كتب: د. علي بن عمر بادحدح
23 سبتمبر, 2011 - 25 شوال 1432هـ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد
فإن نظام الحسبة في الإسلام يعد مفخرة حضارية للمسلمين؛ لأنه النظام الرقابي الفعال في المحافظة على الآداب العامة، وصيانة المرافق العامة، وكفاءة الأداء المهني، وجودة المنتجات والخدمات، بالإضافة إلى حماية المصالح العامة وحقوق الناس من الغش في المواد أوالتلاعب بالأسعار.
و"حقيقة الحسبة هي الأمر بالمعروف إذا ظهر تركه، والنهي عن المنكر إذا ظهر فعله، والمراد بالمعروف هو: الأمر بالواجبات والمندوبات، والنهي عن المنكر: النهي عن المحرمات والمكروهات" [بغية الإربة في أحكام الحسبة, لابن الديبع الشيباني (ص54)]، ويظن كثير من الناس أنها تقتصر على الجانب الشرعي في أداء الفرائض كالصلاة، ومحاربة المحرمات كشرب الخمر، ولكن الأمر أوسع فالإسلام دين الحياة، وله منهجه في شتى مجالاتها وبالتالي فإن المعروف يدخل فيه الأمانة في التجارة، والإتقان في الصناعة، والانضباط في الوظيفة، كما أن المنكر يشمل الغش في التجارة، والتهاون في العمل، والإساءة إلى المرافق العامة، ومن هنا فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يشمل الجوانب التجارية والصناعية والمدنية، ومن هنا يمكن أن نطلق على هذه الممارسة اسم (الاحتساب المدني).
ويمكننا القول بأن نظام الحسبة يقوم – بشكل عام - على حماية محارم الله تعالى أن تنتهك، من خلال رعاية حقوق الله، بأداء العبادات والانتهاء عن المحرمات، إضافة إلى صيانة مصالح الناس، عبر المحافظة على المرافق العامة، والأمن العام للمجتمع، ومراقبة الأسواق وأصحاب الحرف والصناعات، وإلزامهم في أعمالهم بمبادئ الأخلاق، وأسس الأداء الجيد في ضوء ضوابط الشرع، ومتابعة مدى التزامهم بجودة المنتجات والخدمات.
ولتقريب الصورة وتوضيحها نعود للتاريخ الإسلامي حيث كانت الحسبة ولاية من الولايات المهمة في كيان الدولة الإسلامية، وهي جهاز تابع للدولة يتولى مهمات حيوية في الجانب الديني والأخلاقي، إضافة للجانب المعاشي والمدني، ويمكن تلخيص أبرزمهمات الحسبة في الجانب المدني فيما يلي:
- مراقبة الصناع وأرباب الحرف: من سلطة المحتسب مراقبة أصحاب المهن مهما يكن نوعها، فهو يراقب الأطباء والصيادلة، ويجبر الطبيب على دفع دية المريض إذا توفي بسبب سوء تصرفه.
- مراقبة الأبنية والطرقات: ومن سلطة المحتسب هدم الأبنية البارزة، وأمر أصحاب الدور المتداعية إلى هدمها ورفع أنقاضها، ومنع فتح النوافذ في الأبنية التي تشرف على غيرها، كما للمحتسب النظر في مقاعد الأسواق فيقرر منها ما لا ضرر فيه على المارة، ويمنع ما تضر به المارة.
- مراقبة النظافة والمظاهر العامة: يجب على المحتسب مراقبة نظافة الأسواق والطرقات والشوارع، ومنع الناس والمارة من إلقاء القاذورات فيها، أو رش الماء في الطرقات، بحيث يخشى منه التزحلق والسقوط. كما على المحتسب أمر أهل الأسواق بكنسها وتنظيفها من الأوساخ والطين [الحسبة في مصر والشام في العصر العباسي الأول، بحث لهيلة محمد القصير، منشور على ( موقع التاريخ ) بتصرف] .
مهمات الحسبة في الجانب الاقتصادي:
- مراقبة المكاييل والموازين: وذلك بأن يمنع من التطفيف في المكاييل، والبخس في الموازين، وكل معدود ومذروع، وليكن الأدب عليه أظهر، والمعاقبة فيه أكثر، لوعيد الله ونهيه عنه، قال تعالى: { ويل للمطففين * الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون } [المطففين: ١ – ٣]
- المنع من الغش في المعاملات والصناعات ونحوها: والغش يدخل في البيوع بكتمان العيوب، وتدليس السلع، مثل أن يكون ظاهر المبيع خيراً من باطنه.
- المنع من احتكار السلع ونحوها مما يحتاج الناس إليه: فعليه أن يضرب على أيدي المحتكرين، وأن يكرههم على البيع بقيمة المثل عند الحاجة [أحكام السوق في الإسلام وأثرها في الاقتصاد الإسلامي، لأحمد يوسف الدريويش (ص464-467)].
وعند التأمل ندرك ان هذه المهمات أصبحت – في الدولة الحديثة - موزعة على عدة أجهزة حكومية فمنها ما يتبع للشؤون البلدية مثل (النظافة والمحافظة على المرافق العامة، وتنظيم شؤون البناء ونحو ذلك)، ومنها ما يتبع لوزارة التجارة والصناعة مثل (مراقبة الأسواق والأسعار، ومنع الغش، ومواصفات ومقاييس المنتجات وغيرها).
