير، فقال عمر: هيهات لا يجتمع سيفان في غمد، والله لا ترضى العرب أن تؤمركم ونبيها من غيركم ولا تمتنع العرب أن تولي أمرها من كانت النبوة منهم، من ينازعنا سلطان محمد ونحن أولياؤه وعشيرته. فقال الحباب بن منذر: يا معشر الأنصار املكوا أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر فإن أبوا عليكم فاجلوهم من هذه البلاد وأنتم أحق بهذا الأمر منهم فإنه بأسيافكم دان الناس بهذا الدين أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب
=======
(1) تاريخ الطبري 2: 233.
أنا أبو شبل في عرينة الأسد، والله إن شئتم لنعيدها جذعة، فقال عمر: إذن يقتلك الله، قال: بل إياك يقتل. فقال أبو عبيدة: يا معشر الأنصار إنكم أول من نصر فلا تكونوا أول من بدل وغير، فقام بشير ابن سعد والد النعمان بن بشير فقال: يا معشر الأنصار ألا إن محمدا من قريش وقومه أولى به وايم الله لا يراني الله انازعهم هذا الأمر. فقال أبو بكر: هذا عمر وأبو عبيدة بايعوا أيهما شئتم، فقالا: والله لا نتولى هذا، الأمر عليك وأنت أفضل المهاجرين وخليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة وهي أفضل الدين، ابسط يدك. فلما بسط يده ليبايعاه سبقهما بشير بن سعد فبايعه، فناداه الحباب ابن المنذر يا بشير غفتك غفاق، أنفست على ابن عمك الأمارة ؟ فقال اسيد ابن خضير رئيس الأوس لأصحابه: والله لئن لم تبايعوا ليكونن للخزرج عليكم الفضيلة أبدا، وبايعوا أبا بكر وأقبل الناس يبايعونه من كل جانب (1). ونلاحظ في هذه القصة أن عمر هو الذي سمع بقصة السقيفة واجتماع الأنصار فيها وأخبر أبا بكر بذلك، وما دمنا نعلم أن الوحي لم ينزل عليه بذلك النبأ فلا بد أنه ترك البيت النبوي بعد أن جاء أبو بكر وأقنعه بوفاة النبي، فلماذا ترك البيت ؟ ولماذا اختص أبا بكر بنبأ السقيفة ؟ إلى كثير من هذه النقاط التي لا نجد لها تفسيرا معقولا أولى من أن يكون في الأمر اتفاق سابق بين أبي بكر وعمر وأبي عبيدة على خطة معينة في موضوع الخلافة، وهذا التقدير التاريخي قد نجد له شواهد عديدة تجيز لنا افتراضه. (الأول) تخصيص عمر لأبي بكر بنبأ السقيفة كما سبق، وإصراره على استدعائه بعد اعتذاره بأنه
==================
(1) شرح نهج البلاغة / ابن أبى الحديد 1: 127 - 128، طبعة دار الكتب العربية الكبرى - مصطفى البابي الحلبي. (الشهيد)، وراجع: تاريخ الطبري 2: 243.
مشغول حتى أشار إلى الغرض ولمح إليه، خرج مسرعا وذهبا على عجل إلى السقيفة (1)، وكان من الممكن أن يطلب غيره من أعلام المهاجرين بعد اعتذاره عن المجي، فهذا الحرص لا يمكن أن نفسره بالصداقة التي كانت بينهما، لأن المسألة لم تكن مسألة صداقة، ولم يكن أمر منازعة الأنصار يتوقف على أن يجد عمر صديقا له بل على أن يستعين بمن يوافقه في أحقية المهاجرين أيا كان. ولا ننسى أن نلاحظ أنه أرسل رسولا إلى أبي بكر، ولم يذهب بنفسه ليخبره بالخبر خوفا ممن انتشاره في البيت وتسامع الهاشميين أو غيرها الهاشميين به، وقد طلب من الرسول في المرة الثانية أن يخبره بحدوث أمر لابد أن يحضره. ونحن لا نرى حضور أبي بكر لازما في ذلك الموضوع إلا إذا كانت المسألة مسألة خاصة وكان الهدف تنفيذ خطة متفق عليها سابقا (2). (الثاني) موقف عمر من مسألة وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وادعاؤه أنه لم يمت، ولا يستقيم في تفسيره، أن نقول إن عمر ارتبك في ساعة الفاجعة، وفقد صوابه وادعى ما ادعى، لأن حياة عمر كلها تدل على أنه ليس من هذا الطراز، وخصوصا موقفه الذي وقفه في السقيفة بعد تلك القصة مباشرة. فالذي تؤثر المصيبة عليه إلى حد تفقده
===========
(1) تاريخ الطبري 2: 242.
(2) راجع: تاريخ الطبري 2: 234، وفيه: عن الحميري... قال: (فحلف رجال أدركناهم من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم: ما علمنا أن الايتين نزلتا حتى قرأهما أبوبر يومئذ، إذ جاء رجل يسعى فقال: هاتيك الأنصار قد اجتمعت في ظلة بني ساعدة، يبايعون رجلا منهم، يقولون منا أمير ومن قريش أمير، قال: فانطلق أبو بكر وعمر يتقاودان حتى أتياهم، فأراد عمر أن يتكلم، فنهاه أبو بكر، فقال: عمر لا أعصي خليفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في يوم مرتين...) يعني في المرة الاولى إعلانه موت النبي، وهذه المرة الثانية، ولاحظ تعبيره (خليفة النبي) قبل حصول البيعة (الفلتة) على ما قاله لاحقا، كما في 2: 235.
صوابه لا يقف بعدها بساعة يحاجج ويجادل ويقاوم ويناضل (1). ونحن نعلم أيضا أن عمر لم يكن يرى ذلك الرأي الذي أعلنه في تلك الساعة الحرجة قبل ذلك بأيام أو بساعات حينما اشتد برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المرض وأراد أن يكتب كتابا لا يضل الناس بعده، فعارضه عمر وقال: إن كتاب الله يكفينا وأن النبي يهجر (2)، أو قد غلب عليه الوجع كما في صحاح السنة. فكان يؤمن بأن رسول الله يموت وأن مرضه قد يؤدي إلى موته وإلا لما اعترض عليه وقد جاء في تاريخ ابن كثير أن عمر بن زائدة قرأ الاية التي قرأها أبو بكر على عمر قبل أن يتلوها أبو بكر فلم يقتنع عمر وإنما قبل كلام أبي بكر خاصة واقتنع به (3) فما يكون تفسير هذا كله إذا لم يكن تفسيره إن عمر شاء أن يشيع الاضطراب بمقالته بين الناس لينصرفوا إليها وتتجه الأفكار نحوها تفنيدا أو تأييدا ما دام أبو بكر غائبا، لئلا يتم في أمر الخلافة شئ ويحدث أمر لا بد أن يحضره أبو بكر - على حد تعبيره - وبعد أن أقبل أبو بكر اطمأن باله، وأمن من تمام البيعة للبيت ا لهاشمي ما دام للمعارضة صوت في الميدان، وانصرف إلى تلقط الأخبار حادسا بما سيقع، فظفر بخبر ما كان يتوقعه.
=========
(1) راجع: تاريخ الطبري 2: 235.
(2) راجع الرواية في صحيح البخاري 1: 37 كتاب العلم - باب كتابة العلم، و 8: 161، كتاب الاعتصام - طبعة دار العامرة - استانبول، دار الفكر - بيروت.
(3) البداية والنهاية / ابن كثير 5: 213 - نشر دار الكتب العلمية - بيروت.
