الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم، الملك الحق المبين، القائل في كتابه الكريم: (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ * وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (سورة هود: 118- 119)، والقائل: (فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) (سورة يونس: 32)، والصلاة السلام على البشير النذير والسراج المنير محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى آله الأطهار، وصحابته الكرام وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

أما بعد:
هذه المسألة من المسائل الأصولية في كتب أصول الفقه في باب الاجتهادِ والتقليدِ، والخلاف فيها أدّى إلى آثارٍ خطيرةٍ سيئة بين المسلمين، فهل كل مجتهد مصيبٌ للحق والصواب، أم أن الحق والصواب واحدٌ من الأقوال وأنّ المجتهد المصيب له أجران، أجر على اجتهاده وأجر على إصابته للحق، والمجتهد المخطئ له أجرٌ واحد على اجتهاده؟ اختلف العلماء على قولين: قال الإمام النووي - رحمه الله -: " وهذا الاختلاف إنما هو في الاجتهاد في الفروع، فأما أصول التوحيد فالمصيبُ فيها واحدٌ بإجماع من يُعتدّ به"{1}
وقد اختلف الناس في هذه المسألة من مسائل الاجتهاد في الفروع وهذه أقوال العلماء:
قال الإمام النووي - رحمه الله -: " قد اختلف العلماء في أنّ كلِّ مجتهد مصيب أم المصيب واحد وهو من وافق الحكم الذي عند الله - تعالى -، والآخر مخطئ لا إثم عليه لعذره، والأصح عند الشافعي وأصحابه أن المصيب واحد"{2}.
وقال الشوكاني - رحمه الله -: " المسائل الشرعية التي اختلفوا فيها: فذهب جمعٌ إلى أن كلَّ قول من أقوال المجتهدين فيها حق وأن كل واحدٍ منهم مصيب، وقال الماوردي: وهو قول أبي الحسن الأشعري والمعتزلة، وذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي وأكثر الفقهاء إلى أن الحق في أحد الأقوال، ولم يتعين لنا وهو عند الله متعين، لاستحالة أن يكون الشيء الواحد في الزمان الواحد، في الشخص الواحد حلالاً وحراماً، وقد كان الصحابة - رضي الله عنهم - يُخطِّئ بعضهم بعضا، ويعترض بعضهم على بعض، ولو كان اجتهاد كل مجتهد حقا، لم يكن للتخطئة وجه.
ثم اختلف هؤلاء بعد اتفاقهم على أن الحق واحد، هل كل مجتهد مصيب أم لا؟
فعند مالك، والشافعي، وغيرهما أن المصيب منهم واحد، وإن لم يتعين، وأن جميعهم مخطئ إلا ذلك الواحد.
وقال جماعة، منهم أبو يوسف: إن كل مجتهد مصيب، وإن كان الحق مع واحد، وقد حكى بعض أصحاب الشافعي عن الشافعي مثله.
وأنكر ذلك أبو سحاق المروزي، وقال: إنما نسبه إليه قوم من المتأخرين، ممن لا معرفة له بمذهبه.
قال القاضي أبو الطيب الطبري: واختلف النقل عن أبي حنيفة، فنقل عنه أنه قال في بعض المسائل كقولنا، وفي بعضها كقول أبي يوسف، وقد روي عن أهل العراق، وأصحاب مالك وابن "سريج"، وأبي حامد، بمثل قول أبي يوسف.
واستدل ابن كج على هذا بإجماع الصحابة على تصويب بعضهم بعضا، فيما اختلفوا فيه، ولا يجوز إجماعهم على خطأ"{3}.
وكذلك الخطيب البغدادي - رحمه الله - ذكر اختلاف العلماء في هذه المسألة كما في كتابه القيم الفقيه والمتفقه{4}، والحافظ ابن حجر - رحمه الله - تعالى{5}، وابن عبد البر - رحمه الله -{6}، ويفهم من كلام أهل العلم أن الناس اختلفوا في هذه المسألة على قولين نذكرهما، ومن قال بهما مع أدلتهما ثم نذكر نرجح ما نراه منهما موافقاً لصواب، و نجيب على ما نراه مرجوح.
