الحمد لله والصلاة على رسول الله وبعد 000
فإن للدين مقامات عظيمة ، يسير بها المؤمن إلى ربه عز وجل ، وهذه المقامات والمنازل طريق يسير للوصول إلى الله ، ودخول جنته 0
ومن أهم هذه المقامات والمنازل : منزلة الرضا ، الرضا ثمرة من ثمار المحبة ، وهو من أعلى مقامات المقربين ، وحقيقته غامضة على الأكثرين ، وهو باب الله الأعظم ، ومستراح المتقين ، وجنة الدنيا 0
رضاء الله عن العبد أكبر من الجنة وما فيها ، لأن الرضا صفة الله ، والجنة خلقه ، وقد قال سبحانه : ( ورضوان من الله أكبر ) بعد ذكر وعده للمؤمنين بدخول الجنة 0
الرضا يفرغ القلب لله ، ومن ملأ قلبه من الرضا ، ملأ الله صدره غنى وأمنا وقناعة ، وفرغ قلبه لمحبته ، والإنابة إليه ، والتوكل عليه 0
أما السخط فهو باب الهم والغم والحزن ، وشتات القلب ، وكسف البال ، وسوء الحال ، والظن بالله خلاف ما هو أهله ، والرضا يخلصه من ذلك كله ، ويفتح له باب جنة الدنيا قبل الآخرة ، فالرضا يوجب له الطمأنينة وبرد القلب وسكونه وقراره ، والسخط يوجب اضطراب قلبه وريبته وانزعاجه وعدم قراره 0
وقد مدح الله سبحانه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أهل الرضا وأثنى عليهم وندبهم إليه ، فقد روى مسلم في صحيحه عن العباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا " 0 وروى مسلم أيضا عن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من قال حين يسمع المؤذن : وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، رضيت بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد رسولا ، غفر له ما تقدم من ذنبه " 0
أيها الأخوة 00الرضا يتضمن ثلاثة أمور : الرضا بربويته سبحانه وألوهيته ، والرضا برسوله صلى الله عليه وسلم ، والرضا بدينه 0
فالرضا بألوهيته يتضمن الرضا بمحبته وحده ، وخوفه ورجائه ، والإنابة إليه ، والتبتل إليه ، وانجذاب قوى الإرادة والحب كلها إليه ، وذلك يتضمن عبادته وحده لا شريك له ، والإخلاص المطلق له ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) 0
والرضا بربوبيته يتضمن الرضا بتدبيره لعبده ، ويتضمن إفراده بالتوكل عليه ، والاستعانة به والثقة به والاعتماد عليه ، وأن يكون العبد راضيا بكل ما يفعل به ( لا يسئل عما يفعل وهو يسألون ) 0
فالرضا باله يتعلق بأسمائه وصفاته ، والرضا عن الله يتعلق بثوابه وجزائه 0
أما الرضى برسوله صلى الله عليه وسلم فيتضمن كمال الانقياد له ، والتسليم المطلق إليه بحيث يكون أولى به من نفسه ، في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين " 0
ويتضمن أيضا أن لا يحاكم إلا إليه ، ولا يحكم عليه غيره ولا يرضى بحكم غيره البتة ، ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) 0
أما الرضى بدينه فإذا قال أو حكم أو أمر أو نهى : رضي العبد كل الرضا ، ولم يبق في قلبه حرج من حكمه ، وسلم تسليما ولو كان مخالفا لمراد نفسه أو هواها ، أو قول مقلده 0
أيها الأخوة 000إذا حقق العبد هذه المنزلة استأنس بالله ، واستوحش من الناس ، وفي ذلك العزة والصحبة مع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم : أن تكون راضيا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا ، وهذا يؤدي إلى الاستسلام لله تعالى في كل ما يأمر وينهى 0
قيل ليحيى بن معاذ : متى يبلغ العبد إلى مقام الرضا ؟ قال : إذا أقام نفسه على أربعة أصول فيما يعامل به ربه فيقول : إن أعطيتني قبلت ، وإن منعتني رضيت ، وإن تركتني عبدت ، وإن دعوتني أجبت 0
أيها الأخوة 00كيف يصل المؤمن إلى منزلة الرضا ؟ يكون ذلك بأمور :
أولا : بهمة عالية ونفس زكية ، وأن يوطن نفسه على كل ما يرد عليها من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم 0
ثانيا : أن يعلم العبد بضعفه وعجزه ، مع رحمة ربه به وشفقته عليه وبره به 0
ثالثا : أن يفكر بسوء الخاتمة ، ويخاف أن يموت على المعصية ، ويتذكر جزاء من يموت على الطاعة 0 قال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما : إذا توفي العبد المؤمن أرسل الله إليه ملكين وأرسل إليه بتحفة من الجنة فيقال : اخرجي إلى روح وريحان ورب عنك راض 0
قال الحسن البصري : إذا أراد قبضها اطمأنت إلى ربها ورضيت عن الله فيرضى الله عنها 0
رابعا : أن يكون الله أحب الأشياء إليه وأولى بالتعظيم والطاعة ، في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه أن رسول صلى الله عليه وسلم قال : " ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار " 0 فعلق ذوق الإيمان بالرضا بالله ربا ، الذي هو ثمرة الإيمان 0
خامسا : أن يعلم العبد أنه جاهل بعواقب الأمور ، وأن ربه أعلم بمصلحته منه وما ينفعه ، فيرضى بما يقدره الله له ، فيما ينفعه في أمور دينه ودنياه ( وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) 0
إذا ارتحل الكرام إليك يوما ليلتمســـــوك حالا بعد حال
فإن رحالنا حطت لترضـــى بحلمك عن حلول وارتحال
أنخنا في فنائك يا إلهــــــي إليك معرضيــن بلا اعتلال
فسسنا كيف شئت ولا تكلنا إلى تدبيرنا يا ذا المعالــي
سادسا : أن يعلم العبد أنه مسلم ، والمسلم هو من سلم نفسه لله ، ولم يعترض عليه ولم يسخط ، بل رضي بكل ما يأمر الله به وينهى عنه ويقدر له من الأقدار 0
سابعا : أن يحسن الظن بالله تعالى في قضائه وقدره ، وأن يعلم أنه خير له ، مهما ظهر بخلاف ذلك ، روى مسلم في صحيحه عن صهيب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " والذي نفسي بيده لا يقضى الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له ، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له " 0
ثامنا : أن يعلم أنه إن لم يكن عن الله راضيا دخل في باب السخط ، الذي هو باب الهم والغم والحزن ، واضطراب القلب وريبته ، ثبت في سنن الترمذي عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن عظم الجزاء مع عظم البلاء ، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم ، فمن رضي فله الرضا ، ومن سخط فله السخط " 0
تاسعا : أن يعلم أن الرضى يوجب له أن لا ييأس على ما فاته ، ولا يفرح بما آتاه ، لعلمه أن هذا كله من حول الله وقوته ، وفضله ومنته ، وهذا من أفضل الإيمان 0
أيها الأخوة 00 لنحرص على هذا الدعاء العظيم في كل يوم ، ثبت في المسند عن ثوبان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما من عبد مسلم يقول إذا أمسى وإذا أصبح ثلاثا : رضيت بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد نبيا ، إلا كان حقا على الهأ أن يرضيه " وفي رواية أبي داود " وجبت له الجنة " 0
المراجع
حب الأسلام
التصانيف
أبحاث