(الثالث) شكل الحكومة التي تمخضت عنها السقيفة، فقد تولى أبو بكر الخلافة، وأبو عبيدة المال، وعمر القضاء (1). وفي مصطلحنا اليوم أن الأول تولى السياسة العليا، والثاني تولى السياسة الاقتصادية، والثالث تولى السلطات القضائية، وهي الوظائف الرئيسية في مناهج الحكم الأسلامي. وتقسيم المراكز الحيوية في الحكومة الأسلامية يومئذ بهذا الاسلوب على الثلاثة الذين قاموا بدورهم المعروف في سقيفة بني ساعدة لا يأتي بالصدفة على الأكثر ولا يكون مرتجلا. (الرابع) قول عمر حين حضرته الوفاة: (لو كان أبو عبيدة حيا لوليته) (2). وليست كفاءة أبي عبيدة هي التي أوحت إلى عمر بهذا التمني، لأنه كان يعتقد أهلية علي للخلافة ومع ذلك لم يشأ أن يتحمل أمر الامة حيا وميتا (3). وليست أمانة أبي عبيدة التي شهد له النبي صلى الله عليه وآله وسلم بها - بزعم الفاروق - هي السبب في ذلك، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يخصه بالأطراء، بل كان في رجالات المسلمين يو مئذ من ظفر بأكثر من ذلك من ألوان الثناء النبوي (4)
=============
(1) الكامل في التاريخ / ابن الأثير 2: 176 الطبعة الاولى - مصر / الأزهرية 1301 / ه. (الشهيد)، لما ولي أبو بكر قال له أبو عبيدة: أنا أكفيك المال، وقال له عمر: أنا أكفيك القضاء... وكان على مكة عتاب بن اسيد.
(2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 1: 64 طبعة مصطفى البابي - مصر (الشهيد)، وراجع تاريخ الطبري 2: 580، أخرج رواية عن الأودي قال: (إن عمر بن الخطاب لما طعن قيل له: يا أمير المؤمنين، لو استخلفت، قال: من أستخلف ؟ لو كان أبو عبيدة بن الجراح حيا استخلفته...).
(3) راجع تاريخ الطبري 2: 580، الأنساب / البلاذري 5: 16 (الشهيد).
(4) راجع مثلا: مختصر تاريخ ابن عساكر 17: 356 وما بعدها، ففيه مناقب علي عليه السلام والثناء عليه، الخصائص / النسائي: 72 ح 113، مروج الذهب / المسعودي 2: 437، مطبعة السعادة ط 2 - مصر / 1948 م.
كما تقرر ذلك صحاح السنة والشيعة. (الخامس) اتهام الزهراء للحاكمين بالحزبية السياسية، كما سنرى في الفصل الاتي. (السادس) قول أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - للفاروق رضى عنه الله: احلب يا عمر حلبا لك شطره اشدد له اليوم أمره ليرد عليك غدا (1). ومن الواضح أنه يلمح إلى تفاهم بين الشخصين على المعونة المتبادلة واتفاق سابق على خطة معينة، وإلا فلم يكن يوم السقيفة نفسه ليتسع لتلك المحاسبات السياسية التي تجعل لعمر شطرا من الحلب. (السابع) ما جاء في كتاب معاوية بن أبي سفيان إلى محمد بن أبي بكر (رضوان الله عليه) في اتهام أبيه وعمر بالاتفاق على غصب الحق العلوي والتنظيم السري لخطوط الحملة على الأمام، إذ قال له فيما قال: فقد كنا وأبوك نعرف فضل ابن أبي طالب وحقه لازما لنا مبرورا علينا، فلما اختار الله لنبيه (عليه الصلاة والسلام) ما عنده وأتم وعده وأظهر دعوته فابلج حجته وقبضه إليه (صلوات الله عليه) كان أبوك والفاروق أول من ابتزه حقه وخالفه على أمره، على ذلك اتفقا واتسقا، ثم إنهما دعواه إلى بيعتهما فأبطأ عنهما وتلكأ عليهما فهما به الهموم وأراد به العظيم (2).
===============
(1) راجع: شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 6: 11 - الطبعة المحققه، و 2: 5، من الط بعة المصرية - مطبعة مصطفى البابي الحلبي (الشهيد).
(2) مروج الذهب / السمعودي 3: 199 - تحقيق شارل پلا - بيروت / 1970 كتاب معاوية إلى محمد بن أبي بكر: إن أباك أول من ابتزه حقه.
ونحن نلاحظ بوضوح عطفه طلب أبي بكر وعمر رضى عنه الله للبيعة من الأمام ب (ثم) على كلمتي اتفقا واتسقا وهو قد يشعر بأن الحركة انت منظمة بتنظيم سابق، وأن الاتفاق على الظفر بالخلافة كا ن سابقا على الأيجابيات السياسية التي قاما بها في ذلك اليوم. ولا اريد أن أتوسع في دراسة هذه الناحية التاريخية أكثر من هذا، ولكن هل لي أن ألا حظ في ضوء ذلك التقدير التاريخي، أن الخليفة لم يكن زاهدا في الحكم كما صوره كثير من الباحثين، بل قد نجد في نفس المداورة التي قام بها الخليفة في السقيفة دليلا على تطلعه للأمر، فإنه بعد أن أعلن الشروط الأساسية للخليفة شاء أن يحصر المسألة فيه فتوصل إلى ذلك بأن ردد الأمر بين صاحبيه
(1) اللذين لن يتقدما عليه، وكانت النتيجة الطبيعية لهذا الترديد أن يتعين وحده للأمر. فهذا الأسراع الملحوظ من الخليفة إلى تطبيق تلك الصورة التي فدمها للخليفة الشرعي في رأيه على صاحبيه خاصة الذي لم يكن يؤدي إلا إليه، كان معناه أنه أراد أن يسلب الخلافة من الأنصار، ويقر ها في شخصه في آن واحد، ولذا لم يبد ترددا أو ما يشبه التردد لما عرض الأمر عليه صاحباه. وعمر نفسه يشهد لأبي بكر بأنه كان مداورا سياسيا بارعا في يوم السقيفة في حديث طويل له يصفه فيه بأنه أحسد قريش (2).
=============
(1) راجع تاريخ الطبري 2: 233 قال أبو بكر: (إني رضيت لكم أحد هذين الرجلين: عمر أو أبا عبيدة...).
(2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 1: 125 طبعة مصطفى البايي - مصر (الشهيد)
ونجد فيما يروى عن الخليفتين في أيام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يدل على هوى سياسي في نفسيتهما، وأنهما كانا يفكران في شئ على أقل تقدير. فقد ورد في طرق العامة أن ر سول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله، فقال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله، قال: لا، قال عمر: أنا هو يا رسول الله، قال: لا ولكن خاصف النعل - يعني عليا) (1). والمقاتلة على التأويل إنما تكون بد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والمقاتل لا بد أن يكون أمير الناس، فتلهف كل من أبي بكر وعمر على أن يكون المقاتل على التأويل مع أن القتال على التنزيل كان متيسرا لهما في أيام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يشاركا فيه بنصيب قد يدل على ذلك الجانب الذي نحاول أن نستكشفه في شخصيتهما. بل اريد أن أذهب إلى أكثر من هذا فالاحظ أن اناسا متعددين كانوا يعملون في صالح أبي بكر وعمر (2) وفي مقدمتهم عائشة وحفصة اللتان أسرعتا باستدعاء والديهما عندما طلب رسول الله صلى الله عليه
===========
(1) الصواعق المحرقة / ابن حجر: 123 ط 2 / مكتبة القاهرة / 1965، مسند الأمام أحمد 3: 33، كنز العمال 15: 94، ط 2 حيدر آباد - الدكن - الهند / 1968، خصائص أمير المؤمنين / النسائي الشافعي (ت 303 ه): 131، طبعة طهران، راجع: التاج الجامع للاصول 3: 336.
(2) قال الشهيد الصدر (معلقا): وقد سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما هدد طائفة من قريش برجل من قريش امتحن الله قلبه للأيمان يضرب رقابهم على الدين، إن ذلك الرجل هل هو أبو بكر ؟ فقال: لا، فقيل: عمر ؟ قال: لا... إلخ. مسند الأمام أحمد 3: 33، والرواية تهمل اسم السائل الذي توهم أن الشخص ا لذي وصفه النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو أبو بكر أو عمر، وإذا لم يكن أبو بكر وعمر معروفين بشجاعة وبسا لة في المشاهد الحربية على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلا بد أن أمرا آخر دعى السائل إلى أن يسأل ذ ينك السؤالين والبقية أتركها لك.