وينبغي أن نعلم أن المجتهد هنا هو العالِم الذي يبذل وُسعَه وجُهده لتحصيل حكم شرعي، ولابد أن تتوفر فيه شروط الاجتهاد وهي:
1- أن يكون عالماً بنصوص الكتاب والسنة المتعلقة بالأحكام الشرعية.
2- أن يكون عارفاً بمسائل الإجماع والاختلاف في الأحكام الشرعيـة.
3- أن يكون عالماً بلسان العرب بما يُمكنُه من تفسير ما ورد في الكتاب والسنة من الغريب ونحوه.
4- أن يكون عالماً بعلم أصول الفقه وعلم مصطلح الحديث ليميّز بين الحق والباطل.
5- أن يكون عارفاً بالناسخ والمنسوخ من النصوص.
فإذا كان كذلك جاز له الاجتهاد، وقد ذكر هذه الشروط الإمام الشوكاني - رحمه الله -{7}.
فظهر بهذا أن المسألة فيها قولان هما:
القول الأول: أن الحق في واحدٍ من الأقوال المختلفة وما سواه باطلٌ وخطأ، إلا أن الإثم موضوع عن المجتهد والمخطئ فيه، بل أن المجتهد المخطئ له أجرٌ واحدٌ على اجتهاده، والمجتهد المصيب له أجران، أجر على اجتهاده وأجر على إصابته للحق، كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث عمرو بن العاص - رضي الله عنه -، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر)) رواه البخاري برقم(6919)؛ ومسلم برقم(1716).
وممَّن قال بهذا القول جمهور أهل السنة وهو المشهور عن الأئمة الأربعة ومذاهبهم، ورجَّحه ابن حزم وابن عبد البر والشوكاني والمحققون من أهل العلم.
فقد ذكر الخطيب البغدادي بسنده إلى عبد الله بن المبارك أنه سُئل عن اختلاف أصحابِ محمد - صلى الله عليه وسلم - كله صواب؟ فقال: الصواب واحدٌ والخطأ موضوع عن القوم، أرجو"{8}، ثم ساق بسنده أيضاً إلى مالك بن أنس أنه سُئل فقيل له: أترى لمن أخذ بحديثٍ حدثه ثقة عن بعض أصحاب رسول الله سعةً؟ قال: لا والله حتى يصيب الحق، وما الحق إلا واحد، لا يكون الحقُ في قولين يختلفان"{9}، وبسنده إلى الليث بن سعد قال: " لا يكون الحق إلا واحد، ولا يكون في أمرين مختلفين{10}.
وذكر ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله: عن كثير من العلماء كلٌّ يحكي أن مذهب مالك - رحمه الله - في اجتهاد المجتهدين إذا اختلفوا: أنّ الحق من ذلك عند الله واحد من أقوالهم واختلافهم إلا أن كل مجتهد إذا اجتهد كما أُمر فقد أدى ما عليه وهو مأجور على قصدهِ الصواب وإن كان الحق عند الله من ذلك واحداً … ثم ذكر عن بعض العلماء بأن هذا القول هو الذي عليه عمل أكثر أصحاب الشافعي، قال وهو المشهور من قول أبي حنيفة"{11}.
وقال - رحمه الله - في جامعه: "قال أشهب: سمعت مالكاً - رحمه الله - يقول: ما الحق إلا واحدٌ، قولان مختلفان لا يكونان صواباً جميعاً، ما الحق والصواب إلا واحد، قال أشهب: وبه يقول الليث"{12}.
وقال الإمام ابن حزم - رحمه الله -: " والحق من الأقوال في واحدٍ منها وسائرها خطأ، قال الله - تعالى-: (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ)(سورة يونس: 32) وقال - تعالى -: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا) (سورة النساء: 82)، وذم الله الاختلاف فقال: (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ) (سورة آل عمران: 105)، وقال - تعالى-: (وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ) (سورة الأنفال: 46)، وقال - تعالى -: (تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ) (سورة النحل: 89) فصحَّ أن الحق في الأقوال ما حكم الله - تعالى -به فيه وهو واحد لا يختلف وأن الخطأ ما لم يكن من عند الله - عز وجل -، ومن ادّعى أن الأقوال كلها حق وأن كل مجتهد مصيب فقد قال قولاً لم يأت به قرآنٌ ولا سُنة ولا إجماع ولا معقول، وما كان هكذا فهو باطل ويُبطله قول رسول الله: ((إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر))، فنصَّ - عليه الصلاة والسلام - على أن المجتهد قد يخطئ"{13}.
