كتب: د. علي بن عمر بادحدح
20 اكتوبر, 2009 - 2 ذو القعدة 1430هـ
 

الخطبة الأولى

أما بعد أيها الأخوة المؤمنون :
إن القلوب المؤمنة الحية ، وإن النفوس المسلمة الأبية لابد وأن يكون لها من إيمانها وإسلامها ما يكون صداً للأحداث من حولها .. دفعاً إلى التحقق بموجبات الإيمان ، وقيادةً وشوقاً إلى إظهار معاني الالتزام بالإسلام ، ولقد مرّت وتمرّ بالأمة في كل يوم أحداث جسام ، ومواقف عظام .
 
وكثيراً ما نرى حركة الإيمان ، وفاعلية الإسلام في نفوس أبنائه ، دون المستوى المطلوب ، خاصة ً إذا شخصت الأبصار نحو مواقع التأثير الأكبر في جهات الأمراء ، والعلماء ، وقادة الأمة ، الذين لهم حقوق كثيرة ، وعليهم واجبات كثيرة وكبرى .. فمن ذكرى حريق الأقصى التي تجددت خلال أيام مضت ، إلى أحداث قريبة تجاوزت الحريق إلى التوجه نحو الهدم إلى ما هو معروف من الأحداث التي تصبغ ساحات الأقصى وأرض فلسطين بالدم .. قصفاً وتدميراً ، ونوع من الحصار والتجويع ، وإمعان في العنجيهة ، والظلم ، والبغي ، والعدوان على مرأى من الدنيا كلها ، وعلى مسمعٍ من كل من يقولون ويدعون كثيراً من الشعارات ، من نصر المظلوم ، أو حماية الحقوق ، أو إقامة العدل ، أو رعاية السلام ، أو نحو ذلك من كل ما يقال ويذاع وينشر ، حتى ملت الأسماع منه ، وعيت القلوب وكلت من فهمه وفقهه ، وإن الإنسان المسلم في كل مرة يخاطب نفسه كأنما يلومها ، وفي الوقت نفسه كأنما يحثها على الخير ، الذي ينبغي أن تتوجه له ؛ لأنه لا يمكن أن يكون راضياً بأمن وأمان وسلامة واستقرار ، وأبناء الأقصى وأهل فلسطين يتكحلون في عيونهم بالعمى ، ويرقبون الموت والعدوان والبغي في كل لحظة .. ركوباً في سياراتهم ، أو نوماً في منازلهم ، أو سيراً في شوارعهم ، أو اختباءً في مخابئهم ، أو مواجهةً وشجاعةً في مقابلة أعدائهم .. لا ينبغي أن يكون هناك رضىً ، واطمئنانٌ ، وفرحٌ ، وسرورٌ بنعم كثيرة وفيرة ، وطعامٌ وشراب ، ونحن نعلم بأن إخواننا قد حصروا فلا يكادون يجدون لقمة العيش ، ولا فرصة العمل ، ولا شيئاً من أسباب الحياة الدنيا في أدنى مراتبها ، وأقل مستوياتها ، ولا ينبغي أيضاً أن يكون سرور وسعادة بكثير بما نلهي به أطفالنا ، وندخل به السرور على أبنائنا ، ونحن نرى الحرمان مرسوماً في وجوه أبناء الأقصى .. صوراً تدمى لها القلوب الحية ، وتتمزق حزناً عليها النفوس المسلمة الأبية .
 
ولذلك في كل مرة قد يقول قائل : ولماذا نجتر سلسلة الأحداث؟ ولماذا نعيد حديث الأحزان؟ وأقول : لئلا يكون لنا إلى ركون ولا اطمئنان إلى شيء نحسب أنه يدوم وأنه يحق لنا أن نكون عليه دون مشاركة ودون مناظرة ودون مقارنة بأحوال أمتنا في مجموعها ، وأحوال أمتنا في مواجهة العدو من اليهود عليهم لعائن الله .
 
