كتب: د. علي بن عمر بادحدح
20 يوليو, 2009 - 28 رجب 1430هـ
 

الخطبة الأولى

 
أما بعد أيها الإخوة المؤمنون :
حديث الناس عن الهول العظيم ، والزلازل المدمرة ، والأمواج المهلكة .. صورة مرعبة ، وهول مفزع ، وأمر - ليس لأكثر الناس - بل لجميع الحاضرين في هذه الآونة من الزمن به عهد سابق أمر من الأمور الكونية القدرية ، التي لها عندنا - معاشر المؤمنين - فقه خاص ، ينبغي أن نؤكد عليه ، وأن نذّكر به .. ليس وقوفنا مع الأمواج العاتية ، التي تبلغ ارتفاعاتها من عشرين إلى أربعين متراً فيما وقع وفيما هو من الناحية العلمية تصل إلى نحو مائة متر في الارتفاع ، وهذا معناه أن ارتفاعها يبلغ ارتفاع مباني تصل إلى عشرات الأدوار ، ثم فوق ذلك تدخل إلى اليابسة متجاوزة حدودها التي أمسكها الله عز وجل عنها طوال الأيام والأعوام ، التي لم يكن الناس يلتفتون إلى ذلك ، ولا يعتبرون به تدخل إلى اليابسة إلى عمق وصل في بعض المناطق إلى ثمانية كيلو مترات ، وتضرب بقوة عاتية ، تحمل صخوراً تصل إلى عشرين طناً من الوزن ، وتغمر الأرض بمائة طن من المياه لكل متر مكعب في الأماكن المواجه لها .. فهل يصدّق الناس هذا لو لا أنه كان رأي العين ، ولولا أنه خلف وراءه أكثر من عشرين ومائة ألف قتيل إلى حد الإحصاءات القريبة ، وعدد مجهولاً من المفقودين ، وأكثر من خمسة ملايين من المشردين ، وآلاف الملايين من الأموال والخسائر ! هل حصل ذلك عبر عام كامل ، أو عبر عقد كامل ؟ إنه حصل في سويعات من يوم أو يومين ، ويمتد الهول من أماكن بعيدة في جنوب شرقي آسيا ليصل إلى جوانب من أفريقيا ، ليقطع هولاً من المسافات شاسعاً ؛ إذ أن هذه الأمواج تصل سرعتها إلى ثمانمائة كيلومتراً في الساعة مقارنة بذلك سرعة الطائرات النفاثة ، وهذه صورة مبسطة مما ينبغي أن تنقشع الغشاوة فيه عن الأعين ، وأن يجلى كدر وصدأ القلوب من جديد عندما تعم الغفلة ، وتضرب بسكونها وعاداتها فلا يلتفت عقل ، ولا تنظر عين ، ولا يتدبر قلب ..
 
إن لهذه الحقائق قد سمعها الناس جميعاً وربما عند بعضكم من تفصيلاتها أكثر مما قلت ، ومما قد أقول ، لكن ما وراء ذلك ؟ ما الذي ينبغي أن نلتفت إليه ، ونستفيد منه ، ونحن قد سلمنا الله - جل وعلا - من كل هذا الهول العظيم ، والخطب الجسيم ، والدمار الكبير ، فلننتبه .. وإليكم هذه الوقفات :
 

أولها : الانتباه إلى قدرة الله

قدرة لا يعجزها شيء ، قدرة لا يستطيع الخلق أن يتصوروها ، ولا أن يعرفوا مدى حجمها ، ولا أن يحيطوا قطعاً بآثارها ، وما قد ينجم عنها ، وذلك في حس المؤمن له آثار كبيرة .. إن علمت أنه - جل وعلا - هو رب الأرباب ، وملك الملوك ، وجبار السماوات والأرض ، وأنه كما قال جل وعلا : { له جنود السماوات والأرض } ، وأنه كما قال جل وعلا : { وما يعلم جنود ربك إلا هو } ، وأنه كما قال سبحانه وتعالى : { إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون } .
 
فما بالك تستمد القوة من غير قوة الله ؟! وما بالك تخضع وتخاف وتذل لقوة الخلق والبشر ؟! وأين هذه القوة لو كانت على هذه السواحل الطائرات الحربية ، والدبابات المدمرة ، فهل ستقف أمام هذه القوة العاتية ؟ ومن ماذا ؟ من زلزال في ثوانٍ معدودات ، أو دقائق قليلة ، ومن أمواج من ماء البحر الذي نركبه ويركبه الناس كل يوم !
 
