الخطبة الأولى:
الحمد لله, نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه, ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلَّم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فإن مصطلح الثقافة واحد من أشهر المصطلحات التي عرفها الفكر الإنساني في تاريخه المعاصر؛ وذلك على الرغم من أنه مصطلح حديث نسبياً، ولم يعرفه الفكر القديم بتلك الدلالات التي حملها في القرن الميلادي الأخير، وعلى الرغم من ذلك فإن معظم من كتبوا عن هذا المصطلح وتاريخه أجمعوا على صعوبة وضع تعريف واضح ومحدد له، وهذه هي آفة المصطلحات المعاصرة بشكل عام، وربما كان الأمر فيه قُصد قصداً؛ حيث تفعل مساحات التطاوع والغموض في المصطلح فعلها الكبير في إمكانيات توجيه المصطلحات إلى غير ما وِجهة، وبحيث يكون لها عند كل فريق معنى، وبطبيعة الحال يكون من يملك الإمكانيات التسويقية والإعلامية الأكثر هو الأكثر قدرة على تسويق المعنى الذي يريد والإيحاءات التي يرغب.
ومن أجل ذلك حذَّر كثير من الناصحين في الفكر الإسلامي من خطورة التسليم بالمصطلحات الوافدة، وخطورة أن نخلي لها في خطابنا الدعوي مكاناً أو ركناً، والأخطر أن نستبدلها بمصطلحاتنا التراثية والعلمية الأصيلة التي ضُبطت وحُررت واختُبرت على مر القرون حتى ضبطت لنا معالم الشريعة وعالمنا الفكري الإسلامي.
لا يمكن التساهل في هذا السياق وفق مقولة: "لا مُشاحَّة في المصطلح"؛ إذ إن هذه وإن كانت كلمة حق إلا أنها توضع في غير مكانها وتاريخها وسياقها، بل إن أصل النزاع الحضاري الآن إنما مفتاحه ومدخله هو المصطلح؛ فكيف لا تكون فيه مشاحة ومنازعة!
وبعيداً عن هذا الاستطراد الضروري نعود إلى مصطلح الثقافة فنجد أنه حمل أكثر من معنى وأكثر من دلالة؛ فهناك من وَجَّهه وجهة المعرفة والعلم؛ فكانت الثقافة عنده أن تعلم شيئاً عن كل شيء؛ بحيث تكون لك رؤية موسوعية ولو سطحية عن مختلف الأفكار والآراء والعلوم والمعارف والفنون والآداب ونحو ذلك، وهناك من جعلها دلالة نخبوية بمعنى أن المثقف هو من استجمع بعضاً من قيم وخصوصيات فكرية وفنية رفيعة في المجتمع، وهناك من جعلها دلالة على مجمل القيم العامة في المجتمع والسلوك الإنساني فيه، وهي تلك القيم الحاضنة للنمو الاجتماعي وتواصل الأجيال وفق أذواق معينة ومفاهيم إنسانية وأخلاقية معينة، وهذا هو الأكثر قبولاً في أوساط دارسي المصطلح، وهو الألصق بالاشتقاق اللغوي للمصطلح في كثير من اللغات الأوروبية المعاصرة، حيث تشتق الثقافة من مادة الحرث والنماء, ويبدو أن هذا هو التوجيه الأكثر دقة، والأكثر قرباً وضبطاً لمصطلح الثقافة، وهو الأكثر قرباً من الإطار الإسلامي كذلك؛ لأنه يعطي دلالة أقرب إلى مفهوم العرف.
