كتب: د. علي بن عمر بادحدح
20 يوليو, 2009 - 28 رجب 1430هـ
الخطبة الأولى
أما بعد أيها الاخوة المؤمنون :
" النصيحة دلائل ونماذج " دلائل نستنبطها من وجود النصيحة في الفرد والمجتمع إن كانت موجودة فدلالاتها خيرة كثيرة وإن كانت مفقودةً فدلائل الخير المذكورة تكون مفقودة أيضاً .
من دلائل وجود النصيحة في الفرد :
أولاً : حبه الخير للآخرين
فإن الناصح إنما ينصح من محبة وشفقة ، ويحقق كمال الإيمان الذي دعي في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم:( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) .
فإن رأى غفلة - وهو ذاكر - نصح بتذكير ، وإن رأى خطأً وهو مصيب وجّه إلى الصواب يريد للجميع أن يكونوا على طريق مرظاة الله - عز وجل - يحب لهم المثوبة والأجر ويخشى عليهم العقوبة والوزر .
تلك مشاعر إيمانية يدل على وجودها وجود النصيحة .
والدليل الثاني وهو مهم أيضاً :الغيرة على دين الله
فإن القلب المؤمن الحي لا يقبل أن يرى مخالفةً ، ثم لا يتأثر والوجه المشرق بضياء الإسلام لا يمكن أن يرى منكراً ولا يتمعر .
إنها دلالة على ما كان - عليه الصلاة والسلام - كان يعفو ويسامح ، فإذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه قائم .
إنها غيرة تكون في قلوب أهل الإيمان تدفعهم إلى أن يغيروا ما فيه مخالفة ومعصية ، فيجدون سبيلهم الأول وطريقهم الأقوم في الدعوة في الحكمة والموعظة الحسنة ، والنصيحة بالأسلوب المناسب المؤثر .
ثالثاً : إدراك المسؤولية ومعرفة الواجب .
فإن النصح ليس أمراً اختيارياً ولا شأناً اجتماعياً إنه فريضةً ربانية وشريعة إلهية ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ؛ فإن لم يستطع فبلسانه ؛ فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) .
إن الإيمان يكاد أن يتلاشى وجوده ويعفى أثره إذا لم يكن أمراً بمعروف ، ونهي عن منكر ، قال تعالى : {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } .
رابعاً : نقاء القلب وصفاء النفس
فإنه لا يمكن أن تكون تلك الغيرة الإيمانية ، ولا النصيحة الخالصة ، ولا محبة المؤمنين ما لم تكن القلوب نقيةً من كدر المعاصي ، وما لم تكن النصوص صافيةً من شوائب التوحيد والتخليط .
فإن قضيتنا المهمة : كيف تبقى قلوبنا مشرقة بالإيمان ؟ كيف تبقى نفوسنا نقيةً بالتعلق بالرحمن سبحانه وتعالى ؟
والله جل وعلى يقول : { يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم } .
إن تقوى الله تجعل في القلب ميزاناً دقيقاً ، يفرق بين الحق والباطل ونفساً شفافةً تتأثر لأدنى مخالفة وتحس بها .
واليوم - وقد اسودت القلوب - وقست إلا من رحم الله ، وأظلمت النفوس ، ولم يعد أحد يشعر بشيء يدعوه إلى نصحٍ أو يدفعه إلى غيرة أو يجعله يدرك مسئولية وواجباً .
إذا فالقلوب قد انتكست ورتكست أحوالها ، والنفوس قد تقلبت واستبدت بها أهواءها .
ولذلك ينبغي لنا حينئذٍ أن ندرك جسامة أمر النصيحة وعظمتها ، وأنّ وجودها يدل على تلك الحقائق الإيمانية والتربية الإسلامية ، وأن فقدها كأنما فقدت به تلك المعاني كلها !
وأما دلائل وجود النصيحة في المجتمع وفي الجماعة أي أن تكون النصيحة أمراً شائعاً غير مستنكرٍ كما قد نرى اليوم .. من ينصح يقال له : " ما لك ولناس ؟! " ، من ينصح يقال له : " لماذا تريد أن تثير الشغب ، وأن تدخل الخلاف ، وأن تشقّ الصف ؟! " .
