كتب: د.علي بن عمر بادحدح
06 ديسمبر, 2011 - 11 محرم 1433هـ
الخطبة الأولى:
سيد التقاة، أعبد العابدين، وأخشع الخاشعين، وأخلص المخلصين، هل يعلم أحد أعظم عبادة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهل يعرف أحد أعظم تعلقاً بربه وخالقه سبحانه وتعالى؟ وهل نستطيع أن نتصور ما ورد من وصف عباداته عليه الصلاة والسلام؟ في صلاته وصيامه وقيامه وذكره وتلاوته وانفاقه وإحسانه وفي سائر أحواله عليه الصلاة والسلام؟
قمة عظمى لا منتهى إليها ولا بلوغ إلى ذروتها، سيد الخلق صلى الله عليه وسلم وخاتم الرسل والأنبياء كلنا يعرف من صفحات عبادته وخشوعه لربه سبحانه وتعالى ما يكاد يحار معه العقل ولا يستطيع بحال أن يتصور جملة كل ما أُثر عنه عليه الصلاة والسلام، ومع كل ذلك فها نحن نرى ونستمع إلى كلمات موجزة هي غاية الغايات في الوصف، وهي فوق ما يمكن أن نعبر عنه نحن الذين نتبع ونتشرف بالانتساب إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
كلمات تدلنا على أن الحال يختلف باختلاف الزمان والفضل والمكان، كلمات تدلنا على أن القلوب إذا سارت وطارت إلى الله فإنها تجر وراءها الأجساد والجوارح وأن النفوس إذا تاقت إلى مرضات الله لم تقعد بها حينئذ أسباب دنيوية ولا عوارض شاغلة.
أقرب المقربين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرف العارفين بأحواله ودقائق حياته في قعر بيته وفي ظلمة ليله وفي شأنه كله وفي حال صحته ومرضه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كلماتها موجزة بليغة معبرة، روى مسلم في صحيحه عن أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها".
وتأملوا هذه الكلمات الموجزة، ألا تعرفون اجتهاده في غير رمضان؟! ألم يؤثر أنه قام في ليلة فصلى في ركعة واحدة بالبقرة والنساء وآل عمران؟! ألم تصف هي رضي الله عنها قالت: "فلا تسل عن طولهن وحسنهن" فكيف يكون الحال في هذه العشر؟ اجتهاد فوق اجتهاد لا يتصور أحد أن يبلغ مبلغه بل ولا أن يبلغ قريباً منه، كيف كان يجتهد فوق اجتهاده صلى الله عليه وسلم؟! إنها كلمات تعبر عن أن رسولنا وقدوتنا العظمى صلى الله عليه وسلم له في هذه العشر حاله مختلف ونحن نعلم حاله الأعلى والأسمى فهو فيها أعلى من الأعلى وأسمى من الأسمى، يهفو قلبه إلى ربه، وتخشع نفسه إلى مرضات مولاه، وتنتصب أقدامه في طاعة ربه، وتقول لنا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في هذه الأوصاف الموجزة: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله" ما ترك ذلك الاعتكاف، يعكف قلبه على حسن صلته بربه واستحضار عظمته والانكسار والذل له، ويعكف لسانه على ذكر ربه واستغفاره وتلاوة آياته والتضرع إليه، ويعكف بدنه في بيت من بيوت الله عز وجل لا يبارحه، ويعكف فكره فلا يكاد يجول في خاطرة من خواطر الدنيا ولا شغل من شواغلها، هو بكليته قلباً وقالباً، جسداً وروحاً، نظراً وفكراً وجوارح، قائمة أقدامه، مرفوعة أكفه، ساجدة جبهته صلى الله عليه وسلم، ثم انظروا إلى الوصف كذلك، الوصف العجيب الذي أخبرت فيه أم المؤمنين عائشة بتميز عجيب رواه أحمد في مسنده، قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخلط العشرين بصلاة ونوم فإذا دخلت العشر أحيا ليله"، وهذا النص الوجيز ذكر العلماء منه أن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه العشر لا يكون في ليله حظ لنوم ولا راحة؛ لأنها أيام قلائل، ليال معدودات، أوقات تنتهي، وكان قلبه وفكره وهمه في طاعة ربه، وجهده وأمله في رضوان ربه يحمله على ألا يتوانى لحظة ولا يغفو سنة من نوم.