ثم انظر وتأمل : ما الذي يجري في واقع المسلمين وواقع الأمة اليوم ؟ وقد خضعت الرقاب ، وذلّت الأعناق ، وسلمت الديار خوفاً من قوة تسمى قوة عظمى ، وخسئت كل قوة أن تسمى قوة عظمى ، ولله جل وعلا القوة العظمى .. هو جل وعلا قال عن نفسه : { إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين } هو الذي بين لنا حقائق لنا في كتابه ، قال تعالى : { ما قدر الله حق قدره إن الله لقوي عزيز } .
 
إن الذين ركنوا إلى قوى الأرض حقيقة ما قدروا الله حق قدره ، وما أيقنوا أن الله هو القوي العزيز ، قال تعالى : { أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليماً قديراً } .
 
ونموذج قرآني واحد .. أقدّمه ليكشف عن بعض هذه القوة عند قوم كانوا جبابرة في الأرض ، كانوا قد سخروا وذللوا كثيراً من أسباب الأرض ، حتى نحتوا الجبال ، وجعلوا بيوتهم وقصورهم في أعماقها وبطونها .. قومٌ كانوا يرون أنه ليس هناك من هو أقوى منهم ، ولا من هو أقدر على مواجهتهم .. قال تعالى : { فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون * فأرسلنا عليهم ريحاً صرصراً في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون } .
 
مستكبرون مغترون بقوتهم ، يقولون بلسان الكفر والفجور : " { من أشد منا قوة } كل قوى الأرض تخضع لنا ، ونحن قادرون على البطش بها ، وعلى الانتصار عليها " ، وينسون الذي خلق والذي مكّن من الأسباب ، وأنه جل وعلا قادر على قهرهم أرسل عليهم جنداً من جنده ، في صورة وأيام وأحوال عارضة ، فانتهى أمرهم ، ودخلوا إلى سجل التاريخ مع الهالكين ، لم يحتاجوا من قوة الله عز وجل إلا إلى نزر يسير لا يستطاع تقديره من قلته ودناءته .. فهكذا نجد القرآن يخبرنا بذلك ويبينه لنا ، ونحن لا نلتفت ولا ننتبه ، قال تعالى : { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد }
 
وسيد الخلق صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الله ليمهل للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ) .
 
تذكروا كل جبابرة الأرض .. تذكروا كل قوى الطغيان ؛ ليس في قديمها من عهد فرعون ومن كان معه وبعده ؛ بل في حديثها إلى الدول العظمى التي سقطت من قريب ، بعد أن كان ذكر اسمها يخلع قلوب الضعفاء والجبناء ، قال تعالى : { وما ذلك على الله بعزيز } .
 
وانتبه إلى هذه القوة العظيمة لتوقن أنها في أي لحظة من اللحظات قد يصيبك أثر منها ، وقد يحل بك بلاء منها ، فأين أنت من النجاة إلا بعصمة الله ورحمة الله !
 
ويوم كان ابن نوح عند الطوفان ، غره عقله ، وظن أن أسباب النجاة المادية ممكنة ، فقال { سآوي إلى جبل يعصمني من الماء } وجاء الجواب : { لا عاصم اليوم من أمر الله } وانتهى به الأمر أن غمر الماء الجبال العالية ، وأن غمر كل شيء فلم يبقي ولم يذر ، ولم ينجوا إلا النفر الذين آمنوا بالله ، واتبعوا رسوله ، وكانوا قلة قليلة .. ذكر بعض أهل التفسير : " أن الذين آمنوا مع نوح واتبعوه في أقل الروايات اثنا عشر رجلاً ، وفي أكثرها أربعون رجلاً " .
 
فانظروا إلى رحمة الله كيف استثنت قلة قليلة ، وأهلكت كثرة كافرة فاجرة عاتية باغية ظالمة ، قال تعالى : { وما ذلك على الله بعزيز } .
 
