كتب: د.علي بن عمر بادحدح
30 ابريل, 2012 - 9 جمادى الثانية 1433هـ
الخطبة الأولى:
وصية الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمن في كل آن وحين تقواه سبحانه وتعالى: { وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ } [البقرة : 197].
إخوة الإيمان روى أبو داود في سننه والطبراني في معجمه وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مع بعض أصحابه يسيرون في سفر فاستراحوا فقام رجل منهم إلى حبل فوضعه على جسد أخيه ففزع وفي رواية فأخذه منه ففزع فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لمسلم أن يروّع مسلما)، تخويف المسلم حرام وترويعه جرمٌ، وبثّ الرعب في قلبه جريمة؛ لأن المسلم لا يصدر منه في الأصل لكل الناس فضلاً عن أخيه المسلم إلا ما فيه أمن وأمان وسلم وسلام إلا لمن اعتدى فاستحق ما يوجب ردعه والعدوان عليه أو من ارتكب ما يقتضي القصاص منه.
وتأملوا في هذه الحادثة التي كانت ضرباً من المداعبة ولوناً من الملاعبة ومع ذلك لكونها أوجدت شيئاً من الرعب والخوف اليسير فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لمسلم أن يروّع مسلما)، وفي حديث يزيد بن سعيد ويروى عن السائب بن يزيد عن أبيه عن جده بهذه السياق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يأخذن أحدكم متاع أخيه جاداً ولا هازلاً، وإذا أخذ عصا أخيه فليرددها عليه)، حتى عندما تأخذ شيئاً حتى يبحث عنه ويضطرب في فقدانه أو لأجل فقدانه فإن ذلك الأمر اليسير منهي عنه، بل كل ما يدخل شيئاً إلى قلب المؤمن ولو حزناً يسيراً ورد النهي عنه كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث فإن ذلك يحزنه).
وهذا الأمر تتسع دائرته، ونجد أن المصطفى صلى الله عليه وسلم يحيط به من جوانبه كلها ويعالجه في صور الحياة التي تمر بالناس في سائر أحوالهم، فهذا حديثه في مسلم يقول فيه صلى الله عليه وسلم: من أشار إلى أخيه بحديدة على نوع من التهديد والتخويف فإن الملائكة تلعنه وإن كان أخاه لأبيه وأمه، هذا الذي نستخدمه أحياناً من صور الترويع غير المقصود أو غير الهادف إلى إلحاق الأذى تلعنه الملائكة وإن كان أخاه لأبيه وأمه.
وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو صحيح: (لا يشر أحدكم إلى أخيه بالسلاح فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزغ في يده فيقع في حفرة من النار)، وفي حديث مسلم أيضاً: (من أشار إلى مؤمن بحديدته فهو يتوجأ بها في نار جهنم)، وهذه كلها نصوص عملية محذرة من كل الأنواع التي قد تكون هزلاً ثم تنقلب جداً، أو تكون غير مقصودة ويحصل بها الأذى.
وفي الحديث أيضاً وهو عند البخاري ومسلم في الصحيح: (إذا دخل أحدكم السوق – وفي لفظ (المسجد) – وفي يده سهام فليأخذ بنصالها) يعني لا يجعل مقدمتها في الأمام فقد يصيب بها أحداً بالخطأ أو يروع بها الناس، فترويع المسلم لا يجوز بل إن الإسلام العظيم ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم نهى عن ترويع الحيوان فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم في سفره قبّرة أي نوع من الطائر وهي في شكل هلع وكان بعض الصحابة قد أخذ من عشها فراخها فنهى عن ذلك، قال: (ردّوا عليها فراخها) لا تروعوها.
نحن نتحدث الآن عن مجرد الترويع ولا نتحدث عما وراء ذلك، قال النووي رحمه الله في شرحه على بعض هذه الأحاديث عند مسلم، قال: "في الحديث تأكيد على حرمة المسلم والنهي الشديد عن ترويعه وتخويفه والتعرض له بما قد يؤذيه"، وقوله: (وإن كان أخاه لأبيه وأمه)، قال: "للتأكيد وإيضاح عموم النهي على كل أحد سواء من يتهم فيه ومن لا يتهم فيه، وسواء كان هازلاً أو لاعباً فإن ترويع المسلم حرام".