وآله وسلم حبيبه في لحظاته الأخيرة (1) التي كانت تجمع دلائل الظروف على أنها الظرف الطبيعي للوصية ولا بد أنهما هما اللتان عنتهما الرواية التي تقول إن بعض نساء النبي أرسلن رسولا إلى اسامة لتأخيره عن السفر (2). فإذا علمنا هذا، وعلمنا أن هذا لم يكن بإذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإلا لما أمره بالأسراع بالرحيل لما قدم عليه بعد ذلك (3)، وأن سفره مع من معه كان يعيق عن تحقق النتائج التي انتجها يوم السقيفة، خرجت لدينا قضية مرتبة الحلقات على اسلوب طبيعي يعزز ما ذهبنا إليه من رأي. ومذهب الشيعة في تفسير ما قام به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من تجنيد جيش اسامة معروف، وهو أنه أحس بأن اتفاقا ما بين جملة من أصحابه على أمر معين، وقد يجعل هذا الاتفاق منهم جبهة معارضة لعلي. ونحن إن شككنا في هذا فلا نشك في أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد جعل أبا بكر وعليا في كفتي الميزان مرارا أمام المسلمين جميعا ليروا بأعينهم أنهما لا يستويان في الميزان العادل. وإ لا فهل ترى إعفاء أبي بكر (4) من قراءة التوبة على الكافرين
============
(1) راجع الرواية في سنن الكبرى / النسائي 5: 145 باب 54، وأيضا في مختصر تاريخ ابن عساكر 18 / 21.
(2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 1: 53 (الشهيد) الطبعة القديمة - المصرية - مصطفى البابي الحلبي.
(3) في مسألة بعث اسامة، وطلب الأسراع بتنفيذ الحملة التي أمر فيها النبي اسامة بن زيد على شيوخ المهاجرين والأنصار. راجع الكامل في التاريخ 2: 218، الطبقات الكبرى / ابن سعد 2: 248 - 250.
(4) في قصة إعفاء الخليفة الأول أبي بكر عن مهمة تبليغ سورة براءة وإرسال علي بن أبي طالب لتنفيذ المهمة، راجع: مسند الأمام أحمد بن حنبل 1: 3، الكشاف / الزمخشري 2: 243، الصواعق المحرقة / ابن حجر: 32، طبعة القاهرة.
بعد أن كلف بذلك أمرا طبيعيا ؟ ولماذا انتظر الوحي وصول الصديق إلى منتصف الطريق لينزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويأمره باسترجاعه وإرسال علي للقيام بالمهمة ؟ أفكان عبثا أو غفلة أو أمرا ثالثا ؟ وهو أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحس بأن المنافس المتحفز لمعارضة ابن عمه ووصيه هو أبو بكر، فشاء وشاء له ربه تعالى أن يرسل أبا بكر ثم يرجعه بعد أن يتسامع الناس جميعا بإرساله ليرسل عليا الذي هو كنفسه (1) ليوضح للمسلمين مدى الفرق بين الشخصين وقيمة هذا المنافس الذي لم يأتمنه الله على تبليغ سورة إلى جماعة، فكيف بالخلافة والسلطنة المطلقة ؟ ! إذن فنخرج من هذا العرض الذي فرض علينا الموضوع أن نختصره بنتيجتين: (الأولى) أن الخليفة كان يفكر في الخلافة ويهواها وقد أقبل عليها بشغف ولهفة. (الثانية) أن الصديق والفاروق وأبا عبيدة كانوا يشكلون حزبا سياسيا مهما لا نستط يع أن نضع له صورة واضحة الخطوط، ولكنا نستطيع أن نؤكد وجوده بدلائل متعددة، ولا أرى في ذلك ما ينقص من شأنهم أو يحط من مقامهم، ولا بأس عليهم أن يفكروا في امور الخلافة ويتفقوا فيها على سياسة موحدة إذا لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نص في الموضوع، ولا يبرؤهم إذا كان النص ثابتا بعدهم عن الهوى السياسي
===========
(1) راجع: الكشاف / الزمخشري 1: 368. وكما هو مقتضى آية المباهلة، الصواعق المحرقة / ابن حجر: 156، أخرج الدار قطني احتجاج الأمام على القوم وإنه كنفس النبي. (*)
وارتجال فكرة الخلافة في ساعة السقيفة (1) من المسؤولية أمام الله وفي حكم الضمير. (تحليل الموقف في قصة السقيفة) لست الان بصدد تحليل الموقف الذي اشتبك فيه الأنصار مع أبي بكر وعمر وأبي عبيدة وشرح ما يدل عليه من نفسية المجتمع الأسلامي ومزاجه السياسي، وتطبيق قصة السقيفة (2) على الاصول العميقة في الطبيعة العربية، فإن ذلك كله خارج عن الحدود القربية للموضوع، وإنما اريد أن الاحظ أن الحزب الثلاثي الذي قدر له أن يلي الامور يومئذ كان له معارضون على ثلاثة أقسام: الأول: الأنصار الذين نازعوا الخليفة وصاحبيه في سقيفة بني ساعدة ووقعت بينهم المحاورة السابقة التي انتهت بفوز قريش بسبب تركز فكرة الوراثة الدينية في الذهنية العربية وانشقاق الأنصار (3) على أنفسهم، لتمكن النزعة القبلية من نفوسهم. الثاني: الامويون الذين كانوا يريدون أن يأخذوا من الحكم بنصيب ويسترجعوا شيئا من مجدهم السياسي (4) في الجاهلية وعلى رأسهم أبو سفيان.
=========
(1) إشارة إلى قولة الخليفة عمر بن الخطاب: (إن بيعة أبي بكر كانت فلتة غير أن الله وقى شرها..) تاريخ الطبري 2: 235.
(2) راجع: السقيفة والخلافة / عبد الفتاح عبد المقصود: 264.
(3) راجع: تاريخ الطبري 2: 243.
(4) المصدر السابق 2: 237، قال: (حدثني محمد بن عثمان بن صفوان الثقفي قال: حدثنا أبو قتيبة، قال: حدثنا مالك - يعني ابن مغول - عن ابن الحر قال: قال أبو سفيان لعلي: ما بال هذا الأمر في أقل حي من قريش ! والله لو شئت لأملأنها عليه خيلا ورجالا ! قال: فقال علي: يا أبا سفيان، طالما عاديت الأسلام وأهله...).
الثالث: الهاشميون وأخصاؤهم كعمار وسلمان وأبي ذر والمقدا رضوان الله عليهم وجماعات من الناس (1) الذين كانوا يرون البيت الهاشمي هو الوارث الطبيعي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحكم الفطرة ومناهج السياسة التي كانوا يألفونها. واشتبك أبو بكر وصاحباه في النزاع مع القسم الأول في سقيفة بني ساعدة، وركزوا في ذلك الموقف دفاعهم عما زعموا من حقوق على نقطة كانت ذات وجاهة في نظر كثير من الناس، فإن قريشا ما د امت عشيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخاصته (2) فهي أولى به من سائر المسلمين وأحق بخلافته وسلطانه. وقد انتفع أبو بكر وحزبه باجتماع الأنصار في السقيفة من ناحيتين: (الاولى) أن الأنصار سجلوا على أنفسهم بذلك مذهبا لا يسمح لهم بأن يقفوا بعد ذلك إلى صف علي ويخدموا قضيته بالمعنى الصحيح كما سنوضحه قريبا. (الثانية) أن أبا بكر الذي خدمته الظروف فأقامت منه المدافع الوحيد عن حقوق المهاجرين
===========
(1) تاريخ الطبري 2: 233.
