كتب: د. علي بن عمر بادحدح
20 يوليو, 2009 - 28 رجب 1430هـ
الخطبة الأولى
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون :
أحوال عصيبة وظروف رهيبة تحيط بأمتنا في هذه الأيام ، ونحن نقف هذه الوقفة مع الأمة في مواجهة الغمة ؛ ولعلنا نرى صوراً محزنة ، إذ نجد أن الأمة في مجموعها كأنها لا تملك من الأمر شيئاً ! وكأن الحال كما قال القائل :
ويقضى الأمر حين تغيب تيم **** ولا يستأذنون وهم شهود
ونرى أن الآراء مازالت متباعدة ، وأن الأفكار مازالت متباينة ، وأن الوحدة مازالت بعيدة ..
ومن جهة نرى صوراً من زيغ الفكر ، وضعف اليقين ، وانحراف السلوك ، بل نرى حقيقة النفاق والممالأة والمصانعة التي تزيد الأمة ضعفاً ووهناً ، والتي تزيد أعداءها تسلطاً وتمكناً .
وما من شك أن كل أحد منا عليه واجب ، وفي عنقه مسؤولية ، ليست المهمة قاصرة على دولة أو أخرى ، أو حاكم أو عالم أو مؤسسة ، بل كل أحد في عنقه أمانة ، وعلى كاهله مهمة ، ومن ثم ؛ فإننا ينبغي أن نعيد القول ونكرره ، وأن نعاود المدارسة والمذاكرة في أحوال أمتنا التي هي في حقيقة أمرها مجموع أحوالنا .
وإذا أردنا أن نقول ، وأن نؤكد هذه المعاني ، فينبغي لنا أن نكون صرحاء لا نستخدم التعمية الإعلامية ، ولا الألاعيب السياسية ، ولا المداهنات والمنافقات التي نجدها ، ليس في حياة الأمة على مستوى الدول والحكومات بل على مستوى الأفراد والتجمعات ، لابد أن نكاشف أنفسنا من خلال أنوار اليقين في كتاب الله ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .. لابد أن نكتشف خللنا وعيوبنا من خلال النظر في سنن الله - سبحانه وتعالى - الماضية التي قرأناها ونقرأها في صفحات التاريخ الغابرة ، ونشاهدها ونراها في الوقائع المعاصرة .
وعندما نكون كذلك وربما يكون هذا أول الطريق ، وطريق للإصلاح ، ولا يمكن أن نتصور أن يكون طريقاً قصيراً ينتهي في غمضة عين وانتباهتها ، أو في أيام قلائل ، أو أعوام يسيرة ، ولا يمكن كذلك أن نعتقده طريقاً سهلاً مذللاً معبداً مفروشاً بالورود ! بل فيه عقبات عظيمة ، وهوائل جسيمة ، وفيه ابتلاءات ومحن وفتن لا يصبر لها ولا يجتازها إلا الخلص من المؤمنين الصادقين ، والملمين المستسلمين لرب العالمين ، وهذه وقفات كلية جامعة في الأمور المهمة لمواجهة هذه الملمة:
أولا: الإيمان واليقين
وقد نكرر القول ونزيده ، وليس في ذلك من ترف ولا سرف ، ولا شيء مملّ ، بل هو عين اليقين ؛ لأن ثوابتنا لا تتغير ، ولأن أسس ومناهج الحل والتغيير لا تتبدل ، ولأن بين أيدينا كتاب: { لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } [ فصلت:42 ] .
وسنة هي وحي يوحى من رب العالمين ، ونحن قد قلنا في حديثنا عن القرآن - ولعل هذا الحديث يعد موصولاً به - إن واجبنا نحوه حسن فهمه ، وقوة اليقين به أن يحسن التدبر والتأمل والتفكر والمعرفة والعلم والتعليم لكتاب الله عز وجل ، وأن نرسخ الإيمان واليقين بكل حقائقه ، وبكل وعوده ، وبكل سننه ، وبكل أوامره ، وبكل نواهيه ليس شيء يندّ عن شيء : { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ } [ البقرة: من الآية85 ] .
