كتب: د. علي بن عمر بادحدح
20 يوليو, 2009 - 28 رجب 1430هـ
 

الخطبة الأولى

 
أما بعد أيها الاخوة المؤمنون :
الحج مدرسة الأمة تتعلم فيه الدروس العظيمة ، وتتلقى المناهج القويمة وهذه الأيام تهب إلينا نسمات الحج الأكبر ، وتقترب أيام الموسم الأعظم ، وتتوافد فئامُ من أمة الإسلام من كل حدبٍ وصوب ، وتجتمع في الرحاب المقدسة ، وتطوف حول البيت المعظم ، وتزور مدينة رسول الله – صلى الله عليه وسلم - ومسجده .
 
وتلتقي في هذه المشاعر المقدسة ، وتلتزم أمر الله - سبحانه وتعالى - في أداء المناسك ، ولذلك من شرع الله - عز وجل - حكم كثيرة ، ومعانٍ عظيمة ، نقف مع بعضها حتى نتأمل ونتدبر ، وحتى نتذكر ونتفكر ، وحتى نرجع المسيرة ، ونقوّم الاعوجاج ، ونتناصح فيما بيننا فيما أراده الله - عز وجل - منا .
 
أول درسٍ من هذه الدروس العظيمة : درس الوحدة والمساواة
 
الله - جل وعلا - يقول : { وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامرٍ يأتين من كل فجٍ عميق } .
 
هذا النداء الأزلي التاريخي منذ عهد الخليل إبراهيم - عليه السلام -ما يزال يتردد صداه في أنحاء الكون ، وفي سائر الأمكنة ، وعبر جميع العصور والأزمنة ، وما تزال تهفوا به قلوب ، وتتحرك به أقدام ، وتسير به جموع ، وتؤدى به فريضة الله - عز وجل - .
 
وذلك ينبأنا عن حقيقةٍ مهمةٍ ، ينبغي أن تعيها الأمة في هذا الواقع المعاصر ، وهو أنه لا جمع لشتاتها ، ولا ربط لأواصلها ، ولا التحام لصفوفها إلا بنداء الإسلام ، وإلا بشعار " لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله " .
 
ينبغي أن تدرك الأمة اليوم - وهي في أمس الحاجة إلى الوحدة التي هي طريق القوة - إلى أن تنبذ أسباب الشقاق والنزاع ، وهي في أمس الحاجة إلى أن ترتبط القلوب ، وتأتلف الأرواح ، وأن تعلم أنه لا طريق يجمع هذه الفئام من الناس والجموع التي تختلف في لغاتها .. في ألوانها .. في أعراقها .. إنه لا يجمعها إلا نداءُ بسم الله - عز وجل - ولا يجمعها إلا منهجُ من عند الله - عز وجل - لذلك يعجب المرء اليوم عندما يرى في هذا الزمن الذي لا يلتفت فيه غالب الناس إلا لمصالحهم ، ولا يبذلون إلا لمنافعهم ، ولا يتحركون إلا لذواتهم .
 
يعجب عندما يرى هذه الفريضة في هذه الأمة ما تزال تنبأ الدنيا كلها على أن هذه الأمة لا تتحرك ولا تبذل إلا لله - عز وجل - .
 
انظر إلى من يأتي من أقاصي الصين ، ومن يأتي من أعماق أفريقيا السوداء ومن يأتي من أواسطي أوروبا البيضاء ، ومن يأتي من شرق الدنيا وغربها وشمالها وجنوبها .
 
وانظر إلى فقيرِ ربما جمع مال ونفقة الحج عبر سنواتٍ طوال ، وانظر إلى عجوزٍ قد أحنى الزمان ظهرها ، وأناخت الدنيا عليها بزمانها وأيامها وسنواتها ، وانظر إلى هذه الجموع في اختلافها وتنوعها .. ما الذي حركها ؟ما الذي هيجها ؟ ما الذي دفعها ؟ إنه : { وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامرٍ يأتين من كل فجٍ عميق } .
 