أما حقيقية النصيحة إن وجدت في المجتمع وكانت قائمةً الناس بها ينطقون وبأمورها ولوازمها يعملون ، والمنصوحون للناصحين يشكرون ، ومنهم يتقبلون ، وبنصحهم يعملون ، فحينئذٍ تتجلى صور عظيمة من أجلها وأهمها تحقق حقيقية المجتمع الإسلامي المتكامل المتكافل ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) .
وكما روى البخاري في الأدب المفرد ( المؤمن للمؤمن كاليدين يغسل إحداهما الأخرى ) .
أين هذه الصورة إذا لم تكن نصيحة ، ولم يكن أمر ونهي ، ولم يكن ذلك التواصل الذي يشيع في المجتمع ؟
ولا تكون النصيحة غريبةً مهجورةً كأنما فاعلها جاء من زمنٍ آخر ، أو من كوكب آخر أو يتكلم بلغة أخرى وذلك من عجائب زماننا هذا .
تحقيق الرسالة وصفة وصبغة الأمة ؛ فإن أمة الإسلام جعلت أمةً كاملةً في ذاتها ومكملةً لغيرها كما
قال تعالى : { كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} .
قال ابن كثير : " أمرت هذه الأمة بتكميل نفسها بالإيمان بالله عز وجل ، وتكميل غيرها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " ، وذلك هو سمة هذه الأمة تصحح واقعها ، وتدعوا غيرها ، هي أمة الرسالة الخاتمة ، وهي أمة الهداية التامة هي أمة الشريعة الكاملة ، هي أمة الكتاب المحفوظ ، هي أمة الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم ، هي أمة القيادة في هذه البشرية .. لا تتحقق لها السمات ، ولا تؤدي هذه الرسالة ، ولا تحقق هذه الغاية ؛ ما لم تكن النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شائعاً فيما بينها ، يتعلم عليه الصغير ، ويشب عليه الكبير ، ويختم به حياته من قد دب في العمر ، وبلغ مبلغاً عظيماً ، يكون شائعاً بين الرجال ، معروفاً بين النساء ، قائماً بين العلماء وطلبة العلم ، وبين الحكام والمحكومين ، والرعاة والرعية .. فحينئذٍ تظللنا سحائب الرحمة ، وتتنزل علينا خيرات وسمات هذه الأمة .
وتلك دلائل موجزة ، واخترت أن أذكر نماذج من نصائح غالية ثمينة ، ومواعظ مؤثرة بليغة في مجالاتٍ شتى بين آباءٍ وأبناء ، بين رعاة ورعية ، بين أصدقاء وأخوان .
حتى نرى كم لهذه النصائح من أثرٍ في بلاغتها وفي تأثيرها ، وأنها رغم طول زمانها قد حفظت لما لها من نفع وفائدة . وكم نحن في حاجةٍ إلى أن نتأمل هذه المعاني ، ونعلم حينئذٍ أن مثلها لم يكن ليكون لولا أن النفوس إلى النصيحة توجهت ، والعقول فيها تدبرت وتفكرت ، وكان ذلك أمراً مقصوداً ، تبذل فيه الجهود والأوقات ، ويبحث فيه في النصوص والدلائل ويلتمس فيه حينئذٍ الأسلوب النافع المؤثر ، والكلام البليغ الدال على عظيم المعاني وجليل المفاهيم .
هذا الحسن البصري - رحمه الله - من أئمة التابعين ، ومن كبار الناصحين ومن مشاهير الوعاظ رأى رجلاً راجعاً من جنازةٍ فسأله قائلاً : أتراه - أي هذا الميت - لو رجع إلى الدنيا لعمل صالحاً ؟!
فقال الرجل : نعم ، قال : فإن لم يكن هو فكن أنت .
أي إن لم يكن هو قادر على ذلك ؛ لأنه قد طواه الموت ، وغيبه الثرى ، وصار في باطن الأرض ، فكن أنت قبل أن تكون في مقامه فلا مجال لزيادة عمل صالح !
قال تعالى : { قال رب ارجعون * لعلي أعمل صالحاً فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن وراءهم برزخ إلى يوم يبعثون } .
أي فكرٍ كان عند الحسن ؟ وأي قلبٍ كان عنده ؟ حتى كان متيقظاً منتهزاً للفرصة ، مستغلاً لموضع العبرة ، متأملاً في حسن الأسلوب ، مبتدئاً بسؤالٍ ، رابطاً بمقارنه ، مذكّراً بحقيقة ملموسة ..
