الحِدادة forgeage صناعة الحدّاد وحرفته، وهي طَرق الحديد والمعدن، وتشكيله بعد تليينه بالنار لإنتاج الأدوات التي يحتاج إليها الإنسان في حياته اليومية.
وليس ثمة مجال من مجالات الحياة من زراعة وصناعة وتجارة وخدمات إلا والحديد ضروري فيها، فالحديد والنار، عنصران مهمان أتاحا للحياة البشرية أن تحقق قفزات نوعية هائلة، أوصلت الإنسانية إلى حضارتها الراهنة.
لمحة تاريخية
بدأ اكتشاف الحديد مصادفة، كما كان اكتشاف النار، وربما ساعدت النار على هذا الاكتشاف، إذ تشير الكشوف الأثرية إلى وجود أدوات حديدية في أماكن يعتقد أن النار اكتشفت فيها مبكراً، ويرجح أن تكون في بعض بقاع آسيا، وفي أجزائها الجنوبية الغربية، وتحديداً في بلاد الشام، وكذلك في إفريقية الشرقية والشمالية، حيث كان الإنسان البدائي يحرق الأشجار والأغصان التي يقطعها بأدوات حجرية في حفر غنية بفلز الحديد، الأمر الذي كان يؤدي إلى صهره وإذابته مخلّفاً كتلاً متصلبة من مصهور الحديد الخام.
ويثبت التاريخ أن فنون الزراعة وتنظيمها ما كانت لتحصل لولا المهارات المتراكمة في صنع الأدوات الزراعية المعدنية التي استعملت في فلاحة الأرض، بدءاً بالنحاس والبرونز ومن ثم بالحديد بعد اكتشافه، الأمر الذي جعل حضارة بلاد الشام تتقدم الحضارات الأخرى.
وقد اشتهرت بلاد الشام واليمن بصناعة السيوف، واشتهر السيف الدمشقي بقساوته ومرونته وحدّه القاطع، وخفة وزنه، ذلك أن صناع السيوف الشامية برعوا في تقسيته وسقايته في أنواع من الأملاح والزيوت النباتية، بحيث أكسبته هذه الطرق التي اختصوا بها، مكانة مهمة في التاريخ.
الشكل (1) مقطع في فرن قطلونيا (إسبانيا)
لصهر الفولاذ مقتبس عن الفرن الدمشقي
في أثناء الحروب الصليبية
ويذكر المؤلف الأمريكي ج.ب. جيل J.P.Gill في كتابه عن الفولاذ الخاص بالأدوات، أن الفولاذ المسمى فولاذ ووتز l’acier wootz صنع نحو عام 350 قبل الميلاد، عند بعض القبائل الجبلية في شمالي الهند، في أفران خاصة، وأن الطريقة نفسها طبقت في صناعة الفولاذ في دمشق (الشكل-1)، وقد تميز فولاذ دمشق من فولاذ ووتز بطريقة تصنيعه التي كانت تتم على النحو الآتي:
ترقق شرائح من الفولاذ بالطَّرْق وتلف على شرائح رقيقة من الحديد المطاوع، ثم تسخن بالحرارة وتطرق وتقسّى بعمليات السقاية والتقسية.
ويشير الباحث المذكور إلى اكتشاف بعض الأدوات الحديدية في الأهرامات المصرية، يقدر عمرها بنحو خمسة آلاف عام.
وثمة دلائل تشير إلى استعمال الحديد عام 1200 ق.م في منطقة بلاد الشام، وانتشاره في أوربا بين عامي 800 و750 ق.م وفي إسبانيا عام 400 ق.م قادماً من الشرق.
وتجدر الإشارة إلى أن السلطان سليم الأول جمع من بلاد الشام، وخاصة من دمشق، الحرفيين الصناعيين المهرة في صناعة السيوف والحدادين والنحاسين والصيّاغ والخزافين والمهرة في النسيج والصباغة والدباغة والحرف الأخرى، وحملهم إلى اصطنبول عاصمة السلطنة العثمانية، فأسسوا نهضة صناعية مازالت آثارها واضحة حتى اليوم.
وليس هناك بلد في العالم فيه أسواق متخصصة ومتميزة للحرف والمهن كما كان ومايزال في بلاد الشام.
وهناك شواهد كثيرة في المغاور والكهوف وفي المكتشفات الأثرية على قدم استعمال الحديد. وفي الأساطير الأوربية أن« فولكان» إله البراكين هو الذي حدد الأسلحة لأخيل ليقاتل بها أعداءه، ويلاحظ هنا الإشارة إلى البراكين لما للنار من دور في اكتشاف الحديد.
وفي القرآن الكريم وفي أكثر من موضع فيه تأكيد على ما للحديد من مكانة في حياة الناس وما يوفره من قوة لهم وخاصة في سورة الحديد في قوله تعالى:
{لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقِسْط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلمَ الله من ينصرُه ورسلَه بالغيب إن الله قوي عزيز} (الحديد 25).