تلك صفة أهل الكتاب الذين بدلوا وغيروا ، والذين كان إيمانهم زائغاً ، بل لم يكن إيماناً حقيقياً البتة !
الإيمان واليقين .. { إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ } [ غافر:51 ] .
هل ثمة يقين بهذا ؟ وهل هو يقين راسخ ؟ وهل له أثر في الواقع ؟ أم أنه يمر على أطراف الألسنة ، وتكاد تنكره العقول ، وتكاد تتجافاه أو تتعافاه النفوس ، والله - جل وعلا – يقول : { وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ } [ الروم: من الآية47 ].
القائل رب الأرباب ، ملك الملوك ، مَن بيده ملكوت كل شيء ، مَن إليه يرجع الأمر كله ، وبيده الأمر كله ، ويقول - جل وعلا - متفضلاً ممتناً ، وهو المستغني عن الخلق والعباد يوجب على نفسه حقا: { وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ } [ الروم: من الآية47 ] .
أفيكون الحق الذي أوجبه الحق على نفسه باطلاً ؟ حاشا لله جل وعلا !! ومن كان في نفسه ذرة شك في ذلك فليرجع إيمانه ويقينه ، وليتفقد إسلامه وحقيقة دينه ؛ فإن الأمر عظيم والخطب جليل:
{ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ } [ الصافات:،172،171،173 ] .
ما بال النصر لا تخفق راياته ؟ ما بال جند الإسلام لا يظهر علوهم ولا تبدوا غلبتهم ؟ هل في ذلك شك مما جاء في كتاب الله ؟ أم أن ثمة ضعف في اليقين وقبل ذلك كذلك مخالفة لشروط ذلك النصر؟
{ فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ } [ هود: من الآية49 ] .
العاقبة نهاية الأمر لابد أن تكون لأهل الإيمان والتقوى ، رضي بذلك من رضي وشك فيه من شك ، لكن أهل الإيمان يوقنون به ، يرونه رأي العين ، يتأكدون أنه قادم لا محالة .. قد يتأخر يومه ، قد يعظم البلاء قبله لكنه قادم لا محالة ، كما أخبر الله - سبحانه وتعالى - وكما قص علينا ، وكما بيّن لنا فيما جرى على رسله وأنبيائه صفوة خلقه - عليهم الصلاة والسلام - حتى قال أتباعهم: { مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ } [ البقرة: من الآية214 ] .
ماذا يرى الناس اليوم ؟ وما الذي يتسرب إلى قلوبهم مما يرون ؟ أليسوا يرون أصحاب الباطل والكفر أصحاب سيطرة وهيمنة ؟ أصحاب قوة وهيبة ؟ أليست لهم الكلمة العليا في المشهد السياسي ؟ أليست لهم القوة العظمى في الواقع العسكري؟ أليست لهم الهيمنة القوية في الميدان الاقتصادي؟ يتسرب اليأس إلى النفوس ، ويدب الشك إلى القلوب ، أين هذا من هذه الآيات؟ أين هذا الواقع الذي لا يرى فيه لأهل الإيمان شوكة قوية ولا راية مرتفعة ؟
ويرى الناس ويسمعون ويشاهدون القول في الأحداث التي تتعلق بأهل الإسلام وبلاد الإسلام ، ويرون التفاعلات في الشعوب ، فلا يكادون يسمعون لساناً عربياً مبيناً ، ولا وجهاً مسلماً مشرقاً ، يرون المتحدثين في أمور الأمة وأحوالها كفرة فجرة من شرق وغرب فيدب إلى النفوس يأس ، ويسري إليها شك ، ينبغي أن يكون أول العلاج هو دفعه ونفيه ورفضه ومنعه بكل الأحوال ؛ لأنه لا مجال له عند أهل الإيمان واليقين ، وليكن يقين مقابل: { إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ } [ يونس: من الآية81 ] .
