كتب: د. علي بن عمر بادحدح
20 يوليو, 2009 - 28 رجب 1430هـ
 

الخطبة الأولى

 
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون :
في فقه الأزمة والفتنة نواصل حديثنا ، وأسلفت غير مرة أن منبر الجمعة ينبغي أن يكون له دوره البارز ، لكن على منهجية صحيحة ، وبلغة واضحة فصيحة ، وبأسلوب منهجي حكيم ، ليس فيه مزايدات سياسية ، ولا مهاترات إعلامية، ولا مغالطات من هنا أو هناك ..
 
ومن هنا ؛ فإنما سأذكره أمر يفيدنا في حياتنا العامة كلها ، وفيما قد يمر بنا أفراداً من مشكلات أو معضلات ، في دوائرنا الضيقة الخاصة ، كما أنه من باب أولى يفيدنا فيما يحيط بنا كمجتمع ، وما يحيق بنا كأمةٍ ونحن نرى تكالب الأعداء من كل حدب وصوب ، وتوجّه سهامهم في كل ميدان ومجال ، وحصول كثير من الأمور المؤلمة المحزنة سواء ما كان ذلك مادياً محسوساً بانتهاك العرض ، أو استلاب الأرض ، أو احتلالها ، أو غير ذلك .. أو ما كان معنوياً فيما تعلق باختراق الأفكار ، وإثارة الشائعات ، وكثرة الشبهات ، ونحو ذلك فلعلنا في أضواء كتاب ربنا ، وفي ضلال سنه نبينا صلى الله عليه وسلم ، وعلى أرضية تاريخنا المشرق والوضيء ، ومن خلال واقعنا الذي نتأ مله بكل هذه المعاني والمعالم أن نتلمح طريقناً ، واضحاً ، نافعاً ، مفيداً ، بإذن الله عز وجل .
 

أولاً : التثبت والتبيين

فهذا معلم واضحاً في منهج الإسلام لا ينبغي تعجل لا تستجلي في الحقيقة ولا رد فعل تغيب فيه الإثباتات في أي أمر من الأمور صغيرها وكبيرها .. { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } .
 
وكم من خبرٍ في أمورنا الخاصة وحياتنا الشخصية تلقيناه دون تمحيص ورمينا آخرين بتهم وجزلنا بوقوعهم في الخطاء ثم تبين من بعد أننا لم نعي ما سمعنا ، وأننا تجاوبنا مع عواطفنا ومشاعرنا دون أن نتثبت على وفق المنهج القرآني .. { قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين } .
 
وفي حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم عند البخاري في الأدب المفرد : ( بئس مطية الرجل زعموا ) ، تسأله ما حجتك في ذلك : " سمعتهم يقولون " ..
 
وكالة يقولون وكالة مذمومة في كتاب الله عز وجل { ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله } .
 
وتلك فدية عظيمة من لم يكن في كل أمره متثبتاً متبيناً ؛ فإنه يوشك أن تكون حالته دائماً أنه صحيفة لكل من شاء أن يكتب فيها خبراً صادقاً أو كاتباً قضيةً صائبةً أو خاطئة فهو حينئذٍ كما وصف الله - عز وجل - أهل النفاق {
 
والذين في قلوبهم مرض إذ تلقونه بألسنتكم } .
 
فهم يتلقون بآذانهم وأسماعهم ، لكنهم يمرون ذلك على عقولهم ، ولا على مناهج التثبت والتمحيص فينطقون به بألسنتهم ..
 
ولعل حادثة الإفك وهي شأن لم يكن خاصاً برسول الهدى - صلى الله عليه وسلم - بل عمّ مجتمع المسلمين وكان حدثً من أشد ما مر بهم من الفتنة ، والأزمة ، وشيوع الشائعات ،وكثرة القالات .
 
ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : وأي شيء فعل
 
مما روته عائشة كما في صحيح مسلم مواقف وغمضات ، قالت : جاء إلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم – فقال : أما بعد يا عائشة ؛ فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا ؛ فإن كنت بريئة فسيبرئك الله - عز وجل - وإن كنتِ ألممت بذنب فاستغفر الله وتوبي إليه ؛ فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب تاب الله عليه .
 