وانظروا إلى الوصف الذي أجعله حديثي إليكم في هذا المقام بإيجاز، وهو أيضاً من حديث أم المؤمنين عائشة؛ لأنها قريبة منه، تنام معه وتراه في ليله وتقلبه، وفي كل أحواله صلى الله عليه وسلم، في الصحيحين وبألفاظ مختلفة ومنها قولها رضي الله عنها: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا ليله وأيقظ أهله وجد وشد المئزر" وهي كلمات سهلة وجيزة محفوظة عند كثيرين منا لكنني أتمنى أن نجعلها صورة نتصورها كأنما نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه العشر في خلال أربع وعشرين ساعة كيف هو حاله؟ وهل يقارن بحالنا؟ كيف كان هذا الوصف أحيى ليله فلم يخلطه بشيء من نوم، وقال النووي رحمه الله: "استغرقه بالسهر في الصلاة وغيرها" يتقلب من صلاة وقيام، إلى ذكر واستغفار، إلى تضرع ودعاء، والقلب موصول بالله، واللسان رطب بذكره، والنفس تواقة إلى مرضاته، والعين دامعة من خشيته، والأكف مرفوعة إليه، والحال كله في هذا الليل كأنه في متعة لا تعدلها متعة كل الدنيا وكل متاعها وكل ما يفرح به أهلها.
"وأيقظ أهله" وذلك وصف موجز بليغ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ } [التحريم : 6]، (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)، هكذا في هذا الإيجاز "وأيقظ أهله" وتفصيله يطول الحديث عنه، فقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل ثم أراد أن يوتر أيقظ عائشة لتصلي من الليل، واستيقظ ليلة فزعاً صلى الله عليه وسلم ثم قال: (ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه)، ثم قال: (من يوقظ صويحبات الحُجر) يعني أزواجه رضوان الله عليهن.
إن خوفنا على أبنائنا وحرصنا على أزواجنا ومحبتنا إلى أهلنا لا يكمن في طعام ولا شراب وإنما أن نهيجهم معنا وأن نشركهم ونوقظهم لطاعة الله سبحانه وتعالى.
وانظروا إلى حديث آخر رواه أبو داود في سننه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى ثم أيقظ زوجه فإن لم تستيقظ نضح عليها من الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت ثم أيقظت زوجها فإن لم يستيقظ نضحت عليه من الماء)، تواص بالطاعة، بيوت موصولة قلوبها بالله، أوقاتها ولياليها عامرة بذكر الله، تواص ليس بمتابعة المسابقات ولا متابعة المسلسلات وإنما كما جاء الوصف بعد ذلك في آثار تربية محمد صلى الله عليه وسلم لأصحابه.
وإن تعجبوا فتعجبوا لفعل رسولكم صلى الله عليه وسلم إنه لم يقتصر على أم المؤمنين عائشة أو أزواجه في الحجر من حوله، بل كان يخرج ويذهب إلى من يحبهم قلبه ومن يحرص على مصلحتهم، يذهب في ليله لا لأنس وسمر، لا لنزهة أو سفر، وإنما كما صح أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى علي وفاطمة الزهراء رضي الله عنهما، ذهب إليهما في الليل في بيتهما أي شيء يشغلك يا رسول الله؟ ما الذي تريده منهما؟ هل تتفقد الصحة والعافية؟ أم تتفقد الرزق والطعام والشراب؟ كلمات موجزة دخل عليهما فقال: (ألا تقومان فتصليان)، ذلك الذي أيقظه وأهمه، ذلك الذي أشغله وحركه، ذلك الذي أحبه لهما وحرص عليه لأجلهما، فقال علي وفي بعض ألفاظ الروايات: "فقمت أعرك عيني وقلت: يا رسول الله أنفسنا بيد الله إن شاء أن يبعثنا بعثنا" فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال علي: "فرأيته يقلب يديه وسمعته يقول: (وكان الإنسان أكثر شيء جدلا)".