يأتون مشياً على الأقدام ... ركوباً على الجبال .. عبر البحار .. وفي السماء وعلى الأرض بكل وسيلةٍ تحركهم .. قلوبُ تتعلق بالله - عز وجل - وتتحرك شوقاَ إلى لقائه ، وتهفو إلى رؤية بيته المحرم ، وتهفو إلى هذه الأماكن المقدسة ، وإلى هذه الفرائض المعظمة .. ينبغي أن ندرك وتدرك الأمة أن الدرس الأعظم هو أنه لا جماع لها ، ولا وحدة لما تفرق من أوصالها إلا بهذا الدين ، وعلى منهج هذا الدين ، وعلى خطى الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم - .
 
ولا وحدة إلا بمساواة ، إذ كيف يمكن أن يتوحد من يختلفون ومن يتعالى بعضهم على بعض ! ونجد هذا المعنى جلياً واضحاً في هذا الحج الذي يأتي إليه الصغير والكبير ، والغني والفقير ، والحقير والأمير ، كلهم يتجردوا من كل لونٍ من ألوان المخالفة ، ومن كل صورةٍ من صور التعالي والاختلاف ؛ ليكونوا جميعاً ليس لهم وصفٌ إلا أنهم عبادٌ لله - عز وجل - ، يتشرفون بالعبودية والذلة لله - عز وجل - ..
 
ومما زادني شرفاً وتيهاً **** وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي **** وأن صيّرت أحمد لي نبياً
 
ينبغي أن تعلم - أيها الاخوة - أنه لا طريق للأمة إلا بدينها ، ولا نجاة لها إلا الاعتصام بمنهج ربها ، وهكذا تتجسد في الحج هذه الصورة العظيمة القوية التي تهز القلوب ، وتشد الأبصار ، وتحيّر عقول الجاهلين ، كيف اجتمعت هذه الآلاف المؤلفة على ما بينها من اختلافاتٍ عديدة ، لا يجمعها إلا نداء الإسلام ، وإلا الاستجابة لأمر الرحمن - سبحانه وتعالى - .
 
ولذلك تتساقط الأحساب والأنساب ، وتتهاوى اللغات باختلافها ، وتذوب العرقيات وأصولها ، أفترون شيئاً يجمع الناس أو يجمع هذه الأمة إلا الدين .
 
كيف تجتمع على لغةٍ وفيها من ينطق العربية والأردية والإنجليزية والأفريقية ، وفيها لغات لا حصر لها ولا عد .
 
أو ترونها تجتمع على أصولٍ عرقية ، وفيهم أكرادٌ وأتراكٌ وو.. إلى آخر هذه الأعراق المختلفة . أو ترونها تجتمع في نسبٍ وهي من قبائل شتى ومن أصولٍ مختلفة .
 
إنه لا يجمعها إلا دين الله - عز وجل - الذي تحققت فيه الاخوة كاملة ، والوحدة في أتمّ صورها ، والمساواة في أعظم مظاهرها في عهد النبي – صلى الله عليه وسلم - وعبر تاريخ الأمة ، فآخى صهيباً ، وآوى بلالاً ، ونادى بسلمان في العالمين .
 
صهيبٌ روميٌ ، وبلالٌ حبشيٌ ، وسلمانُ فارسيٌ ، وكلهم إسلامي ينتمي إلى هذا الدين العظيم ، ويتشرف باتباع الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم - .
 
هنا عندما يعلن الإسلام تتحرك القلوب ، وتتوحد الصفوف ، وتشتبك الأيادي ، وهذا سرٌ عظيمٌ من أسرار قوة هذه الأمة ، جعل الله -عز وجل - لها بهذه الفريضة صورةٌ تذكرها بهذا الأمر العظيم الذي لا انتساب ولا افتخار ولا ارتباض فيه إلا بهذا الدين العظيم .
 
أبي الإسلام لا أبا لي سواه **** إذا افتخروا بقيسٍ أو تميم
 
ونحن اليوم في هذه المعانة الأليمة التي يمر بها المسلمون في مواقع شتى ، وفي مجتمعاتهم على اختلاف أنواعها ، يبرز هذا الدرس ليعلم الناس جميعاً أنه لا حركة ولا بذل إلا لله - عز وجل - .
 