ومن المعروف أن العرف معتبر لدى الجمهور من الأصوليين، بوصفه مصدراً من مصادر التشريع، له حجيته وإلزاميته في بعض القضايا والأحكام، وقد خرَّج بعضهم على ذلك قاعدة: "المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً" ولعل هذا الربط بين دلالة مصطلح الثقافة ومصطلح العرف -إن صح وجاز- يعطي ثقافة المجتمع موقعاً شديد الحساسية والخطورة في الوعي الإسلامي المعاصر, ويكشف الغطاء عن محاولات التزوير والتخدير التي تمارس ضد العقل الإسلامي لحرمانه من ممارسة واجبه المشروع في حماية ثقافته من عمليات الاختراق الأجنبي المتنوعة؛ حيث شاعت في العقود الأخيرة الكتابات التي تهزأ من الحديث عن الغزو الثقافي، والأخرى التي تنفي وجود شيء اسمه الغزو الثقافي، وتحاول أن تربط ذلك بالتشدد أو التطرف الديني أو العنصرية القومية أو ما شابه ذلك من اتهامات وتلويحات، يحدث ذلك على الرغم مما تحمله لنا التقارير والأخبار من حالات سخط واستنفار في دوائر المثقفين والأجهزة الرسمية في بعض الدول الأوروبية مثل فرنسا ضد ما يسمونه "الغزو الثقافي الأمريكي"؛ وذلك من خلال المسلسلات والأفلام والمطاعم الأمريكية وغيرها التي تصبغ المجتمع بصبغة غريبة وطارئة، وتمزق العرف العام في المجتمع وتشوه الأجيال الجديدة، وهذا كله صحيح بالنسبة لفرنسا، ولكنه أكثر صحة وخطراً بالنسبة لنا نحن المسلمين؛ وذلك أن أواصر القربى بين الثقافتين الأمريكية والفرنسية أكثر من أن تحصى، فإذا كان الفرنسيون يفزعون من الغزو الثقافي الأمريكي، وهم على هذا الوجه من القربى؛ فكيف بنا ونحن على النقيض من الثقافة الأمريكية قيماً وأخلاقاً ونظام حياة وسلوكاً أسرياً وديناً وحضارة؟!
عباد الله:
إن الثقافة أو العرف إن شئنا الدقة هو البوتقة التي تنصهر فيها فعاليات البشر في المجتمع، وهي ماء الحياة فيه؛ لأنها تمنح الناس الحساسية الإنسانية تجاه الذوق الاجتماعي وتجاه محددات العيب, والجائز وغير الجائز من السلوك.
إن الناس قد ينسون الأصل الشرعي لحرمة الفعل أو عيبه أو نكرته، ولكنه يبقى في وعيهم أن هذا عيب أو حرام أو منكر, وعندما يقع التشتت والتمزق في الوعي الثقافي يتبعه التمزق في النسيج الاجتماعي، والتمرد على القيم والتقاليد الحافظة لتَواصُل المجتمع ونقائه ومجمل أخلاقه؛ ولذا فلا غرو في أن الغزو الثقافي يؤثر جوهرياً في الأصل العام في الإسلام ألا وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وذلك أن المعروف والمنكر رغم أنهما ينبعان من الأصل الديني مباشرة إلا أنهما في غالب السلوك الاجتماعي وعي ثقافي عند العامة بشكل أساس، وعرف عام تغلغل في نسيج المجتمع، وعندما يضعف إلمام الناس بالشريعة وعلومها وحججها يبقى هذا العرف الاجتماعي أو الثقافة التي تصبغ نسيج المجتمع وعفويته تبقى هي الحافظة لمعنى المنكر والمعروف.
صحيح أن بعضاً من الخلط والانحراف يقع، وهذا أمر محتوم، ولكن يبقى أن النسيج العام للمجتمع يعرف المعروف وينكر المنكر.
ولعل القرآن الكريم قد ضرب لنا مثلاً واضحاً في خطورة التخريب الثقافي الذي يصل إلى حد الانقلاب في العرف العام في المجتمع من خلال قصة قوم لوط, ومقولتهم العجيبة: {أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} (56) سورة النمل. ولعلنا نرى الآن في بعض الدول الأوروبية كيف أن العرف قد انتكس بالفطرة الإنسانية إلى قريب من هذا الدمار الذي حدث مع قوم لوط في أخلاق الناس وفوضى السلوك الاجتماعي، وينبغي أن نتذكر جيداً أن هذه الانتكاسات لم تأت عبر خطب أو بيانات أو إقناعات مباشرة أو منطق مفترض، وإنما أتت عبر عمليات التآكل المستمرة في القيم والأعراف، والتي تؤدي مع الوقت إلى اختراق ثقافة المجتمع وإفقادها مناعتها وحصانتها، وبذلك تخرج أجيال جديدة متمردة ومفرغة من كل قيمة أو وعي رشيد؛ فإن استمر هذا التفريغ انتهى الأمر إلى انتكاسة الفطرة بكاملها، أو أن يقيض الله للمجتمع من يوقف هذا الانهيار ويجدد عهد الناس بالقيم والدين منبع العرف في المجتمع الإسلامي والبوتقة التي تنصهر فيها كل فعاليات المجتمع المسلم على مر التاريخ؛ لتتحول إلى وعي ثقافي عام يطبع نسيج المجتمع بطابعه، بل يصبح هو نسيج المجتمع ولُحْمته.