إنها نظريات ثابتة قاطعة جازمة ، إنها بالتأكيد الذي تصدر بإن: {إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ } [ يونس: من الآية81 ] .
والنفي ثابت مطّرد ، ويصبح صيغة مضارع مستمرة ، والإفساد واحد في كل مذهب وملة ونحلة ، ينقلب السحر على الساحر ، ويرد السلاح إلى نحر راميه ، لابد أن يكون يقيناً بذلك ، ومن بعده عمل نتحدث عنه ، والله - جل وعلا – يقول : {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ } [ الشعراء: من الآية227 ] .
لقد قالها سيد الخلق صلى الله عليه وسلم قبل بدر عندما خرج غير معدٍّ ولا مستعد ، ثم واجه جيشاً عدده ثلاثة أضعاف عدده وعدته ، أي شيء قاله رسول الله ؟! قال : ( والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم ، هذا مصرع أبي جهل ، هذا مصرع أمية ، هذا مصرع عقبة بن أبي معيط .. ) ، فلم يخطئ واحد منهم المكان الذي عينه صلى الله عليه وسلم .
إنه اليقين بنصر الله قالها أبو بكر يوم رأى محمداً يرفع يديه ويلح في الدعاء ، حتى يسقط رداءه عن منكبيه ، ثم يقول: "حسبك يا رسول الله إن الله منجز لك ما وعد " أفليس هذا اليقين الذي نفتقده؟ أوليس هذا الإيمان الذي إذا غاب من قلوبنا لم يكن لنا بعد ذلك قيمة ولا أثر ولا وزن ولا كلمة ولا هيبة ولا عزة ؟ ينبغي أن ندرك حقائق الأمور.. { وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ } [ القصص: 5،6 ] .
أي شيء كان بنو إسرائيل ؟ وأي قوة كانت مع موسى عليه السلام ؟ ألم يكن فرعون هو فرعون القائل: { أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى } ؟
ألم يكن فرعون هو صاحب القوة والبطش والجبروت؟ لكن لما قال أصحاب موسى: { إِنَّا لَمُدْرَكُونَ } [ الشعراء: من الآية61 ] .
نطق لسان الإيمان واليقين فقال موسى عليه السلام: { قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ } [ الشعراء:62 ] .
فانفلق البحر ، ونجى موسى ، وغرق فرعون ، وذهبت قوته بجند من جنود الله عز وجل .
أولم يقل أبو بكر رضي الله عنه يوم الغار: " لو نظر أحدهم إلى موضع قدميه لرآنا "، فقال صلى الله عليه وسلم: ( إن الله معنا ) ، متى كان يقينه عظيما عليه الصلاة والسلام ؟ يوم كانت حباله بالله موصولة .. يوم كان قلبه بالله متعلقاً .. يوم كان توكله على الله صادقاً .. يوم كانت تقواه لله خالصة .. يوم كانت إنابته إليه دائمة ..
عندما يكون ذلك كذلك تتحقق الأمور : { قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا } [ التوبة: من الآية51 ] .
أفليس لنا يقين بذلك ؟ أفنظن أنه سيصيبنا أمر إذا أرادت أمريكا أو روسيا أو غيرها ؟ كلا ! والله لا يبلغ أولئك القوم شيئاً إلا بإرادة الله وقدره الذي يشاؤه لحكمة يعلمها جل وعلا .
ولننظر إلى وقائع هذا اليقين - ليس في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، بل في النخبة والصفوة الذين رباهم عليه الصلاة والسلام - في يوم الأحزاب - يوم الشدة - وقد كررنا المثل ؛ لأننا نمرّ بذات الحالة ، ولأننا نراهم يتداعون علينا ، ولأن الجيوش والجنود تحيط من كل جانب ، ولأن الأحزاب تتحزب وتتألب ، ماذا قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
{ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً } [ الأحزاب: من الآية22 ] .
ويوم قال لهم القوم : " إن الناس قد جمعوا لكم " ذكرت لنا الآيات: { الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ } [ آل عمران:173 ] .