(2) المصدر نفسه 2: 243، قولة الخليفة الأول: (من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته، ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مذ دل بباطل أو متجانف لأثم...).
في مجتمع الأنصار لم يكن ليتهيأ له ظرف أوفق بمصالحه من ظرف السقيفة، إذ خلا الموقف من أقطاب المهاجرين الذين لم يكن لتنتهي المسألة في محضرهم إلى نتيجتها التي سجلتها السقيفة في ذلك اليوم. وخرج أبو بكر من السقيفة خليفة وقد بايعه جمع من المسلمين الذين أخذوا بوجهة نظره في مسألة الخلافة أو عز عليهم أن يتولاها سعد بن عبادة. ولم يعبأ الحاكمون بمعارضة الامويين وتهديد أبي سفيان وما أعلنه من كلمات الثو رة بعد رجوعه من سفره الذي بعثه فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لجباية الأموال، لعلمهم بطبيعة النفس الاموية وشهواتها السياسية والمادية. فكان من السهل كسب الامويين إلى جانب الحكم القائم كما صنع أبو بكر فأباح لنفسه أو أباح له عمر بتعبير أصح كما تدل الرواية (1)، أن يدفع لأبي سفيان جميع ما في يده من أموا ل المسلمين وزكواتهم (2) ثم جعل للامويين (3) بعد ذلك حظا من العمل الحكومي في عدة من المرافق الهامة. وهكذا نجح الحزب الحاكم في نقطتين، ولكن هذا النجاح جره إلى تناقض سياسي واضح، لأن ظروف السقيفة كانت تدعو الحاكمين إلى أن يجعلوا للقرابة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم حسابا في مسألة الخلافة
==========
(1) راجع شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 1: 130 طبعة القاهرة - مصطفى البابي. (ا لشهيد)
(2) قد نستطيع أن نجيب في ضوء هذه القصة عما عرض لنا من سؤال في بداية هذا الفصل عن موقف الخليفتين لو قدر لهما أن يقفا موقف علي الذي كان يفرض عليه أن يغري كثيرا من أمثال أبي سفيا ن بالمال والجاه. (الشهيد)
(3) راجع تاريخ الطبري 2: 237، أخرج عن ثابت قال: لما استخلف أبو بكر قال أبو سفيان: ما لنا ولأبي فصيل، إنما هي بنو عبدمناف ! قال: فقيل له: إنه قد ولى ابنك، قال - أي أبو سفيان -: وصلته رحم..
ويقروا مذهب الوراثة للزعامة الدينية. غير أن الحال تبدلت بعد موقف السقيفة والمعارضة اتخذت لها لونا جديدا وواضحا كل الوضوح يتلخص في أن قريشا إذا كانت أولى برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من سائر العرب لأنه منها فبنو هاشم أحق بالأمر من بقية قريش. وهذا ما أعلنه علي حين قال: إذا احتج عليهم المهاجرون بالقرب من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت الحجة لنا على لمهاجرين بذلك قائمة، فإن فلجت حجتهم كانت لنا دونهم وإلا فالأنصار على دعوتهم (1)، وأوضحه العباس لأبي بكر في حديث له معه إذ قال له: وأما قولك نحن شجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنكم جيرانها ونحن أغصانها (2). وقد كان علي الذي تزعم معارضة الهاشميين مصدر رعب شديد في نفوس الحاكمين، لأن ظروفه الخاصة كانت تمده بقوة على لونين من العمل الأيجابي ضد الحكومة القائمة: - أحدهما ضم الأحزاب المادية إلى جانبه كالامويين والمغيرة بن شعبة وأمثالهم ممن كانوا قد بدأوا يعرضون أصواتهم للبيع ويفاوضون الجهات المختلفة في اشترائها بأضخم الأثمان، كما نعرف ذلك من كلمات أبي سفيان التي واجه بها خلافة السقيفة يوم وصواله إلى المدينة، وحديثه مع علي وتحريضه له على الثورة، وميله إلى جانب الخليفة، وسكوته عن المعارضة حينما تنازل له الخليفة عن أموال المسلمين (3) التي كان قد جباها في سفره، وموقف عتاب بن اسيد الذي سنشير إلى
===============
(1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 6: 5.
(2) المصدر نفسه 6: 5.
(3) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 1: 130، طبعة مصطفى البابي الحلبي - القاهرة.
سره في هذا الفصل. وإذن فقد كان الهوى المادي مستوليا على جماعة من الناس يومئذ. ومن الواضح أن عليا كان يتمكن من إشباع رغبتهم بما خلفه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الخمس وغلات أراضيه في المدينة وفدك التي كانت ذات نتاج عظيم كما عرفنا في الفصل السابق. والطور الاخر من المقاومة التي كان علي مزودا بإمكانياتها ما لمح إليه بقوله: (احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة)، وأعني بذلك أن الفكرة العامة يومئذ التي أجمعت (1) على تقديس أهل البيت والاعتراف لهم بالامتياز العظيم بقربهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت سندا قويت للمعارضة وقد رأى الحزب الحاكم أن موقفه المادي حرج جدا، لأن أطراف المملكة التي تجبى منها الأموال لا تخضع للحكم الجديد إلا إذا استقرت دعائمه في العاصمة، والمدينة بعد لم تخضع له خضوعا إجماعيا. ولئن كان أبو سفيان أو غير أبي سفيان قد باع صوته للحكومة، فمن الممكن أن يفسخ المعاملة إذا عرض عليه شخص آخر اتفاقا أكثر منها ربحا، وهذا ما كان يستطيع علي أن يقوم به في كل حين. فيجب والحالة هذه أن تنتزع من علي الذي لم يكن مستعدا للمقابلة في تلك الساعة الأموال التي صارت مصدرا من مصا در الخطر على مصالح الحزب الحاكم ليضمن بقاء الأنصار على نصرتهم ، وعدم قدرة
======================
(1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 6: 21، روى الزبير بن بكار، قال: روى محمد بن إسحاق أن أبا بكر لما بويع افتخرت تيم بن مرة، قال: وكان عامة المهاجرين وجل الأنصار لا يشكون أن عليا هو صاحب الأمر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
المعارضين على إنشاء حزب من أصحاب المطامع والأهواء يومذاك. ولا يجوز أن نستبعد هذا التقدير لسياسة الفئة المسيطرة ما دام منطبقا على طبيعة السياسة التي لا بد من انتهاجا. وما دمنا نعلم أن الصديق اشترى صوت الحزب الاموي بالمال، فتنازل لأبي سفيان عن جميع ما كان عنده من أموال المسلمين، وبالجاه أيضا إذ ولى ابن أبي سفيان، فقد جاء أن أبا بكر لما استخلف قال أبو سفيان: ما لنا ولأبي فصيل إنما هي بنو عبد مناف، فقيل له أنه قد ولى ابنك قال: وصلته رحم (1). فلا غرابة في أن ينتزع من أهل البيت أموالهم المهمة ليركز بذلك حكومته، أو أن يخشى من علي عليه السلام أن يصرف حاصلات فدك وغير فدك على الدعوة إلى نفسه. وكيف نستغرب ذلك من رجل كالصديق وهو الذي قد اتخذ المال وسيلة من وسائل الأغراء، واكتساب الأصوات حتى اتهمته بذلك معاصرة له من مؤمنات ذلك الزمان فقد ورد أن الناس لما اجتمعو ا على أبي بكر قسم قسما بين نساء المهاجرين والأنصار، فبعث إلى امرأة من بني عدي بن النجار قسمها مع زيد بن ثابت فقالت: ما هذا ؟ قال: قسم قسمه أبو بكر للنساء، قالت: أتراشوني عن ديني ؟ والله لا أقبل منه شيئا. فردته عليه (2). وأنا لا أدري من أين جاء إلى الخليفة (رضي الله تعالى عنه) هذا المال ما دامت الزكوات التي جمعها الساعي قد
============
(1) راجع: تاريخ الطبري 2: 237 طبعة المكتبة العلمية. (الشهيد)
(2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 1: 133. (الشهيد)، الطبقات الكبرى / ابن سعد 3: 182.