ولعلنا نستحظر ما هو أعظم من ذلك وأجل ، يوم كان المصطفى - صلى الله عليه وسلم - يسير مع بعض أصحابه ، فرأى في موطنٍ نائٍ جدياً أسك ميتا - جدياً مقطوع الأذن ميتاً - فقال عليه الصلاة والسلام : أيكم يشتري هذا بدرهمين ؟ فسكت الصحب الكرام ، قال : أيكم يشتريه بدرهم ؟ فسكتوا ، ثم قال أحدهم : يا رسول الله والله لو كان حياً لكان عيبه صارفاً عنه ! فقال صلى الله عليه وسلم بعد هذه اللفتة الذكية ، وبعد هذا السؤال الأريب : ( والله لهوان الدنيا على الله أهون من هذا على أحدكم ) .
فأي موعظة أبلغ ؟ وأي نصيحة أعظم ؟ وأي تأثير أكبر من صورة حية متجسدة ؟ ما الذي أوقفه ؟ ما الذي جعله ينبّه ؟ إنه قلب حي .. إنها شفقة غامرة .. إنه حرص على أمته وأصحابه عظيم .. إنه ذكاء متوقد يعرف كيف يجعل من الحركة والسكنة والموقف مجالاً ليكون عظةً وعبرة .
كم نرى من المواقف ، ولكن ليس هناك عقولاً تفكر ، ولا قلوباً تتحرك ، ولا غيرة تتقد ، ولا محبة تفيض ؛ فتمر المواقف تباعاً ليس موقفاً عارضاً بل مواقف جسيمة ، وأحداث عظيمة ، لا تجد ما يقف عندها ليتدبر ويتعظ لنفسه ، فضلاً عن أن يؤثر وينصح ويبلغ غيره ! كم في هذا المعنى وفي مثل هذه المواقف من دلائل ! وكم في هذه النماذج من عبر !
عبد الله بن عباس رضي الله عنه كان قريباً من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، يدنيه منه ويدخله إلى مجلسه ، ويجعله من مستشاريه .. تلك المكانة العظيمة ، والجاه الكبير ، والمنزلة الخاصة ، لفتت نظر والده العباس بن عبد المطلب - عم النبي صلى الله عليه وسلم - فتوجه بالنصيحة لابنه ، فبأي شيء أوصاه ونصحه ؟ لو كان لنا اليوم قريب يدخل على الملك أو الأمير ما عسى أن نطلب منه .. شفاعة في أمرٍ دنيوي ، أو وسيلة إلى كسبٍ مادي ، قال له العباس رضي الله عنه وأرضاه :
" يا بني إني أرى أمير المؤمنين يستخليك - أي يخلو بك ويجلس معك منفرداً - ويستشيرك ن ويقدمك على الأكابر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإني أوصيك بخلالٍ أربع : لا تفشين له سراً ، ولا يجربن عليك كذبا ، ولا تغتابن عنده أحداً ، ولا تطو عنه نصيحة "
ولعمري إنها لكلمات تكتب بماء الذهب ، وهي من النصائح الحكيمة البليغة ، التي تعرف مقام الحكم وأربابه ، وتعرف واجبات الرعية وآدابها ، ولذلك قال : " لا تفشين له سره " ؛ فإنه إذا استخلاك واستشارك إنما استودعك سره ، وسر أمير المؤمنين عظيم ، وإفشاؤه خطير ، " ولا يجربن عليك كذبا " أي كيف تكون موضع أمانته وموضع ثقته إن جرب عليك كذبة واحدة ! وكذلك " لا تغتابن عنده أحداً " ؛فإن ذلك دليل فسادٍ في القلب ، وشهوةٍ منحرفةٍ في النفس ، ودليل على استغلال غير حميد لذلك . ثم جاءت النصيحة العظيمة " ولا تطو عنه نصيحة " .
وأنتقل مرة أخرى إلى نصيحةٍ جميلةٍ جامعة ، ذكرها ابن الجوزي رحمه الله في نصيحته لابنه .