رجع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى عائشة يسألها ويستثبت منها ، والأمر كان جد عصيب ، ولم يكن في نفسه - عليه الصلاة والسلام - شك وريبة لكن الأمر وقد تعلق به أراد أن يقطع قطعاً جازماً ، وأن يبين بياناً يخرس الألسنة ، ثم كان له من بعد - عليه الصلاة والسلام - مواقف أخرى ، وأسئلة من هنا وهناك ، ثم رقى المنبر وقال : من يعذرني من رجل تكلم في أهلي ، حتى اختلف الحيان من الأوس والخزرج فسكنّهم وأسكتهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى تنزلت البراءة من فوق سبع سماوات جازمةً ، قاطعةً ، ناصعةً ، شاهدةً ، ببراءة الصديقة بنت الصديق - رضي الله عنها - وليس المقام مقام إفاضة وإنما أريد أن نأخذ هذه القضايا في أصولها وفي عناوينها ودلالاتها فحسب .
 

ثانياً : العدل والإنصاف

وما أدراك ما العدل والإنصاف أمر عزيز ، ثقيل ، لا تطيقه إلا النفوس المؤمنة الخالصة ، المخلصة ، إذ في النفوس من الأهواء ، ومن شوائب البغضاء والعداء ، ما يحملها على ظلم من تخالفه بل على الظلم أحياناً بصورة عامة إذا كانت تريد تحصيلاً لمصلحتها أو تحقيقاً لمنفعتها
 
والله - جلّ وعلا - يقرر تقريراً عظيماً في هذا الدين { إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى } ، ذلك هو أمر الله بالعدل على إطلاقه في كل حال ، ومع كل أحد ، وتحت كل ظرف ، فإن العدل قيمة مطلقة وهو من أسس هذا الدين ، ومن أخلاقه العظيمة ، ومبادئه الرائعة البديعة ، ومن هنا جاء قول الحق سبحانه وتعالى : { ولا يجرمنكم شنئآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى } .
 
لا يحملنكم بغض قومٍ على أن تظلموا وتحيفوا عليهم ولو كانوا من الأعداء ومن غير المسلمين ، فكيف بغيرهم من المسلمين ؟
 
وذلك أمر مهم ؛ فإن أحوال الفتن والأزمات تثير الضمائر ، وتشعل نيران الأحقاد ، فمن لم يكن له نفس مؤمنة ، وعقل راجح ؛ فإنه يتحرك ويندفع مع أهوائه ويقع في الظلم الذي حرمه الله - عز وجل - كما ورد في حديث أبي ذر - القدسي - عن رسول الهدى صلى الله عليه وسلم عن رب العزة والجلال : ( إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرم فلا تظالموا ) .
 
وكم من قضية تستطيل فيها الألسنة ! وتتحرك فيها الأهواء لتكون حينئذٍ ظلماً محضاً ، ولننظر مرة أخرى إلى مواقف خلّص من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ..
 
في تلك الحادثة - حادثة الإفك - وفي هذه الرواية عندما سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - المقربين منه ، قالت عائشة في روايتها : فأما أسامة فأشار بالذي يعلم من براءة أهله فقال : يا رسول الله أهلك ولا نعلم إلا خيراً ، وأما علي - رضي الله عنه - فقال : لم يضيّق الله عليك والنساء سواها كثير ، وإن تسأل الجارية تصدقك ، فسأل النبي بريرة - جارية عائشة - فقالت رضي الله عنها : والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمراً أغمسه عليها إلا أنها كانت جارية حديثة السن تعجن العجين فتنام عنه فتأتي الداجن فتأكله ..
 
أولئك قوم لم يكن لأحد منهم أن يحكم ولا أن يجور في حكمه بل حموا أنفسهم ، وتوقفوا عند حدودهم ، وأحسنوا ظنونهم .. ورحم الله أبا أيوب الأنصاري عندما نقلت له أم أيوب ما يقال ويشاع ، فقال : يا أم أيوب أكنتِ فاعلة
 
قالت : لا والله ، فقال : فلعائشة خيرٌ منكِ ، ولرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيرٌ مني .
 
ذلكم هو الإنصاف والتدرج ، أن تضع نفسك موضع من أرسلت عله سهام التهم بغير بينة أو برهان ، وأن تتحرى أن لا تكون مجرماً ، معتدياً ، حتى وإن كان المخطئ قد وقع في خطئه وثبت خطئه ؛ فإن حكمنا عليه ينبغي أن لا يتجاوز حدود الخطاء وإلا كنا عادلين فيما حكمنا عليه من خطئه وجائرين فيما زدنا عليه مما لم يثبت له وذلك هو الأمر الذي لا بد منه .
 
