كتب: د. علي بن عمر بادحدح
20 يوليو, 2009 - 28 رجب 1430هـ
الخطبة الأولى
أما بعد أيها الإخوة المؤمنون :
ونحن في بداية العام الدراسي نتحدث عن العلم والتعليم ؛ بل حديثنا حقيقة عن التربية والتعليم .
وقد أشرت - فيما مضى - إلى أهمية العلم ولأجل اقترانه في منهج القرآن الكريم ودعوة صفوة الخلق أجمعين بالتزكية وطهارة القلوب وزكاة النفوس واستقامة السلوك .
ولعلنا اليوم نؤكد هذه المعاني ونوضحها ونجليها .. ونحن نوجه حديثنا إلى المعلمين والمعلمات والمسئولين والمسئولات في وزارة التربية والتعليم ، نحن ندفع إليهم فلذات أكبادنا ، ويقضون في أروقة المدارس والمعاهد وقتاً قد يكون أكثر من الوقت الذي يقضونه معنا !
وقطعاً نحن نريد أن يعلموهم العلوم المختلفة ، وأن يسلّحوهم بسلاح العلم في هذا العصر ؛ وأنا أوقن أننا جميعا نعنى بذلك ؛ ولكننا نريد أن يعنوا بالقدر نفسه بتربيتهم ، بتزكيتهم ، بتقويم سلوكهم ، بحسن أخلاقهم .. نحن نعوّل على تلك المدارس ، وعلى أولئك المعلمين والمعلمات أن يساعدونا - معاشر الآباء والأمهات - في صياغة شخصية أبنائنا وإخراجهم إلى هذا المجتمع أسوياء أتقياء ، بعيداً عن طرفي التشدد والتسيب ، بعيدًا عن سلوك منحرف وخلق معوج .
ولاشك أننا عندما نجد في المعلم أو المدرسة عناية بهذا الجانب نفرح به ونسعد ونهش به ونفرح ونستعد بأن نكمل دورنا ونقوم به ، وإن وجدنا غير ذلك وجدنا المعاناة إذ نحن نقوم ونوجه ، وربما لا نجد تعضيداً وتكاملاً من جهة المدرسة أو المعلم أو المعلمة .
ولذا ؛ فإن هذا الإثم التربية والتعليم للاقتران من جهة وتقديم التربية لبيان أهميتها ومكانتها ومنزلتها بل وعظمتها وخطورتها وإن عدم العناية بذلك الجانب لا يؤدي إلى المقاصد العظيمة التي ننشدها جميعاً لأبنائنا أبناء اليوم وشباب الغد ورجال المستقبل .
وكلنا يدرك أن ذلك أيضاً لا يحقق الأهداف المنصوصة عليها في سياسة التعليم ، والتي تؤكد على صياغة الشخصية المؤمنة المسلمة ،والتي تبرز أهمية السلوك والأخلاق في حياة الطلاب ونحن ندرك ذلك .
فنحن نعرف أن العلم معلومات ومهارات ووسائل واختبارات .. لكن التربية هي نضج الفكر واستقرار النفس وحسن السلوك فلا شك أن هذا له من العظمة ما لا يخفى ، وهنا لا بد أن ندرك الترابط الوثيق بين التربية والتعليم والتربية ؛ فإن التربية هي غاية التعليم ، وإن التعليم هو وسيلة التربية فلن يتربى من لم يتعلم فكيف يستقيم سلوكه إذا لم يعرف فضل هذا السلوك الحسن وذم ذلك السلوك السيئ ونحو ذلك .
وانتبهوا وتأملوا فيما جاء في كتاب الله عز وجل في الحض والحث على العلم إنه توجيه إلى العلم والمعرفة في الأمور الأساسية الكلية العقدية التصورية ، التي تغرس في القلب والنفس من المفاهيم والتوجهات ما هو كفيلٌ باستقامة السلوك وانتظام الأحوال ، وربط الإنسان بين دنياه وأخراه ، بين ما يعمله على في هذه الحياة الدنيا وما يأمله في تلك الحياة الأخرى .. قال تعالى : { واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين } هو علمٌ ومعرفةٌ بمعية الله وتأييده وتسديده لمن يتقيه ويخشاه ، ويعمل بأوامره ويجتنب نواهيه .