وإن من أبواب الغزو الثقافي الذي ينبغي التحذير منه في هذا السياق هو الحديث الشيق الطريف عن "العالم الذي أصبح قرية واحدة" وهي المقولة التي تنسرب الآن في المقالات والكتابات حتى الإسلامية منها -مع الأسف- غير منتبهة إلى أنها مزلق يُستغل لتخدير الوعي الإسلامي وشله عن المقاومة للغزو الثقافي، بل لإصابته باليأس أصلاً باعتبار أن الطوفان التغريبي قدر مقدور.
ولأن العالم أصبح قرية واحدة؛ فكيف نستطيع أن نحتاط منه ونتحصن ثقافياً وقيمياً؟! 1.
أيها المسلمون:
إن حالة التردي والانحطاط التي وصلت إليها الأمة، يعكسها واقع الثقافة في الوطن العربي؛ فهي إما متخلفة أو مسلوبة أو تابعة، ففي الوقت الذي انحسر فيه الاستعمار المباشر، بدأ يطفو على السطح نوع آخر من الاستعمار لا يقل حدة وشراسة عن الاستعمار التقليدي، هو ما يمكن أن نحصره في التبعية الثقافية, وتكمن مخاطر التبعية الثقافية في أنها تسيطر على العقل وتحدد نمط وطرق التفكير وقد استثمرت الدول الغربية تفوقها في مجال تقنية المعلومات وثورة الاتصال من خلال وسائل الإعلام الحديثة والمتطورة، كما سخرت الكثير من الأقلام للعمل على إيجاد مجتمع عربي مشوه؛ إذ عملت القوى الغربية على مسخ الثقافة الإسلامية من خلال تعظيم مكانة لغتها بحجة أنها لغة العلم والعمل، الأمر الذي أدى إلى إهمال تدريس اللغة العربية أو فرض تعلّم الإنجليزية على النشء.
ومن ناحية ثانية تولّدت التبعية الثقافية نتيجة لانبهار الوطنيين بثقافة الأغراب، وعلى رأسها الثقافة الغربية وما يترتب على ذلك من تحقير للثقافة الوطنية، وإثارة أزمات عديدة على رأسها أزمة الهوية والانتماء2.
فاحذر أيها المسلم من أن تمسخ هويتك وثقافتك الإسلامية, وإياك والانبهار بالمظاهر البراقة والكلام المعسول حول ما ينشر من ثقافات ضالة يصدِّرها الأعداء إلى بلاد الإسلام؛ ليضلوك, واستعن بالله وتوكل عليه, واجعل نصب عينيك قول الله: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم} (109) سورة البقرة. {وَاسْتَغْفِرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا} (106) سورة النساء. والحمد لله رب العالمين.
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين, والعاقبة للمتقين, ولا عدوان إلا على الظالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين.. أما بعد:
عباد الله:
تمتاز الضفادع بكثرة نقيقها وقبحه، وعدم استئناس الآذان لسماعه، وإذا ما ابتلي أحد بأن كان بيته قرب بركة راكدة آسنة تكثر فيها الضفادع فلا بد أن يتنغص نومه، ويستعجل بزوغ الفجر، ليتخلص من هذه الأصوات الناشزة المتنافرة.
كذلك هو حال "أدعياء الثقافة" الذين يمكِّن لهم الإعلام الرسمي في دنيا العرب، ويحلهم أمكنة ليست لهم، ويغدق عليهم الامتيازات، وينفحهم بالأعطيات، وبما يتساقط من موائده من الفتات، ليتولوا عنه مهمة الوقوف في وجه التيار الأصيل النابع من عقيدة الأمة ودينها، والمعبر الصادق عن همومها، أعني التيار الإسلامي، في الوقت الذي يسد فيه النوافذ والكُوى على أصحاب هذا التيار الأصيل، حتى لا يتسرب منها هواء نقي، أو أشعة شمس مطهِّرة، فتتلوث البيئة، ويتعفن الجو، وتفسد الأذواق، وتؤذى الأسماع بنقيق هؤلاء الأدعياء الذين يحاربون الفضيلة، ويؤسسون للرذيلة، وينافحون من أجل شيوع الركاكة، ويسوِّدون الصفحات دفاعاً عن كل ما هو دخيل وفاجر، وحرباً لكل ما هو أصيل وطاهر.