هل رأينا أحداً منا يذهب إلى بيت ابنته أو يتصل بها في ليلها ليوقظها وزوجها فيقول: ألا تصليان، هل أحد يفعل كما يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى فأراد أن يوتر أيقظ عائشة رضي الله عنها، أليست قد قالت: "وإني كنت في بعض الأحيان معترضة بينه وبين قبلته فربما وكزني وهو يصلي صلى الله عليه وسلم ".
كأني بكم تشاهدون فلماً مصوراً في داخل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في جوف الليل وظلمته كيف هو في هذه الأيام والليالي التي نحن فيها الآن والتي نرى حالنا فيها حتى إننا لا نصل إلى جمعتنا إلا متأخرين وربما يصل بعضنا وقد أقيمت الصلاة، فأين نحن من كل هذا؟
ولعلي أشير إشارات كثيرة إلى أثر ذلك الذي انتشر في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم والذي سرى في التابعين وفي أسلاف أمتنا يوم لم يركنوا إلى الدنيا يوم لم تتعلق بها قلوبهم يوم لم تنشغل بها أوقاتهم يوم لم تنحصر فيها جهودهم.
هذا الفاروق عمر بن الخطاب كما روى مالك في الموطأ: يصلي من الليل ما شاء الله له أن يصلي فإذا انتصف الليل أيقظ أهله وقال: "الصلاة الصلاة" ثم يقرأ قول الله جل وعلا: { وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا } [طه : 132]، إنه لا يأمرهم بصلاة فريضة ولا بنافلة من نوافل الفرائض الراتبة بل يوقظهم منتصف الليل ويترجم ذلك فهماً يريده لنفسه ولأهل في قوله: { وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا } [طه : 132].
وحبيب رسول الله صلى الله عليه وسلم وراوي أحاديثه أبو هريرة رضي الله عنه: كان يقسم الليل ثلاثة أقسام فيقوم ثلثه ثم يوقظ زوجه فتقوم ثلثه ثم يوقظون الخادمة فيقوم ثلثه ليبقى الليل معموراً بالصلاة وطاعة الله عز وجل، أين نحن من هذا في بيوتنا؟ أين نحن من هذا في عشرنا التي أظلتنا ويوشك بعد زمن قصير أن تودعنا ونودعها ولا ندري هل تعود إلينا أو نعود إليها.
نسأل الله عز وجل أن لا يحرمنا وإياكم فضلها وأجرها.
وكل هذه السمات، سمات حقيقية عملية ليست أموراً قولية، وإن كانت هذه الأوصاف الوجيزة لكنها معبرة بليغة حتى قالت زوجة حبيب أبي محمد: "ذهب الليل وبين أيدينا طريق طويل وزاد قليل، وقوافل الصالحين قد سارت قدامنا وبقينا نحن" أي لم نتحرك، هل تريدون المزيد؟ ستجدون من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ومن التابعين والعلماء والأئمة والعباد والزهاد ما سينكر بعضكم ما يُذكر عنهم من حال طاعتهم وعبادتهم سيما في هذه الأيام والليالي.