ومن روائع ذلك العجل والإنصاف الذي لا يكون إلا مع شدة التحري والإيمان والورع ما كان من أم المؤمنين زينب ، وما أدراك ما زينب ! تقول عائشة عنها هي التي كانت تساميني من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم – أي هي المنافسة التي قد يكون بينها وبينها شيء - فسألها النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت : يا رسول الله أحمي سمعي وبصري ، والله ما علمت إلا خيراً ..
 
لم تنتهز فرصةً لتشفي غليلاً ، ولن تستجب لهون قد يكون داعياً في النفس بطبيعته لمن ينافس أو يكون في ذات المرتبة .
 
قالت عائشة رضي الله عنها : " كانت هي التي تساميني من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم فعصمها الله بالورع
 
، وأما أختها - وهي حمنة بنت جحش - فخاضت وكانت تحامي وتسامي عن أختها فهلكت فيمن هلك " .
 
فانظروا صاحب الشأن ترفع واستعلى ، وعدل وأنصف ، وتورع وأخلص ، وغيره فاته ذلك فوقع وأخطأ وجار في حكمه وذلك ما ينبغي أن نتنبه له .
 

ثالثاً : الإخلاص والتجرد

فإن الأزمات يتأكد فيها الإخلاص لله عز وجل والتجرد من المصالح والمنافع الذاتية ، والارتباط بمصالح الأمة والمصالح العامة ؛ فإنه من غير المقبول مطلقاً أن يكون هناك أتباع لأهواء النفوس ؛ لتحصيل المكاسب أو لأخذ المنافع الذاتية وفوق ذلك إغضاء ، وإعراض ، عما قد يترتب على ذلك من مضرة في المصالح العامة فلا بد من الترفع عن الأهواء ، والبعد عن حب الظهور ، والابتعاد عن الانتصار للنفس ، والتشفي وكم في مواقف الصحب الكرام - رضوان الله عليهم - ما يدل على سمومٍ في هذه المعاني .
 
ولعل ما أثر عن علي ابن أبي طالب - رضي الله عنه - في معركة وقتالٍ مع الأعداء ليس في حال من حالات السلم أو السكون وقد أوشك أن يعلوا بسيفه على رجل من أهل الشرك فسبه وبسق في وجهه فأمسك علي سيفه وتركه
 
لما قال خشيت أن أنتصر لنفسي فلا أكون قتلته ابتغاء مرضاه الله عز وجل .
 
تلك النفوس التي ترتفع عن الانتصار لذاتها ، والتشفي لمتطلبات أهواء نفوسها ، وذلك ما ينبغي أن يكون .. فكم من مخالف تختلف معه في قضية شخصية ثم تأتي فرصة فإذا بك كأنما تنتقم منه ! متخطياً العدل والإنصاف متناسياً التثبت ولتبين مندفعاً مع حب الانتقام أو مع تصفية الحسابات وحينئذٍ تختلط الأوراق ، وتعظم الفتنة ، وتتكاثر أسباب الأزمة ، لأنه تغيب حينئذٍ الحقائق مع مثل هذه الأمور .
 
ومن ثم - أيها الأخوة الأحبة - لا عصمة إلا بالإيمان ولا وقاية إلا بخوف الرحمن ، ولا يمكن أن يسير الإنسان في هذا الحقل من الأشواك بما فيه من أهواء النفوس ، ووساوس الشياطين ، وقرناء السوء ، وتسلط الأعداء ، إلا أن يعصمه الله - سبحانه وتعالى - باستمساكه بكتابه واعتصامه بسنه رسوله صلى الله عليه وسلم .
 
ألسنا نعرف من مواقف النبي - صلى الله عليه وسلم - الكثير التي ترك فيها ما هو لنفسه ، وما هو حق ، له إرادة المصلحة العامة وإرادة الخير للأمة ، بل قد فعل ذلك أصحابه - رضوان الله - عليهم فترفعوا عن مثل هذا ، والأمر -كما قلت - يطول فيه الحديث ومن بعد .
 

رابعاً : المصارحة والمناصحة

فإنه لا بد في أوقات الأزمة والفتنة أن تكون مصارحة مبنية على الحقائق ، ومناصحة تترجم الحرص على المصلحة العامة ، وقد أخبرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث من جوامع كلمه قدر النصيحة في دين الله عز وجل : الدين النصيحة ، قلنا : لمن يا رسول الله ؟ قال : لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم .
 