وكم يحتاج أبنائنا إلى نصائحنا ؟ كم من أخطائنا ما نريد أن نجنبه أبناءنا ؟ كم من منافعنا وعلومنا ما نريد أن نورثه أبنائنا ؟
أم أننا لا نلتفت إلا إلى كدٍ وكدحٍ ؛ لنعطيهم مالاً يلبسون به أو يأكلون منه ، دون أن يكون لنا عناية بأكثر من ذلك ؟!
نصيحة كاملة سجلت وحفظت وطبعت ، وصارت رسالة فريدة ، أذكر منها من كلام ابن الجوزي يقول فيها – رحمه الله - لابنه : " يا بني انتبه لنفسك ، واندم على ما مضى من تفريطك ، واجتهد في لحاق بالحاملين ما دام في الوقت سعة ، واسقي غصنك ما دامت فيه رطوبة ، واذكر ساعتك التي ضاعت فاجعلها عظة ، ذهبت لذة الكسل فيها ، وفاتت مراتب الفضائل ، وكان السلف الصالح يحبون جمع كل فضيلة ، ويبكون على فوات واحدة منها .
قال إبراهيم ابن أدهم دخلنا على عابدٍ مريض وهو ينظر إلى قدميه ويبكي ، فقلنا : ما يبكيك ؟ قال : ما اغبرتا في سبيل الله .. ما اغبرتا في سبيل الله .
وبكى آخر فقيل له : ما يبكيك ؟ قال : مرّ علي يوم مضى ما صمته ، ومرت عليّ ليلة ذهبت ما قمتها .
واعلم يا بني أن الأيام تبسط ساعاتٍ ، والساعات تبسط أنفاساً ، وكل نفسٍ خزانة ، فاحذر أن يذهب نفسٍ بغير شيء ، فتأتي يوم القيامة بخزانة فارغة فتندم " .
كم نحتاج إلى أن نعظ أبنائنا وننصحهم ، ولا يكون ذلك إلا بعد أن تمتلئ نفوسنا بهذه المعاني ، وبعد أن نستحضر هذه المعاني ونعيشها ونتمثلها .
ولعل من دلائل النصيحة المهمة :
أن الناصح إذا أراد أن ينصح راجع نفسه قبل النصيحة ، وحاسبها بعد النصيحة ، كيف تريد أن تنصح ولا تمتثل ؟! ثم كيف نصحت ويكون بعد ذلك منك خلف لما نصحت ؟ وذلك من أعظم الأمور وآكدها .
ولعلي في هذا المقام أذكر ما أختم به في هذه النصيحة الجامحة الواسعة التي كتبها وتوجه بها الحسن البصري لأمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز في كلام واسع ، ما أذكره إنما هو جزء منه ، وفيه عظة لكل متعظ ، وعبرة لكل معتبر ، وإن كان موجهاً لأمير المؤمنين ؛ فإن عظته أوسع من ذلك وأشمل .
يقول الحسن رحمه الله : اعلم يا أمير المؤمنين أن الله جعل الإمام العادل قوام كل مائل ، وقصد كل جائر ، وصلاح كل فاسد ، وقوة كل ضعيف ، ونصفة كل مظلوم ، ومفزع كل ملهوف .
والإمام العادل - يا أمير المؤمنين - كالأب الحاني على ولده ، يسعى لهم صغاراً ، ويعلمهم كباراً ، يكتسب لهم في حياته ، ويدخر لهم بعد مماته .. والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالأم الشفيقة البرة الرفيقة بولدها ، حملته كرها ، وربته طفلاً ، تسهر بسهره وتسكن بسكونه وتفرح بعافيته وتغتم بشكايته .
والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالقلب بين الجوانح تصلح الجوانح بصلاحه وتفسد بفساده فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملكك الله كعبد استأمنه سيده وستحفظه ماله وعياله ، فبدد المال ، وشرد العيال فأفقر أهله ، وضيع ماله .
واعلم يا أمير المؤمنين أن الله أنزل الحدود ليزجر بها عن الخبائث والفواحش ، فكيف إذا أتاها من يليها ؟ وأن الله أنزل القصاص حياةً للعباد ، فكيف إذا قتلهم من يقتص لهم ؟
واذكر يا أمير المؤمنين الموت وما بعده ، وقلة أشياعك عنده ، وأنصارك عليه ، فتزود له ولما بعده من الفزع الأكبر .