هذا كله واضح في ديننا لكننا نعجب عندما يفعل أحد مثل هذا الفعل على وجه الجدِّ والترويع والتخويف والتهديد بالقتل وقد يكون فعله في بعض الأحيان ثم يقدم هذا الفعل على أنه يقوم به من منطلق إسلامي، أو أنه يخدم به أمة الإسلام، وهنا وقبل أن أشير إلى الحديث ونباشر أنبّه إلى أمرين اثنين لا بد لنا منهما دائماً وأبداً عند تعاملنا مع أي حدث أو نظرنا إلى أي أمر:
الأول: حكمه في النصوص الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فما ورد فيه نهي فلا ينبغي فعله بالتأويلات الباطلة ولا بالفهوم الخاطئة ولا بالممارسات المجترئة لأن ذلك عدوان على شرع الله عز وجل ونقض له ومخالفة لما فيه من الأوامر والنواهي.
والأمر الثاني: تنزيل الحكم على الواقع بمراعاة المصلحة الشرعية فقد يكون ثمة أمر مطلوب ومندوب إليه لكن فعله في هذا الزمان والمكان قد تترتب عليه مفسدة فيترك لأجل ذلك، كما قال رسول الله الهدى صلى الله عليه وسلم لأم المؤمنين رضي الله عنها عائشة: (لولا أن قومك حديثوا عهد بجاهلية لنقضت الكعبة وبنيتها على قواعد إبراهيم وجعلت لها بابين)، فترك خلاف الأولى لما قد يترتب عليه من المفسدة.
فكيف يمكن أن نفسر فعلاً كهذا واضحة حرمته مجزوم بها ليس في حادثة ولا في حديث واحد بل في كثير من ذلك وبعضه أشرنا إليه وبعضه كثير أيضاً في كتب السنن.
أشير هنا إلى أمر سنوسع دائرته، إلى اختطاف القنصل السعودي في اليمن، وهو فرد من المسلمين لكننا نشير إلى الإشارة لأهمية الأمر فيما ذكر من أن هذا فيه مراعاة أو مطالبة بمصالح وفيه رغبة فيما يتعلق بتحقيق عدالة لبعض المظلومين أو حرية لبعض المسجونين، وهنا نقول أمراً آخر وهو متضمن بوضوح في قوله سبحانه وتعالى: { وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا } [الإسراء : 33]، منصور بإقامة حكم الشرع على الوجه الصحيح ولو أن لكل أحد أن يأخذ حقه بيده ويفتئت على السلطان العام لصارت الدنيا حقيقة فوضى ولصار كل أمر يرى المرء فيه خللا يقوم بإصلاحه مباشرة على وجه يجعل فيه لنفسه الحق في بسط ما يراه سلطاناً على غيره لاضطربت الأمور واختلت مقاصدها.
{ فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا } أي في الشرع يلجأ إليه ويأخذ حقه منه وبه وعلى الوجه المشروع الذي ثبت في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأما هذا الفعل الذي قلنا عنه فإنه لا شك فيه حرمته من الترويع، وأما ما ينبني عليه وقد كان مثله في وقائع أخرى من القتل فأمره واضح، فإن قتل المسلم أعظم الذنوب والآثام بعد الكفر بالله سبحانه وتعالى: { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا } [النساء : 93]، ولم يرد في الوعيد على أمر من الذنوب مثلما في شأن القتل وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراما)، يعني الأمر فيه سعة يمكن أن يستغفر ويرجع حتى والعياذ بالله يرتكب الجرم الأعظم بالقتل وإزهاق النفس المسلمة فإنه حينئذ قد ضيّق على نفسه الأمر والمساحة حتى إن بعض أهل العلم يقولون: "إن قاتل العمد ليست له توبة إلا بينه وبين الله أما التوبة في تراجعه فلا تقبل" كما هو عند بعض أهل العلم في مثل هذه المسألة.
والنبي صلى الله عليه وسلم بيّن وحذّر كما في الحديث عند مسلم لما كانوا في بعث الحرقات إحدى البعوث، قال: فحمل أحدنا على رجل بالسيف فقال: لا إله إلا الله، فأهوى عليه بالسيف فقتله، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله، أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله) في رواية في غير الصحيح أن رجلاً قال: "يا رسول الله إنما قالها متعوذاً" يعني عندما خاف من السيف، قال: (أفلا شققت عن قلبه فعرفت ما فيه)، ليس لنا إلا ما ظهر من حال الناس فإن في ذلك عصمة الدماء وحفظ الأنفس وانتظام الأمر وشيوع ما يكون به تماسك المجتمع ووحدته وألفته.
وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه النسائي في سننه وابن ماجة بسند صحيح: (لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل مؤمن بغير حق)، مؤمن واحد بغير حق! فكيف بما هو أكثر من ذلك!
وهنا لا بد أن ننتبه إلى أن قضية الإسلام تجعل عصمة الدماء وحتى الترويع في جملة من له حق في الإسلام حتى وإن كان مسالماً، أي من المستأمنين، فإنه لا يجوز العدوان عليهم ولا ترويعهم فضلاً عن قتلهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ذمة المسلمين واحدة يسعى بذمتهم أدناهم، ولمّا أجارت أم هانئ قال: (أجرنا من أجرتِ يا أم هانئ)، وأهل العلم يقولون: "إن غير المسلم يؤمّن بما يقع به الأمان بأدنى ما يمكن من كلمة أو فعل يشار به إلى ذلك"، لأن الإسلام جاء فيه ما يبين حرمة الدم وحرمة النفس بإطلاق: { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } [المائدة : 45].
ثم بيّن الحق سبحانه وتعالى: { مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا } [المائدة : 32].
وهنا أيضاً سمة مهمة ورد فيها حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يصلح في ديننا الغدر)، أي أمر احتوى غدراً والاختطاف منه وغير ذلك مما يقع حتى على غير المسلمين فإنه غير وارد، وقد جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولان من مسيلمة الكذاب مدّعي النبوة، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتشهدان أني رسول الله؟)، قالا: "نشهد أن مسيلمة رسول الله"، فقال عليه الصلاة والسلام: (لولا أن الرسل تقتل لقتلكما)، كافران صريحان لكن ثمة أمور تراعى وثمة ما قد يسمّى عرفاً له في الأصل شرع يحفظ ويقام لأسباب كثيرة من أجلّها حقيقة الإسلام وإظهاره بشرائعه التي تراعي مثل هذه الحقوق وتوضّحها على وجه كامل.
وقال الشوكاني في هذا الحديث وفي هذا المعنى: "ليس في هذا خلاف بين أهل الإسلام بل هو من ضرورات الدين"، وهو أمر الوفاء وعدم الغدر وعصمة الدم لمن كان له أمان والرسل والدبلوماسيون داخلون في عموم ذلك بدلالة واضحة من أقوال أهل العلم، وقد جمعت فيها أقوالاً كثيرة لفقهاء المذاهب الأربعة لا يحسن في هذا المكان سردها لعدم أو لترك الإطالة، وثمة قاعدة شرعية فقهية تقول: "إذا اشتبه المباح بالمحرم نغلّب جانب المحرم تورعاً عن نقض العهد أو الوقوع في الغدر أو إصابة دم حرام"، إن كان هذا نشك إنه بموجب الإسلام له أمان أو ليس له أمان فنغلب الأمان لئلا نقع في غدر أو نصيب دماً حراماً أو يكون في ذلك ما يؤدي إلى الخطأ وتشويه صورة الإسلام.
وهذه ذرائع تتخذ بمثل هذه الأفعال لوسم الإسلام بما ليس فيه من القتل والإرهاب والعدوان والإجرام وهي ذريعة من ذرائع التسلّط على الإسلام وأهله، وأما أصحاب الحقوق فلدينا قاعدة أنه: "لا تبرر الغاية الوسيلة" فإذا أردت أن أنصر مظلوماً فكيف أظلم غيره أو أروعه أو أقتله لكي أصل إلى إحقاق ذلك الحق هذا باطل! لا يقرّ بحال من الأحوال سيما ونحن نتحدث عن مسلمين مؤمنين وأن ذلك وللأسف الشديد كما قلنا يتكرر بذرائع تقدّم للناس على أنها من دين الله سبحانه وتعالى وأنها من شريعة الإسلام والإسلام يقول: "وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله".
إسلامنا ليس كما يفعل هؤلاء فيصورونه كأنما السيف في يد كل مسلم ينتظر بتشوف وتشوق أن يطيح الرؤوس وأن يجري الدماء! هذا فعل القتلة والمجرمين من الصهاينة الذين نراهم في فلسطين ومن نظام الشام المجرم الذي نراه يقتل الناس كما يشرب الماء! يقتل بالقصف ويقتل بالقنص ويقتل بالحرق ويقتل بالذبح وأخيراً شاع بين الناس ما شاع وتداول الناس ما تداول من أنه يقتل بالدفن حياً، وذلك كله دليل انسلاخ ليس عن الإسلام فحسب بل عن الإنسانية كلها؛ لأن هذا الذي نسمعه ونراه لم يعد ولن يكن له في حياة الناس سابقاً ولا حاضراً مثيل؛ لأن هذا هو الإجرام الذي ليس بعده إجرام.
