كتب: د. علي بن عمر بادحدح
14 نوفمبر, 2011 - 18 ذو الحجة 1432هـ
الخطبة الأولى:
أوصيكم بوصية الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ }[آل عمران : 102].
ونحن في أيام وموسم التقوى: { وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ } [البقرة : 197].
في هذا المقام وجدتُ أن من المناسب أن أتنحى ليتقدم وأن أسكت ليتحدث وأن أنظر لكي يكون هو الذي يبين لنا المعالم ويذكرنا بما يجب علينا في مثل هذه الأوقات والأحوال، إنه الحج يتحدث إلى الأمة بعد أن قضت أياماً وليال في رحابه وهي مشغولة بمناسكه قائمة بمشاعره متفرغة لإقامته فهاهو يحدثها بعد انقضائه وبعد انتهائه فما عسى أن يقول؛ لأننا جميعاً في أمس الحاجة إلى أن نصغي إليه وهو يزورنا في كل عام وهو يأتي بنا من كل بلد وهو يجمعنا من كل حدب ثم ينقضي وينتهي ولا نستمع إليه ولا نصغي إليه.
دعونا في هذا المقام نستمع ونصغي ثم نتقبل ونتفاعل ثم نمتثل ونسارع، أولاً يخاطبنا قائلاً: الحياة لله كلها لله لا شيء منها لغير الله، ولا شيء فيها يكون فيه شريك مع الله، ألم تقولوا ذلك وأنتم تلبون: "لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك"! ألم تقولوا ذلك بواقع الحال قبل المقال؟! ألم تكن أوقاتكم كلها لله عز وجل صبحاً ومساءً، ظهراً وضحى في كل لحظة وآن، لم يكن لكم شيء تملؤون به الأوقات ولا تشغلون به الساعات إلا أداء المناسك والاشتغال بالطاعات. ألم يكن جهدكم كله لله ما بين طواف وسعي ووقوف ورمي حتى أجهدتم أجسادكم وأنهكتم راحتكم ومع ذلكم كل شيء في تلك الأيام وفي تلك الفريضة كان لله وحده سبحانه وتعالى؟! ألم تكن راحتكم في تلك الأيام لله؟! ألم تبيتوا قليلاً في مزدلفة لتنشطوا من بعد في يوم العيد لمناسككم؟! ألستم تتهيؤون في كل وقت بالراحة لتتهيؤوا بعده بمناسك أو مشاعر من رمي أو طواف أو سعي؟! ألستم كذلك جعلتم تفكيركم لله عز وجل فلا يشغل بالكم إلا حسن التخطيط والتدبير للأوقات المناسبة لمناسككم المختلفة والتدبير الذي يشغل بالكم للأداء الأتم الأكمل على الوجه الذي يرضي الله عز وجل وعلى السنن والهدي الذي فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! ألم تجعلوا أموالكم وثرواتكم لله عز وجل، جمعتموها قرشاً قرشاً ثم جئتم لتنفقوها في زاد هذه الرحلة العظيمة مسترخصين كل ما تنفقون؛ لأنكم وجه الله تبغون وإلى رضاه سبحانه وتعالى تسعون؟! أفليس كذلك قد جعلتم أهلكم وأزواجكم وأبناءكم لله إما تركتموهم وراءكم وأقبلتم على الله وإما سقتموهم معكم وبين أيديكم ليكونوا في شعائر الله ويوؤدوا فريضة الله؟! لقد جعلتم الحياة كلها في أيام الحج ومناسكها لله.
لست وحدك أيها الحاج بل لستم وحدكم أيها الحجيج، الأمة كلها في عشرها كانت معلقة بالله تضحي لله تمتنع عن قص الأظافر أو مس الشعر لله، تصوم لله، تنفق لله، تبقى مهللة ومكبرة لله؛ لتكون الأمة كلها في مشاركة واحدة تقول فيها إن الحياة لله كما نقولها ويقولها كثيرٌ منا في كل صلاة: { قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } [الأنعام : 162 ، 163].
أين نحن من هذه الآية التي أجملت وأوجزت وجمعت وأوعبت كل الحياة من صلاتها ونسكها ومبدأها ومنتهاها في تخصيص لا يقبل الشركة لله عز وجل، وتأكيد بأن لا شيء منه إلا لله سبحانه وتعالى، وبيان شافٍ أن هذا هو جوهر الإسلام وتلك هي حقيقته، استسلام تام لله وتحويل للحياة كلها لابتغاء وجه الله.