الأمر الثاني : إن هذا الهول الذي نذكره ، وإن هذا الخطر العظيم الذي نكاد لا نتصوره ، لا يعد شيئاً مذكوراً أمام الهول الأكبر الذي ساق الله لنا من آياته
 
وأخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم عنه في أحاديثه ما يشيب لهوله الولدان ، فكيف نغفل عن ذلك ؟ وإذا جاء مثل هذا وجدنا خوفاً كبيراً ، وذهولاً مثيراً ، وعجزاً تاماً ، وحيرة كاملة ! كلنا رأى كيف انخلعت القلوب ! كيف طاشت العقول ! كيف اضطربت الدول ! كيف ماج العالم كله أمام هول واحد من أهوال الدنيا ! فكيف بهول نهاية العالم ، وانتهاء هذه الحياة كلها ، وطي صفحتها ؟ كيف بهول القيامة ؟ كيف بهول الحشر ؟ كيف بهول النشر ؟ كيف بهول البعث ؟ كيف بهول الوقوف بين يدي الله ؟ كيف بهول المرور على الصراط ؟ كيف بهول تكاثرت فيه الآيات وتعددت فيه الروايات ؟
 
سبحان الله ! كم يسوق الله - جل وعلا - عن العبر ، وكم تذكر الآيات ذلك الهول ، ويصفه بصور تنخلع لها القلوب المؤمنة ، وتجفل منها وتتذكر وتتعظ بها ، قال تعالى : { يوم تمور السماء موراً * وتسير الجبال سيراً } .
 
قال السعدي في تفسيره : " وذلك لعظم أهوال القيامة ، وفضاعة ما فيه من الأمور المزعجة ، والزلازل المقلقة التي أزعجت هذه الأجرام العظيمة ، فكيف بالآدمي الضعيف ؟ " .
 
قال تعالى : { فإذا النجوم طمست * وإذا السماء فرجت * وإذا الجبال سيرت }
 
قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى { فإذا النجوم طمست } : " أي ذهب ضوءها " { وإذا السماء فرجت } : " أي انفطرت وتشققت وتدلت أرجاؤها ، ووهنت أطرافها " { وإذا الجبال سيرت } " أي ذهب بها فلا يبقى لها أثر ولا عين " .
 
قال تعالى : { ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً * فيذرها قاعاً صفصفاً * لا ترى فيها عوجاً ولا أمتا } .
 
وإذا مضيت وجدت الآيات في كل هذه الصور كثيرة وعظيمة ، وهولها هائل من أبلغ ما جاء فيها مما ينبغي استحضار تذكره وتدبره ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ } .
 
هولٌ تنصرف فيه الأم الحنونة عن ابنها الرضيع ، هولٌ يجعل الأرحام تقذف ما فيها ، هول لا يسأل فيه أحد عن أحد .. قال تعالى : { يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ } .
 
وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها - كما صح عند البخاري وغيره - تستمع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يقول : ( يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً ) فقالت أم المؤمنين : يا رسول الله الرجال والنساء جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض ؟! - فطرة الحياء والإيمان أنطقتها - فقال صلى الله عليه وسلم : ( إن الأمر أشد من أن ينظر بعضهم لبعض ) إنه أمر لا يبقى فيه للعقل انصراف إلى شهوة ، ولا تفكير في لذة .. إنه هول صوّره لنا حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم عندما قال : (ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله كفاحاً ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه، فلا يرى إلا ما قدم، وينظر شماله، فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه، فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه فاتقوا النار ولو بشق تمرة ) .
 
وها هو صلى الله عليه وسلم يقول : ( لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ، ولبكيتم كثيراً ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى ) ألسنا نقرأ هذه الآيات ؟ ألسنا نعرف المعاني والدلالات ؟ فأين التذكر والاتعاظ والاعتبار ؟ أين الإيمان الذي ضعف في القلوب ؟ أين اليقين الذي تزعزع وتضعضع في النفوس ؟ أين استحضار ذلك كما كان عليه صلى الله عليه وسلم عندما قال : ( كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم قرنه ، وأحنى جبهته ، ينتظر الأمر بالنفخ في الصور ) الأمر أعجل من أن تبنى الدور ، وأن تؤثث القصور ، وأن يتزاحم عن الدنيا أهل الدثور .
 
