عربية الهوية والجذور
القدس من أقدم مدن العالم القديم كانت منذ فجر التاريخ وعلى امتداد عصوره المتعاقبة وما تزال إلى هذا الزمان تحتل المكانة القدسية والروحية الأهم للمعتقدات والأديان السماوية..
ويجمع المؤرخون القدامى والجدد على أن القدس الأولى أسسها العموريون في الألف الثالث قبل الميلاد وأن أول اسم ثابت لها هو "أورسالم " وهذه الكلمة مكونة من مقطعين "أورو" وتعني أسس . وسالم هو اسم إله فيكون معنى الكلمة " أسسها سالم " وهو اسم عموري . ويرى بعض المؤرخين أن العموريين هم سكان كنعان الأصليين واللغة العمورية هي الكنعانية . وقد انبثق الكنعانيون من العموريين كما تعني أرض الموريا " أرض العموريين أو الأموريين " وهي أحد مرتفعات القدس .
وتلا العموريون في سكنى المدينة خلال النصف الأول من الألف الثانية قبل الميلاد اليبوسيون وهم بطن من الكنعانيين فأطلق على أورسالم اسم "يبوس" وهو الاسم الثاني لمدينة القدس الذي ظهر في التاريخ وقد بنى اليبوسيون هيكلاً لإلههم في مدينتهم وهم أول من جعل المدينة مقدسة . كما بنوا في يبوس قلعتها التي سموها قلعة"صهيون" وصهيون كلمة كنعانية تعني "مرتفع" ولذلك نجد أن الاسم يطلق على أكثر من مرتفع في سورية القديمة .
أما الدكتور كامل العسلي فيذهب إلى أن العموريين هم أول من أنشأ مدينة القدس بالاستناد على ما يلي :
1ـ أول اسم عرف لمدينة القدس "أورسالم" هو اسم عموري .
2ـ أول اسمين عرفا لأول أميرين لمدينة القدس هما : باقر ـ عمر ، وسز ـ عمو ، وهما اسمان عموريان .
3ـ أن تلة موريا وهي إحدى التلال الأربع التي تقوم عليها مدينة القدس ـ اعتبرها العلماء أرض العموريين . سواء أكان المؤسسون هم العموريين أو الكنعانيين فالمسألة واحدة لأن الكنعانيين من العموريين كما أن اليبوسيين من الكنعانيين ".
وحوالي القرن العشرين قبل الميلاد استوطن الكنعانيون وهم قبائل عربية السهول الساحلية و بنوا المدن والقرى واهتموا بتنمية ثقافتهم الخاصة . وكانوا يجيدون الزراعة وصناعة الفخار والنسيج والبناء وقد عرفوا المعادن والتعدين وشرعوا القوانين كما عرفوا حروف الهجاء والكتابة والتأليف وكانوا يعبدون الأصنام ومن آلهتهم المعروفة "بعل" إله الشمس .
وعندما غزا العبرانيون أرض كنعان في أواسط القرن الثالث عشر قبل الميلاد بقيادة " يشوع بن نون " كانوا قبائل همجية بلا حضارة همها الفتك والنهب .
ولم يكن من الغريب أن يأخذوا من الحضارة التي وجدوها في أرض كنعان عندما استقروا فيها . وتؤكد الوقائع التاريخية أن غنى الإنتاج الثقافي الذي كان في أرض فلسطين ولبنان وسورية هو في الواقع المورد الذي نهل منه كتاب "التوراة" كما أن الدين الذي تدعو إليه هو طراز خاص من الدين الكنعاني .
محطات في تاريخ القدس
وقد تعاقبت على القدس موجات الحكم المتتالية فقد فتحها الملك البابلي نبوخذ نصر سنة 586 ق.م ودمرها "السبي البابلي " وبعد أن استولى الفرس على سورية وفلسطين في العام 538 ق.م فتحها الاسكندر المقدوني سنة 332 ق.م وتأرجحت السيطرة على القدس في عهد خلفائه البطالمة والسلوقين ثم استولى القائد الروماني "بومبي" على القدس سنة 63 ق.م ودمرها الإمبراطور "هادريانوس" سنة 135 م وأسس مكانها مستعمرة رومانية أطلق عليها اسم "إيليا كابيتو لونيا" وحرم على اليهود دخولها ..
وفي القرن السابع بعد الميلاد وقع الفتح العربي الإسلامي لفلسطين 636 م واعتنق كثير من سكانها الدين الإسلامي في عهد الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب .
وقد سمى المسلمون المدينة "بيت المقدس" وهو الاسم الذي ورد في رسالة الخليفة عمر بن الخطاب إلى القائد أبو عبيدة بن الجراح يطلب إليه تحرير القدس .
وتم البدء بتشييد الحرم القدسي الشريف في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان /685 م/ وفي العهد العباسي تم إصلاح وترميم المسجد الأقصى إثر الكوارث الطبيعية التي أصابته ، وبعد أن دب الضعف في السلطة المركزية ببغداد دخلت القدس في حوزة الطولونيين وتلاهم الأخ شيديون من عام 939 ـ 969 م وقد كان للقدس منزلة خاصة عند الإخشيديين بدليل أن ملوكهم جميعاً دفنوا فيها بناءً على وصاياهم ، وبعد أن استولى الفاطميون على القدس سنة 969 م وضع السلاجقة حداً لحكمهم سنة 1070م .
وأما أكبر الكوارث التي مرت على القدس فتمثلت باحتلال الفرنجة سنة 1099م الذين عاشوا فيها فساداً وارتكبوا مذبحة في منطقة الحرم الشريف إذ بلغ عدد الضحايا 70 ألفاً وجعلوا القدس عاصمة لمملكتهم اللاتينية ووضعوا صليباً على الصخرة المشرفة ونهبوا ما كان في الصخرة والأقصى من كنوز وذخائر ، وبعد هزيمتهم في معركة حطين عام 1187م أزال الناصر صلاح الدين رموز الفرنجة من المسجد الأقصى ووضع في الصخرة المصاحف ودشن إنشاءات كثيرة في القدس ومست شفى كبيراً وسوراً للمدينة .
وحظيت المدينة في عهد المماليك باهتمام كبير وغدت مركزاً من أهم المراكز العلمية في العالم الإسلامي وكان يفد إليها الدارسون من مختلف الأقطار.
وبعد انتصار العثمانيين في معركة "مرج دابق" عام 1516م انتهى حكم المماليك لبلاد الشام ووقعت القدس تحت الحكم العثماني . وفي الفترة من 1831 ـ 1840م كانت القدس تحت حكم إبراهيم بن محمد علي حاكم مصر الذي احتل سورية إثر خلاف نشب مع الدولة العثمانية وقد اضطر إلى ترك البلاد سنة 1840م تحت ضغط الدول الكبرى .
الانتداب البريطاني
وزرع الكيان الصهيوني
مع قرب نهاية الحرب العالمية الأولى 1917 قضي على الحكم العثماني الذي استمر 400 عام . ودخلت القوات البريطانية القدس بقيادة الجنرال اللنبي . وفي الوقت نفسه كانت المفاوضات قائمة بين الساسة البريطانيين وزعماء الحركة الصهيونية حيث صدر في 2/11/1917 وعد بلفور المشؤوم الذي ينص على تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين . بعد تأسيس يهود أوربا جمعية "أحباء صهيون" .
وبرحيل الإنجليز عن القدس وفلسطين في 14 أيار 1948 أعلن الزعماء الصهاينة قيام الكيان الصهيوني في فلسطين . وقد نصت اتفاقية الهدنة بين الأردن وهذا الكيان على تقسيم مدينة القدس إلى ثلاثة أقسام وكان التقسيم وفق النسبة المئوية لمساحة القدس كالآتي :
ـ القدس المحتلة "القطاع اليهودي" ومساحته ما يعادل 84% .
ـ القدس العربية "القطاع العربي ومساحته ما يعادل 11.5% .
ـ قطاع هيئة الأمم المتحدة "الأراضي الحرام" ومساحته ما يعادل 4.9% .
وفي 7 حزيران 1967 استولى الصهاينة على القطاع الغربي من القدس . وبتاريخ 30/7/1980 أقر الكيان الصهيوني قانوناً خطيراً بضم القدس لهذا الكيان وجعلها عاصمة له خلافاً لكل القرارات الدولية.
غير أن هذا لم ينطو على أي تغيير في قوام الشعب فبقي السكان عرباً لسانهم عربي وعاداتهم وثقافتهم عربية خالصة في هذا الصدد يقول المؤرخ العالمي آرنولد توينبي : إن إقامة العرب بفلسطين بدأت منذ الألف الرابعة قبل الميلاد . وكذلك أقرت دول الحلفاء بأن فلسطين عربية وعدتها ضمن البلاد العربية التي وعدت العرب في مراسلات الشريف حسين ـ مكماهون عام 1915 باستعادتها .
المراجع
موسوعة الجغرافية نافذة الجغرافيين العرب
التصانيف
تصنيف :الجغرافيا