لكنه علمٌ مؤثرٌ في القلب ، ومحركٌ للنفس ، وصائغٌ للسلوك ، ومقومٌ للفكر .. إنها معلوماتٌ ذات ترجمةٍ عملية ، قال تعالى : { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون } .
وانتبه إلى كثرة الآيات المعضدة لهذا المعنى { واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب } حقيقة علمية معرفية من صفات الله عز وجل وشدة عقابه ، لكنها ليست مراده ؛ لتكون معلومةً تحفظ ، ولا معرفةً تعرف ! وإنما لتكون تأثيراً في كل شيءٍٍ في الإنسان .. قلباً وروحاً ونفساً وفكراً وسلوكاً ومعاملةًَ ..وتلك هي الثمرة الحقيقية .
قال تعالى : { واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين }
تأمل هذا الربط الدائم بين التقوى والعلم .. حقيقةٌ كل أهل الإيمان والإسلام يعرفونها لكن التفاوت بينهم في مدى استقرارها في قلوبهم ، في مدى تأثيرها في سلوكهم ، في مدى توجيهها لأفكارهم .. { واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين } حتى يكون ذلك حافزاً لعملهم وإقبالهم على ربهم ، وانتهاجهم للسبيل والطريق الموصل إلى رضاه .. ذلكم ما ينبغي أن نتنبه له .
قال تعالى : { واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعلمون بصير } ، وقال تعالى : { واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيءٍ عليم }
حينما نعلم ذلك يستقر في قلوبنا اطلاعه علينا ، ومراقبتنا له ، وحيائنا منه ، وصدق توكلنا عليه ، وعظمة إنابتنا إليه .. إنها معرفة محركة ، إنه علمٌ مربٍ ، إنه تغييرٌ حقيقيٌ يتناول الإنسان في أعماق نفسه وقلبه وفكره وعقله وسلوكه وعمله .. ولو مضينا لوجدنا من ذلك كثيراً .
ولقد ترجم الإمام البخاري في صحيحه ، في كتاب العلم ترجمةً مهمة [ باب العلم قبل العمل ] ؛ ليدل على أهمية العلم في العمل ، وليدل على أن غاية العلم إنما هو العمل ، واستشهد بقوله سبحانه وتعالى : { فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين وللمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم } هذا العلم وتلك المعرفة هي بداية الطريق ، ثم ينتج عنها السلوك ، وينتج عنها العمل { واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات } وتستقر حقائق الإيمان مؤثرةً مغيرةً في الواقع { والله يعلم متقلبكم ومثواكم } .
وإذا نظرنا وجدنا ما يقابل ذلك .. وجدنا كيف يكون حال العلم إن لم يورث سلوكاً مستقيماً ، وخلقاً قويماً .. أي شيءٍ ينفع ؟ إنه حينئذٍ يكون حجةً على المرء وليس له ، ويكون إثماً وليس أجراً ؛ لأن العلم حجةً على من علم ؛ ولأن العلم إذا لم يخلص إلى النفس والقلب ويؤثر فيهما ؛ فإنه يكون عوناً لصاحبه - والعياذ بالله - على تسويغ المنكرات ، وتحليل المحرمات ، وتضليل الناس والتلبيس عليه بالشبهات ؛ ولذا كانت فتنة العالم غير العامل عظيمةً في واقع الناس .
ومن هنا حذر النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم وبيّن أن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الناس ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ؛ حتى إذا قبض العلماء اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فأفتوا بغير علمٍ فضلوا وأضلوا .