وقديماً قال بعض الحكماء : " لو تأمل الإنسان في حاله لبنى داره على شفير قبره " تلك صورة من الهول الدنيوي الأرضي العابر ، تذكّر المؤمنين بالهول الأخروي الذي ينبغي أن يهيئوا أنفسهم له ، وأن يستحضروا دائماً هوله ليجزرهم عن المعاصي والسيئات ، وليدفعهم إلى الطاعات والقربات ، وليجعلهم دائماً في خوف من سخط جبار الأرض والسماوات .. إن كان حدث واحد زلزل العالم كله ، وقضى على تلك الآلاف المؤلفة من الأرواح ، وشرد تلك الملايين من البشر .. فأي هول يمكن أن يقارن بعد ذلك بالهول الذي جاءت به الآيات ، وذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
 
إنه لحري بنا أن نجعل هذه الحقائق في قلوبنا ، وأن نتلوا الآيات ، وهي بالمناسبة من السور التي يكثر تلاوتها في الصلوات .. قال تعالى : { إذا السماء انفطرت } ، وقال : { إذا الشمس كورت } .
 
كلها قد نسمعها في يومنا وليلتنا ، أو على أقل تقدير في الأسبوع ولو مرة أو أكثر .. فأين القلوب المتعظة ؟ وأين العقول المتدبرة ؟ وأين الأحوال المتغيرة ؟ وأين الاستقامة والإنابة التي ينبغي أن نلتفت إليها وننتبه إلى حقائقها ؟
 
وثالثاً وهو أمر عظيم جداً : تذكر نعمة الله
 
تعلمون أن أولئك القوم ناموا يوم سبتهم ، لا يلتفتون إلى شيء ، متنعمون وطاعمون وشاربون ، فأصبحوا وهم في هول الكارثة !
 
وأنت أيها الأخ المسلم في هذه الديار - وربما كثيرون غيرنا - لم يصبنا شيء .. فهل نبقى متفرجين متناقلين الأخبار ، وربما أيضاً ضاحكين وعابثين ؟ أليست القنوات ما تزال تبث الرقص والغناء ، وتأتيك نشرة الأخبار بالموت وبعده بالأرداف المهتزة ، والصدور المترنحة وغير ذلك ؟! أليس هذا تناقضاً يخبرنا عن أمر خطير مهم وهو الاعتراف بنعمة الله ، والشكر والحمد على نعمة الله !
 
ولعلي هنا أستحضر الحديث العظيم الذي رواه سهل بن سعد ، عند الترمذي في سننه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من أصبح منكم آمناً في سربه ، معافىً في جسده ، عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ) .
 
هذه هي الثروة العظمى .. لو أن واحداً من أولئك الذين أصيبوا قلت له ماذا تريد ؟ لقال : " لو كنت نائماً ، وليس عندي من الدنيا شيء إلا الأمن والأمان ، وإلا صحة الأبدان ، وإلا كسرات من خبز يقوم بها صلبي لكان ذلك خيراً " .
 
ونحن بحمد الله كلنا بتنا أمين في أسرابنا وبيوتنا وعند أهلينا ، وبحمد الله لنا صحة أبداننا ، وعندنا ليس قوت يومنا بل أيامنا وشهورنا ، بل ربما أعوامنا ! فأين نحن من شكر نعمة الله ؛ خاصة عندما نراها قد سلبت من قوم مؤمنين مسلمين ، أو كثرة غير مؤمنين .. أليس أولئك قد حرموا ذلك ؟ أليس أمنهم أصبح مهدداً بأرض ترجف من تحتهم ، وماء يغمر بيوتهم وديارهم ، أليست أعظم خطورة الآن يتحدث عنها هي خطورة الأمراض ، والأوبئة التي يخشى أن تفتك بأكثر مما فتكت به تلك الأمواج والفيضانات ؟ أليست الأقوات والأرزاق والأثاث والرياش كلها قد انتهت إلى لا شيء في لحظات ، ولو رأينا وسمعنا بعض ما كان في هذه الأحداث لرأينا عجباً ، وسمعنا هولاً .
 
نعم الله علينا متوالية فأين نحن من شكر هذه النعم بالعمل { اعملوا آل داود شكراً وقليل من عبادي الشكور } أو أين نحن من قصد السبيل الصحيح إلى حفظ النعم وزيادتها ، قال تعالى : { لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد } .
 
أو أين نحن من تذكر هذه النعمة .. إننا لو تصورنا اليوم أننا أو أن أحداً من قرابتنا المباشرين في تلك الأماكن .. أليس شعورنا سيكون مختلفاً ؟ ألسنا سنشعر بالخوف بقدر أكبر ؟ ألسنا سنحس بالمأساة بصورة أعمق ؟ ألسنا سندرك الهول بحجم أكبر ؟ فما بالنا ونحن في بيوتنا وديارنا ونتذكر هذه القدرة ونتذكر هول يوم القيامة ولا نستحضر النعمة العظيمة !
 