ونحن اليوم - وبحمد الله - نرى الصحوة الإسلامية هي التي تحرك شعوب الأمة في كل مكان ، فإذا رفع شعار الإسلام تسارع الناس إليه زرافاتِ ووحدانا ، وإذا دعي إلى تطبيق الشريعة هتفت بذلك القلوب قبل الحناجر ، وإذا دعي إلى الجهاد في سبيل الله سبقت الأرواح قبل الأجساد ، وذلك هو السر الذي بدا اليوم يعود ويتجدد في الأمة ، فبدأت صورتها تنبض بالحياة ، وبدأ بصيص الأمل والنور يشرق هنا وهناك ، ويؤذن بأذن الله - عز وجل - أن يكون فجره وإشراقه قريباً وما ذلك على الله بعزيز . والله - عز وجل - يقول : { وأذانٌ من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله } .
 
وهذا الدرس العظيم الثاني الذي تتلقاه الأمة في مدرسة الحج الكبرى ، إنه درس الولاء له - عز وجل - والبراء من أعدائه - سبحانه وتعالى - .
 
إنه درس الطاعة والاستجابة ، والخضوع والذلة لله .. درس الاستعلاء والاستكبار والاستعصاء على كل شيءٍ غير الله - عز وجل - .
 
إنه لا طاعة .. لا استجابة إلا له - سبحانه وتعالى - ، ولذلك تأمل في ذلك الشعار الذي هو أبرز شعارات هذا الحج : ( لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ) .
 
أي نداءٍ وشعارٍ أعظم في توحيد الله - عز وجل - من هذا ؟ أي إعلانٍ بالخضوع والذلة والطاعة لله أعظم منها ؟ .
 
أي نداءٍ أعظم في البراء ونفي الشريك والند ونفي نسبة الحمد والنعمة والملك والقوة لغير الله من هذا النداء ؟ إنه نداءٌ وشعارٌ وتذكرة يبينها الله - عز وجل - في نداء الحج : { وأذانٌ من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله } .
 
فهل تبرأت الأمة من ولائها لأعدائها ؟ وهل تحققت من ولائها لربها ونصرتها لإخوانها ؟ .
 
إنها تساؤلات .. عندما تدور في خلد المؤمن ربما يطأطأ من رأسه خجلاً من نفسه أولاً ، ومن واقع أمته ثانياً عندما يرى نقضاً لصور الولاء لله ، وعندما يرى تحققاً لصور الولاء لأعداء الله - عز وجل - .
 
إن هذا الموسم العظيم موسمٌ يؤكد على كل مسلم أنه إذا استمع إلى نداء الله لا يتوانا ولا يتأخر .. لا يفكّر ولا يتردد بل يقول بقلبه ولسانه وجوارحه : " لبيك اللهم لبيك " ..
 
{وما كان لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم } ، إذا جاء الأمر من الله فلا مجال إلا للاستجابة إلى الله - سبحانه وتعالى - : { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً } .
 
انظر إلى واقعك كم هي الأوامر الربانية ، والفرائض الإسلامية ، والمندوبات النبوية التي تدعوك وتقرأها في كتاب الله ، وتبصرها في حديث المصطفى – صلى الله عليه وسلم - ثم لا تقول بواقع حياتك وسلوكك : " لبيك اللهم لبيك " ! .
 
كيف تقول هذا في الحج ، وتخرج من أقصى الديار ، وتبذل من خالص الأموال ، وتقول بلسان حتى يبح الصوت : "لبيك اللهم لبيك : ثم تقيم على معصية أو لا تتحقق بالبراءة التي تقولها : ( لبيك لا شريك لك لبيك ) .. لا شريك لك في طاعة .. لا شريك لك في حكم .. لا شريك لك في منهج .. لا شريك لك في خوفٍ ولا رهبةٍ ولا رجاءٍ ولا إنابةٍ ولا توكل بالاعتماد واتصالٌ وتحيدٌ له - عز وجل – ثم : ( إن الحمد والنعمة لك والملك ) كل ما في هذا الوجود ، وكل من في هذا الوجود ، وكل ما علا هذا الوجود لله - عز وجل - ثم تأكيد ( لا شريك لك ) .
 
إنها معانِ عظيمة ، وأذانٌ أن يتحقق الولاء التام والاستجابة الكاملة لله -عز وجل - في هذه الأمة ، أفراداً وأسراً ومجتمعاتٍ ودولاً وحكومات أن تحكم شرع الله ، أن تطبق دين الله ، أن تعلي راية الله ، أن تدعوا يديك الله - عز وجل - وهذا الدرس العظيم درس الولاء والطاعة لله - عز وجل - من أعظم الدروس التي ينبغي أن تفقهها الأمة .
 