إن هذه الأحداث التي تمر بنا فيها - بإذن الله عز وجل - خير كثير ، ولعلي أشير هنا إلى إشارات أساسية كبرى ، لكنها في عبارات مختصرة وجيزة ؛ لنبحث عن أسباب القوة الحقيقية ، ونذكر بها قوة التوحيد والإيمان .. قوة الوحدة والارتباط .. قوة الصلاح والاستقامة .. قوة التضرع والدعاء قوىً كثيرة قبل قوة الساعد والسلاح والجهاد ، قوىً عظيمة نحتاج إليها ؛ حتى نستطيع - بإذن الله عز وجل - أن نجدّ وأن نوجد في أنفسنا أسباباً عظيمة من أسباب القوة الذاتية ، والقدرة على رفع رايتنا ، وإظهار عزتنا من أعماق قلوبنا ونفوسنا ، قبل أن نستطيع أن نظهرها في المواقف العظيمة العصيبة ، فنفشل أو نعجز ، ثم نبث ذلك في قلوب ونفوس وعقول أبنائنا .. صغاراً رضعاً ، وفتياناً يافعين ، وشباباً مكتملين ، ورجالاً مكتهلين ، وشيوخاً مسنين ؛ حتى نعيد هذه الروح مرة أخرى ، إلى أبناء أمتنا ، فحينئذً يأذن الله - عز وجل - أن يحقق وعده .. {إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم }.
ويحقق الله - سبحانه وتعالى - وعده الذي قطعه على نفسه وهو أصدق من يوفي بالوعد.. {إن الله يدافع عن الذين أمنوا } .
 
عندما نتأمل هذه الأحداث يكون في قلوبنا أسىً وحزنٌ من جهةٍ وفرحٌ واستبشارٌ من جهة أخرى ، أسىً وحزنٌ على كل صورة تخاذل ، وموات قلب ولهو وعبث نراه في صفوف أمتنا في مستويات مختلفة بدأً من مستويات الدنيا غير عابئة ولا ملتفته إلى مستويات عليا ، ينبغي أن تكون في أعلى قمة مستوى المسؤولية ، ومراعاة ومتابعة الأحداث ، والوقوف إزاءها ، واستبشار من جهة أخرى بالمواقف المشرفة لأبناء أمتنا رغم كل الكيد ، والبغي ، والعدوان ، والتسلط ، والجبروت .
 
ونحن نرى الصامدين الثابتين ، ونحن نرى المضحين المجاهدين ، ونحن نرى أمهات لهن قلوب أثبت من الجبال الرواسي ، ونرى أطفالاً وهم يطاولون بقاماتهم الرجال الكبار ، ويعلمونهم كيف تكون بطولة الصغار ، ونرى ونرى كثيراً من صور العز والاستبشار ، التي نحتاج إلى تأملها . 
قوة الإيمان والتوحيد فيها معانٍ كثيرة .. توحيد لا إشراك معه .. توحيد لله - عز وجل - في المقاصد والمشاعر ، فلا خوف إلا منه ، ولا رجاء إلا فيه ، ولا توكل إلا عليه ، ولا إنابة إلا إليه ، ولا ثقة إلا به ..
يوم يتحقق كل مؤمن في ذات نفسه بذلك .. يوم يجرّد مقصده وغايته لله .. يوم لا يخشى أحد سواه .. يوم يكون ذلك في أبناء الأمة ومجتمعاتها فلن تستطيع قوةٌ في الأرض أن تغلبها ، ولا أن تهزمها ، ولا أن تنال منها شيئاً ، مهما كان صغيراً أو كبيراً .
 
قوة الإيمان والتوحيد هي تميّز لا تميع .. تميّز يشمخ به المؤمن بإيمانه ، ويستعلي بإسلامه ، ويظهر شخصيته ، ويفتخر بانتسابه لأمة محمد – صلى الله عليه وسلم - ويحقق تميزه بذلك الإيمان . 
 
ليس ضائعاً ، ولا تائهاً ، ولا لاهياً ، ولا عابثاً ، بل هو ممن أدرك طريقه ، وعرف منهجه ، واتضحت معالم سيره في هذه الحياة ، فلا يميل مع شرق ، ولا يحاذي غرباً ، ولا يكون مع النصارى في ولاء ، ولا مع اليهود في استخذاء ، بل هو ذلك المتميز بإيمانه ، يجعله ذلك مجدداً لما كان عليه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم .. يوم قال ربعي بن عامر مقالته المشهورة ، ويوم وقف عبدالله بن حذافة السهمي أمام كل إغراء وتهديد ، ثابتاً على ذلك الإيمان ، ماضياً عليه إلى أن لقي ربه ومولاه سبحانه وتعالى .
 