ونحن نتأول ونتمحك ونقول هل يمكن هذا وهل يصح هذا ونحن نلتمس لأنفسنا أعذاراً ولا ندري أن الأيام ستنقضي والليالي ستنتهي وكل ما فيها من الخير سيذهب معها، وكلكم يعرف حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما خص بالذكر في هذا الشهر العشر وليلة القدر فقال: (أظلكم شهر رمضان تفتح فيه أبواب الجنان، وتغلق أبواب النيران، وتصفد مردة الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر من حُرم خيرها فقد حُرِمْ)، فهل يصح بعد كل هذا مما هو مذكور في الآيات ومروي في كل تلك الأحاديث والروايات أن نقضي ليلنا صفقاً في الأسواق أو لهواً في أحاديث قد تضر ولا تنفع أو نوماً أو غير ذلك وتمر اللحظات الثمينة والدقائق الغالية التي لو تمعنا لرأينا أن الثانية منها تعدل قناطير مقنطرة من كل متاع هذه الدنيا وأموالها وزخارفها.
ولذا فالعاقل المؤمن من يتابع رسوله صلى الله عليه وسلم أحيا ليله وأيقظ أهله وجد وشد المأزر، وتكفيك هذه الكلمة (وجدَّ) جدَّ واجتهد وفكِّر في كيفية اجتهاد المصطفى صلى الله عليه وسلم، كيف سيكون اجتهاده وجده؟ وشد المأزر كناية عن اعتزال النساء كما وردت في ذلك أحاديث مفسرة.
لماذا كل هذا؟ لما هذا الجد والتشمير؟ لم هذا الليل السائر في هذه العبادة الخاشعة؟ إنه فقه الإيمان، إنه حرص المؤمن على طاعة ورضا الرحمن، إنه التعرض لأسباب دخول الجنان، إنه البحث عن إدراك ليلة القدر بما فيها من محو الوزر وعظيم الأجر كما قال وبيّن ذلك رسولنا صلى الله عليه وسلم.
ولأن العبرة بالخواتيم نسأل الله أن يختم شهرنا بالقبول والمغفرة والرضوان والعتق من النيران، ولأن فضل الله عز وجل مع آخر الشهر يتضاعف منّة منه وجوداً وكرما، فتح الأبواب فهل من داخل؟! يسَّر الأسباب فهل من متقدم؟ أَعطى عطاء الكريم الجواد فهل من آخذ؟
أيها النائمون تيقظوا! أيها الكسالى تنشطوا! أيها المنشغلون بالدنيا توقفوا! إنها أيام لله وفي طاعة الله، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لاتباع خطى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يكرمنا في هذه العشر بمزيد الجد والاجتهاد في طاعته، وأن لا يشغلنا فيها بشيء عن ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يعلق فيها قلوبنا بالإقبال عليه، وأن لا يشغلنا فيها بأي شيء من عوارض الدنيا وشواغلها.
أسأل الله سبحانه وتعالى القبول والمغفرة والرضوان والعتق من النيران.
الخطبة الثانية:
معاشر المؤمنين هذه أيام عظيمة هي زكاة أيام عامنا كله، هذه أيام وليالٍ لا ينبغي لأحد أن يفرط فيها ولا أن ينشغل عنها، ولنتخيل دائماً هذه الكلمات الموجزة التي تصور الحياة الحية لرسولنا الأعظم صلى الله عليه وسلم يجتهد في الأواخر ما لا يجتهد في غيرها، يحي ليله ويوقظ أهله ويجد ويشد المأزر، يعتكف ولا يترك طاعة ربه سبحانه وتعالى.
وتنبيهان كنت أحب أن أفيض فيهما لولا مقام عشرنا هذه، تنبيه مهم قرنه الله عز وجل في آيات كثيرة بالأمر الأعظم والعبادة الأكبر بعد توحيد الله: { وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ } [البقرة : 43].
زكاة المال: نجد تفاوتاً حقيقياً في سلوك بعض المسلمين، صلاته لا يتركها وإن تركها قضاها، لكن زكاته كأنما لا يجعل لها ذات القدر وكأنما هي فريضة من درجة ثانية، وكثيراً ما يخص الناس بإخراج زكاتهم وإني لأجزم من واقع الحال أنه ليس كل مسلم عليه زكاة يخرجها وأن ثمة تفريط وتقصير وتهرب من إخراج الزكاة أو إخراجها على كمالها، ونحن نعلم أن هذا أمر عظيم يتعلق بركن من أركان الإسلام، قاتل عليه أبو بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم من منع هذه الزكاة قال: "والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه، والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة"، { وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ } [التوبة : 34 ، 35].