وهو حديث عجيب جدير بتأمل ومعرفة دلالاته .. النصيحة لله - عز وجل - ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم ، فهل بقيت دائرة تخرج عنها هذه النصيحة ولا تشملها ؟ فأين التناصح بالإخلاص وقول الحق بالأسلوب والمنهج الحكيم ، الذي يحقق المنافع والمقاصد ، ولا يكون مثيراً لغير ذلك مما يعارضه أو يناقضه .
 
ونحن نعلم كيف كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يطبّق ذلك ويطبقه أصحابه ويعلنون الحق ، ويبرزون الصدق ، خاصةً في المواقف العصيبة مع كل الأدب والاحترام ومع كل الحكمة ووضع الأمور في نصابها أليست غزوة الأحزاب كانت شدة من أعظم الشدائد ، ومحنه من أقصى المحن في ذلك الأتون الذي مر بالنبي - عليه الصلاة والسلام - والصحابة مع شدة خوف وجوع وبرد ، ثم جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - يريد أن يخفف فأراد مقترحاً أن يعطي لغطفان ثلث ثمار المدينة حتى يرجعوا عن الأحزاب ويتفكك هذا الجمع الغفير من الأعداء ، فسأل واستشار - عليه الصلاة والسلام - السعدين سعد بن معاذ ، وسعد بن عبادة ، فماذا قالا ؟ بكل الأدب وبكل الفقه : أوحي يا رسول الله أم أمر تراه لنا ؟ إن كان وحياً فهو موضع التسليم لا الاعتراض ، ولا رأي ، ولا نقاش ، فذلك الذي تخضع له الرقاب وتمتثل له الأمة المسلمة ، وأما إن كان رأياً تره لنا ، قال : بل رأي أراه لكم ، فصدقوه القول وصارحوه ، وقالوا : يا رسول الله كنا وهؤلاء في جاهلية وكفر والله ما يطمعوا منا بتمرة إلا شراءً أو قرا ، أفبعد أن أكرمنا الله بالإسلام ، وأعزنا بك نعطيهم ثمارنا ! والله لا نعطهم إلا السيف . فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم برأيهم ومشورتهم .
 
ينبغي أن نخلص النصح والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد جعل ذلك في البيعة للإسلام ، كما ورد في الحديث الصحيح من حديث جرير بن عبد الله البجلي قال : بايعت النبي - صلى الله عليه وسلم - على الإسلام ، فزادني والنصح لكل مسلم .
 
لماذا إذا رأينا المخطئ لم يكن عندنا إلا سهام الاتهام والإغلاظ والجفاء دون أن نخلو به دون أن نكون فيما بيننا وبينه وإن قررنا خطأه وإن ثبت جرمه قلنا له عد إلى الله ، وتذكّر الله ، وارجع فإن أبواب توبة الله - عز وجل - مفتوحة ، وذلك ما يعين على تلاف كثيرٍ من الأخطاء وعدم التمادي فيها ، وذلك ما سيحكم أيضاً بإحكام وأمرٍ آخر أذكره وهذا أمره يطول .
 

خامساً : المرابطة والمواجهة

وهي أمرً مهم ؛ فإننا اليوم على مستوى الأمة الإسلامية جمعاء ، وعلى مستوى هذه البلاد والمملكة خصوصاً مستهدفون بالعداء ، لا يحتاج ذلك إلا برهان ، ولا يحتاج إلا تفصيل وبيان ، ونحن نعلم الاستهداف فكرياً ، ومنهجياً ، وتعليمياً ، واجتماعياً ، وسياسياً وكل ذلك ظاهر ، بين ، معلنٌ ، فكيف حينئذٍ لا نلتفت إلى أننا مرابطون على ثغور الإسلام لأن هذا البلد هو بلد الإسلام فيه نشأ ومنه انطلق ولا يزال في أصل بلاد الحرمين هذا الإسلام وإعلان تطبيق شريعته ، وإظهار معالم شعائره ، وشرائعه ، والانتداب لذكره ، ونشره ، والدعوة إليه ، ثم بعد ذلك ننشغل عن هذا الهجوم الشرس بما قد يكون أدنا منه وهذا من فقه الأولويات الذي ذكرته من قبل لا بد أن ننتبه إلى الخطر الأعظم ، فلا نغفل عنه ونعطيه من الالتفات إليه ، ومن المواجه له ومن المرابطة لعدم اختراقه لصفوفنا ما يستحق .
 