ولم يكن ذلك في عهد الأصحاب فحسب ، بل تاريخنا ينطق بذلك ، وقد أسلفنا القول فيه ، ألم يقل ابن تيمية في معركة شقحب عام اثنين وسبعمائة ، بعد سبعة قرون من حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يبشر الناس ويثبتهم : " والله إنكم لمنصورون " فيقولون: قل إن شاء الله ! فيقول : " إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً "؛ جزما بما يرى من اليقين ، وما يظهر من الإيمان ، وما يبدو من سمت الصلاح والاستقامة ، وذلك الذي نريد .
وانتبه إلى هذا ؛ فإنه هو الذي يثبتنا بإذن الله - عز وجل - إن هذا الإيمان واليقين يثبت لنا ويعطينا عدة أمور مهمة:
أولها: الإدراك والوعي والفهم
الذي ندرك به الحقائق ؛ لإنه إن كانت للباطل جولة - بل وألف جولة - فإن جولة الحق آخرها ، وإنها جولة إلى قيام الساعة ، وإننا لندرك حينما نكون على هذا الإيمان واليقين سنة الإبتلاء: { مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْب } [ آل عمران: من الآية179 ] .
غيب الله فيه حكم ، وفيه ابتلاء عندما نكون موقنين ندرك أن هذه من صفحات الابتلاء تنقلب ويأتي بعدها النصر والرخاء : {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرا } [ الشرح:5،6 ] .
وكذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: { ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ } [ محمد: من الآية4 ] .
أفهذه القوى عزيزة أن تهزمها قوة الله جل وعلا؟ كلا ! إن رعبا في القلوب ، إن خلفاً في الصفوف ، إن ريحا تهب ، إن أرضاً تتزلزل ، إن بحراً ينشق ، إن أدنى شيء مما يجريه الله - عز وجل - يدمر كل تلك القوى ، ولكنها حكم الله - عز وجل - ينبغي أن نتأملها في الآيات والأحاديث والسنن .
ويأتينا من بعد ذلك: الثبات وعدم التراجع
وهو أمر مهم ، لا يثبت إلا مستيقن ، ولا يقف ولا يمضي في طريقه شامخ الرأس إلا مؤمن معتز بإيمانه ، ولذلك لا تستغربوا عندما ترون المواقف المخزية ؛ لأنها ليس لها رصيد من إيمان ، ولا أساس من يقين ، فأنّى نرتقب ممن خلت قلوبهم من الإيمان ونفوسهم من اليقين أن يقفوا مواقف عزة ، أو أن تكون لهم في المواجهة قوة !
ذلك تفسير واضح بدهي من خلال الفقه الإيماني في آيات الله سبحانه وتعالى.
والثالث: وهو الرجوع والالتجاء إلى الله
إن من عرف الخلل أدرك أنه لابد من الإصلاح بالرجوع إلى الله { فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ } [ الذريات:50 ] .
كل شيء تخافه تفر منه إلا الله ، إن خفته فررت منه إليه ، لا ملجأ ولا منجأ لنا منك إلا إليك .
وعجبا يرى المرء هذه الأحوال العصيبة ، وما زال الفن رافعاً راياته ، والرقص ضارب دفوفه ، وما زالت الأمة كأنما هي نائمة نوماً لا تستفيق منه ، متى سيستيقظ أولئك الغافلون ؟ هل إذا طرقت أبوابهم؟ هل إذا وقعت السقوف فوق رؤوسهم ؟ هل إذا أصابتهم البلية في أنفسهم وأزواجهم وأموالهم ؟ هل بعد هذا كله ليس هناك مدكّر ولا معتبر ولا منزجر ولا راجع إلى الله سبحانه وتعالى ؟
ومن بعد ذلك: الثقة والقوة
ثقة بالله وقوة بقوة الله عز وجل ؛ فإنه لا حول ولا قوة إلا به سبحانه وتعالى.