وقوة الإيمان أيضاً قوة ثبات لا تخاذل ؛ فإن المؤمن يعلم أن وراء هذه الحياة الدنيا حياة أخرى ، يريد أن ينتقل إليها ، ويرغب أن يكون له خيراً فيها خير من دنياه ، ومن هنا فإن الإنسان المؤمن يتميز بهذا الثبات والقوة ، لا يخشى فوات الحياة كما وصف الله - عز وجل - أذل خلقه من اليهود فقال : {ولتجدنهم أحرص الناس على حياة } .
 
على أي حياة .. وإن كانت حياة ذل ، وإن كانت حياة فسق ، وإن كانت حياة فجور ، ولكن المؤمن لا يريدها إلا حياة إيمان ، وحياة طهر ، وحياة خير وبر ، وإن لم تكن حياة عزة فليمت ؛ حتى يبقي عزته إلى أخر نفس من أنفاسه . يذكرنا ذلك بكثير من مواقف الصحابة - رضوان الله عليهم - بل ومن أجيال الأمة الإسلامية كلها ، يوم ثبتوا ثبات الجبال الرواسي رغم ضعفهم ، ورغم قلة حيلتهم ، ورغم انعدام قوتهم .كما وقفت ثلاثة آلاف من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم - في يوم مؤته في مواجهة مائة ألف - وقيل مائتين - أنى لهم أن يقفوا ! وكيف يمكن أن يثبتوا ؟ إنها معادلة الإيمان التي فقدنا كثيراً من حقائقها ودلائلها ، وتشككنا في واقع أمرنا في نتائجها وثمارها ، فحلّ علينا ونزل بنا ما نراه اليوم من كثير من صور الضعف ، والهوان ، وقوة الإيمان . 
 
مع ذلك كله لها كثير وكثير من الآثار العظيمة ، وقوة الوحدة والارتباط .. تلك التي تذيب جميع الفوارق من القوميات ، والأعراق ، والأجناس والألوان ؛ لتجمع بين كل أهل الإسلام والأيمان ، تحت راية " لا إله إلا الله محمد رسول الله " ، فتكتمل القوة بإتلاف القلوب ، واتحاد الصفوف ، واجتماع الكلمة ، وتوحّد الآراء ، وتوجيه القوى نحو الأعداء ، بدلاً من أن تكون بين أبناء أمة واحدة.
 
إن أول عمل اجتهد النبي – صلى الله عليه وسلم - في إقامته والعناية به بعد بناء المسجد لتعلق القلوب بالله ، وإقامة التوحيد والإيمان ؛ وهو القوة التي آخى فيها بين الأنصار والمهاجرين ، فشكّل أعظم مجتمع في حياة الإنسانية كلها جمعاً بين سلمان الفارسي ، صهيب الرومي ، وبلال الحبشي ، وأبو بكر التميمي ، وعمر العدوي وعثمان الأموي وكل الأجناس المختلفة حتى دخل المسلمون إلى الفرس فأسلمت فارس ودخلوا إلى الروم فدخل أهلها في دين الله أفواجاً ، وإذا بكل الثقافات والحضارات والمنجزات تنخرط لترفع لواءها ، وتظهر قوتها باسم الإسلام ، وتحت راية التوحيد ، ونحن ما أصابنا الضعف والخور إلا يوم مزقنا أعداءنا مزقاً ، وجعلونا قطعاً ، وفرقوا بيننا لغات وشرذمونا قوميات ، وما زال الخلاف يدب بيننا ونحن نتقبله ونتشربه ، دون أن نعي أن المعنى الأسمى والأعظم في وحدة الأمة واتفاقها وإتلافها ينبغي أن يكون أسبق وأعظم من كل صورة أخرى ؛ لأن ذلك من مقتضى الإيمان .. { إنما المؤمنون اخوة } .
 