وثانية أحدثكم بها والذي يحدثكم هو الحج يخاطبكم معاشر المسلمين، كيف كانت حياتكم تلك لله؟ ما الذي كان أوكد همكم وأعظم شغلكم؟ ما الذي كنت عليه تحرصون؟ ما الذي كنتم منه تخافون؟ لقد كنتم تحرصون على أداء الفرائض والواجبات وتبادرون إلى السنن والتطوعات وتجتنبون المحرمات والمكروهات وتجتنبون وتتوقون المحظورات في كل حركة وسكنة، لا غطاء فوق الرأس لرجل ولا شيء من طيب لمرأة ولا نقاب؛ لأن كل ذلك هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل حياتنا نتحرك وفق قضيتين اثنتين: الغاية وجه الله والأمنية والسعي إلى رضى الله، والطريق والمنهج هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم: { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ }[آل عمران : 31]، (خذوا عني مناسككم) قالها المصطفى صلى الله عليه وسلم ما زالت تدوي عبر القرون وعبر الزمان والتاريخ الممتد وإذا بكل تلك الجموع تقف حيث وقف وتنفر متى نفر، وتترسم الخطى حتى في الحصى بل حتى في مواقف الدعاء، في صورة نموذجية رائعة تقول فيها الأمة إنها أمة الكتاب والسنة، إنها أمة إذا سمعت: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } تذكرت مقالة ابن مسعود "فأرعها سمعك فإنها إما أمر تؤمر به أو نهي تنهى عنه".
ولذلك هذه وصيتي إليكم هذه هي الصورة التي رسمتموها أثناء أدائكم لمشاعري وقيامكم بفريضتي، كنتم في كل حركة وسكنة في أدق صور الامتثال والاستجابة: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } [الأنفال : 24].
كنتم لا تقبلون التنازل حتى وإن كان ثمة تعب تحرصون؛ لأنكم تريدون الاستجابة الكاملة، تحرصون على القبول التام، تريدون أن يتقبلني الله منكم – أي الحج – ولذلك هذا الحرص ينبغي أن يصبغ حياتكم، أين أنتم من مناسكه في غير الحج؟ أين أنتم من هديه في كل جوانب الحياة؟ أين أنتم من خلُقه وإنك لعلى خلق عظيم؟ أين أنتم منه وهو في مقامه بعرفة يذكركم ويخطب فيكم بالحق والعدل وعصمة الدماء والأنفس والأرواح والأموال؟ أين أنتم من ذلك والدماء الآن تسيل في الشام وفي اليمن في هذه اللحظة؟ أين هذه الأمة؟ أين أولئك القادة؟ أين الذين يزعمون أنهم ولاة أمر وهم يسفكون الدم الحرام في الزمن الحرام وبالطريقة الحرام وبدون مشروعية بحال من الأحوال؟
الحج يخاطب الأمة ويقول كما قال صلى الله عليه وسلم: (ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا)، ويقول في آخر حديثه: (اللهم هل بلغت، اللهم فاشهد، اللهم هل بلغت، اللهم فاشهد، اللهم هل بلغت، اللهم فاشهد)، ونشهد أنه قد بلغ، ويجب علينا أن نتمثل ما بلغ وما أمر به وما أرشد إليه عليه الصلاة والسلام.
ونمضي ونستمع إلى الحج وهو يخاطبنا في قضية أساسية جوهرية جمعتكم من حدب وصوب من كل لهجة ولغة من كل عرض وأصل، جمعتكم من مختلف الثقافات والبيئات، وحّدتكم فانصهرتم أمة واحدة: { وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ } [المؤمنون : 52]، أظهرتكم وظهرتم وتمثلتم بذلك صورة ظاهرة وروحاً باطنة في وحدة أمة لا فرق فيها بين أبيض ولا أسود ولا أحمر إلا بالتقوى، لا شيء يميز أحداً عن أحدٍ وهو يلبس لباس الإحرام والجميع في يوم عرفة كان عبداً ذليلاً متضرعاً خاشعاً باكياً مهما كانت مرتبته أو كان قدره أو كثر ماله؛ لأنه هناك تمحى الرسوم وتختفي معالم الاختلاف، فما بالكم من بعد تعودون { شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } [الروم : 32] ، وما بالكم من بعد تنسون { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } [الحجرات : 10]، ويأتي فيكم من يبغي بعضكم على بعض، وما بالكم تنسون الصورة الفريدة التي صاغها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم جمع بين صهيب الرومي وسلمان الفارسي وبلال الحبشي وأبو بكر التيمي وعمر العدوي وعثمان الأموي وكل الأجناس والأعراق انصهرت في لا إله إلا الله محمداً رسول الله، ما أروع ما كنتم عليه وأنتم تؤدون مناسكي وأنا أرى ضعيفاً ينتدب إليه أخوه دون معرفة سابقة ولا حتى معرفة للغته ولا لهجته إنه نبض الإسلام وعرق الإيمان إنها دماء الوحدة، إنها روح الأمة، لماذا تضيعونها؟ أين أنتم الآن وبعضكم جار لبعض لا يعرف جاره ولا يسأل عنه؟ أين أنتم الآن والأرحام بدلاً من أن تكون موصولة صار بعضها مقطوعاً؟ أين أنتم وأين أنتم من هذا الذي جمعتكم به وصهرتكم فيه وأظهرتكم للعالم كله وللدنيا كلها نموذجاً يحتذى وقدوة تُؤتسى، لماذا تنسون؟ لماذا تغفلون رغم أن العظة قوية، رغم أنها لم تكن عابرة، لم تكن قليلة بل حشود كبيرة في أوقات طويلة وفي أماكم متنوعة وبمشهد عظيم، لماذا نغفل عن هذا؟ لماذا لا تأخذون الدروس مني أنتم وقد أنهيتم مناسكي وأقمتم فريضتي؟ لا أريد أن تكتفوا بصور الشعائر عن المشاعر ولا بأداء المناسك عن الاستقامة بالعبادة للعابد والناسك.