الحدادة في العصر الحديث
لفظ الحدادة مصطلح ينطوي على معنى أوسع من دلالته على الحديد، ذلك أن الحدادة كانت تقتصر على تسخين المعدن في النار ليصل إلى حالة الليونة ثم طرقه وتشكيله بوساطة المطرقة والسندان وفق الغرض والشكل المطلوبين، وقد ظلت الحدادة عبر العصور القديمة تدل على مثل هذه العمليات، وتلبي حاجات المجتمعات القديمة من أدوات وأوعية، إضافة إلى أسلحة الصيد وأسلحة القتال الفردية حتى مطلع العصر الحديث الذي بدأ مع النهضة الصناعية في القرن الثامن عشر، وبدأ معه عصر البخار ثم عصر الكهرباء واستخدام النفط والمحركات الانفجارية ذات الاحتراق الداخلي، وتسارعت مع هذه الاكتشافات عمليات استخراج المعادن من المناجم وعمليات صهر الحديد وتحسين مواصفاته، وتطورت في أثناء ذلك عمليات الحدادة بكل فروعها، فأمكن صنع مطارق آلية كبيرة، وإنتاج آلات ضخمة كالقاطرات البخارية والسكك الحديدية. وجاء اكتشاف الكهرباء ليضيف إلى حرفة الحدادة واللحام تطوراً جديداً باستعمال القوس الكهربائية في عمليات اللحام ووصل القطع المعدنية أو تقطيعها وسكبها الأمر الذي فتح الباب لإنتاج آلات أكثر تطوراً، هيأت لنقلة جديدة في الصناعة الحديثة، كالمحاريث الزراعية الميكانيكية والآلات والجرارات والحصادات وغيرها.
محترفات الحدادة واللحام:
وتشمل قسمين رئيسيين هما:
أ- محترفات تشكيل المعادن بالطرق والكبس: ومنها محترفات الحدادة اليدوية القديمة وتسمى بالحدادة العربية وما زالت محدودة، إذ تسخن قطع الحديد في كور يعمل على الفحم الحجري أو فحم الكوك ويشكلها الحداد يدوياً بالمطرقة المعدنية على السندان وتستعمل أحياناً أدوات يدوية مساعدة مثل أدوات القص والصقل وغيرها. وتتنوع المنتجات المنجزة في هذه الحرفة من أزاميل ومطارق ومناجل وسكاكين وضروب الأسلحة الفردية المختلفة كالخناجر والسيوف، وكذلك أدوات الحراثة والزراعة وأنواع السلاسل والخزانات، والأبواب المعدنية المختلفة، وأشهر ما تنتجه هذه الحرف العربية الشرقية الصميمة هو السيف الدمشقي الشهير.
ومنها محترفات كبس المعادن وتشكيلها بالضغط السكوني (الستاتيكي) pressage والطَّرْق الحركي (الديناميكي) martelage.
وتجري الأولى باستعمال مكابس تشغل هدورليكياً بالمياه أو الزيت أو باستخدام الهواء لاحقاً، وتصل قوتها إلى 4000 طن.
أما الطَّرْق الحركي الذي يشمل عمليات الدق و الطَّرْق وتشكيل المعدن بالتسخين والمطارق الآلية ومنها: المطارق الميكانيكية والمطارق الهوائية والمطارق البخارية والمطارق الهدروليكية. وتكمن أهمية هذه المطارق في عمليات طرْق وتشكيل القطع الضخمة والثقيلة والتخفيف من العمل اليدوي.
أما عمليات التشكيل فتتم بطرائق مختلفة كالبثق والبلص والطبع والختم والبرشمة والتثقيب والتخريق، وعمليات القص والتقطيع بأنواعه، وعمليات الدرفلة والسحب والحلزنة المعدنية، وعمليات الحني والتقويس والثني للأنابيب والقضبان المعدنية وتشكيلها بأقواس وأشكال مختلفة.
ب- محترفات عمليات اللحام الحراري: وتشمل
الشكل (2) القص الحراري بالغاز
(أوكسي أستيلين)
1- عمليات اللحام والقص الحراري بالغاز (الشكل-2).
وتتلخص الطريقة في صهر المعدن المراد لحامه، بحرارة اللهب الناتج من مزيج غاز الاحتراق مع الأكسجين في حجرة مقبض نحاسي ذي فوهتين يسمى المشعل، وينسب هذا النوع إلى مجموعة اللحام بالصهر. وتختلف درجة حرارة اللهب بحسب نوع الغاز المستعمل وتراوح بين 2100-3200 درجة مئوية.
ويعد اللحام بالغاز عملية ذات إنتاجية ضئيلة مقارنة مع اللحام بالقوس الكهربائية، وتستخدم عند لحام صفائح الحديد الرقيقة التي لا يزيد سمكها على 5مم وتمتاز بالسهولة ورخص المعدات المستعملة، وعدم الحاجة إلى الكهرباء. ويمكن في أثناء اللحام تعديل كمية الحرارة بما يناسب القطع الجاري لحامها. أما الغازات المستعملة في اللحام فهي الاستيلين وبعض الغازات الطبيعية القابلة للاحتراق مثل البروبان والبوتان وغاز فحم الكوك، والهدروجين، إضافة إلى أبخرة بعض السوائل من مشتقات النفط كالبنزين والكيروسين.
2- اللحام بالقوس الكهربائية الذي يجري بتسخين القطع المطلوب لحامها بالتيار لتتحول إلى عجينة ثم تضغط فتلتحم، ثم تبرد.
الحدادة ودورها في الصناعة والزراعة وتطور المجتمع
تحتل الحدادة دوراً مهماً في تصنيع الأدوات والآلات الزراعية والسيارات والقطارات والسفن وغيرها، وهي تساعد على زيادة الإنتاج الزراعي والصناعي، وتحقق استثماراً أمثل للثروات المتاحة. فالصناعة الثقيلة في العصر الحديث، تقوم على ثلاث حرف رئيسية هي:
- السباكة وصهر المعادن.
- الحدادة وتشكيل المعادن واللحام.
- الخراطة والتسوية.
ومن هنا تحرص الدول ذات الموارد المتنوعة على إعطاء عمليات الحدادة الآلية واليدوية اهتماماً كبيراً لأنها ترفد الصناعة الثقيلة والعمليات الزراعية في إنتاجها وتكمله.
محمد سعيد اليعقوبي جزائرلي
المراجع
الموسوعة العربية
التصانيف
الأبحاث