الأمر الثاني: الإصلاح والاستقامة
وهو أمر بدهي ، ونتيجة تلقائية للإيمان واليقين ، ألم نقل إنه يجعلنا نعي وندرك ؟ ألم نقل إنه يجعلنا نرجع ونلتجئ ؟ ألم نقل إنه يجعلنا نثق ونتقوى بالله ؟ إذاً أصلح حالك وحال أهلك ، وحال مجتمعك .. أصلح قلبك ونفسك ، أصلح فكرك وعقلك ، أصلح منطقك وقولك ، أصلح حالك وعملك يصلح الله - عز وجل - كل شيء من حولك ، وقد جعلها الله - عز وجل - أسبابا منوطة بأخرى : { إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ } [ محمد: من الآية7 ] .
أين نصر دين الله؟ أين هو في واقع حياتنا نحن الأفراد ؟ لا تنظروا إلى الأمم لا تنظرو إلى الحكومات انظروا إلى ذوات أنفسكم هل أقمتم الإسلام في نفوسكم ؟ هل جعلتموه سمة ظاهرة في بيوتكم ؟ من هي تلك المرأة المتبرجة؟ من هو ذلك الشاب الضائع؟ ما هي تلك المنكرات الظاهرة؟ ما هي تلك الكلمات الفاجرة؟ من أين تصدر في مجتمعاتنا وأممنا؟ إنها مني ومنك ، ومن هذا ومن ذاك ..
ونحن نعلم أن المعاصي حاجبة لرحمة الله مانعة لتنزل نصر الله ، ما يدريك - وهذا حق ويقين - أن تبرّج تلك المرأة ، وأن تسفل ذلك الشاب من أسباب تأخر النصر ، ومن أسباب تسلط الأعداء: { أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُم } [ آل عمران: من الآية165] .
{ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاس } [ الروم: من الآية41 ].
كل كلمة نابية مخالفة لشرع الله ، كل منكر مرتكب مخالفاً لما حرم الله ، كل واجب متروك ممتنعا فيه عن الاستجابة لأمر الله هو من أسباب هذا التأخير للنصر ، ومن أسباب هذا الوهن في الأمة ، ومن أسباب تضييع النصر ، وتأخر التمكين ، وتسلّط الأعداء ويقول القائل: وماذا عساي أن أفعل؟ ولإن قال كلٌّ كذلك فنقول له خذ آيات القرآن:{ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ } [ المدثر:38 ].
ونقول له: { إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً } [ الإسراء: من الآية36 ].
ونقول له: { مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } [ قّ:18 ] .
هل هذه تنوب عنك فيها الحكومات؟ أم يحملها عنك العلماء؟ أم يخفف وطأتها في حسابك الدعاة؟ إنك مسؤول بين يدي الله : (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه كفاحاً ، ليس بينه وبينه ترجمان ، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم ، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم ، وينظر أمامه ، فإذا النار تلقاء وجهه ، فاتقوا النار ولو بشق تمرة ) .. ( يافاطمة بنت محمد اعملي ، فوالله لا أغني عنك من الله شيئاً ) ..
كلٌّ مسؤول ، وهذه قضية مهمة ، وهي مبدأ الطريق ، ومفتاح الإصلاح والاستقامة ( لا يكن أحدكم إمعة يقول : إن أحسن الناس أحسنت وإن أساؤوا أسأت ، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساؤوا أن تجتنبوا إساءتهم ) لمَ نكون مع الناس ؟ لمَ نلغوا مع اللاغين ؟ ونخوض مع الخائضين ؟ ولا يكون لنا ممانعة نسلم بها أنفسنا ، ونقوم بها بواجبنا تجاه أبنائنا ؟
إن شخصيتك إن كانت قرآنا يتلى ، وإن زوجتك إن كانت نموذجاً أمثل ، وإن ابنك إن كان تربية إسلامية صحيحة ، إن هذا كله يصب في خدمتك لأمتك ، ويصب في قيادتك لهذه الأمة .
