تتصاعد الأحاديث، في السر والعلن، حول إدخال تعديلات علي مبادرة السلام العربية تسقط الشق المتعلق بحق العودة وهو الشرط الذي تفرضه الدولة العبرية لقبولها والاعتراف بها.
هذه الأحاديث تتزامن مع اقتراب انعقاد القمة العربية العادية في الرياض في أواخر الشهر الحالي، والزيارة التي من المقرر أن تقوم بها السيدة كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية إلي المنطقة بعد عشرة أيام.
الصحف العبرية تتحدث هذه الأيام بإسهاب عن اللقاءات التي أجراها ويجريها الأمير بندر بن سلطان بن عبد العزيز أمين عام مجلس الأمن القومي السعودي مع مسؤولين “اسرائيل”يبن من اجل التنسيق بشأن الملف النووي الإيراني وكيفية معالجته، وتعديل مبادرة السلام العربية بما يؤدي إلي تقديم صيغة مبتكرة تلتف حول حق العودة، وتجعله محصورا بأراضي الدولة الفلسطينية المستقبلية، أي في الضفة والقطاع وتوطين اللاجئين في مناطق إقامتهم في سورية ولبنان والأردن إذا ما فضلوا البقاء في مخيماتهم.
الحكومة السعودية تلتزم الصمت المطبق تجاه كل هذه التسريبات الـ”اسرائيل”ية، خاصة إن بعضها كشف عن وجود مخطط لديها لتمويل توطين اللاجئين وتقديم تعويضات لمن يتنازل عن حق العودة، بغية تسهيل الحل الأمريكي المتوقع لهذه القضية المزمنة. المسؤول الرسمي الوحيد الذي تحدث في هذا الشأن هو السيد عمرو موسي أمين عام جامعة الدول العربية الذي قال إن مبادرة السلام العربية التي أقرت في قمة بيروت عام 2002 ليست موضع تعديل أو تغيير.
هناك طبخة ما يجري إعدادها خلف الكواليس تتعلق بفرض تسوية ما علي الشعب الفلسطيني تشرف عليها الولايات المتحدة وتلعب دول اللجنة الرباعية العربية أي السعودية ومصر والأردن والإمارات العربية المتحدة دورا رئيسيا في بلورتها.
العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني الذي يبدأ زيارة هذا الإسبوع لواشنطن ويلتقي الرئيس الأمريكي جورج بوش هو صاحب هذا التعبير، أي اللجنة الرباعية العربية، وقد حرص علي زيارة قطبيها الرئيسيين أي مصر والسعودية قبل أن يشد الرحال إلى واشنطن، وكشف عن ما يحمله في جعبته من أفكار بكل صراحة، عندما قال أن هناك توافقا بين أعضاء اللجنة المذكورة على ضرورة قبول الحكومة الفلسطينية الجديدة بشروط اللجنة الرباعية الدولية، أي الاعتراف بالدولة العبرية، ونبذ الإرهاب والالتزام باتفاقات أوسلو.
مبادرة السلام العربية انطلقت من الرياض، ومن درج مكتب العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز، وجري تقديمها هدية للصحافي الأمريكي اليهودي توماس فريدمان في خطوة سعودية متعمدة لوقف الحملات الإعلامية الأمريكية التي تكثفت ضد المملكة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) بسبب مشاركة 15 سعوديا فيها، ومن اجل إعادة بناء الجسور مع الإدارة الأمريكية، والتأكيد علي إجراء تغيير جذري في السياسة السعودية تجاه “اسرائيل” علي وجه الخصوص، والتجاوب مع جميع الشروط الأمريكية في مكافحة الإرهاب، وتغيير المناهج، والتخلي بشكل تدريجي عن المذهب الوهابي وعقيدة الجهاد التي تعتبر من ثوابته الأساسية.
الصيغة الأصلية للمبادرة لم تتضمن مطلقا أي إشارة لحق العودة، الذي هو أساس القضية الفلسطينية، وركزت علي التطبيع الكامل مقابل الانسحاب الشامل من الأراضي العربية المحتلة. الرئيس السوري بشار الأسد هو الذي أصر علي إضافة حق العودة كشرط لتحويلها إلي مبادرة سلام عربية تعتمدها قمة بيروت في حينه، وقد رد ارييل شارون رئيس الوزراء الـ”اسرائيل”ي في حينه علي هذه المبادرة بإعادة احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة وتشديد الحصار علي الرئيس الراحل ياسر عرفات في مكتبه كخطوة لتصفيته لاحقا بمباركة عربية مبطنة.