تنبه إلى هذا الجانب في النداءات القرآنية والآيات القرآنية :
قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون }
كيف تقع منكم هذه الخيانة مع علمكم بوحدانية الله ، وحسن أسماءه ، وكمال صفاته وعظمته جل وعلا ؟
كيف يكون ذلك منكم وأنتم تؤمنون وتصدقون بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وتعرفون فضائله وشمائله - عليه الصلاة والسلام - وتعلمون أوامره ونواهيه وهديه وسنته صلى الله عليه وسلم ؟
قال تعالى : { لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون } ما كلفكم الله به وتدركون وتوقنون ما هو الواجب المناط بكم والأمانة المربوطة في أعناقكم .. فكيف تكون حينئذٍ خيانتكم ! وكيف يكون انحرافكم بعد علمكم ! أي شيءٍ أقبح من هذا ؟ وأي أمرٍ تكون فيه الحجة أعظم من مثل هذا الصنيع ؟ فهل يريد نحن لأنفسنا - فضلاً عن أبنائنا - في المعاهد والمدارس أن يعلموا علماً ، ويكون سلوكهم مخالفاً له ؟
أتدركون ما معنى هذا وما أثره ؟
إن معناه ألا يكون في قلوبهم توقير ولا تعظيمٌ للأوامر والنواهي الربانية والنبوية ، ومن باب أولا أن لا يكون هناك تعظيمٌ ولا توقيرٌ للأوامر والنواهي والتوجيهات الأبوية في البيوت .
إن أثر ذلك أن القلوب - والعياذ بالله - قد تصاب بالعمى ولا يؤثر فيها بعد ذلك وعظاً ولا أمرٌ ولا نهج !
إن معنى ذلك أن النفس تتطبع على أن تعلم الحق وتجحده وتعرف الخير وتخالفه ، وذلك فيه فسادٌ للفطرة ، وزيغٌ في العقل ، ونموذجٌ سيئٌ للسلوك ، وكم نعاني نحن من ذلك في واقعنا الشخصي ، وفي حال أبنائنا وشبابنا .. هل نريد بعد ذلك أن نقصر دور المدارس على المعارف والعلوم دون الأخلاق والسلوك دون التربية والتزكية .
قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون } .
العلم هو الذي يحثكم ويحرككم العلم بالأجر والثواب ، هو الذي يرغبكم ويقبل بكم العلم بأثر المخالفة وما يترتب عليها من الإثم والعقاب ، هو الذي يحجزكم وينفعكم العلم بعظمة الله والحياء منه والمراقبة له سبحانه وتعالى ، هو الذي يقوّم سلوككم ..
إنها قضايا مترابطة ولذلك كان هذا هو هدي وتوجيه النبي صلى الله عليه وسلم يوم كان ابن عباس رضي الله عنهما رديف المصطفى صلى الله عليه وسلم ، فالتفت إليه في كلماتٍ حانية ، وتوجيهاتٍٍ مربية : ( يا غلام إني أعلمك كلماتٍ فاحفظها ... ) .
إنه - عليه الصلاة والسلام -لم يرد ذلك التعليم الذي ينتهي أمره إلى الحفظ ، ومآله إلى الكتابة في الاختبار ، ومصيره إلى الكتب التي تلقى في صناديق النفايات ! ولكنه أراد أن يحفظها في قلبه ، وفي نفسه ، وفي سلوكه ، وفي كل جوانب حياته وتعاملاته .. تعلمون تلك الوصية العظيمة ، وذلك التوجيه والتعليم النبوي الإيماني التربوي الذي ذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم : ( تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة ) وذكر فيه الوجوه والوصايا العظيمة المعروفة .
وانظر كذلك إلى وجهٍ آخر ومثلٍ آخر يبين لنا فيه النبي صلى الله عليه وسلم أثر العلم في السلوك والتربية ، وأن هوايتها ، وأنه وسيلته في الوقت ، وأنها غايته وأنه وسيلتها في الوقت نفسه : ( لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ، ولخرجتم إلى الطرقات تجأرون بالله بالشكوى ) .
لو علمنا ما كان يعلمه وما علمه النبي صلى الله عليه وسلم من أمر الدنيا والآخرة من أمر عظمة الله عز وجل ، وما أنعم به على الخلق ، وما وعدهم به من الثواب والنعيم وغير ذلك لكان الحال غير الحال !
إذًا العلم أثره في السلوك عظيم .. كيف نجد من يضحك ملء شدقيه ، ويأكل ملء ماضغيه وينام ملء جفنيه ، ويلهو ويلعب ثم نقول إنه عالم !