[90]
صارت من نصيب بطنه (1) وحد ها، إن لم يكن من بقية الأموال التي خلفها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان أهل البيت يطالبون بها. وسواء أصح هذا التقدير أو لا، فإن المعنى الذي نحاول فهمه من هذه الرواية هو أن بعض معاصري الصديق أحس 40 بما نحس به على ضوء معلوماتنا التاريخية عن تلك الأيام. ولا ننسى أن نلاحظ أن الظروف الاقتصادية العامة كانت تدعوا إلى الارتفاع بمالية الدولة والاهتمام بإكثارها استعدادا للطوارئ المترقبة، فلعل هذا حدى بالحاكمين إلى انتزاع فدك، كما يتبين ذ لك بوضوح من حديث لعمر مع أبي بكر يمنعه (2) فيه عن تسليم فدك إلى الزهراء ويعلل ذلك بأن الدولة في حاجة إلى المال لأنفاقه في توطيد الحكم، وتأديب العصاة، والقضاء على الحركات الانفصالية التي قد يقوم بها المرتدون. ويظهر من هذا رأي للخليفتين في الملكية الفردية، هو أن للخليفة الحق في مصادرة أموال الناس لأنفاقها في امور المملكة وشؤون الدولة العامة بلا تعويض، ولا استئذان. فليس للفرد ملكية مستقرة لأمواله وعقاره في حال احتياج السلطات إلى شئ منها. وقد ذهب إلى هذا الرأي كثير من
=================
(1) يقصد من نصيب الساعي وهو أبو سفيان كما في الرواية التي أوردها ابن أبي الحديد في شرح النهج: 1: 130 طبعة القاهرة - مصطفى البايي الحلبي.
(2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 274، (وقد روي أن أبا بكر لما شهد أمير المؤمنين عليه السلام (بفدك) كتب بتسليمها إليها - إلى فاطمة - فاعترض عمر قضيته، وخرق ما كتبه...)، السيرة الحلبية 3: 391.
الخلفاء الذين انتهى إليهم الأمر بعد أبي بكر وعمر، فامتلأ تاريخهم بالمصادرات (1) التي كانوا يقومون بها، غير أن أبا بكر لم يطبق الرأي إلا في أملاك بنت النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة. وقد تردد الحزب الحاكم في معالجة الاسلوب الثاني من المعارضة بين الثنتين: - (إحداهما) أن لا يقر للقرابة بشأن في الموضوع، ومعنى هذا أنه ينزع عن خلافة أبي بكر ثوبها الشرعي الذي ألبسها إياه. (والاخرى) أن يناقض نفسه فيظل ثابتا على مبادثه التي أعلنها في السقيفة، ولا يرى حقا للهاشميين ولا امتيازا لهم في مقاييس الرجال، أو يراه لهم ولكن في غير ذلك الظرف يكون معنى المعارضة فيه مقابلة حكم قائم ووضع تعاقد عليه الناس. واختارت الفئة المسيطرة أن تثبت على آرائها التي روجتها في مؤتمر الأنصار وتعترض على المعارضين بأن مخالفتهم بعد بيعة الناس للخليفة ليست إلا إحداثا للفتنة (2) المحرمة في عرف الأسلام.
===============
(1) جرى أكثر الخلفاء بالا. خص الامويين والعباسيين على تطبيق نظام المصادرات أو ما يعرف في عصرنا (بالتأميم) أو الاستيلاء على الأموال المنقولة وغير المنقولة بأمر من الحاكم، بعضها لأغراض اقتصادية - التأميم - وبعضها بسبب مخالفة من صودرت أموالهم للمدولة. راجع بحثا مفصلا عن المصادرات في التاريخ / الدكتور محمد سعيد رضا / مجلة كلية الاداب - جامعة البصرة - العدد 15 / 1978.
(2) تاريخ الطبري 2: 234 - 235 أحداث قصة السقيفة، وراجعها في الكامل / ابن الأثير.
وهذا هو الاسلوب الوقتي الذي اتخذه الحاكمون للقضاء على هذا الجانب من المعارضة الهاشمية، وقد ساعدتهم الظروف الأسلامية الخاصة يومئذ على نجاحه كما سنوضحه. غير أننا نحس ونحن ندرس سياسة الحاكمين بأنهم انتهجوا منذ اللحظة الاولى سياسة معينة تجاة آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم للقضاء على الفكرة التي أمدت الهاشميين بقوة على المعارضة كما خنقوا المعارضة نفسها. ونستطيع أن نصف هذه السياسة بأنها تهدف إلى إلغاء امتياز البيت الهاشمي، وإبعاد أنصاره والمخلصين له عن المرافق 41 الهامة في جهاز الحكومة الأسلامية يومئذ وتجريده عما له من الشأن والمقام الرفيع في الذهنية الأسلامية. وقد يعزز هذا الرأي عدة ظواهر تاريخية: (الاولى) سيرة الخليفة وأصحابه مع علي التي بلغت من الشدة أن عمر هدد بحرق بينه وإن كانت فاطمة فيه (1)، ومعنى هذا إعلان أن فاطمة وغير فاطمة من آلها ليس لهم حرمة تمنعهم عن أن يتخذ معهم نفس الطريقة التي سار عليها مع سعد بن عبادة حين أمر الناس بقتله (2). ومن صور ذلك العنف وصف الخليفة لعلي بأنه مرب لكل فتنة وتشبيهه له بام طحال أحب إلى أهلها إليها البغي (3)، وقد قال عمر لعلي بكل وضوح: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منا ومنكم.
===========
(1) تاريخ الطبري 2: 233، العقد الفريد / ابن عبدربه 4: 242 وما بعدها، شرح ابن أبي الحديد 16: 47 - 48.
(2) راجع تاريخ الطبري 2: 244 في قصة السقيفة:... فقال ناس من أصحاب سعد: (اتقوا سعدا لا تطؤوه، فقال عمر: اقتلوه قتله الله، ثم قام على رأسه فقال: لقد هممت أن أطأك حتى تندر عضدك...).
(3) شرح نهج البلاغة 16: 215.
(الثانية) أن الخليفة الأول لم يشارك شخصا من الهاشميين في شأن من شؤون الحكم ا لمهمة، ولا جعل فيهم واليا على شبر من المملكة الأسلامية الواسعة مع أن نصيب الامويين في ذلك كان عظيما (1). وأنت تفهم بوضوح أن هذا وليد سياسة متعمدة من محاورة وقعت بين عمر وبان عباس أظهر تخوفه من تولية الثاني حمص، لأنه يخشى إذا صارد الهاشميون ولاة على أقطار المملكة الأسلامية أن يموت وهم كذلك فيحدث في أمر الخلافة ما لا يريد (2). ونحن إذا عرفنا من رأي عمر أن ظفر ببيت من البيوت الطامحة إلى السلطان بالولاية في الأقطار الأسلامية يهيؤهم لنيل الخلافة والمركز الأعلى، ولا حظنا أن الامويين ذوي الألوان السياسية الواضحة كان فيم ولاة احتلوا الصدارة ت في ا لمجالات الأدارية أيام أبي بكر وعمر، وأضفنا إلى ذلك أنه كان يعلم على أقل تقدير بأن الشورى التي ابتكرها سوف تجعل من شيخ الامويين عثمان خليفة، خرجنا بنتيجة مهمة وتقدير تاريخي تدل على صحته عدة من الظواهر، وهو أن الخليفتين كانا يهيئان للسلطان الاموي أسبابه ومعداته، وهما يعلمان حق العلم أن إنشاء كيان سياسي من جديد للامويين خصوم بني هاشم القدامى معناه تقديم
===============
(1) تاريخ الطبري 2: 337، ثم تولية الخليفة الأول معاوية بن أبي سفيان واقرب الولاية من قبل الخليفة الثاني.