القيادة السعودية النشطة عربيا وإسلاميا هذه الأيام، وبطريقة ملفتة للنظر، تريد أن تكون رأس الحربة مجددا، وبإيعاز أمريكي، لإعادة المبادرة إلي طبعتها السعودية الأولي، واعتمادها مجددا كأساس للتسوية، ومهدت لهذه الخطوة باستضافة مؤتمر المصالحة الفلسطيني بين حركتي فتح و حماس والتعهد بتقديم مليار دولار لدعم الحكومة الفلسطينية الجديدة في حال تشكيلها.
القيادة السعودية، ومنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر انكفأت داخليا، ونأت بنفسها كليا عن أي تحرك دبلوماسي عربي أو دولي، وركزت فقط علي ملف واحد هو كيفية إزالة هذه الأحداث وإعادة كسب ثقة الولايات المتحدة ودعمها من خلال تلبية الشروط والمطالب الأمريكية كاملة ابتداء من دعم غزو العراق واحتلاله، وانتهاء بالانخراط بشكل فاعل في الحرب علي الإرهاب أو الإسلام المتشدد بكل فروعه، وفي أي مكان يتواجد فيه.
وكان لافتا أن القيادة السعودية قاطعت مؤتمري القمة الأخيرين في تونس والجزائر، واستصدرت قرارا عن جامعة الدول العربية يجعل منتجع شرم الشيخ مكانا دائما لانعقاد القمم العربية حتى لا تضطر إلى استضافة أي منها، وحتى لا تحرج الدول العربية التي يمكن أن تستضيفها في حال تجدد المقاطعة لها.
الأشهر الأخيرة شهدت انقلابا استراتيجيا سعوديا في هذا الخصوص، فقد قررت القيادة السعودية فجأة استضافة القمة العربية المقبلة في الرياض، والمشاركة بفاعلية في تجمعين إقليميين كبيرين، الأول هو محور الدول العربية المعتدلة، والثاني التكتل السني الذي يضم سبع دول إسلامية وجاء بمبادرة من برويز مشرف (الرئيس الباكستاني) حليف واشنطن الأبرز لمواجهة التمدد الشيعي الإيراني النووي منه والسياسي، وإيجاد حلول لأزمات المنطقة وخاصة العراق وفلسطين.
فبعد انتهاء القمة العربية، ستستضيف مكة المكرمة قادة الدول الإسلامية السنية السبع، أي تركيا ومصر وباكستان واندونيسيا وماليزيا والأردن علاوة علي الدولة المضيفة، وربما يكون من ابرز مهام هذه القمة فرض تسوية سياسية علي الشعب الفلسطيني بتنسيق مع قيادته الحالية علي أساس مبادرة السلام العربية المعدلة في حال إقرارها من قبل القمة العربية المقبلة.
الشعب الفلسطيني لا يتعرض للتجويع والحصار بسبب خياره الديمقراطي فقط، وإنما لتيئيسه، وإجباره علي قبول صيغة التسوية الجديدة، والتنازل عن حق العودة بشكل نهائي، علي اعتبار أن هذه التسوية هي ثمرة توافق عربي ودعم كامل من قبل الدول الإسلامية السنية الرئيسية، أي إن عليه أن يرضخ للإرادتين العربية والإسلامية إذا أراد أن يحصل علي لقمة الخبز له ولأطفاله.
وليس صدفة أن تكون النقطة الأبرز علي جدول أعمال حكومة الوحدة الوطنية هي كيفية مأسسة التسول، ورفع الحصار، وإيصال المساعدات العربية والدولية، والتجاوب بشكل مباشر أو غير مباشر مع شروط اللجنة الرباعية الدولية.
المطلوب حكومة فلسطينية تجيد التسول وتنضم لتحالف محور المعتدلين ، وتسهل المشروع الأمريكي الجديد لضرب إيران ومفاعلها النووي، وإسقاط النظام السوري، وإنهاء المقاومة باعتبارها إرهابا، إما المقابل فربما يكون دولة مؤقتة منزوعة الكرامة، وبلا حدود واضحة، ولا سيادة، فقط رشوة مالية ضخمة، تكون عبارة عن حقنة تخديرية مؤقتة، ريثما ينجح المشروع الأمريكي الجديد، ثم يتم مسح كل ذلك والتراجع عنه، تماما مثلما حدث لاتفاقات أوسلو وصيغة الحكم الذاتي التي تمخضت عنها. ألم تتخل الولايات المتحدة عن أفغانستان ومجاهديها بعد نجاح مشروعها في طرد السوفييت وإذلالهم؟
(نقلا عن القدس العربي، للكاتب عبد الباري عطوان)
المراجع
شبكة المشكاة الاسلامية
التصانيف
تصنيف :تاريخ تصنيف :أحداث تصنيف :أحداث سياسية