وهو الذي منّ الله عز وجل على رسوله – صلى الله عليه وسلم - وعلى الأمة جمعاء يوم خوطب به - عليه الصلاة والسلام - في قول الله تعالى : { وألّف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم } .
وجعل ذلك المصطفى – صلى الله عليه وسلم - من حقائق الإيمان في صور كثيرة وأحاديث عديدة : ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) .
 
وكما قال عليه الصلاة والسلام : ( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يرجع في الكفر كما يكره أن يقذف في النار ) .
 
كما بين ذلك المصطفى – صلى الله عليه وسلم - ألسنا نرى صور الاختلاف بيننا قد عظمت وانتشرت ، حتى صارت في أهل البيئة الواحدة ، واللغة الواحدة ، والجيرة الواحدة ، بل والأسرة الواحدة ! ألسنا نرى أن هذا الضعف من أهم ما يلج به أعداءنا إلينا ، وينتصرون به علينا ! ألسنا في حاجة إلى أن نرتفع فوق مستوى هذه الخلافات ! وإذا لم يكن ذلك الآن في هذه المواجهات العظيمة ، والفترة الحرجة في حياة الأمة ، فمتى تتوحد إذن ! ومتى تجتمع ! ومتى تترك خلافاتها الهامشية التافهة في مواجهة حضارتها ، ووجودها ، وكينونتها في هذه المرحلة العظيمة الدقيقة من مراحلها ؟ ألسنا نرى أننا في حاجة إلى أن نعنى بذلك في كل أجوائنا ، وفي سائر دوائرنا ! ألسنا نحن في كثير من بيئاتنا ، وربما في الحيّ الواحد نرى صوراً من الافتراء ، بل نحن في مساجدنا نختلف ونفترق ، ويكون بيننا نُفرة ، بل ويكون بيننا صور من صور العداء الذي يتناقض مع حقيقة الإيمان ، والذي حذر منه المصطفى - صلى الله عليه وسلم - في حديثه عن أبي هريرة ، عند الشيخين عنه صلى الله عليه وسلم : ( إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ، ولا تجسسوا ، ولا تحسسوا ، ولا تباغضوا ، ولا تدابروا ، وكونوا عباد الله إخوانا ) .
 
هذه الأخوة المهمة العظيمة .. هذا الارتباط الوثيق هو صورة القوة المهمة التي تحتاج إليها الأمة ، وأما قوة الصلاح والاستقامة فهي أمر عظيم ، وهي مسألة في غاية الأهمية فقِه لها أسلافنا ، فكانوا يرون الأثر اليسير من تعثرهم أو إخفاقهم ، فينسبونه إلى مخالفتهم لأمر ربهم ، أو معصيتهم لخالقهم سبحانه وتعالى . 
عن ابن مسعود يُروى مرفوعاً وموقوفاً عليه : " إن العبد ليُحرم الرزق بالذنب يصيبه " .
 
إن حرمان الرزق قد يكون بسبب الذنب ، وقد كان أسلافنا يقولون : " كان أحدنا يجد أثر الذنب في خُلق زوجته ودابته " .
إذا عاكسته زوجته وخالفته ، أو نفرت منه دابته قال : إن ذلك بسبب أنه قد ظلم نفسه ، أو خالف أمر ربه ، والله - عز وجل - قد بيّن ذلك في سنة ماضية { ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس } ، وكيف يمكن لأمة أن تنتصر ، وأن تقوى ، وأن تعتز وهي تخالف أمر ربها ، وتترك هدي رسولها - صلى الله عليه وسلم - ؟ وكيف يمكن أن تستمد القوة من الله ، وهي تحاده ، وتواجهه مستعلنة بكثير من المعاصي ، وتجاهره بكثير من الفسق ؟ ألسنا نرى ذلك في كثير من مجتمعات المسلمين ! ألسنا نعلم يقين ما أخبرنا الله - عز وجل - به من حقيقة أثر الصلاح والاستقامة ، وانعكاسها على حياة الأمة ، في أمنها ، وطمأنينتها ، واستقرارها ، وقوتها ، بل وفي رزقها ورغد عيشها : { ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفحنا عليهم بركات من السماء والأرض } .
 