ولعلي هنا أنقل نقلً واحداً في ومضة سريعة لمسئول من المسئولين في تلك البلاد والدول المواجه والمعلنة لهذا العداء ، يقول : " لدينا إستراتيجية غاية في البساطة ، فنحن نريد في المنطقة نظم موالية لنا ، ثم إننا نريد ثرواتها بلا منازع ، فنحن نريد ضماناً نهائياً لأمن إسرائيل ؛ لأنها الصديق الوحيد الذي يمكن الاعتماد عليه " ، فنحن نقول لا ينبغي أن ننسى في أي وقت وتحت أي ظرفٍ ما يحيط بديننا ، وأمتنا ، وبلادنا ، ومجتمعنا ، من هذا العداء الذي يبرم أمره كل ليلٍ وكل نهار وتتوالى أحداثه وتتوالى إعلاناته وتظهر ملامحه في كل ميدان ومجال ، وهي قضية مهمة لا بد من الانتباه لها وعدم نسيانها بحال من الأحوال .
 

سادساً : الوحدة والاجتماع

فإنه مهما كان من أمرٍ فإن الذي أشرت إليه من وجود الوحدة الجامعة والولاية الشرعية المجمع عليها والمنعقدة والمنتظمة التي لا يصح الخروج عنها ولا الانفلات منها ، وقد أشرنا إلى أدلة ذلك الشرعية وإلى الأضرار والمفاسد المترتبة عليه ، فينبغي حينئذٍ أن لا نتبادل الاتهامات ، وأن لا نسمح للاختراقات أن تشقق أو تفتت وحدتنا ، وأن تزايد على لحمتنا وأن تمس أصل اجتماعنا وأتلافنا على أصل ديننا وعلى أصل ولايتنا ، بحيث لا يكون هناك أثر لذلك .
 
والأمر من بعد ومن قبل أوسع وأعظم من أن تحيط به كلماتنا في هذا المقام - وللحديث بقية نتمها - ولكني أحب أن أؤكد - معاشر الأخوة - أنه لا بد لنا في كل أمر من أمورنا الخاصة والعامة الصغيرة ، والكبيرة ، أن يكون مرجعنا كتاب الله ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وأقوال الأئمة من العلماء قديمهم ، وحديثهم والاسترشاد بالآراء والتوجيهات التي ترتبط بذلك وتنطلق منه ومن قبل ذلك ومعه كذلك الاستجابة والطاعة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين ولولاتهم { يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله ولرسول إذا دعاكم لما يحييكم } .
 
وكذلك ما نعلمه من هذه المعاني التي نحتاج إليها ، نسأل الله - سبحانه وتعالى - أن يحفظ على أمة الإسلام أمنها وأمانها وأن يحفظ عليها وحدتها وقوتها وأن يعيد إليها قوتها وعزتها .. نسألك اللهم لهذه البلاد المقدسة الطاهرة أن تحفظ عليها أمنها ، وأمانها ، وإسلامها ، وسلامها ، ورزقها ، ورغد عيشها ، وألفتها ، ووحدتها ، ونسألك اللهم أن ترد عنا كيد الكائدين ، وشرور المعتدين ، وفتنة الفاتنين ، برحمتك يا أرحم الراحمين ، أقول هذا القول وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم ..

الخطبة الثانية

 
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون :
أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله ؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه ، فاتقوا الله في السر والعلن واحرصوا على أداء الفرائض والسنن ، واجتنبوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، واجتنبوا كل ما شاع وظهر من الفتن ، نسأل الله - عز وجل - أن يسلمنا منها ، ثم كذلك - أيها الأخوة - أمران أختم بهما وأعرج على صور تناقض كثيراً مما ذكرناه .
 

سابعاً : الإعلام والإحكام

والإعلام اليوم هو الذي يسمعه الناس ويرونه يقرؤونه مكتوباً على الصحف ، ويشاهدونه على الشاشات ، ويسمعونه من الإذاعات ، ولذلك فهو مصدر من المصادر الأساسية ، بل يكاد يكون عند كثيرٍ من الناس هو المصدر الأول لمعرفة المعلومة وتحليلها وما ورائها وغير ذلك .
 