وهنا وقفة لا بد منها : نعمة الأمن والأمان
 
ونعمة رغد العيش ، وصحة الأبدان من أعظم نعم الله على عباده ؛ ولعلنا لا بد أن نشير إلى ما تحدثنا عنه مراراً : إن القتل والتفجير والتدمير الذي يجري إنما هو نقض لهذه النعمة ، وكأنما يفعل هؤلاء ما يناقض حمد الله - جل وعلا - وشكره على نعمته ، ولئن كان هذا الفعل ينبثق من تكفير ، فقد علمنا حكمه ، ولئن كان ينبعث من مواجهة أو رد فعلٍ ، فلا يجوز بحالٍ أن يكون سبباً في قتل الأرواح ؛ فضلاً عن ترويع الآمنين ، وفضلاً عن اختلال أوضاع البلاد والعباد .. فهذا كله من الأمور المحرمة التي - كما قلنا - هي خرق لأعظم نعمة في نعم الله عز وجل وهي نعمة الأمن والاستقرار ، ونحن في شهور الحج العظيمة ، وفي قرب من الفريضة الجليلة ، وفي أمان البيت الذي جعله الله عز وجل أماناً للناس ؛ حتى يؤدوا عبادتهم وهم في أمن على أرواحهم وأموالهم وأنفسهم ، وكذلك ساق الله عز وجل النعم ليكون الناس المنصرفين إلى عبادتهم وقد يسر الله لهم أرزاقهم .
 
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يذكرنا بنعمه ، وأن يوفقنا لشكرها ..


الخطبة الثانية

 
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون :
 
وإن أعظم درس من هول هذه الحادثة هو : الاعتبار والإدكار بأثر الذنوب والمعاصي
 
وهو أمر يطول الحديث فيه ، ويأتينا بعض من المسلمين وبعض من المتحدثين بلسان عربي مبين ليقولوا لنا : إنكم - معاشر الدعاة أو معاشر المسلمين المتدينين - تربطون كل شيء بالمعاصي والذنوب ! وهناك حقائق علمية ، وهناك قوانين أرضية تقول لنا : إن هذا حصل بسبب كذا وكذا ، وأنه وقع هنا لأجل كذا وكذا ، وأنتم كل شيء ربطتموه بالذنوب والمعاصي ! فهل هذه هي أثار الذنوب والمعاصي فحسب ؟ وأين هذه الكوارث من ذنوب ومعاصي أخرى ؟ فنقول لهم : إننا لا نلتفت إلى هذه الأقوال ، ونلتفت إلى قول رب الأرض والسماوات ، وإلى كلام أهل العلم ، وإلى بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك ، ونعرف باختصار شديد أن مثل هذه الأحوال هي عقوبات للمذنبين ، وابتلاء للمؤمنين ، وعبرة للناجين .. ففيها من كل وجه وفائدة قد تكون مختلفة عن الأخرى .
 
وهذا قول أوجز به لأن لا أطيل عليكم من كلام الشيخ ابن باز يرحمه الله قال :
 
" وإن للمعاصي والذنوب من الآثار القبيحة المضرة بالقلب والبدن والمجتمع والمسببة لغضب الله وعقابه في الدنيا والآخرة ما لا يعلم تفاصيله إلا الله تعالى ، فهي تحدث في الأرض أنواعا من الفساد في الماء والهواء والثمار والمساكن ، قال تعالى : { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } وقال تعالى : { وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } وإن فيما يقع من هذه الكوارث عظة وعبرة ، والسعيد من وعظ بغيره ، وبالجملة فإن جميع الشرور والعقوبات التي يتعرض لها العباد في الدنيا والآخرة أسبابها الذنوب والمعاصي ، وإن من علامات قساوة القلوب وطمسها والعياذ بالله أن يسمع الناس قوارع الآيات وزواجر العبر والعظات التي تخشع لها الجبال لو عقلت ثم يستمرون على طغيانهم ومعاصيهم مغترين بإمهال ربهم لهم عاكفين على اتباع أهوائهم وشهواتهم غير عابئين بوعيد ولا منصاعين لتهديد قال تعالى : { وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }
 
كما أن الاستمرار على معاصي الله مع حدوث بعض العقوبات عليها دليل على ضعف الإيمان أو عدمه ، قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ } .
 