ثم ننطلق إلى درسٍ ثالث والله - جل وعلا - يقول : { الحج أشهرٌ معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى } .
 
( فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ) والرفث -كما ذكر أهل العلم -كلمةٌ جامعةٌ لكل ما يريده الرجل من المرأة ، ويطلق أيضاً ويراد به الفحش من القول .
 
وانظر رعاك الله إلى هذه الفريضة والله - عز وجل - ينادينا فيها إلا أن تتطهر الأمة من الرفث والفسوق والجدال ، وهذه المذمومات التي تهيّج الغرائز ، وتفسد السلوك ، وتشيع صور الانحلال في المجتمعات الإسلامية ، والتي أيضاً من وجهٍ آخر تورث الفرق والنزاع ، والحقد والغل والبغضاء ، واختلاف الآراء في الأمة أيضاً .
 
وانظر إلى واقع الأمة كم فيها من أقوال الرفث ، ومن صور الفسوق في كثيرٍ من الديار الإسلامية .
 
وانظر إلى الغناء الفاحش ، وانظر إلى التمثيل الداعر ، وانظر إلى كثيرٍ مما يخزى ويندى له جبين الإنسان الكريم ، فضلاً عن المسلم الملتزم الصادق الذي جعل الله - عز وجل - له الحياء خصلةً عظيمةً من خصال الإيمان فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( والحياء شعبة من الإيمان ) . وقال - كما في مستدرك الحاكم - : ( الإيمان والحياء قرناء جميعا فإذا نزع أحدهما نزع الآخر ) . وفي الصحيح عنه - عليه الصلاة والسلام - : ( إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت ) .
 
فهل فقد أولئك القوم من أمة الإسلام حياءهم ؟ وهل تجردوا من دينهم ؟ وهل مسخوا من فطرتهم ؟حتى نرى في مجتمعاتٍ إسلامية ما لا يمكن - أحياناً - أن يُرى في مجتمعات كافرة لا تؤمن بالله - عز وجل - .
 
ونحن أمة الفضيلة .. أمة الطهارة .. أمة النقاء في ألفاظنا ، في أقوالنا ، في أسماعنا ، في نظراتنا : { وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم } .. { من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت } .
 
وانظر - رعاك الله - إلى حالك وحالي وحال الناس من حولنا ، كم من الأقوال والكلمات والأساليب والأحاديث التي يتعاطاها الناس ؟ وفيها فحشٌ من القول ، وفيها بذاءٌ من الكذب ، وفيها سبٌ وشتمٌ ولعنٌ ، حتى عاد الناس اليوم يسمعون هذه الكلمات فلا تثير فيهم حمية ولا غيرة ، ولا يلقون فيها اشمئزازاً ولا نفرة لما ؟ ..
 
لأنه قد شاع رفث القوم وفحشه ، وشاع الفسق والخبا في كثير من الأوضاع التي تحياها الأمة في كثير من أسقاعها وبلادها وبيئاتها .
 
واليوم نحن نقرأ هذه الآيات في موسم الحج : { فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج } .
 
ينبغي أن يكون كل منا متحققاً بهذه الآية الكريمة في واقع حياته اليومي ، وفي واقع سلوكه الدائم ، ثم أن يقيم ذلك في أسرته وجيرانه ومجتمعه وبيئته ؛ فإن الأمة قد فشى وكثر فيها ما نهاها الله - عز وجل - عنه ، وينبغي أن تنتبه لهذا ، وأن يدرك الراغب في الحج ، أو المتأمل في حديث النبي – صلى الله عليه وسلم - الصحيح عندما قال : ( من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه ) ، فكمال الحج وتمامه إنما يكون بهذا التطهر .
 