ومن هنا تأتي مسؤولية الكلمة ، ومسؤولية الإحكام في الحديث عن الأمور كلها ، وخاصة في الأحوال التي تكون فيها التباسات واشتباهات ، ومن هنا ندرك عظمة الكلمة في منهل الإسلام { ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد } .. { إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً } .
 
وفي حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم : ( إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها من سخط الله لا يلقي لها بالاً تهوي به بنار سبعين خريفا ) .
 
وفي حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - عند البخاري ، الرجل يتكلم بالكذبة يطيرها عنه الناس ، أخبر - عليه الصلاة والسلام - أنه هو المعذب بكلاليب تؤتى بفمه ثم تشقه إلى آخر شدقه ثم يعود كما كان .
 
ومن هنا لا بد لكل أحد في كل دائرة من دوائره - حتى في أسرته وفي دائرة قرابته - أن يحرص على الانتباه لهذا والدقة فيه ؛ فإنه قد يكون أمران متناقضان أو متباعدان والوسط بينهما هو الحق فثمة مبالغة في التهويل أو مبالغة في التهوين وليس ذلك مطلوباً ، ولا هذا مرغوباً ، بل ينبغي الحرص على الحقائق ، وليس كذلك كل ما يعلم ويقال فإن من الأمور ما ينبغي إخفائه أو عدم التصريح به لأن لا يتسبب في أمور من البلبلة أو غير ذلك وهذا رسول الهدى صلى الله عليه وسلم عندما بلغه في ذلك الموقف العصيب في يوم الأحزاب بلغه نقض بني قريظة للعهد ، فلم يقبل الخبر على عواهنه بل أراد تثبتاً وتبيناً ، فأرسل السعدين ؛ ليستجليا له الخبر ، ثم قال : إن علمتما خيراً فأذيعا - إن كان الأمر أن القوم على عهدهم فانشروا ذلك وأذيعوه وبثوه في وسائل الإعلام ؛ ليثبت القلوب ، ويرفع الروح المعنوية ، ويزيل البلبلة - وإن كان غير ذلك فالحنوا لي لحناً لا يعرفه غيري - قولوا قولاً ليس صريحاً ، لا يفقهه سواي ؛ حتى لا تشاع أو حتى لا يذاع الخبر فيكون سبباً في شيء من إضعاف المعنويات أو في شيء من الخوف أو نحو ذلك - فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : عضل والقارة - ذكروه بأخبار بعض من سلف من الغادرين - فقال النبي عليه الصلاة والسلام : ( الله أكبر ، أبشروا يا معشر المسلمين ) .
 
أراد أن يطمئن النفوس والقلوب وإن كان قد أخذ بالأسباب ، ولن يغب عنه ما ينبغي أخذه في مثل هذا الأمر ، لكنه كان يدرك - عليه الصلاة والسلام - كيف ينبغي أن تبث الأخبار وأن تنشر الوقائع ، كما نرى أحياناً في وسائل الإعلام في بعض ما يحصل من الجرائم والفواحش ويذكرون قصصها ، وتفاصيلها ، فيكون في بعض الأحيان أثر ذلك من الناحية السلبية أكثر من الإيجابية فتهون المعاصي في نفوس الناس ، وتجرؤهم عليها ، وقد تبين لهم سبلها ، وذلك ما يقولونه أو ما يقوله الإعلاميون والتربويون والنفسيون فيما تبثه الوسائل الإعلامية من الأفلام الإجرامية والعنفية وغير ذلك ، فينبغي أن نراعي ذلك وأن نلتفت له .
 
ولا بد من الدقة في استخدام المصطلحات ، وتحرير محل النزاع وعدم إطلاق الكلمات التي لها دلالات مختلفة دون تعيينها وتحديدها ، حتى لا يحصل من ذلك ما يكون فيه أثر غير محمود .
 

ثامناً : الشرع والردع

هو الأساس الذي ينبغي أيضاً تحكيمه وإحكامه ؛ فإن إقامة شرع الله - عز وجل - أمراً لا بد منه ، فكل من وقع في إثمٍ أو اقترف ذنباً ، أو ارتكب كبيرةً ، أو اجترأ جريرةً ؛ فإنه إن استوفي حكمه بقضاءٍ وثبت عليه ما عليه ، فإن حكم الشرع يأخذ طريقه ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : ( ‏تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغنى من حد فقد وجب‏ ) .
 