ونحن هنا عندما نذكر حادثة على هذا النحو المباشر في حادثة اختطاف ذلك القنصل فنحن قد أشرنا إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب المثل وحذّر ونبّه في حوادث عارضة في سفر يأخذ هذا عصا هذا أو يضع عليه حبلاً أو نحو ذلك فيأتي الحديث: (لا يحل لمسلم أن يروع مسلماً)، فلا بد أن تكون الأمور واضحة، ما كان في شرع الله محرماً فهو محرم وإن قال به من قال متدثراً أو متزيناً أو مدعياً أن ذلك من حكم الله عز وجل وأيضاً نراعي المصالح العامة فإن اضطراب الأمن واختلاله في أي مجتمع هو من أعظم أسباب المفاسد التي يقع بها إزهاق الأرواح وانتهاك الأعراض وسلب الأموال واختلال الأحوال.
ولذلك كانت منّة الله سبحانه وتعالى على الأمة كلها وعلى أهل الإسلام خصوصاً بالأمن والأمان: { الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ } [قريش : 4] ذكرها الله عز وجل لقريش وقد كانوا في كفر وشرك لكن الله أكرمهم بالرزق يأتي إلى البلد الحرام وبالأمن يعمّه وقد كانوا يحافظون على الأمن فيه حتى إن أحدهم يرى فيه قاتل أخيه فلا يعرض له بسوء مادام في البيت الحرام.
إذاً الحرمة ومراعاتها أمرٌ حتى عند غير المسلمين له مقام وله مكان وإن كانت مراعاة غير المسلمين ليست كما هي عند المسلمين ولذلك ينبغي لنا أن نتنبه إلى هذه الحقائق وأن نحرص في سلوكياتنا اليومية وأفعالنا التي نمارسها حتى مع من هم تحت أيدينا من الخدم أو الموظفين ألا نروع أحداً ولا نخوفه ولا نهدده بمنع زرقه أو نهدد بشيء من ذلك من أي نوع من أنواع التهديد فإن هذا مخالف لسمة الأمن والأمان والسلم والسلام المكفول بين المسلمين وفي داخل مجتمع المسلمين.
الخطبة الثانية:
معاشر المؤمنين أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه.
وإن من أعظم التقوى الحذر من العدوان على المسلم بأي نوع من أنواع العدوان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن دماءكم وأعراضكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا) عظّم الحرمة عليه الصلاة والسلام بذكرها بكل هذه الأنواع من الحرمة في حرمة الزمان والمكان، وعظّم ذلك بتعميمه ليشمل الأموال والأعراض والدماء فلا ينبغي لأحد أن يقبل تحت أي ظرف ولا أي مسوغ بغير حق شرعي أن يقبل عدواناً على مسلم وإن كان له مبغضاً وإن كانت بينه وبينه خصومة فإن حرمة المسلم عظيمة كما قررنا في بعض ما أشرنا إليه من النصوص، ولذلك الوصية للمسلمين جميعاً وفي مثل هذه الأحوال وهذه الأحداث من الاختطاف والاعتداء أو ذلك الإجرام الذي نراه مستمراً على مدى أكثر من عام أولاً الثبات على الحق بالرجوع للشرع في كل الأحوال ليس لنا أن نتكلم بآرائنا ولا أن نتبع أهواءنا بل نرجع إلى ما عصمنا الله به من نور القرآن الكريم وهدي النبي العظيم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
والأمر الثاني: نشر العلم والدعوة بيان هذه الأمور لئلا تختلط على الناس، تعريف الناس بواجباتهم وحقوق بعضهم على بعض، وأهمية معرفة دور المسلم في المجتمع المسلم: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره ولا يخذله بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم)، بمجرد الاحتقار هذا أمر فظيع فضلاً عن أن يكون ظلماً أو يكون خذلاناً بأن تسلمه لعدوه والعياذ بالله.
(المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، (ليس المؤمن بطعّان ولا لعّان ولا فحّاش) كما قال عليه الصلاة والسلام، لا بد أن نعرف ما هي صفة المسلم والمؤمن، لا بد أن نعلم الناس وأن نشيع بينهم وأن نعرف الأبناء وأن ندرسهم في المدارس وأن نبث ذلك في الإعلام حتى يكون المسلم مسلماً حقاً لا يصدر عنه إلا كل قول طيب وكلام حسن وفعل صالح يأمن الناس منه ويأمنون به ومعه من كل أذى وعدوان.
وهذا الذي نراه من جرائم الشام وما يقع دونه من قليل من الصهاينة في فلسطين إنما هو لأن هؤلاء قوم استحلّوا ما حرّم الله وهم على هذا الوجه ليس لهم صلة بدين الإسلام بل ولا بمعنى الإنسانية بحال من الأحوال، وهذه الجرائم التي تقع من الاختطاف والتفجيرات هنا وهناك التي تقتل الناس بغير تحديد ولا معرفة، التفجير الذي يقع يقتل من يكون ماراً في هذا المكان ليس له ذنب وليس له شأن وليست له صلة بأي أمر كل هذا من العبث، من استحلال الدماء، من عدم معرفة أحكام الإسلام، ومن ادعى أن ذلك من الإسلام فقد أتى إثما أكثر؛ لأنه لو فعل ذلك وهو يظنه محرماً أهون من أن يفعله ويدّعي ويلبّس على الناس أن هذا من دين الإسلام أو أنه والعياذ بالله جهاد في سبيل الله، هذه الأحوال التي نعرفها بعيدة عن الشرع مخالفة له مناقضة للعهد وقائمة بالغدر ومروعة للمسلم ومستحلة لدمه من غير ما سبب مشروع، والأسباب المشروعة معروفة: (ولا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث) كما بيّن النبي صلى الله عليه وسلم، وإقامة مضبوطة في شريعة الإسلام بالحكم الشرعي الذي يقام وبالسلطان الذي ينفذ ليس في ديننا فوضى ولا اضطراب، كل ذلك يجب أن نعرفه وأن ننشره وأن نعلّمه وأن نذيعه ونشيعه؛ لأنه من دين الإسلام، ليس لأنه متعلق بحادثة هنا وهناك، أو متعلقة ببلد أو بغيره بل هذا أمر الإسلام كله يجب أن نعرفه ويجب أن نعلّمه غيرنا.
وأخيراً الحرص على الوحدة والألفة فإن انتظام الصف ووحدة المجتمع وألفة القلوب ورصّ الصفوف هو أحوج ما تحتاجه الأمة كلها فضلاً عن كل مجتمع من المجتمعات فلا للنعرات ولا للطائفيات ولا للعصبيات، تحدث حادثة عارضة فيشنّع هذا ويشنّع هذا وتثار الشبهات وتذكر الأخطار المرسلة غير الموثقة وإذا بنا نرى الناس يحتدمون ويختصمون ويتنابزون بالألقاب والمسالة أهون من ذلك، بل ربما لا تثبت ولا تكون معروفة.
والنبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر فلما جاؤوا وارتاحوا جاء غلام من الأنصار وغلام من المهاجرين فاكتسحا على الماء اختلفا فقال هذا: يا للمهاجرين، وقال هذا: يا للأنصار، فانتدبوا حتى كاد أن يقع بعضهم في بعض، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم ومشى بالقوم وسار بهم عامة يومهم حتى تعبوا فسقطوا نائمين وكان فيما كان من قوله في مثل هذه الحوادث: (أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم دعوها فإنها منتنة)، وأمر وحدة المسلمين وألفتهم منّ الله به على رسوله صلى الله عليه وسلم وذكر أنه من أعظم المنن، { وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ } [الأنفال : 63].
بل نحن ندرك ذلك أيضاً فيما منّ الله به سبحانه وتعالى على صحابة النبي صلى الله عليه وسلم وهي نعمته على المؤمنين والمسلمين في كل زمان ومكان: { فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا }[آل عمران : 103]، فلنحرص أيها الإخوة على ذلك ولنكن صفاً واحداً أمام من يخرقون هذا الأمن والأمان ومن يخرقون قواعد وشرائع الإسلام في كل مكان وخاصة ما يكون من هذه الجرائم الفظيعة لا بد على أقل تقدير أن نعرف حرمتها ونقررها وننشرها وأن ننكرها بقلوبنا وأن نسعى إلى صدها ومنعها بما نستطيع من أموالنا ومن أقوالنا ومن أفعالنا.
المراجع
موسوعة اسلاميات
التصانيف
عقيدة