إن خير الله ونصره ، وأمنه ، وطمأنينته التي يفيضها على عباده ، لا تكون إلا بطاعته ، والاستقامة على أمره ، فلئن عملنا لله ولدينه .. استقامة على أمره ، واتباعاً لنهجه ، وخوفاً من معصيته ، ومراعاة لمحارمه ؛ فإن ذلك يؤذن بإذن الله - عز وجل - أن تنتهي المشكلات فيما بيننا ، وأن يكون ذلك عوناً وسبباً لتَنّزُل نصر الله - سبحانه وتعالى - علينا ، وأما أن تكون الأمة قد أوغلت بعيداً عن منهج الله ، وافترقت ، وجعلت بينها وبين كتاب الله وسنة رسوله - عليه الصلاة والسلام - بوناً شاسعاً ، ومفارقة كبيرة ؛ فإن ذلك بكل الأحوال لن تجني منه إلا ما نرى صوره الكثيرة في مجتمعاتنا ، سواءً كان ذلك في العذاب والبلاء والمصائب التي تصب علينا بتسلط أعدائنا ، أو بما فقد في كثير من مجتمعات المسلمين من الأمن ، والأمان ، والاستقرار ، أو بما فشى فيها من الأدواء والعلل والأمراض ، أو بما حلّ بها من الفقر والمسكنة ، والذلة والمهانة ، وكما أخبر الحق - جل وعلا : { ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى } .
 
فلابد لنا أن ندرك أن من أسباب قوتنا ، ومن طريق عزتنا ، ومن أسباب نصرتنا ، أن نستقيم على أمر ربنا ، وأن نعلن الصلح مع الله - سبحانه وتعالى - وأن نسير بوصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أوصى فأوجز فقال : ( قل آمنت بالله ثم استقم ) .
 
نسأل الله عز وجل أن يقوي إيماننا ، وأن يعظّم أخوتنا ، وأن يُظهر صلاحنا ، وأن يعيننا على شرور أنفسنا ، وأن يبرم لأمتنا خير تعز به ، وتنتصر عاجلاً غير آجل .
 
 

الخطبة الثانية

 
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون :
ألا وإن من أسباب القوة قوة التضرع والدعاء ، وصدق التوجه والالتجاء لرب الأرض والسماء ؛ فإنه - سبحانه وتعالى - مالك الملك ، وهو جبار السماوات والأرض ، وهو مقدر الأقدار ، وهو الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء .. هو - سبحانه وتعالى - الذي ينزل النصر ، وهو - سبحانه وتعالى - الذي يمدّ بالقوة ، وهو - سبحانه وتعالى - الذي يسخر قوى الأرض كلها لمن شاء كيف شاء سبحانه ، والله - جل وعلا - يخاطبنا وينادينا ، ويعدنا ، ويؤملنا - سبحانه وتعالى - في شأن الدعاء ، والتضرع له سبحانه وتعالى : { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم } .
 
وأيضاً يبين الحق - سبحانه وتعالى - بأنه قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه ، ولقد سُئل بعض أسلافنا : ما بالنا ندعو ربنا فلا يستجاب لنا ؟؟ فقال لهم : سددتم طريق الدعاء بالمعصية فحُرمتم من الإجابة . 
وذلك له أثره بالصلاح والاستقامة التي ذكرناها ، ورسولنا - صلى الله عليه وسلم - وأسلافنا ما كانوا يستعينون بقوتهم المجردة ، ولا كانوا يكتفون بأسبابهم التي يأخذونها ، ويجتهدون فيها ، بل كانوا قبل ذلك ومع ذلك وبعد ذلك يلتجئون إلى الله سبحانه وتعالى ، سيما في الملمات ، وخاصة في وقت الشدائد العظيمة الجسيمة .. يلجئون إلى الله - عز وجل - كما دعا نبينا - صلى الله عليه وسلم - في يوم بدر ، وما زال يلح في الدعاء : ( اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبداً ) .
ويبالغ في ذلك حتى يسقط رداؤه عن منكبيه ، فيأتيه أبو بكر فيقول : ( حسبك يا رسول الله إن الله منجز لك ما وعدك ) .
ويتنزل نصر الله - عز وجل - على رسوله - صلى الله عليه وسلم - من أثر هذا الدعاء ، ومن أثر ذلك التوجه والاستعداد ، وكذلك كان - عليه الصلاة والسلام - في كل المواقف داعياً لله - عز وجل - متبتلاً متضرعاً له سبحانه وتعالى .
 