فإذا بلغ الأمر إلى الوالي والحاكم الشرعي ؛ فإنه لا مجال حينئذٍ إلا تمحيص البينات ، وتحقيق القضايا ، ثم إقامة الأحكام .
 
والردع في منهج الشرع أوسع من إقامة الأحكام ، فالحدود الشرعية في السرقة والقتل والزنى وغيرها هي من العلاجات التي تحسم مادة الفتن والجرائم ، لكنها ليست وحدها ؛ فإن الإيمان قبلها ، وإن تنمية الرقابة الله - عز وجل - والخوف منه ، والحياء منه ، والنظر إلى العواقب في الآخرة ، وغير ذلك من الأمور التربوية والاجتماعية هي أيضاً من أساليب الردع .
 
و أختم بقضية مهمة وهي :
 

تاسعاً : التربية والتهيئة

فإن التربية في المنزل وفي المدرسة وفي الشارع هي التي بإذن الله - عز وجل - كانت على المنهج الصحيح وقتنا كثيراً من الشرور وكانت على مبدأ الوقاية خير من العلاج ..
 
تركنا أبنائنا لا نعلمهم ، لا نربيهم ، لا نلفت نظرهم من لأخطاء ، لا نحذرهم من المشكلات ، ثم ذهبوا إلى دور العلم فلم يجدوا من التربية من المعلمين توجيهاً وتنبيهاً وتذكيراً ، ولفت نظر وعلاج أخطاء ما ينبغي ، ثم خرجوا إلى المجتمع فلم يجدوا من وسائل الإعلام أو من الدعاة والعلماء القدر الكافي الذي يوجه ويرشد ويبين الأخطاء ويوضح المعالم .. فحينئذٍ حصل لنا بعض ذلك الذي وقع من التفريط والغلو والتطرف ، وقد أسلفنا القول فيه من قبل .
 
ثم أيها - الأخوة الأحبة - لعلنا هنا نختم في هذا المقام بإعادة التذكير ، وهو أنه ينبغي لنا أن نتحدث بصوت هادئ ؛ فإن الجعجعة والصراخ لا تنفع في هذه الأحوال ، وأننا ينبغي لنا أن نتحدث بمنهج سليمٍ سديد ؛ فإن المهاترات لا تنفع ، ونحن ينبغي لنا أن لا نتعجل ، وأن لا نجعل هناك شيءٌ من الافتراق والتباعد ، ولا ينبغي أن نتكلم عن هذا أو ذاك بأنه مخالف للشرع ، وبأنه يريد مصادرة الدين ، وبأنه يريد كذا وكذا ..
 
ولا ينبغي لمن يعتلي المنبر أو يتكلم في الوعظ والإرشاد كما لا ينبغي للآخرين أن يقولوا عن كل ملتزم أو متدين بأنه مخطئ في كذا ، وأنه يقصد كذا حتى كأن الناس شقوا عن القلوب والنوايا ينبغي لنا أن ندرك عظمة الخطر ، وأهمية الاتحاد ، ومرجعية الشرع ، وينبغي لنا أن ندرك أن مزية هذه البلاد - أولاً وآخراً - هي قيامها على الإسلام ، وتحالف الدولة مع الدعوة ، وأن أمر الاستهداف إنما هو أعظمه وأكثره في ديننا ، فلا ينبغي أن يكون منا جميعاً لا من هذا ولا من ذاك ، وأن لا نصنف الناس فريقين وأن نقول أهل المنابر وأهل المحابل ، ونجعل هناك أموراً تثار فيها البلابل .
 
ينبغي لكل مسلم - وكلنا مسلمون - أن يكون مخلصاً لله ، ومراعياً لبعض هذا الذي ذكرته ، فهو ينطبق على جميع الناس لا يستثنى منه أحد ، ولا يظنن أحد كذلك أن العالم أو الداعي مبرأ من النقص أو منزّه عن الخطأ ، بل هو إنما يستمد قوة نهجه أو صواب رأيه من أصل كتاب الله وسنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهما اللذان لا يأتيهما الباطل من بين يديهما ، ومن خلفهما وهما عصمة كل معتصم ونجاه كل راغب في النجاة بإذن الله نسأل الله - عز وجل - أن يردنا إلى ديننا رداً جميلاً …

المراجع

islamport.com

التصانيف

عقيدة إسلامية  عقيدة  معاملات إسلامية   الدّيانات