أين أثر علمه بأنه إنما يعيش في دار ممر لا مقر ؟ أين أثر علمه بأنه غريب عن هذه الحياة يوشك أن يرتحل ؟ أين أثر علمه بأن مآله إلى موتٍ وقدرٍ وظلمةٍ ووحشة أين أثر علمه في أن بعد ذلك بعثاً وحشراً ونشوراً وحساباً وثواباً وعقاباً .
إن العلم الحق هو الذي يستقر في القلب ويوجه الإنسان في كل جوانب حياته وفي كل مكوناته من عقله وفكره وكلامه وجوارحه .
ذلكم ما بينّه النبي صلى الله عليه وسلم .. وذلكم ما كان يحذر منه ويدعوا بالبعد عنه : ( اللهم إني أعوذ بك من علمٍ لا ينفع ، ومن قلبٍ لا يخشع ، ومن نفسٍ لا تشبع ، ومن دعوةٍ لا يستجاب لها ) رواه مسلمٌ في صحيحه .
ألا نتأمل هذا الدعاء وهو يسأل الله عز وجل الوقاية من كل مالا يثمر ثمرةً محمودة ، ولا يؤدي إلى أثرٍ إيجابي ، وقد أسلفت ما ضرب الله من المثل ، قال تعالى : { كمثل الحمار يحمل أسفارا } ، من يريد أن يكون في موضع هذا المثل ؟!
نسأل الله عز وجل لنا ولكم السلامة من ذلك ، ونسأل الله لأبنائنا وبناتنا ومعلمينا ومعلماتنا ومسئولين ومسئولياتنا أن يراعوا ذلك ، وأن يتقوا الله في الأمانة التي في أعناقهم .. إنها أمانة تربيةٍ قبل التعليم ، تعليمٌ يؤدي إلى تربية ، وتربيةٌ مصدرها ومبناها وجزءٌ من أساسياتها في ذلك التعليم .
وليس في التعليم الذي هو متعلقُ بكتاب الله أو بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فحسب ؛ بل كل العلوم قائدةٌ إلى تعميق الإيمان وترسيخ اليقين بل كل العلوم فيها لفتاتٌ وتوجيهاتٌ وإرشاداتٌ ، ودلالاتٌ على عظمة الخالق وعلى عظمة ما جاء به منهجه وتشريعه .. ألسنا اليوم نعلم ما هو معلومٌ من الإعجاز العلمي في كتاب الله وسنة رسوله ؟ ألسنا ندرك أن عظمة الخلق الذي ندرسها في الفيزياء أو الكيمياء أو الأحياء إنما هي شواهد على عظمة الخالق ، وعلى دقة خلقه جل وعلا وعظمة ذلك ؟
أليس جديراً بنا أن نلفت نظر أبنائنا وبناتنا إلى ذلك ؟ أليس من المطلوب أن نستدل من ذلك ما فيه ومضات إيمانيٍة واشراقات ، وإرشادات سريعة عظيمة مؤثرة بليغة ؟
إن التربية في أصل معناها الملك والسيادة كقولك : " رب الدار " أي مالكها .
والتنمية والزيادة كقولك : " رب المال " إذا نمّاه وزاده ؛ ومن هنا فإن مهمة معلمينا ومعلماتنا لأبنائنا وبناتنا أن يدركوا ذلك ، وأنه لا بد له أولاً من أن يكونوا متفوقين على طلابهم ليس في العلم فحسب بل في العلم والسلوك والأخلاق ؛ لأنه لا يمكن أن يعطوا علماً ما لم يكونوا عالمين ولا سلوكاً ولا خلقاً ما لم يكونوا مستقيمين .
والأمر الثاني هو : العناية بالزيادة والتنمية للعلم والمهارة والمعرفة .
والأمر الثالث : الحماية والوقاية من كل ما يناقض ذلك ويعارضه .. ذلكم هو جوهر التربية ، وذلكم هو جوهر المنهج القرآني والرباني .