وإذا نظرنا إلى المجالس البلدية ومجالات عملها نجدها متعلقة بمراقبة أداء البلديات الذي يشمل النظافة وخدمات المرافق العامة كالحدائق ودورات المياه العامة وانظمة البناء والتعديات ونحو ذلك، ومهمة المجلس الرقابية وصلاحياته المتعلقة بإقرار الميزانية ومراجعة الحسابات الختامية والنظر في العقود وتقديرات نزع الملكية ودراسة تقارير الأداء الدورية ، وهي مهمة تهدف إلى تحسين الأداء وزيادة الخدمات ومنع الخلل ومعالجة القصور ومحاربة الفساد والمحاسبة على التفريط والتقصير، وهذا كله هو عين الاحتساب وجوهر مهمة الحسبة في مجال الحياة المدنية المعيشية، ويكون دور الأعضاء هو القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذا الميدان من ميادين الحياة.
ومن هذا المنطلق فإن عضوية المجلس أمانة دينية ومسؤولية شرعية سيما وأن القائم بها وصل إلى مقعد المجلس بأصوات المواطنين الذين صوتوا له ليقوم بأداء الواجب بأمانة ويحقق مصالحهم ويدفع عنهم ما يضرهم في هذا المجال حسب التخصص المحدد في أعمال البلديات وفي حدود صلاحيات المجلس، فعلى من يترشح أن يدرك لك ويعرف قدر المسؤولية وعظمة الأمانة، وأنه يتصدى لأمر مرتبط بمصالح الناس وتطوير منظومة الخدمات ومنع الفساد والتعديات، وأن دوره مرتبط بالشرع الحنيف ومراقبة الله عز وجل، وعليه أن يعلم أن دوره خدمة الناس والرفق بهم والتفريط في ذلك مخالفة وفي دعاء الرسول الكريم (للهم ارفق بمن رفق بأمتي وشق على من شق عليها).
وأما المنتخبون المصوِّتون فينبغي أن يعلموا أن تصويتهم أمانة وأول ما يجب عليهم ألا يعطوا صوتهم لأحد لمجرد مصلحة مادية بأن يعطيهم مالاً ليصوتوا له فذلك خيانة توجب الإثم الشرعي كما أن ذلك مخالف للأنظمة ومفسد للنزاهة ومسيء لسمعة الدولة والمواطنين، ومن جهة أخرى فإن التصويت للمرشح يعد إقراراً بصلاحيته لتولي المهمة وأنه كفء لها وأمين عليها والله جل وعلا يقول(إن خير من استأجرت القوي الأمين)، وهذا يعني أهمية التحري في الاختيار وأن يكون للأكفأ والأفضل بحسب اجتهاد المصوت ومعرفته أو بحسب سؤاله وتقصيه عن المرشحين والمفاضلة بينهم وعليه ألا يتهاون في ذلك أو يفرط فيه وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: « مَنِ اسْتَعْمَلَ عَامِلاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ فِيهِمْ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْهُ وَأَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ ». أخرجه أحمد والحاكم وصححه والبيهقي.
ولذا أوجز القول لجميع من سأل عن التصويت للمرشحين:
- التصويت أمانة شرعية لا يجوز توجهها لمصالح خاصة أو بمقابل مادي.
- ينبغي الاجتهاد في أن يكون التصويت للقوي الأمين أي لمن له كفاءة وتأهيل يمكنه من أداء المهمة المطلوبة، ومع الكفاءة لابد من الأمانة والخوف من الله ومراقبته.
- من لا يعرف الأكفأ عليه الاجتهاد في البحث بالتعرف على سير المرشحين ومعرفة برامجهم وحضور لقاءاتهم والترجيح بينهم بحسب غلبة الظن.
- من لا يعرف ولا يستطيع التعرف إما لعدم وعيه أو لضيق وقته فله أن يسأل من يثق بديانته وأمانته ومعرفته ويصوت لمن يدله عليه الثقات.
و في ضوء ما ذكرته وإجابة لمن سأل عمن أرشح :
- في دائرتي (الدائرة الخامسة) سأعطي صوتي للدكتور فؤاد صدقة مرداد لأنني أحسبه من الأقوياء الأمناء فهو رجل تربوي له خبرة إدارية وعنده مشاركات إجتماعية في مجالات متعددة وهو الآن في قطاع التعليم الجامعي.
- من جهة أخرى فإنني وقد انتقلت في سكني منذ عدة سنوات بعد الانتخابات الماضية وأنا حاليا ضمن نطاق (الدائرة الرابعة) وفي هذه الدائرة أرشح الدكتور خالد زين باجمال،وهو صاحب خبرة إدارية كبيرة ومؤسس لعدد من المشاريع والمؤسسات التعليمية الناجحة،وهوعضو في عدد كبير من المؤسسات والمنظمات الإدارية والتربوية.
- الدوائر الأخرى معرفتي المباشرة والقريبة محدودة وأكتفي بأن أذكر أن (الدائرة السابعة) فيها الأستاذ عبد الله عبد القادرتركستاني وأنا أعرفه رجلاً خيراً ومهندساً مميزاً وتولى مناصب إدارية في قطاع الاتصالات، وهو شخصية محبوبة ومعروفة اجتماعيا.
وهؤلاء جميعهم من أهل الديانة والأمانة والصلاح والإستقامة وقولي ذلك مبني على معرفة مباشرة بهم هكذا أحسبهم والله حسيبهم .
وأخيراً أتمنى للعملية الانتخابية النجاح من جميع الجوانب تنظيماً وضبطاً ونزاهة، وأن يجعل هذه خطوة لدوائر أوسع للمشاركة الشعبية في جميع المجالات وفي كل المستويات.
المراجع
موسوعة اسلاميات
التصانيف
عقيدة