(2) راجع مروج الذهب على هامش الجزء الخامس من تاريخ ابن الأثير ص 135. (الشهيد). تاريخ الطبري 2: 578، طبعة دار الكتب العلمية.
المنافس للهاشميين في زعيم اموي، وتطور المعارضة الفردية للبيت الهاشمي إلى معارضة بيت مستعد للنزاع والمناقشة أكمل استعداد. ومن شأن هذه المعارضة أنها تطول وتتسع لأنها ليست متمثلة في شخص بل في بيت كبير، ونستطيع أن نفهم من هذا أن سياسة الصديق وعمر هي التي وضعت الحجر الأساسي لملك بني امية حتى يضمنا بذلك المنافس لعلي وآل 42 علي على طول الخط (1). (الثالثة) عزل الخليفة لخالد بن سعيد بن العاص عن قيادة الجيش الذي وجهه لفتح الشام بعد أن أسندها إليه لا لشئ إلا لأن عمر نبهه إلى نزعته الهاشمية وميله إلى آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وذكره بموقفه تجاههم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (2). ولو كنا نريد التوسع في دراسة هذه الناحية لعطفنا على هذه الشواهد قصة الشورى العمرية (3) التي نزل فيها عمر (رضي الله تعالى عنه) بعلي عليه السلام إلى صف أشخاص خمسة لا يكافئون عليا في شي من معانيه المحمدية، وقد كان الزبير وهو أحد الخمسة يرى يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن الخلافة حق شرعي لعلي، فلاحظ كيف انتزع عمر هذا الرأي من عقله وأعده للمنافسة بعد حين، إذ جعله أحد الستة الذين
============
(1) وهذا هو السر السياسي الذي غفل عنه الباحثون في قصة الشورى. وقد جاء عن عمر أنه هدد الستة الذين وأوكل إليهم الأمر بمعاوية، وتنبألهم بأنه سيملك الأمر... راجع شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 1: 62، وهذا إن دل على فراسته، فهو على لون سياسته أدل. (الشهيد)
(2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 1: 135. (الشهيد)
(3) راجع في قصة الستة الشورى - تاريخ الطبري 2: 580 - 581.
فيهم علي. وإذن فقد كانت الفئة الحاكمة تحال أن تساوي بين بني هاشم وسائر الناس وترتفع برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الاختصاص بهم لتنتزع بذلك الفكرة التي كانت تزود الشهاشميين بطاقة على المعارضة. ولئن اطمأن الحاكمون إلى أن عليا لا يثور عليهم في تلك الساعة الحرجة على الأسلام، فهم لا يأمنون من انتفاضه بعد ذلك في كل حين، ومن الطبيعي حينئذ أن يسارعوا إلى الأجهاز على كلتا قوتيه المادية والمعنو ية ما دامت الهدنة قائمة قبل أن يسبقهم إلى حرب أكول. ومن المعقول بعد هذا أن يقف الخليفة موقفه التاريخي المعروف من الزهراء في قضية فدك، فهو موقف تلاقى فيه الغرضان وتركز على الخطين الأساسيين لسياسته، لأن الدواعي التي بعثته إلى انتزاع فدك كانت تدعوه إلى الاستمرار على تلك الخطة ليسلب بذلك من خصمه الثروة التي كانت سلاحا قويا في عرف الحاكمين يو مذاك، ويعزز بها سلطانه، وإلا فما الذي كان يمنعه عن تسليم فدك للزهراء بعد أن أعطته الوعد القاطع بأن تصرف منتوجاتها في سبيل لخير ووجوه المصلحة العامة ؟ ! (1) إلا أنه خاف منها أن تفسر وعدها بما يتفق مع صرفها لغلات فدك في المجالات السياسية. وما الذي صده عن إرضاء فاطمة بالتنازل لها عن حصته ونصيب ا لصحابة إذا صح أن فدك ملك للمسلمين سوى أنه أراد أن يقوي بها خلافته ؟ وأيضا فإننا إذا عرفنا أن الزهراء كانت سندا قويا لقرينها في دعوته إلى نفسه، ودليلا يحتج به أنصار الأمام على أحقيته بالأمر، نستوضح أن الخليفة كان موفقا كل التوفيق في موقفه تجاه دعوى الزهراء
=============
(1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 4: 80 (الشهيد) طبعة قديمة.
للنحلة، وجاريا على المنهج السياسي الذي كان يفرضه عليه الظرف الدقيق، إذ اغتنم الفرصة المناسبة لأفهام المسلمين بصورة لبقة، وعلى اسلو ب غير مباشر بأن فاطمة امرأة من النساء ولا يصح أن تؤخذ آراؤها ودعاويها دليلا في مسألة بسيطة كفدك فضلا عن موضوع كالخلافة، وأنها إذا كانت 43 تطلب أرضا ليس لها بحق فمن الممكن أن تطلب (1) لقرينها المملكة الأسلامية كلها وليس له فيها حق. ونخرج من البحث بنتيجة وهي أن تأميم الصديق لفدك يمكن تفسيره: 1 - بأن الظرف الاقتصادي دعى إلى ذلك. 2 - بأن أبا بكر خشي أن يصرف علي ثروة قرينته في سبيل التوصل إلى السلطان. وإن موقفه من دعاوى الزهراء بعد ذلك واستبساله في رفضها قد يكون مرده إلى هذين السببين: 1 - إلى مشاعر عاطفية كانت تنطوي عليها نفس الخليفة رضى عنه الله عرضنا لجملة من أسبابها فيما سبق. 2 - وحدة سياسية عامة بنى عليها الصديق سيرته مع الهاشميين
============
(1) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 16: 284، الطبعة المحققة / أبو الفضل إبراهيم، وفيه جواب مدرس المدرسة الغربية علي بن الفاوقي بهذا المعنى عندما سأله ابن أبي الحديد... وقد عقب عليه بأنه كلام صحيح.
وقد تبيناها من ظواهر الحكم يومئذ. (الأمام علي عليه السلام خصائصه وموقفه من الخلافة) لعل أعظم رقم قياسي ضربه أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام للتضحية في سبيل الأسلام والأخلاص للمبدأ إخلاصا جرده عن جميع الاعتبارات الشخصية وأقام منه حقيقة سامية سمو المبدأ ما بقي للمبد أ حياة هو الرقم الذي سجله بموقفه (1) من خلافة الشورى وقدم بذلك في نفسه مثلا أعلى للتفاني في المبدأ الذي صار شيئا من طبيعته. إن كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد تمكن من محو ضلال الوثنية، فقد استطاع أن يجعل من علي بما أفاض عليه من حقائق نفسه عينا ساهرة على القضية الألهية، فنامت فيه الحياة الأنسانية بأهوائها ومشاعرها وصار يحيا بحياة المبدأ والعقيدة (2).
=============
(1) لاحظ موقفه من محاولة أبي سفيان، ودعوته إلى مجابهة مسلحة تسيل فيها الدماء، مع الخلافة، التي انبثقت عن ا لشورى، فقد ذكر الطبري في تاريخه 2: 237 حدثت عن هشام، قال: حدثني عوانه، قال: لما اجتمع الناس على بيعة أبي بكر، أقبل أبو سفيان، وهو يقول: والله إني لأرى عجاجة لا يطفئها إلا دم ؟ يا آل عبد مناف فيم أبو بكر من اموركم !... وقال: أبا حسن ابسط يديك ابايعك فأبى علي، فجعل يتمثل بأبيات... قال الراوي: فزجره علي وقال: إنك والله ما أدرت بهذا إلا الفتنة، وإنك والله طالما بغيت الأسلام شرا !