الخطبة الثانية

 
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون :
واعلموا أن هذه المدرسة فيها دروسٌ ودروسٌ ودروسٌ كثيرة ، ونذكر منها تتمةً لما سبق ، درسٌ عظيمٌ تلقت الأمة نتيجةً لعدم أخذها به كثيراً من البلايا والرزايا والمصائب العظمى ، ذلكم ما ينبأنا عنه حديث النبي – صلى الله عليه وسلم - في الصحيح من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه - ، عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه سئل فقيل له :
 
" أي الأعمال أفضل ؟ " ، فقال : ( إيمانٌ بالله ورسوله ) ، قيل : " ثم أي ؟ " ، قال : ( جهادٌ في سبيل الله ) ، قيل : " ثم أي ؟ " ، قال : ( حجٌ مبرور ) .
 
وفي حديث عائشة - رضي الله عنها - في الصحيح قالت : يا رسول الله إنا نرى الجهاد أفضل الأعمال أفلا نجاهد ؟
 
- تتحدث بلسان النساء - فقال لها النبي – صلى الله عليه وسلم - : ( لا : ولكن أفضل الجهاد حجُ مبرور ) .
 
وفي حديث الحسن عن النبي – صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( هلم إلى جهادٍ لا شوكة فيه الحج ) . رواه الطبراني برجالٍ إسناده ثقات .
 
ونلحظ في هذه الأحاديث النبوية أن النبي - عليه الصلاة والسلام - يجمع بين الحج والجهاد في أنهما معاً جهادٌ في سبيل الله - عز وجل - . إلا أن الحج جهادٌ لا شوكة فيه ، والجهاد هو جهاد الشوكة والسيف والقتال والاستشهاد في سبيل الله – عز وجل - .
 
وهذا الحج فيه من معان الجهاد الكثير والكثير ففيه الخروج من البلاد وترك الأهل والأولاد كما يخرج المجاهد تماما .
 
وفيه الإنفاق والبذل بالمال كما ينفق المجاهد أيضاَ في سبيل الله ابتغاء التهيؤ والاستعداد للغزو في سبيل الله .
 
وفيه أيضاً من المعان العناء والمشقة والصعوبات والخوف الذي قد يعتري طريق الحاج في بعض الأحوال كل ذلك أيضاً تذكيرٌ ومعنى من معانٍ الجهاد .
 
فيه أيضاً فوق ذلك كله الارتباط بالله ، فلن يخرج إلا لله ، ولن ينفق إلا لله ، ولن يبتغي إلا وجه الله -عز وجل - فلذلك الحج صورةٌ من صور الجهاد ، ونموذجٌ من نماذجه ، وتذكرةٌ بالجهاد الآخر الذي غفلت عنه الأمة ، وتركته دهراً طويلاً ، وشاع بين صفوف كثيرٍ من أبنائها أن الجهاد ليس إلا دفاعاً عندما يعتدى على الأمة .
 
أو أن الجهاد ليس إلا في حالات الضرورة ، أو إن الجهاد كذا وكذا ،كما يشاع أو يذاع أو يقال ، حتى يتوهم الناس أن الجهاد ليس فريضةً ولا شريعةً من شرائع الإسلام ، وهو من أبرزها وأعظمها في دين الله - عز وجل - .
 
وانظر لترى ما هو أعظم من ذلك عندما صار الجهاد في لسان أو على لسان كثير من ألسنة الإعلام .. صار الجهاد إرهاباً ، وصار الجهاد تطرفاً عندما تختلط الموازين ، وتختلف القيم ، وتنتكس وتختلط المصطلحات يحصل مثل هذا اللبس .
 
وتأتينا فريضة الحج لتذكر الأمة بفريضة الجهاد ، التي هي فرض كفايةِ ينبغي أن يقوم من الأمة ، ومن أبنائها من يتحقق بهم فرض هذا الجهاد كما أراده الله - عز وجل - .
 
وما ترك قوماً الجهاد إلا ذلوا وغزوا في عقر دارهم ، وما هوان الأمة الإسلامية اليوم وهي عديد أفرادها حتى فاقو الحصر والعد ، وما ضعفها اليوم وهي كثيرةٌ أقطارها ، وغزيرةُ مواردها ، إلا لأنها لم تأخذ فريضة الجهاد مأخذ رسول الله – صلى الله عليه وسلم - ومأخذ سلف الأمة من الصحابة والتابعين والقواد والمجاهدين والفاتحين ،فإذا اغتصبت أرضٌ إسلاميةٌ لزم على الأمة أن تجاهد حتى تسترده ، بل ليس ذلك وحسب ، بل الجهاد فريضةٌ ماضيةٌ إلى يوم القيامة ، كما اخبر النبي – صلى الله عليه وسلم - وقد أخبرنا عن آخر الزمان ، وأن المسلمين يقاتلون اليهود ، حتى يقول الشجر والحجر : " يا مسلم يا عبد الله هذا يهوديٌ خلفي فتعال فاقتله " .
 