وقال الشوكاني - رحمه الله -: " فالحق الذي لا شك فيه ولا شبهة، أن الحق واحد ومخالفه مخطئ مأجور، إذا كان قد وفَّى الاجتهاد حقه، ولم يقصر في البحث، بعد إحرازه لما يكون به مجتهدا"{14}.
القول الثاني: أن كل مجتهد مصيب للحق، والحق ما غلب على ظنِّ المجتهد، ذكر الإمام الشوكاني - رحمه الله - في إرشاد الفحول عن بعض أهل العلم أنه مذهب جمهور المتكلمين كالشيخ أبي الحسن الأشعري والقاضي والغزالي والمعتزلة وقال: وذكر الشافعي وأبي حنيفة والمشهور عنهما خلافه{15}، هذا ما قاله العلماء - رحمهم الله - وقد استدلوا بعدة أدلة:
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: قول الله- تبارك وتعالى -: (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ) (سورة الأنبياء 78-79).
وجه الدلالة أن الله- تبارك وتعالى -أخبر أن سليمانَ هو المصيبُ وحَمَدَه على إصابته، وأثنى على داود في اجتهاده ولم يذّمه على خطأه، وهذا نصّ في إبطال قول من قال: إذا أخطأ المجتهد يجب أن يكون مذموماً، فلو كان الحق بيدِ كل واحد منهما لما كان لتخصيص سليمان بذلك معنى.
الدليل الثاني: عمرو بن العاص - رضي الله عنه -، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر)) رواه البخاري برقم(6919)؛ ومسلم برقم(1716).
فقد سمّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المجتهد مخطئاً ولو كان مصيباً لم يُسمَّه مخطئاً، وأما الأجر فإنه حصل له على تعبه في الاجتهاد، وهذا تصريح بتخطئة واحدٍ لا بعينه.
قال الشوكاني - رحمه الله -: " ههنا دليلٌ يرفع النزاع ويوضح الحق إيضاحاً لا يبقى بعده ريبٌ وهو الحديث الثابت في الصحيحين من طرقٍ: ((أن الحاكم إذا اجتهد فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر))، فهذا الحديث يفيدك أن الحق واحد وأن بعض المجتهدين يوافقه فيُقال له مصيب ويستحق أجرين، وبعض المجتهدين يخالفه ويُقال له مخطئ ويستحق أجراً واحداً، واستحقاقه الأجر لا يستلزم كونه مصيباً فمن قال كلُ مجتهد مصيب وجعل الحق متعددا بتعدد المجتهدين فقد أخطأ خطأً بيّناً وخالف الصواب بمخالفةِ ظاهره، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل المجتهدين قسمين، قسماً مصيباً وقسماً مخطئاً، ولو كان كل واحدٍ منهما مصيباً لم يكن لهذا التقسيم معنى"{16}.
وقال ابن حجر - رحمه الله تعالى -في الفتح: "فالأول له أجران: أجر الاجتهاد وأجر الإصابة والآخر له أجرُ الاجتهاد فقط...ثم نقل عن أبي بكر بن العربي قوله: تعلق بالحديث من قال أن الحق في جهةٍ واحدةٍ للتصريح بتخطئةِ واحدٍ لا بعينه"{17}.