واعلم يا أمير المؤمنين أن لك منزلاً غير منزلك الذي أنت فيه ، يطول فيه ثواؤك ، ويفارقك أحباؤك ، ويسلمونك إلى مقرك وحيداً فريداً ، فتزود لما يصحبك ، قال تعالى : { يوم يفر المرء من أخيه* وأمه وأبيه * وصاحبته وبنيه } " .
وتلك مقالة عظيمة ، ونصيحة تامة كاملة ، أخلص فيها وأحب ، وأراد أن يكون أثرها في أمير المؤمنين أثراً فيما وراء ذلك من صلاح الأمة ، وقيام العدل فيها ، وشيوع الأمن والرخاء ..
وذلك ما ينبغي أن نحرص عليه ؛ فإن شاعت النصيحة بآدابها وشروطها وضوابطها كان من وراء ذلك خيراً عظيماً .
نسأل الله - سبحانه وتعالى - أن يوفقنا لطاعته ومرضاته ، والاستقامة على شرعة ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر والنصح .. أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الثانية
أما بعد أيها الاخوة المؤمنون :
أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله ؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه .
وإن من تقوى الله عز وجل بذل النصح للمسلمين ، ولقد كان أسلافنا من أئمتنا وعلمائنا وخيارنا يلتمسون النصيحة ويطلبونها أمام الناس وفي خلواتهم كما أوثر علن الأئمة الخلفاء الراشدين كأبي بكر وعمر بن الخطاب – رضي الله عنهما - فأبوبكرٍ يقول : " أطيعوني ما أطعت الله فيكم ؛ فإن عصيته فقوموني " .
وكانوا يطلبون نصيحة الخلصاء والنجباء والعلماء ، كما كان من عمر بن عبد العزيز مع بعض جلسائه ، حين قال : " إذا رأيتني قد ملت عن الحق فخذ بعضدي وقل : يا عمر ما تصنع ! " .
إنما يكون ذلك في حياتنا ، وعندما نحرص عليه سنرى صوراً كثيرة ، وعظات جليلة ، ومواقف حكيمة ، ودعوة سائدة ، ونصيحة منتشرة ، فتنتشل الغافلين من غفلتهم إلى التذكير ، وتنتشل العاصين من معصيتهم إلى التوبة ، وتنتشل الكسالى من كسلهم إلى المنافسة في الخيرات ، ويعود للأمة بإذن الله - عز وجل - كثيراً من الخير والفضل والأثر المحمود الذي تنشده عندما ترجع إلى ربها ، وعندما تأتمر بأمره ، وعندما تتذكر ما أمرها جل وعلا ما تتذكره من أمر دينه وشرعه ودعوته وأوليائه وعباده .
وينبغي كذلك أن تتذكر ما في هذه الدنيا بأمر الله ، وأعظم منه ما وراء هذه الدنيا من الرجوع والمثول بين يدي الله - عز وجل - ولو أردنا أن نفيض في النصائح والمواعظ والمواقف لوجدنا في سيرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم – أولاً وسيرة أصحابه وأسلافنا وعلمائنا إلى يومنا هذا زاداً وفيراً ، ومواقف عظيمة ، وليس المراد الاستكثار من الكلام ولا تكرار القول ؛ فإن قضيتنا أن نحرك من أنفسنا وقلوبنا ؛ لكي تتوجه إلى أن يكون نهجها أن تسمع لتعمل ، وأن تسمع لتعقل ، وأن تسمع لتصحح ، وكم نحن في حاجة إلى ذلك ؟!
أين النصيحة بين الجار وجاره ؟ أين النصيحة بين الصديق وصديقه ؟ أين النصيحة بين الأب وأبنائه ؟ أين النصيحة بين الراعي ورعيته ؟ أين النصيحة في وسائل الإعلام ؟ أين النصيحة في مناهج التعليم ؟ أين النصيحة في حياتنا كلها ومجالاتها كلها ؟
أشيعوها تجدوا نفعها وفائدتها .. تزكوا بها القلوب ، وتتطهر النفوس ، وترشد العقول ، وتستقيم الجوارح ، وتحسن الأخلاق ، وتتوطد العلائق ، وتقوى الأمة بإذن الله عز وجل .
نسأل الله أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً ، وأن يأخذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد ، وأن يلهمنا الرشد والصواب ..
المراجع
موسوعة اسلاميات
التصانيف
عقيدة