(2) قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (علي مع الحق، والحق مع علي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوص يوم القيامة)، راجع في إخراج هذا الحديث: تاريخ بغداد / الخطيب البغدادي 14: 321، تفسير الفخر الرازي 1: 111، المناقب / الخوارزمي: 77، المعجم الصغير / الطبراني 1: 255. (الشهيد) وفي حديث آخر: (رحم الله عليا: اللهم أدر الحق معه حيثما دار). راجع: التاج الجامع للاصول / الشيخ منصور علي ناصف 3: 337 قال: أخرجه الترمذي، مستدرك الحاكم 3: 125 (الشهيد)، كنز العمال 6: 175، جامع الترمذي 2: 213. (الشهيد)
وإن كان للتضحية الأنسانية الفاضلة كتاب فاعمال علي عنوان ذلك الكتاب المشع بأضواء الخلود (1). وإن كان لمبادئ السماء التي جاء بها محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعبير عملي على وجه الأرض فعلي هو تعبيرها الحي على مدى الدهور والأجيال. وإن كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد خلف في امته عليا والقرآن (2) فإنما جمع بينهما ليكون القرآن تفسيرا لمعاني علي العظيم، ولتكون معاني علي انموذجا لمثل القرآن الكريم. وإن كان الله تعالى قد جعل عليا نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في آية المباهلة (3) فلأجل أن يفهم المسلمون أنه امتداد طبيعي لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وشعاع متألق من روحه العظيمة. وإن كان النبي
=============
(1) قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لضربة علي يوم الخندق خير من عبا دة الثقلين، أو قال: لمبارزة علي لعمرو أفضل من أعمال امتي إلى يوم القيامة). راجع: السمتدرك / الحاكم 3: 32. (الشهيد) نشر دار المعرفة - بيروت.
(2) قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إني تارك فيكم الثقلين أو الخليفتين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي، كتاب الله وعترتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض). راجع صحيح مسلم 4: 1874، صحيح الترمذي 1: 130، سنن الدارمي 2: 432، مسند الأمام أحمد 4: 217، المستدرك 3: 119.
(3) آية المباهلة، راجع تفسير الفخر الرازي / سورة آل عمران: 261، الصواعق المحرقة: 143، أسباب النزول / الواحدي: 67 دار الكتب العلمية - بيروت.
صلى الله عليه وآله وسلم قد خرج من مكة مهاجرا خائفا على نفسه وخلف عليا على فراشه (1) ليموت بدلا عنه، فمعنى ذلك أن المبدأ المقدس هو الذي كان يرسم للعظيمين خطوط حياتهما، وإذا كان لا بد للقضية الألهية من شخص تظهر به وآخر يموت في سبيلها، فيلزم أن يبقى رجلها الأول لتحيابه، ويقدم رجلها الثاني نفسه قربانا لتحيابه أيضا. وإن كان علي هو الذي أباحت له السماء خاصة النوم في المسجد والدخول فيه جنبا (2) فمفهوم هذا الاختصاص أن في معانيه معنى المسجد لأن المسجد رمز السماء الصامت في دنيا المادة وعلي هو الرمز الألهي الحي في دنيا الروح والعقيدة. وإن كانت السماء قد امتدحت فتوة علي وأعلنت عن رضاها عليه إذ قال المنادي: لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي (3)، فإنها عنت بذلك أن فتوة علي وحدها هي الرجولة الكاملة التي لا يرتفع إلى مداها إنسان ولا ترقى إلى افقها بطولة الأبطال وإخلاص المخلصين. ومن مهزلة الأقدار أن هذه الفتوة التي قدسها الهاتف الألهي كانت عيبا في رأى مشايخ السقيفة (4) ونقصا في علي يؤاخذ
============
(1) راجع تفسير الرازي 5: 204، نشر دار الكتب العلمية - طهران، سيرة ابن هشام 2: 95، مطبعة الحجازي / ط 10، تذكرة سبط ابن الجوزي: 34.
(2) راجع مسند الأمام أحمد بن حنبل 4: 369، وشرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 2: 451، وتذكرة الخواص / سبط ابن الجوزي: 41، والصواعق المحرقة / ابن حجر: 123، تاريخ الخلفاء / السيوطي: 172 قال: أخرجه البزار عن سعد. (الشهيد)
(3) راجع: تاريخ الطبري 2: 65، دار الكتب العلمية - بيروت (الشهيد). وابن هشام في سيرته، وابن أبي الحديد في شرح النهج. (الشهيد)
(4) راجع شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 6: 45، وفيها: محاورة بين الخليفة الثاني عمر وابن عباس، قال الخليفة عمر: (يا ابن عباس ما أظن القوم منعهم من صاحبك إلا أنهم استصغروه... قا ل ابن عباس: فقلت: والله ما استصغره الله حين أمره أن يأخذه سورة براءة من أبي بكر...). وفي ص 12 من شرح النهج: قول أبي عبيدة: (يا آبا الحسن إنك حديث السن وهؤلاء مشيخة قريش قومك).
عليه وينزل به عن الصديق الذي لم يكن يمتاز عليه إلا بسنين قضاها كافرا مشركا. وأنا لا أدري كيف صار الازدواج بين الجاهلية والأسلام في حياة شخص واحد مجدا يمتاز به عمن خلصت حياته كلها لله (1). ولئن ظهرت للناس في البحوث الجديدة القوم الطبيعية التي تجعل الاجسام الدائرة حول المحور تسير على خط معين، فلقد ظهرت في علي قبل مئات السنين قوة مثلها ولكنها ليست من حقائق الفيزياء، بل من قوى السماء وهي التي جعلت من علي مناعة طبيعية للأسلام حفظت له مقامه الأعلى ما دام الأمام حيا، ومحورا تدور عليه الحياة الأسلامية لتستمد منه روحانيتها وثقافتها وروحها وجوهرها سواء أنكان على رأس ا لحكم أو لا. وقد علمت هذه القوة عملها السحري في عمر نفسه، فجذبته إلى خطوطها المستقيمة مرا را حتى قال: لولا علي لهلك عمر (2)، وظهر تأثيرها الجبار في التفاف المسلمين حوله في اليوم الذي اسندت فيه مقدرات الخلافة إلى عامة المسلمين، ذلك الالتفاف الفذ (3) الذي يقل مثيله في تاريخ الشعوب. ونعرف من هذا أن عليا بما جهزته السماء به من تلك
============
(1) راجع الصواعق المحرقة: 120.
(2) راجع: الطبقات الكبرى / ابن سعد 2: 339، الصواعق المحرقة: 127. (3) تاريخ الطبري 2: 696 وما بعدها.
القوة، كان ضرورة من ضرورات الأسلام (1) التي لا بد منها وشمسا يدور عليها الفلك الأسلامي بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحسب طبيعته التي لا يمكن أن تقاوم حتى التجأ الفاروق إلى مسيرتها كما عرفت. ويتجلي لدينا أيضا أن الانقلاب الفجائي في السياسة الحاكمة لم يكن ممكنا يومئذ لأنه - مع كونه طفرة - يناقض تلك القوة الطبيعية المركزة في شخصية الأمام، فكان من الطبيعي أن تسير السياسة ا لحاكمة في خط منحن حتى تبلغ النقطة التي وصل إليها الحكم الاموي، تفاديا من تأثير تلك القوة الساهرة على الاعتدال والانتظام كما ينحني السائق بسيارته عندما ينحرف بها إلى نقطة معاكسة تحذرا من القوة الطبيعية التي تفرض الا عتدال في السير. وهذا الفصل الرائع من عظمة الأمام يستحق دراسة وافية مستقلة قد نقوم بها في بعض الفرص لنكشف بها عن شخصية علي المعارض للحكم والساهر على قضية الأسلام والموفق بين حماية القوة الحاكمة من الانحراف وبين معارضتها في نفس الوقت. وإن كانت مواقف الأمام كلها رائعة، فموقفه من الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أكثرها روعة (2). وإن كانت العقيدة الألهية تريد في كل زمان بطلا يفتديها بنفسه، فهي
============
(1) وعلى ضوء ما بيناه نفهم قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي: لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي. وقوله له عندما تهيأ للخروج إلى غزوة تبوك: لا بد أن اقيم أو تقيم. راجع: سمند الأمام أحمد 1: 331، ذخائر العقبى: 87 46، الخصائص / النسائي: 80 - 81. (الشهيد)، صحيح الترمذي 5: 596 مطبعة دار الفكر.