وهذه المهمة ليست سهلة مهمة التعليم أو التعريف قد يكون فيها سهولة جدول الضرب قد يحفظ ومعادلة الفيزياء ، قد تشرح لا كن تهذيب النفس وتقويم السلوك وتوجيه الفكر ليس أمراً سهلاً .. إنها مهمةٌ صعبة لا نقول ذلك لنصد عنها بل لندعو إلى استعداد التام لها والتأهل اللازم لها .
وذلك كما نؤهل المعلمين والمعلمات في تخصصاتهم الدقيقة ومعارفهم وعلومهم ، فنحن نعلم جميعاً أن كليات المعلمين وكليات التربية تدرس إلى جانب الفيزياء والكيمياء التربية وتدرس نفسية الطفل وتدرس أساليب التقويم .. لماذا ؟ لأن هذا جزءٌ مهم !
لماذا ندرسهم ذلك ثم نقول لهم لا تتكلموا إلا في الفيزياء ، ولا تتحدثوا إلا عن الكيمياء .. لماذا يدرسون إذاً في جامعاتهم هذه المواد إلا ليكون لها انعكاسٌ وأثرٌ في حسن معاملاتهم لطلابهم .
النفس أمرها عجيب ، وهي من أعظم المخلوقات التي جعلها الله - عز وجل - في كفة والمخلوقات كلها في كفةٍ أخرى لبيان عظمتها وعظمة خلق الله عز وجل لها .. قال تعالى : { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم } .
في كل الآفاق آيات وفي النفس البشرية وحدها آيات كأنما تعدل تلك { لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد } ، { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } بعد أن أتقلباتها وتغيراتها العجيبة عندما تتهذب وتتطهر كيف تقود إلى السمو الأخلاقي والمعاني الإنسانية ، وإذا كانت على غير ذلك كيف تقود إلى كل سوء من الشحناء والبغضاء والظلم والاعتداء وغير ذلك صورة يرسمها بعض علمائنا في مقالة طويلة أذكر بعض ومضات منها :
يقول ابن القيم في صفة هذه النفس واحتمالها لما أشارة إليه الدلائل والآيات القرآنية للخير والشر كما قال تعالى : { ونفسٍ وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها } .. يقول : " في النفس كبر إبليس ،وحسد قابيل ، وعتو عاد ، وطغيان ثمود ، وحيل أصحاب السبت .. " ويذكر صوراً كثيرة ، ثم يشبه النفس ببعض صفات موجودة في البهائم ، قال : " وفيها من البهائم حرص الغراب ، ورعونة الطاووس ، ودناءة الجعل ، وحقد الجمل ، ومكر الثعلب .. " إلى غير ذلك مما أورده .
ثم قال : " فمن استرسل مع طبعه ؛ فإنه من هذا الجند ولا تصلح سلعته لعقد { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم } ، فما اشترى الله إلا نفساً هذبها الإيمان ، وخرجت إلى بلدٍ من العابدين والتائبين " .
وذلك أمره مهم ؛ فإذا نظرنا إلى هذه النفس ، ثم نظرنا إلى المؤثرات من حولها - كما ذكر ابن القيم أيضاً - قال : " كيف يسلم من له زوجةٌ لا ترحمه ، وولدٌ لا يعذره ، وصاحبٌ لا ينصحه ، وعدو لا ينصفه ، وجارٌ لا يأمنه ، وشريك لا ينصفه ، وعدو لا ينام عن عداوته ، ونفسٌ أمارة بالسوء ، ودنيا متزينة ، وهوىً مردٍ ، وشهوة غالبة له ، وغضب قاهر ، وضعف مستول عليه .. " .
كل هذا موجود النفس والهوى والشيطان ، ثم نحن اليوم قد ابتلينا ببلاء عظيمة جاءتنا من هذه القنوات الفضائية ، والمقالات الإباحية والسلوكيات الانحرافية ، والضلالات العالمية التي أصبحت تغزوا الناس في عقر بيوتهم !
وبعد ذلك كله نقول : " إن أمر التربية هين ، وإن أمر العناية بها ليس في الدرجة الأولى - أو يقول بعض الناس - إننا ينبغي أن لا نخوض فيها ، وأن لا نتعرض لها ! إن الأمر جد خطير .. نسأل الله عز وجل أن يزكي نفوسنا .