ونحن نرى أحوالاً كثيرة ، كم هناك من خلل بين الأزواج والزوجات؟ كم من ظلم وبغي وتسلط بغير حق من الأزواج على الزوجات؟ وكم من تفريط وتقصير في حق من الزوجات إلى الأزواج؟ كم من عقوق من الأبناء للآباء ؟ وكم من تفريط وتضييع من الآباء للأبناء ؟ وكم من معاملات زائغة ؟ وكم من انحرافات فاجرة ؟ وكم .. وكم .. وكم .. ثم بعد ذلك نسأل : أين نصر الله ؟ ونسأل :لمَ يتسلط علينا أعداء الله ؟
وهذا مما ينبغي لنا أن نتأمله ، وأن نتدبر فيه ، وهذا هو الأمر المهم الذي نحتاجه ولابد لنا منه ، لا نريدك أن لا تكون إمعة ، بل نريدك أن تكون قائداً وزعيماً في الخير والحق ، والدعوة والإصلاح ، انفث في القلوب قوة وعزيمة ، ارشد العقول ببيان وتعليم ، حرّك الهمم والعزائم بأمثلة مضروبة لم لا يكون أحدنا كما قال الله - عز وجل - في دعاء عباده: { وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً } [ الفرقان: من الآية74 ] .
كل منا لو كان قائداً في الحق ، ولو كان رائداً في الخير ، ولو كان سابقاً إلى المعالي لوجدنا هذه الروح وهي تلتهب والمنافسة ، وهي تشتعل والهمم ، وهي تعلو نحو التشبث بمرضاة الله ، وإصلاح أحوالنا وكلٌ مسؤول.
الخطبة الثانية
أما بعد أيها الاخوة المؤمنون :
أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله ؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه.
وثالث الأمور التي نتحدث عنها والمقام لا يتسع لها : العمل والإعداد
فإن الصلاح والاستقامة في ميادين العمل الذي يصلح به المرء نفسه في عبادته وطاعته ، وأما العمل والإعداد فعلى مستوى الأمة وهو الأمر الرباني : { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُم } [ الأنفال: من الآية60 ] .
قال ابن كثير: " مهما أمكن ، والمقصود بذل أقصى الطاعة والقوة المقصود بها كل ما يتقوى به على العدو " .
{ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ } ،قال الطبري: " تخزون به عدو الله " ، وقال ابن كثير: " تخوفون به عدو الله " ، وقال غيرهم: " الخوف مع الاضطراب هو حقيقة ذلك الإرهاب ".
{ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ } ، أي كل أعداء الإسلام ، وقد قيل لعنترة : بم نلت هذه الشجاعة حتى صار ذكر اسمك يرعب القلوب ؟ قال : " كنت أعمد إلى الرجل الرعديد الجبان فأضربه ضربة قوية ينخلع لها قلب الكمي الشجاع " ، فهناك يكون الامتثال والاعتبار بالأول لمن وراءه .
ولذلك ذكر الرازي - رحمه الله - في هذا الإرهاب الإسلامي المطلوب قرآنيا وجوهاً من الفوائد والمنافع:
أولها: ألا يجترئ الأعداء على ديار الإسلام
ومتى كان لهم في ذلك حلم لو كان هناك أهل إيمان وإسلام وأهل قوة وهيبة ولذلك نقول هذا.
وأيضاً - كما قال الرازي رحمه الله – أيضا : أنه ربما يقودهم الخوف إلى الإذعان من غير قتال ودفع الجزية مهادنة ومصالحة.
وهذه القوة والإرهاب قد تكون داعية لهم إلى الإيمان ؛ لأنهم يرون أصحاب الأيمان وهم أهل قوة وأهل بسط وأهل هيمنة وأهل عزة فيرون أن هذا ما يكون إلا لخير في هذا الدين فيؤمنون به.
وكذلك من الفوائد أنهم لا يعينون غيرهم من الكفار إن كانوا قد امتنعوا بأنفسهم ؛ فإن الرهبة من أهل الإيمان تمنعهم أن يكونوا سندا لغيرهم وقد كان ذلك كذلك في عصور الإسلام الزاهية.