الدليل الثالث: عن بريدة - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((القضاة ثلاثة واحد في الجنة واثنان في النار فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار)){18}
قال الشوكاني - رحمه الله -: "وممّا يُحتج به حديث القضاة الثلاثة فإنه لو لم يكن الحق واحداً لم يكن للتقسيم معنى- ومثله قوله - صلى الله عليه وسلم - لأمير السرية: ((وإن طلب منك أهل حصنٍ النزول على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا)){19}، وما أشنع ما قاله هؤلاء الجاعلون لحكم الله - عز وجل - متعددا بتعدد المجتهدين، تابعا لما يصدر عنهم من الاجتهادات، فإن هذه المقالة مع كونها مخالفة للأدب مع الله - عز وجل -، ومع شريعته المطهرة، هي أيضًا صادرة عن محض الرأي، الذي لم يشهد له دليل، ولا عضدته شبهة تقبلها العقول، وهي أيضًا مخالفة لإجماع الأمة، سلفها خلفها، فإن الصحابة ومن بعدهم في كل عصر من العصور، ما زالوا يخطئون من خالف في اجتهاده ما هو أنهض مما تمسك به، ومن شك في ذلك، وأنكره، فهو لا يدري بما في بطون الدفاتر الإسلامية بأسرها من التصريح في كثير من المسائل بتخطئه بعضهم البعض واعتراض بعضهم على بعض"{20}.
الدليل الرابع: عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما صعيداً طيباً فصليا ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرا ذلك له فقال: ((للذي لم يعد أصبت السنة وأجزأتك صلاتك وقال للذي توضأ وأعاد لك الأجر مرتين)){21}، فقال للأول: "أصبت السنة"، أي الحق. وقال للآخر: "لك الأجر مرتين"، أي أجرٌ على الصلاة بالتيمم وأجرٌ على الصلاة بالوضوء؛ وذلك لاجتهادك ولو لم تُصب السنة.
الدليل الخامس: وهو من الأدلة العقلية ما قاله الإمام الخطيب البغدادي في كتابه القيم الفقيه والمتفقه ما نصه: " ويدل على ذلك أيضاً أنهم إذا اختلفوا على قولين متضادين، مثل تحليل وتحريم، وتصحيح وإفساد، فلا يخلو من أحد ثلاثة أقسام: إما أن يكون القولان فاسدين أو صحيحين أو أحدهما فاسداً والآخر صحيحاً، فلا يجوز أن يكونا فاسدين لأنه يؤدي إلى اجتماع الأئمة على الخطأ، ولا يجوز أن يكونا صحيحين لأنهما متضادان فيمتنع أن يكون الشيء الواحد حراماً وحلالاً، وإذا بطل هذان القسمان ثبت أن أحدهما صحيحٌ والآخر فاسدٌ"{22}.
وذكر ابن عبد البر - رحمه الله - في جامع بيان العلم وفضله: ردَّ المزنيِّ تلميذ الإمام الشافعي على من قال أن كل مجتهد مصيبٌ للحق: " بأن يقال لمن جوز الاختلاف وزعم أن العالمين إذا اجتهدا في الحادثة فقال أحدهما: حلال، والآخر: حرام، فقد أدى كل واحد منهما جهده وما كلف وهو في اجتهاده مصيب الحق: أبأصل قلت هذا أم بقياس؟ فإن قال: بأصل.
قيل: كيف يكون أصلا، والكتاب أصل ينفي الخلاف؟ وإن قال: قياس، قيل: كيف تكون الأصول تنفي الخلاف، ويجوز لك أن تقيس عليها جواز الخلاف؟ هذا ما لا يجوزه عاقل فضلا عن عالم.
ويقال له: أليس إذا ثبت حديثان مختلفان عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في معنى واحد أحله أحدهما وحرمه الآخر، وفي كتاب الله أو في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دليل على إثبات أحدهما ونفي الآخر: أليس يثبت الذي يثبته الدليل ويبطل الآخر ويبطل الحكم به، فإن خفي الدليل على أحدهما وأشكل الأمر فيهما وجب الوقوف، فإذا قال: نعم، ولا بد من نعم وإلا خالف جماعة العلماء قيل له: فلم لا تصنع هذا برأي العالمين المختلفين فيثبت منهما ما يثبته الدليل ويبطل ما أبطله الدليل.
ثم قال معقباً على كلام المزني - رحمه الله -: ما ألزمه المزني عندي لازم"{23}.
وأيضاً القول بتعدد الحق وأن كل مجتهد مصيبٌ له فتح بابا خطير على الأمة الإسلامية، وذلك الباب هو تتبع رخص العلماء، والإمام ابن عبد البر - رحمه الله - ذكر أثاراً عن السلف تدل على أن الرجل إذا أخذ برخصة كل عالم اجتمع فيه الشر كله كما قال ذلك سليمان التيمي رحمه، ثم قال: " هذا إجماع لا أعلم فيه خلافاً"{24}، إذا لا يجوز هذا القول سداً لذريعة تتبع الرخص.