وما أحرانا في هذه الأوقات العصيبة أن نكرر ،وأن نلح وأن نخلص ، وأن نتحرى أوقات الإجابة بالدعاء ، بكل ما نستطيع ، وأن نجعل ذلك ديدناً لنا ، وأن نرطب به ألسنتنا ، وأن نحيي به قلوبنا ، وأن نعظّم به أملنا في الله - عز وجل - وثقتنا به ؛ فإن ذلك من أعظم أسباب القوة .
 
ولو نظرنا إلى أعدائنا لعرفنا أن أخشى ما يخشونه ، وأعظم ما يخافون منه إنما هو هذه المعاني .. يوم نعتز بإيماننا ، ونقوى بتوحيدنا .. يوم نحرص على أخوّتنا ، وتأتلف قلوبنا ... يوم نعلن طاعتنا ، ونستجيب لأمر ربنا .. يوم نتضرع ونلتجئ إلى خالقنا ومولانا نكون القوة التي لا تقهر بإذن الله ، ونجدد ما كان من سير أسلافنا ، وذلك الذي ينبغي أن يكون وكيف يكون ؛ فإن أقدار الله - عز وجل - تسوق إلينا ما يذكرنا وينبهنا ، ولعل ما يجري من هذه الأحداث ، وما يتفاقم من مشكلات المسلمين ، إنما هو من قدر الله الخيّر لهذه الأمة ؛ حتى يستيقظ الغافلون ، وحتى يتنبه النائمون ، وحتى يتحرك الخاملون ، وحتى يتحد المفترقون ، وحتى يقوى الضعفاء ، الذين قد استبد بهم الوهن من حب الدنيا ، وكراهية الموت - كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم - ولئن لم يكن لأحداث الأقصى ، وتلك البقعة المباركة ، والمكان المقدّس ، والقبلة الأولى ، والمسجد الثاني في تاريخ الإسلام .. لئن لم يكن لما يجري عليه وعلى أهله أثر في حياة الأمة ، وانتباهها ، فمتى يكون الأثر ؟ ومتى يحصل الانتباه ؟ وكما قيل : " إنما أكلت يوم أكل الثور الأبيض " .
 
إن اليهود - عليهم لعائن الله - هم أعداء أمة الإسلام .. هم محركو العداء والبطش والكيد على أمة الإسلام في كل مكان .. هم المتآمرون مع الهنادكة ضد أبناء المسلمين في كشمير ، وهم المؤججون لنار الحقد عبر أوروبا كلها ، هم المسيّرون لاتجاهات ومسارات الإعلام في كل جوانبه .. هم الراعون والساعون في كل ما يدحضون أو يضعفون به الإسلام وأهله ، فلئن عجزنا عن المواجهة والنصرة لإخواننا ؛ فإن ذلك يهددنا في قعر بيوتنا ، وفي داخل بلادنا ، وفي كل أماكننا ، ونحن نرى كيف قد أصبح العالم كما يقولون : " قرية صغيرة " ، ونحن كأنما نعيش مع أبناء فلسطين بما نرى ونسمع لحظة بلحظة ، بالصورة ، والحركة ، والصوت ، والمناقشة ، والتحليل ، فكأنه قد قامت علينا الحجة ، وانقطع عنا العذر ، فلا ينبغي لنا أن نبقى غافلين ساجرين ، ولو أن نحرّك قلوبنا بشيء من الحزن والألم ، ونفوسنا بشيء من الغيرة والتحرك ، ولو بدعاء صادق ، وإنفاق سخي ، وبإصلاح في أحوالنا ، واستقامة في سلوكنا ، ولدعاءٍ والتجاءٍ لربنا ، وبكل ما نأخذ به من أسباب القوة .. نسأل الله - سبحانه وتعالى - أن يعظم قوة إيماننا ، وأن يزيد يقيننا ، وأن يجعلنا ممن يستمسكون بكتابه ، ويقتدون بهدي رسوله صلى الله عليه وسلم .

المراجع

موسوعة اسلاميات

التصانيف

عقيدة