هناك حلف غير شريف بين الحكومات العربية وبين الكثير ممن ينتحل صفة الأدب والثقافة، أما هدف الحكومات فهو واضح، وهو أنها تريد أن يكون القلم إلى جانب السيف في معركتها مع الإسلام غير الرسمي؛ لأن أساليب البطش التي تستعملها لإسكات المعترضين لابد لها من تغطية تختلق لها المسوغات التي تجد لها من يصدقها ويؤمن بها، أو يأخذ بها تحت أسباب كثيرة، ولا يستطيع العسكري ذو الحذاء الغليظ أن يقوم بهذه التغطية، لذلك فهو يسند مهمة القيام بها إلى من ينتخبهم من أصحاب الأقلام، ومن تستكتبهم وزارات الإعلام والثقافة تحت مسميات كثيرة. وبما أن هذه الأصوات هي الوحيدة التي يسمح لها بالكتابة والكلام؛ فلن يأتي كلامها إلا ضمن الحدود المرسومة التي أمروا بعدم تجاوزها, ولقد احتل هؤلاء الكتبة الذين تحركهم شتى الدوافع ما عدا الإسلام دور علماء المسلمين التاريخي في مراقبة السلطة، وتنبيه الناس إن تجاوزت الحدود الشرعية, وبما أن كل إناء ينضح بما فيه؛ فقد جاء عمل هؤلاء على عكس دور العلماء3.
أيها الناس:
إن للتبعية الثقافية مظاهر كانتشار المدارس الأجنبية، وفتح فروع أو مؤسسات تعليمية أجنبية، والسيطرة غير المباشرة على وسائل الإعلام فيما يسمى بالتبعية الإعلامية، إذ لا يتعدى دور أجهزة الإعلام العربية عن دور المستقبل للمادة الإعلامية والناقل لها، والآخذ بالمناهج الغربية في التدريس. ونجد المؤسسات التعليمية العربية، وعلى رأسها الجامعات، ناقلة للأسس والقواعد الإدارية والأكاديمية المعمول بها في دول الشمال، وناقلة أيضاً لذات الأساليب المتبعة في التقييم والامتحانات، وربما مساقات الدراسة، رغم خصوصية بيئة المجتمع العربي عن المجتمعات المتقدمة!!.
إن مشكلة المثقف العربي هي من أعقد وأشد المشاكل التي تعانيها مجتمعاتنا فهي من أعمق المشكلات التي تكشف عن أزمة تكوين المثقف، وأزمة تشكيل الفكر والثقافة والعقل في العالم العربي. وقد أظهرت هذه المشكلة غربة المثقف عن الشارع المتعطش للثقافة البناءة الحديثة بعد مرحلة من الغزو الضخم للثقافة الرأسمالية للشارع العربي، واستطاع الفكر والثقافة الرأسمالية أن تصل للمواطن العربي على شكل الطعام والشراب والدواء وأدوات التسلية والترفيه فتشربها حتى ارتوى منها، وهي من أفدح ما أصابه في بنيته الفكرية والثقافية. وبسهولة كبيرة نكتشف، من خلال شريحة واسعة من الناس، جهلهم العميق وقلة إيمانهم بما يمكن أن يحدثه قليلاً من مساحة حرية تهُدى للمثقف وقلمه حتى يستطيع أن يقف بوجه أي مد فكري أو ثقافي معادٍ.
ولا يفوتنا ما تسمم به عقل المواطن العربي عبر السموم المبثوثة داخل المناهج الدراسية التي يدرسها كل فرد عربي منذ بداية نشأته إلى أن يصبح مواطناً فاعلاً في المجتمع، مثل هذه الأفكار المسمومة صارت أعرافاً وثقافات لا يجوز الخروج عنها، وصنعت مواطناً مذعناً للنظام وللخرافات والأساطير, كما تشرّب المواطن العربي للعديد من الثقافات الدخيلة عليه عبر طعامه وشرابه ولباسه وأساليب تسليته وترفيهه4.
اللهم أصلح شأن المسلمين, وانصرهم على أعدائك أعداء الدين, إنك على كل شيء قدير.
1 مجلة البيان (العدد 159 ص 129) ذوا لقعدة 1421هـ.
http://www.islamselect.com/index.php?ref= 2
http://www.islamselect.com/index.php?ref=6588&txt= 3
http://www.islamselect.com/index.php?ref= 4
المراجع
موسوعة امام المسجد
التصانيف
المعرفة