ورسول الله صلى الله عليه وسلم حديثه بذات المعنى بألفاظه وفيه تفاصيل كثيرة، قال كما روى مسلم في صحيحه: (ما من مسلم عنده كنز لا يؤدي زكاته إلا أحمي عليه في نار جهنم فيجعل صفائح فيكوى بها جنباه وجبينه حتى يحكم الله بين عباده، ثم يُرى سبيله إلى جنة أو إلى نار)، وفي لفظ آخر لهذا الحديث تصوير أن البقر التي لم يؤدي زكاتها تأتي فتطؤه، والجمال تأتي فتمر على جسده، والأغنام كذلك. والله عز وجل يجعل الجزاء من جنس العمل والعقاب مترتب على تقصير العمل، وقد ورد كذلك من حديث جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أدّى زكاة ماله فقد ذهب عنه شرَّه - أي شر ذلك المال – وبقي له خيره – في دلالة هذا المعنى) رواه الطبراني وصححه، وروى ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما من أحد لا يؤدي زكاة ماله إلا مُثِّل له يوم القيامة شجاعاً أقرع يطوّق به عنقه).
والأحاديث في ذلك كثيرة وقد قرأ النبي صلى الله عليه وسلم في ختام هذا الحديث قوله جل وعلا: { وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ }[آل عمران : 180].
وتنبيه آخر ونحن نرتبط بإسلامنا ارتباطاً متكاملاً لا جزئياً، ونحن ندعو الله سبحانه وتعالى في هذه الأوقات الفاضلة الشريفة أن يحقق انتمائنا لأمتنا، ورابطة أخوتنا بإخواننا المسلمين في كل مكان، وأن نعمق صلتنا بعقيدتنا ومقدساتنا، وأن تدمى قلوبنا وتدمع عيوننا لا لمجرد التضرع بالمغفرة والرضوان فحسب بل كذلك حسناً ودعاءً للمسجد الأقصى الذي سمعتم وعلمتم ما يجري وما اكتشف بالأمس من أنفاقه وما يحوم حوله وما يحاط به والمؤامرات اليوم وفي هذه العشر الفاضلة عظيمة وكبيرة وجسيمة والقلوب إلا من رحم الله غافلة، والنفوس عن ذلك غافلة، حتى الدعوات ليست لذلك شاملة، حتى الدمعات ليست بذلك متصلة، ونحن أمة نرتبط بمسرى رسولنا صلى الله عليه وسلم، بقبلتنا الأولى، بالموطن الذي أكد عظمة رسولنا بصلاته بالأنبياء والمرسلين إماماً في بيت المقدس.
أليست هذه أجزاء من حقيقة إيماننا وصدق انتمائنا لديننا وحقيقة فهمنا لإسلامنا؟ أم أننا نقتصر على دعاء بمغفرة ورضوان وكأنه لا يعنينا شيء من أمر الإسلام ولا أمر المسلمين.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يخلص المسجد الأقصى من رجز اليهود الغاصبين، نسأل الله عز وجل أن يُبطل مؤامراتهم وأن يحبط كيدهم وأن يجعل كيدهم في نحورهم وأن يرد كيدهم في نحورهم، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعله شامخاً عزيزاً إلى يوم القيامة، نسأل الله أن يثبت أهلنا في بيت المقدس وأن يعينهم على مواجهة الأعداء، نسأل الله عز وجل أن يسخرنا لنصرة دينه ولعون عباده لكل أمر من الأمور من دعاء وذكر واستغفار ومن طاعة واستقامة ومن بذل مال وإنفاق زكاة وصدقة وغير ذلك.
المراجع
موسوعة اسلاميات
التصانيف
عقيدة