يجب أن نغير حياتنا، يجب أن نغير واقعنا كما غيرَنا هذا الحج، أسأل الله جل وعلا أن يردنا إلى دينه رداً جميلا، أن يأخذ بنواصينا إلى طريق الحق والصواب وأن يلهمنا الرشد الصواب.
الخطبة الثانية:
أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وهذا موسم التقوى: { وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ } [البقرة : 197].
ما زال في جعبتي الكثير لكنني في مقامٍ يقصر عن أن أوجه كلما أريد لأمتي التي أقامت فريضتي، وهنا أركز على أمرٍ مهم جعلته في أيامي ولياليّ وأظهرته في مشاعري ومناسكي، في حرمة البيت الحرام وفي صورة الحب والوئام وفي مسلك السلام، لا شجر يعضد ولا شوك يخضد ولا لقطة تلتقط ولا صيد ينفر في بيئة الإسلام في حرم الإسلام بين المسلمين أنفسهم ليست الدماء لا تسفك وليست الأموال لا تسرق بل الحيوانات لا تنفر والأشجار لا تنزع إنها روح هذا الدين بين أهله روح المحبة والوئام، روح الانسجام والسلام، روح يأمن فيها كل أحد أماناً كاملاً تاماً؛ لأنه في رحاب الله وبين إخوته في الله تحكمه شريعة الله وتمنعه عن العدوان مخافة الله حينئذ تكونون كما يجب أن تكونوا فيما بينكم وكما دعاكم ربكم وحذركم من صور الشقاق والخلاف والنزاع، يوم دعاكم الله سبحانه وتعالى فقال: { وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ } [البقرة : 217]، يوم بيّن لكم الحق سبحانه وتعالى ما يجب أن تكونوا عليه من الوحدة والائتلاف وحذركم من الفرقة والاختلاف: { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا }[آل عمران : 103].
خطبة الحج وحديثه تطول فقراتها وتتنوع موضوعاتها، وفي هذا المقام يخاطب من سيجتمعون غداً والدماء ما زالت تسفك والأرواح تزهق والعين تدمع والقلب يحزن على أمة لا تستطيع أن توقف باغيها ولا أن تمنع ظالمها، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذون على يدي الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليسلطن الله عليكم شراركم، فيدعوا خياركم فلا يستجاب لهم)، كيف ترضى أمة أن يذبح أبناؤها وهي تتفرج وهي تعطي مهلة إثر مهلة؟ أين هي من هذه الحرمة المعلنة أمام الملأ كلهم في موقف النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الحج الأكبر الذي نباهي به الدنيا كلها فنقول إنه قرر الحرمات وعصم الدماء والأموال والأعراض كيف بها تنتهك ولا شيء يقدّم فعلاً؟ وأحسب أن كل قادر بحسب قدرته من الحكام والمسؤولين والمنظمات والأفراد كل قادر على أمر لا يبذله فهو آثم حتى ولو كانت قدرته أن يصيح أن يتكلم أن يبكي فيما بينه وبين نفسه أما أن تزهق الأرواح على هذا النحو الإجرامي الذي نراه رأي العين، كل يوم بإثباتات قاطعة دامغة ثم تأتي السياسة بألاعيبها وأحابيلها، وتأتي المواقف بحساباتها ومصالحها، إنها جرائم والساكتون عنها مجرمون والقادرون على تغيير ذلك في الجريمة مشاركون ويلحق إثم هذه الدماء في أعناقهم بين يدي الله إلى يوم الساعة، يوم يقومون بين يدي الله جل وعلا.
المراجع
موسوعة اسلاميات
التصانيف
عقيدة