ولسنا بحمد الله في شكٍ من ديننا ، فهذه الفريضة التي هي جهاد تذكرنا بأختها أن يعتنى بها .
 
وعندما رفعت راية الجهاد الإسلامي ، وانتدب لها المسلمون الصادقون ، ظهرت صورٌ من عزة الإسلام ، وظهرت صورٌ من قوة الإيمان تبين لنا أن طريق الأمة إذا سارت على خطى الجهاد والمجاهدين - بإذن الله عز وجل - يكون إلى عزٍ ونصرٍ وتمكين .
 
وأختم هذه الدروس بدرسٍ عظيمٍ أيضا أخبرنا النبي – صلى الله عليه وسلم - به في مقامٍ عظيم عندما جاءت في خطبة حجة الوداع وهو يقول لصحابته ؛ ليثير اهتمامهم وليشد قلوبهم وعقولهم :
 
( أي يومِ هذا ) يقول الراوي قلنا : الله ورسوله أعلم .. وظننا أنه يسميه بغير اسمه ، قال : ( أليس يوم النحر ؟)
 
قلنا بلى يا رسول الله ، قال : ( فأي شهرٍ هذا ؟ ) ، فسكتنا حتى ظننا أنه يسميه بغير اسمه وقلنا : الله ورسوله أعلم .. قال : ( أليس شهر ذي الحجة ؟ ) ، قلنا : بلى يا رسول الله ، قال : ( فأي بلدِ هذا ؟ ) ،قلنا : الله ورسوله أعلم .. وسكتنا حتى ظننا أنه يسميه بغير اسمه ، فقال : ( أليست البلد الحرام ؟ ) ، قلنا : بلى يا رسول الله ، قال - عليه الصلاة والسلام - : ( إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم حرامُ عليكم كحرمة يومكم هذا في يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ، اللهم هل بلغت .. اللهم هل بلغت .. اللهم هل بلغت .. اللهم فاشهد لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ) .
 
وانظر إلى واقع الأمة ، وكيف سرت الفتنة بين صفوفها ، وجرى القتال بين أبنائها ، وسالت الدماء بأيدي المسلمين فيما حصل من نزاعاتٍ واختلافاتٍ ذلك أن الأمة إذا تركت استمساكها بأمر ربها ، واعتصامها بحبل الله ؛ فإنه يحصل مثل هذه الصور وهي من أعظم ما حرمه الله - عز وجل - وقد ورد عن النبي – صلى الله عليه وسلم - أن حرمة المسلم عند الله أعظم من حرمة الكعبة .
 
فكيف إذا كان هذا في صفوف المسلمين وكيف إذا كان يجري على أيدي أعداء الله الكافرين .
 
كيف بنا نرى ذلك ولا ترى في الأمة التعظيم الذي ذكره النبي - عليه الصلاة والسلام - بحرمة الدماء والأعراض والأموال ، أفلسنا نرى الدماء تسفك والأعراض تنتهك ، والأموال تنتهب في إخواننا المسلمين في البوسنة وفي فلسطين وفي كشمير وفي غيرها من بلاد الإسلام والمسلمين ، كل ذلك يوجب على الأمة أن ترعى الحرمة لتي ذكرها بها النبي – صلى الله عليه وسلم - .
 
ونحن في هذا الموسم العظيم نعيد التذكرة التي ينبغي أن نعيها ، وأن نحققها في أنفسنا الوحدة التي طريقها الاستمساك بأمر الله - عز وجل - ولا بد من ذلك لا بد من الوحدة والمساواة ، لا بد من الولاء والطاعة لله ، لا بد أن نلغي من قاموسنا وسلوكنا وأقوالنا الرفث والفسوق والجدال .
 
لا بد لنا أن نسعى إلى أن تتحقق الأمة برفع راية الجهاد ، وأن نتحقق بتعظيم حرمات المسلمين والانتصار لها .

المراجع

موسوعة اسلاميات

التصانيف

عقيدة