(2) سيأتي بيان هذه النقطة في الفصل الأخير.
تريد أيضا بطلا يتقبل القران ويعزز به المبدأ، وهذا هوى الذي بعث بعلي إلى فراش الموت (1) وبالنبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى مدينة النجاة يوم الهجرة الأغر كما أشرنا إليه قريبا، ولم يكن ليتهيأ للأمام في محنته بعد وفاة أخيه أن يقدم لها كلا البطلين، لأنه ضحى بنفسه في سبيل توجيه الخلافة إلى مجراها الشرعي في رأيه لما بقي بعده من يمسك الخيط من طرفيه، وولدا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طفلان لا يتهيأ لهما من الأمر ما يريد. وقف علي عند مفترق طريقين كل منهما حرج وكل منهما شديد عليخ نفسه: - (أحدهما) أن يعلن الثورة المسلحة على خلافة أبي بكر. (والاخر) أن يسكت وفي العين قذى، وفي الحلق شجا، ولكن ماذا كان يترقب للثورة من نتائج ؟ هذا ما نريد أن نتبينه على ضوء الظروف التاريخية لتلك الساعة العصيبة. إن الحاكمين لم يكونوا ينزلون عن مراكزهم بأدنى معارضة وهم من عرفناهم حماسة وشدة في أمر الخلافة. ومعنى هذا أنهم سيقابلون ويدافعون عن سلطانهم الجديد، ومن المعقول جدا حينئذ أن يغتنم سعد بن عبادة الفرصة ليعلنها حربا اخرى في سبيل أهوائه السياسية، لأننا نعلم أنه هدد الحزب المنتصر بالثورة عندما طلب
================
(1) راجع الرازي في التفسير الكبير / 5: 204 في افتداء الأمام علي عليه السلام النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم في يوم هجرته المباركة وانجاء الرسول من الموت، وفيه نزلت الاية المباركة: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله) البقرة / 207.
منه البيعة وقال: (لا والله حتى أرميكم بما في كنانتي وأخضب سنان رمحي وأضرب بسيفي واقاتلكم بأهل بيتي ومن أطاعني ولو اجتمع معكم الأنس والجن ما بايعتكم) (1). وأكبر الظن أنه تهيب الأقدام على الثورة ولم يجرأ على أن يكون أول شاهر للسيف ضد الخلافة القائمة، وإنما اكتفى بالتهديد الشديد الذي كان بمثابة إعلان الحرب، وأخذ يترقب تضعضع الأوضاع ليشهر سيفه بين السيوف، فكان حريا به أن تثور حماسته ويزول تهيبه ويضعف الحزب القائم في نظره إذا رأى صوتا قويا يجهر بالثورة فيعيدها جذعة ويحاول إجلاء المهاجرين من المدينة بالسيف (2) كما أعلن ذلك المتكلم عن لسانه في مجلس السقيفة. ولا ننسى بعد ذلك الامويين وتكتلهم السياسي في سبيل الجاه والسلطان، وما كان لهم من نفوذ في مكة في سنواتها الجاهلية الأخيرة، فقد كان أبو سفيان زعيمها في مقاومة الأسلام والحكومة النبوية، وكان عتاب ابن اسيد بن أبي العاص بن امية أميرها المطاع في تلك الساعة. وإذا تأملنا ما جاء في تاريخ تلك الأيام (3) من أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما توفي ووصل خبره إلى مكة وعامله عليها عتاب بن اسيد بن أبي العاص بن امية استخفى عتاب وارتجت المدينة وكاد أهلها يرتدون، فقد لا نقتنع بما يعلل به رجوعهم عن الارتداد من العقيدة والأيمان. كما أني لا اؤمن بأن مرد
===============
(1) راجع تاريخ الطبري 2: 244. 47
(2) تاريخ الطبري 2: 243، قصة السقيفة، قول الحباب بن المنذر: (أما والله لئن شئتم لنعيدنها جذعة....).
(3) الكامل في التاريخ / ابن الأثير 3: 123 وصل خبر وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وكان عتاب بن اسيد ابن أبي العاص بن امية أميرا على مكة.
ذلك التراجع إلى أنهم رأوا في فوز أبي بكر فوزهم وانتصارهم على أهل المدينة كما ذهب إليه بعض الباحثين، لأن خلافة أبي بكر كانت في اليوم الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأكبر الظن أن خبر الخلافة جاءهم مع خبر الوفاة، بل تعليل القضية في رأيي أن الأمير الاموي عتاب بن اسيد شاء أن يعرف اللون السياسي الذي اتخذته اسرته في تلك الساعة، فاستخفى وأشاع بذلك الاضطراب حتى إذا عرف ان أبا سفيان قد رضي بعد سخط وانتهى مع الحاكمين إلى نتائج في صالح البيت الاموي (1) ظهر مرة اخرى للناس وأعاد الامور إلى مجاريها. وعليه فالصلة السياسية بين رجالات الامويين كانت قائمة في ذلك الحين. وهذا التقدير يفسر لنا القوة التي تكمن وراء أقوال أبي سفيان حينما كان ساخطا على أبي بكر وأصحابه، إذ قالك إني لأرى عجاجة لا يطفيها إلا الدم، وقال عن علي والعباس: أما والذي نفسي بيده لأرفعن لهما من أعضادهما (2). فالامويون قد كانوا متأهبين للثورة والانقلاب، وقد عرف علي منهم ذلك بوضوح حينما عرضوا عليه أن يتزعم المعارضة ولكنه عرف أنهم ليسوا من الناس الذين يعتمد على تأييدهم، وإنما يريدون الوصول إلى أغراضهم عن طريقه، فرفض طلبهم، وكان من المنتظر حينئذ أن يشقوا عصا الطاعة إا رأوا الأحزاب المسلحة تتناحر، ولم يطمئنوا إلى قدرة الحاكمين على ضما ن مصالحهم، ومعنى انشقاقهم حينئذ إظهارهم للخروج عن الدين
==========
(1) راجع تاريخ الطبري / 2: 237، هدأت ثائرة أبي سفيان بعد أن ولى الخليفة الأول ابنه معاوية... فقال: وصلته رحم.
(2) تاريخ الطبري 2: 237.
وفصل مكة عن المدينة. وإذن فقد كانت الثورة العلوية في تلك الظروف إعلانا لمعارضة دموية تتبعها معار ضات دموية ذات أهواء شتى، وكان فيها تهيئة لظرف قد يغتنمه المشاغبون ثم المنافقون. ولم تكن ظروف المحنة تسمح لعلي بأن يرفع صوته وحده في وجه الحكم القائم، بل لتناحرت ثورات شتى، وتقاتلت مذاهب متعددة الأهداف والأغراض، ويضيع بذلك الكيان الأسلامي في اللحظة الحرجة التي يجب أن يلتف فيها المسلمون حول قيادة موحدة، ويركزوا قواهم لصد ما كان يترقب أن تتمخض عنه الظروف الدقيقة من فتن وثورات. إن عليا الذي كان على أتم استعداد لتقديم نفسه قربانا للمبدأ في جميع أدوار حياته (1) منذ أن ولد في البيت الألهي وإلى أن قتل فيه، قد ضحى بمقامه الطبيعي ومنصبه الألهي فهي سبيل المصالح العليا التي جعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصيا عليها وحارسا لها. ولفقدت بذلك الرسالة المحمدية الكبرى بعض معناها، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما أمره ربه بتبليغ دعوته والأنذار برسالته جمع بني عبد المطلب وأعلن عن نبوته بقوله: (إني والله ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل مما قد جئتكم به). وعن إمامة أخيه بقوله: (إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا) (2) ومعنى ذلك أن إمامة علي
المراجع
مكتبة شبكة أمل الثقافية
التصانيف
أبحاث