ومن ذلك أيضا: الزينة في أهل الإسلام - كما قال الرازي - أن يثبت الإيمان في القلوب ، وأن يعتز المسلمون بإسلامهم .
اليوم والأحوال منقلبة ، والقوة ضائعة ، والرهبة لا وجود لها ، ترى كثيراً من المؤمنين وهم مطأطئين لرؤوسهم ، وهم يشعرون بشيء من الإحتقار والذلة لعدم يقينهم وإيمانهم الصحيح ، وعدم فهمهم ووعيهم التام ، لكن ذلك واقع في حقيقة الأمر .
ولذلك ينبغي لنا أن ننتبه إلى هذا الإعداد والقوة التي تؤمن المختارين لهذا الإسلام فلها فوائد عديدة أهل الإسلام والإيمان من يحمي بيضتهم؟ من يذب عن أعراضهم؟ من يمنع تدنيس مقدساتهم؟ من يحفظ أرواحهم وأموالهم؟ قوة الإسلام والإيمان.
الأمر الثاني: إرهاب أعداء الله عز وجل.
الأمر الثالث: أنها إقعاد عن مواجهة دعوة الإسلام
فإذا عرف الناس قوة الإسلام تركوا له الطريق يمضي ، وإذا به يغزو القلوب بالحق واليقين والبرهان لا بالقوة والعنف والسنان كما يزعمون ، وإذا بنا أيضا نجعل القوة في آخر الأمر تحطيما للقوى الباغية الظالمة الجائرة التي تصد عن دين الله وتتسلط على خلق الله ، وتظلم عباد الله ، وحق لأهل الإسلام أن يتولوا ذلك ، وأن يكونوا أهله ، فذلك هو شأنهم ، وذلك هو سمتهم ، وذلك هو فرضهم وواجبهم ، ولقد قالها ربعي بن عامر في كلماته التي تحفظونها يوم خاطب القوى العظمى في زمانه : " جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة " .
واليوم نعرف أنه عالم القوة أي شيء يتحدث اليوم؟ هل هو العدل؟ كلا هل هو المنطق؟ كلا هل هو القوانين؟ كلا هل هي الإنسانية؟ كلا ! إن الناطق اليوم - شاء الناس أم أبوا - هو القوة ، والقوة وحدها ، فلا قول ولاكلمة إلا لصاحب قوة ، فينبغي لنا أن نعزز هذه الأسباب ، والأسباب من سنن الله عز وجل فينبغي الأخذ بها معنوياً ومادياً.
{ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً } [ مريم:25 ] .
أمرت مريم امرأة ضعيفة حامل في وقت المخاض أن تهزّ جذع نخلة ، وما عسى أن تهز فيه ؟ لكنها أخذت السبب وجاءت النتيجة من الله - سبحانه وتعالى - والنبي قال: (اعقلها وتوكل) ، وهو - عليه الصلاة والسلام - ضرب المثل في هجرته ، فأخذ للأمر عدته وأهبته وتخطيطه الكامل التام ، ثم جاءت بعد ذلك عناية الله - عز وجل - لتجبر كل نقص في تدبير المسلم وكل خلل فيما أعده من الأسباب ، وذلك هو الذي نرتقبه ونأمله ، أما بلا إيمان ويقين وبلا صلاح واستقامة وبلا عمل ولا إعداد ؛ فإن سنن الله ماضية لا تحادي أحداً ، وإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان أولى خلق الله بأن تنكسر أو تتخلف سنن الله عز وجل في حياته ، ولكن لما خالف بعض أصحابه يوم أحد دارت الدائرة ، وشج وجهه ، وسال الدم على جبهته ، ودخلت حلقتا المغفر في وجنتيه عليه الصلاة والسلام ، فلئن كان ذلك كذلك مع سيد الخلق - صلى الله عليه وسلم - فكيف بمن دونه ممن هو بعده.
المراجع
موسوعة اسلاميات
التصانيف
عقيدة