أدلة أصحاب القول الثاني: القائلين بأن كل مجتهد مصيب للحق، والحق ما غلب على ظنِّ المجتهد، استدلوا على ذلك بجملة من الأدلة منها:
الدليل الأول: ما روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: " قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لنا لما رجع من الأحزاب: ((لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة))، فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي لم يرد منا ذلك، فذكر للنبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يعنف واحدا منهم" رواه البخاري برقم(904)؛ ومسلم برقم(1770)، قالوا الرسول صوّبَ كل طائفةٍ ممن صلى قبل الوصول إلى بني قريظة، فالحق مع الفريقين{25}.
قال الإمام الشوكاني - رحمه الله -: " فالجواب عنه على أن ترك التثريب لمن قد عمل باجتهاده لا يدل على أنه قد أصاب الحق، بل يدل على أنه قد أجزأه ما عمله باجتهاده، وصح صدوره عنه، لكونه قد بذل وسعه في تحري الحق، وذلك لا يستلزم أن يكون هو الحق الذي طلبه الله من عباده، وفرق بين الإصابة والصواب، فإن إصابة الحق "هي" الموافقة، بخلاف الصواب فإنه قد يطلق على من أخطأ الحق ولم يصبه، من حيث كونه قد فعل ما كلف به، واستحق الأجر عليه، وإن لم يكن مصيبا للحق وموافقا له"{26}.
الدليل الثاني: حديث عمر بن العاص - رضي الله عنه - المتقدم الذي في الصحيحين وهو: ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد وأخطأ فله أجر))، قالوا: كلاهما لهما الأجر فهما على الحق.
والجواب على هذا الدليل هو ما تقدم من كلام الشوكاني - رحمه الله - على الدليل الثاني من أدلة القول الأول فليراجع،
والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد سمى المجتهد مخطئاً، ولو كان مصيباً للحق لم يُسمّه مخطئاً، وهذا نص في الرد على هذا الاستدلال.
الدليل الثالث: يمكن أن يستدلوا بأن المجتهد المخالف لا إثم عليه، فيما أخطأ باجتهاده، كما في حديث عمرو بن العاص - رضي الله عنه - وهذا يدل على أن كل مجتهد مصيب.
ويجاب عنه بأن المجتهد إذا أخطأ لا إثم عليه بل له أجر واحد، وهذا الأجر لاجتهاده وليس لموافقته الصواب ولذلك ورد في الحديث: ((إذا اجتهد وأخطأ فله أجر واحد)) فسماه مخطئاً وليس مصيباً والله أعلم.
فالذي يظهر والعلم عند الله- تبارك وتعالى -أعلم أن القول الأول هو الراجح، وذلك لقوة الأدلة التي استدل بها أصحاب هذا القول، وهو أن الحق واحد، وأن المجتهد إذا اجتهد فأخطأ يكون مأجوراً أجراً واحداً على اجتهاده، لكنه لا يكون آثماً على خطئه إذا كان من أهل الاجتهاد، وذلك لبذله وسعه في معرفة الحق لكنه لم يوفق له، نختم المسألة بكلام الإمام الشوكاني - رحمه الله - حيث قال: " وما أشنع ما قاله هؤلاء الجاعلون لحكم الله - عز وجل - متعددا بتعداد المجتهدين تابعاً لما يصدر عنهم من الاجتهادات، فإنّ هذه المقالة مع كونها مخالفةً للأدب مع الله - عز وجل - ومع شريعته المطهرة هي أيضاً صادرة عن محض الرأي الذي لم يشهد له دليل ولا عضدته شبهة تقبلها العقول وهي أيضاً مخالفة لإجماع الأمة سلفها وخلفها فإن الصحابة ومن بعدهم في كل عصر من العصور ما زالوا يُخَطّئون من خالف في اجتهاده"{27}.
هذا ونسأل الله- تبارك وتعالى -أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا إتباعه ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، ونسأله الإخلاص في القول والعمل وأن يجنبنا الزلل في القول والعمل، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله الأطهار وصحابته الكرام وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.