الخطبة الثانية
أما بعد أيها الإخوة المؤمنون :
أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله ؛ فإن تقوى الله أعظم زادٍ يقدم به العبد على مولاه .. وإن أمر التربية والتعليم لأمر مهم يخصنا جميعاً ويعنينا جميعاً ؛ ولذا لا بد أن نعتني به لا بد أن نذهب إلى مدارس أبنائنا ؛ لنحدث المعلمين والمدراء ونطلب منهم أن يعنوا بهذا الجانب تأكيداً وتعاوناً واشتراكاً بين المدرسة والبيت ؛ فإن ثمرة ذلك استقامة الشباب ووأد والتضييق للانحراف والشذوذ ، ولخذل الذي قد يتسرب إلى عقولهم وأفكارهم ، ثم يظهر في سلوكهم وأحوالهم .
لا بد أن نعنى بذلك ، وأن نخاطب به من يباشر هذه المهام ، وأن نكتب عن ذلك ، وأن نتحدث عنه ؛ لأنه يمثل محوراً أساسياً جوهرياً .. وكلكم يعلم أن التعليم له الأثر البالغ في كل أمة ومجتمع ، ولذلك كان فيما مضى وإلى يوم الناس هم معتدٍ وغازٍ أن يبدأ التغيير بالتعليم .. تعلمون ما كان من الشيوعية الهالكة ، كان أول عنايتها إذا دخلت بلاداً محتلةً مغتصبة ، أو جاءت عبر أتباعٍ لها ممن يتبنون أفكارها ؛ فإن أول ما يعملونه تغيير مناهج التعليم ؛ لأنهم يريدون أن ينشئوا الجيل الجديد على ما لديهم من الفكر والسلوك والتصور ؛ لأن هذا هو الذي يغرس في الصغار ابتداءً ، وفي الكبار ترسيخاً ، وفي واقع الحياة ممارسةً !
ولذلك شنت الحملة على المملكة فيما مضى في القريب ، وفيما يأتي وإلى يوم الناس .. هذا لأن سياستها التعليمية سياسةٌ مبنيةٌ على إيمان وإسلام ، وخلق وتقويم ؛ ولأنها تدرك أن إخراج الإنسان المؤمن المسلم الذي يمثل إسلامه في فكره توسطاً واعتدالاً ، وفي سلوكه خلقاً وسمواً ، وفي معاملته حسناً وإحساناً هو الهدف الأسمى لذلك التعليم ؛ ولأن مناهج العلوم الإسلامية - بل وحتى العلوم العصرية - ليست خاليةً من اللمسات الإيمانية والتذكير بعظمة الخالق سبحانه وتعالى .
إن الهجوم إنما هو لذلك .. فما أحرانا أن نواجه هذا الهجوم على أقل تقديرٍ بأن نحافظ على ذلك ، وأن نحرص عليه ؛ لأنه ما هاجمه أعداءنا إلا لأنه من أسرار قوتنا ومن أسباب تماسكنا !
ولذلك نحن ندرك أن عدونا إنما يريد مضرتنا .. فحينئذٍ ندرك هذا وأما ما نحتاج إليه مما يزيد في علم أبنائنا ، ويطور في طرائق تعليمنا ، ويحسّن في وسائل أدائنا .. فذلك من البدهي الذي لا يحتاج إلى تذكيرٍ ، ولا إلى تطويلٍ في القول .
ومن هنا ؛ فإننا نأمل من كل أحدٍ من خلال وسائل الإعلام ، ومن خلال مناهج التعليم ، ومن خلال أدوار المدراء والمعلمين ، ومن خلال دوركم - أنتم معاشر أولياء الأمور من الآباء والأمهات - ومن خلال كل هذا المجتمع أن نؤكد على أهمية التعليم ، وأهمية التزود به واتخاذه سلاحاً من أسلحة القوة في هذا العصر .. وقبل ذلك ومعه وبعده التركيز على أهمية التربية والتزكية والتقويم السلوكي والفكري والنفسي الذي له ثماره الحميدة .
المراجع
موسوعة اسلاميات
التصانيف
عقيدة