وإن من الواجب على جميع المسلمين أن يأخذوا العظة والعبرة مما حصل وأن يتوبوا إلى الله وينيبوا إليه ويحذروا أسباب غضبه ونقمته " .
 
والله جل وعلا يقول : { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم }
 
وقد بينت الآيات هولاً عظيماً فيما يجري به قضاء الله وقدره من العذاب والهول بحسب ما يكون من الذنب والمعصية ، وحسبنا نموذج واحد يذكره لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيما صح عند البخاري من حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( بينما كان رجل يجر إزاره من الخيلاء خسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة ) .
 
وروى البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (تقوم الساعة حتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج، وهو القتل القتل، حتى يكثر فيكم المال فيفيض ) .
 
والله جل وعلا قد بين ذلك والنبي صلى الله عليه وسلم قد ذكره والله سبحانه وتعالى يقول : { وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ * ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءنَا الضَّرَّاء وَالسَّرَّاء فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ *‏ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ * أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ * أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ } .
 
وذلك تذكير وعظة وعبرة .. حقاً نحتاج أن نتذكرها ، وأن نوقن أنه ما وقع عقاب إلا بذنب ، ولا رفع إلا بتوبة ، فاقلعوا عن الذنوب ، وارجعوا إلى التوبة على الله سبحانه وتعالى أن يديم علينا نعمته .
 
ومن المهم أن نذكر أن كثيراً من هذه المناطق التي أصابتها هذه الكارثة هي من الشواطئ الساحلية السياحية ، التي بعضها معروف بأنه من أشهر أماكن الفسق والفجور والدعارة المعلنة على مستوى العالم وذلك من قدر الله سبحانه وتعالى .
 
والله جل وعلا قد بين كل أنواع العذاب رابطاً إياها بالذنوب { فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } والابتلاء أمره مهم ، وخطبه عظيم ، والتذكير بذلك من الأمور المهمة .. ودعك من مَن لا يرون ذلك ، ويفسرونه بالماديات ، ويظلون غارقين في المعاصي والسيئات .
 
وأخيراً : مسألة أحب أن أنوه بها وهي الموت
 
وعبرته وفجأته لمن يقول كما قال أهل الكفر : لِمَ تغامرون ؟ لِمَ تعرضون أنفسكم للخطر ؟ لِمَ تجاهدون في سبيل الله وقد تموتون وتقتلون ؟ لِمَ تفعلون هذا وذاك ؟
 
فجأة الموت كما بينها الحق سبحانه وتعالى في نداء لأهل الإيمان ؛ لئلا يكونوا كغيرهم من غير المؤمنين { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ *‏ وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ } .
 
كم هم أولئك الذين يقولون لنا مرة إثر مرة : " لِمَ يعرّض أولئك الناس الذين نفذروا أنفسهم للموت والقتل ؟ " ، ونسى هؤلاء قول الله عز وجل : { قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ } أولئك قومٌ لم يذهبوا لقتال ولا جهاد ، ولا يعرفونه ولا يخطر ببالهم .. ذهبوا إلى الشواطئ لكي يسبحوا ويلهوا ويلعبوا ويعبثوا .. فجاءهم الموت إلى ديارهم ، وبعضهم قادم من مسافات هائلة ، تاركاً ورائه أرضه ودياره .. الموت لا يفرّق !
 
وهذا خالد بن الوليد ، الذي لقي الموت مئات من المرات في ساحات الجهاد ، مات على فراشه وهو يقول : " ما في جسمي موضع شبر إلا فيه طعنة سيف ، أو ضربة رمح ، وها أنا ذا أموت على فراشي كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء " تحية للأبطال الشهداء ، وللمقاومين المجاهدين للأعداء من أبناء الإسلام في كل مكان ، ولئن قتلتم أو متم ؛ فإن ذلك فيه مغفرة ورحمة خير من الدنيا وما فيها ، وليخسأ الذين ما زالوا يعيشون خوفاً ورعباً ، ويعظّمون قوة غير الله عز وجل حتى كان منهم ما كان .. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً .

المراجع

موسوعة اسلاميات

التصانيف

عقيدة