{1} المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج(12/14)، لأبي زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي، دار إحياء التراث العربي بيروت، ط2، سنة النشر: 1392هـ.
{2} المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (12/14).
{3} إرشاد الفحول(2/231)، تحقيق: الشيخ أحمد عزو عناية، دمشق - كفر بطنا، قدم له: الشيخ خليل الميس، والدكتور ولي الدين صالح فرفور، دار الكتاب العربي، ط1، سنة النشر: 1419هـ - 1999م.
{4} الفقيه والمتفقه(1/402)، للإمام أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي، المعروف بالخطيب البغدادي، تحقيق: عادل بن يوسف العزازي، دار ابن الجوزي بالسعودية، سنة النشر: 1417هـ.
{5} فتح الباري شرح صحيح البخاري (13/174)، للحافظ أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي، تحقيق: محب الدين الخطيب، دار المعرفة بيروت.
{6} في جامع بيان العلم وفضله(2/149)، دراسة وتحقيق: أبو عبد الرحمن فواز أحمد زمرلي، مؤسسة الريان - دار ابن حزم، ط1، سنة النشر: 1424 هـ -2003م.
{7} إرشاد الفحول إلي تحقيق الحق من علم الأصول (2/ 208-210)، بتصرف.
{8} الفقيه والمتفقه(1/403).
{9} الفقيه والمتفقه(1/403).
{10} الفقيه والمتفقه(1/403).
{11} جامع بيان العلم وفضله (2/149).
{12} المصدر السابق (2/179).
{13} المحلى(1/70)، للإمام أبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري، تحقيق: لجنة إحياء التراث العربي، دار الآفاق الجديدة - بيروت.
{14} إرشاد الفحول(2/233).
{15} إرشاد الفحول(2/235).
{16} المصدر السابق (2/232- 233).
{17} فتح الباري (13/319-320).
{18} رواه أبو داود برقم(3573)؛ وابن ماجة برقم(2315)؛ صححه الألباني في صحيح الجامع برقم(4446)؛ وفي صحيح ابن ماجة برقم(1873).
{19} رواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم(135)، بو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، تحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد، ‏عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، دار الحرمين - القاهرة، سنة النشر: 1415هـ؛ والنسائي في الكبرى برقم(8680)، تحقيق: د. عبد الغفار سليمان البنداري، وسيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية - بيروت، ط1، سنة النشر: 1411هـ - 1991م؛ وابن الجارود في المنتقى من السنن المسندة برقم(1042)، للإمام عبد الله بن علي بن الجارود أبو محمد النيسابوري، تحقيق: عبدالله عمر البارودي، مؤسسة الكتاب الثقافية - بيروت، ط1، سنة النشر: 1408هـ - 1988م؛ وصححه الألباني في كتاب لإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية، بتحقيقه، المكتب الإسلامي - بيروت، ط4، سنة النشر: 1413هـ- 1993م؛ وبمعناه عند مسلم من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه - رضي الله عنه - برقم(1731).
{20} إرشاد الفحول(2/233).
{21} رواه أبو داود برقم(338)؛ وصححه الألباني في صحيح أبي داود برقم(327).
{22} الفقيه والمتفقه(1/407).
{23} جامع بيان العلم وفضله (2/179).
{24} المصدر السابق (2/ 185).
{25} إرشاد الفحول(2/234).
{26} إرشاد الفحول(2/234).
{27} إرشاد الفحول(2/233).

صور من احتساب النبي صلى الله عليه وسلم في العقيدة والعبادات
صور من احتساب النبي صلى الله عليه وسلم في الأدب(1)
الأعمال التي ثوابهاالجنة من رياض الصالحين
أي الدارين تريدين ؟
صور من احتساب النبي صلى الله عليه وسلم في المعاملات
فقه الاختلاف : آفاق وآداب
التعزير بمصادرة المال أو إتلافه
أنواع الاختلاف
نحو تأصيل فقهي للأقليات المسلمة في الغرب
معالم فقه الخلاف 1

المراجع

موسوعة " المختار الأسلامي "

التصانيف

عقيدة