كتب: د. علي بن عمر بادحدح
08 ديسمبر, 2010 - 2 محرم 1432هـ
 
كلمة واحدة مفردة ، لكن دلالاتها متعددة ، وطالما تغنى بها المتحدثون ، وطالب بها المناضلون ، أكدت عليها دول العالم في صدور دساتيرها ، وتعهدت جميع أجهزتها بحمايتها ، وهي جوهر وجود الإنسان ، والفيصل بينه وبين سائر الحيوان .
كلمة يغيب مضمونها أحيانا في واقع حياتنا ، سواء في مواقفنا الإدارية والرسمية ، أو في معاملاتنا الاجتماعية البينية ، أو حتى في بيئاتنا الأسرية .

إنها (الكرامة) الإنسانية .

كلما سمعنا هذه الكلمة جالت في أذهاننا صور كثيرة ؛ فمن كرامة الإنسان أن ينال دخلاً يكفل له ملبساً نظيفاً ، ومسكناً ملائماً ، ومطعماً كافيا ، لكن هذه الحقوق - على أهميتها -  ما هي إلا جزء مما يدخل في معنى الكرامة الإنسانية ، غير أنها لا تكفي لحصولها ، بل لو توفرت هذه الأمور بأضعاف مضاعفة لما كانت وحدها كافية لتحقيق الكرامة ، فكم من أناس يملكون القصور والأموال الكثيرة ، ومع ذلك يعيشون عيشة الذل والهوان ، ليس لهم رأي معتبر ، ولا قول مستمَع ، ولا موقف مقدر ، ومن ثم فلا قيمة لكل هذا المال والجاه إن لم يكن متناسباً مع جوهر الكرامة الإنسانية ، في حرية الإنسان ، وفي أن تكون له مكانته المقدرة ، واحترامه اللازم، وإلا فموت هذا الإنسان خير من حياته.

إن الكرامة فطرة إنسانية ؛ فصاحب الفطرة السوية يأبى الضيم ، ويأنف من الذل ، بل إن الحيوان البهيم ربما وُجد عنده من الكرامة ما يرفض به العدوان والذل والهوان.
ومن هنا وجدنا هذا المعنى في أشعار العرب وحكمهم ، حتى في جاهليتهم ؛ صلة بالفطرة والنخوة العربية ، هذا قائلهم يقول:
ذَلَّ من يغبط الذليل بعيش           *** رب عيش أخف منه الحِمام

وآخر يقول :
ولا يقيم على خسف يراد به *** إلا الأذلان : عيرُ الحي والوتد
هذا على الخسف مربوطٌ برمته *** وذا يشجُّ فلا يرثي له أحد
حتى إن عنترة المعروف يقول :
لا تسقني ماء الحياة بذلة *** بل فاسقني بالعز كأس الحنظل

هذا من حيث إن هذه الكرامة قيمة إنسانية تمثل جوهر الإنسان وحقيقة وجوده .
ثم هي أيضاً قيمة إسلامية شرعية ، فالإسلام هو الذي أعطى الكرامة الإنسانية حقها ، ووضح له مسارها ، وحفظ لها حقوقها ، ومنع من انتهاكها والإساءة إليها ، ويكفينا أن نشير في هذا الصدد إلى ومضات قرآنية ونبوية يضيق المقام عن الإفاضة فيها :
قال تعالى : { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} [الإسراء/70] .

والإنسان هو الذي استخلفه الله عز وجل في الأرض وأسجد له ملائكته : { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً } [البقرة/30] إلى قوله تعالى : {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ } [البقرة/34]  وأي كرامة أعظم من هذه الكرامة ؟!
وهو مكرَّمٌ في صورته وهيئته ، قال تعالى : {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } [التين/4].

وهو مكرَّمٌ بتسخير الكون كله له ، قال تعالى : { وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ } [الجاثية/13] .
وفي هذه الآية لمحة جميلة إلى حرية واسعة في أن يضرب المرء في هذه الأرض حيث شاء ، وأن يكتسب - كما يقدر الله عز وجل له -  من حيث شاء ، لأن كل هذا الكون مسخرٌ له بتسخير الله جل وعلا .
وفي تكريم الإنسان في القرآن آيات أخرى ، وفيما ذكرته كفاية .

أما الأحاديث النبوية فأكتفي من روائعها ـ وكلها رائعة ـ بقوله صلى الله عليه وآله وسلم : (من كان لنا عاملاً فليكتسب زوجة ، فإن لم يكن له خادم فليكتسب خادماً ، فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكناً) [رواه أبود داود بسند صحيح عن المستورد بن شداد] .

هكذا يحدد النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحقوق الأساسية للمعيشة الإنسانية قبل أربعة عشر قرناً !!
ويجب ألا نفهم من هذا مخالفة للأمر الشرعي بالزهد الذي مقتضاه أن يكون المسلم - بعد أن تتيسر له أسباب الرزق والكرامة - مترفعاً عن الانغماس في تفاصيل الملذات ، متميزاً بإيمانه وعقله وفكره عن مستوى البهائم والعجماوات .
ومن مقتضيات الكرامة الإنسانية حفظ الضرورات الخمس وحمايتها من كل ما ينقصها أو يشوش عليها ، وهي : (الدين ، والنفس ، والعقل ، والمال ، والعرض ) فلا كرامة لمن لا يدافع عن دينه ، ولا لمن يذل نفسه ، أو يعطل عقله ، أو يبذر ماله ، أو يرضى بانتهاك عرضه ، بل هو ممسوخ من إنسانيته ، بإهداره لأهم مقتضيات كرامته ، بل إن الحيوان أكرم منه ؛ لأننا نرى الهر - مثلاً - إذا اعتدي عليه خرجت مخالبه ودافع عن نفسه .

وحتى لا يكون حديثنا تنظيرا فارغا فلننزله على واقعنا اليومي ، فكم عاملنا أبناءنا بأسلوب قاس منتهك لكل قيمة ، بالشتم والتحقير ، في خلقته وهيئته ، أو علمه أو عمله ، أو في لباسه ومظهره ، أو غير ذلك ، دون إدراك للآثار النفسية السلبية لهذا التصرف ، ثم نشكو ضعف شخصيات أبنائنا ، وأنهم لا يعبرون عن آرائهم ، ولا يستنكفون عن أذى أو مهانة !!
وكم نرى ونسمع في التعامل اليومي بين كل رئيس ومرؤوس ؛ في العمل أو في الدراسة ؛ بين المعلم والطلاب ، بين رب العمل والخادم أو السائق ، بين الوالد والولد!!!

والسجون في بلادنا العربية والإسلامية ما حالها ؟ السجين يستباح عرضه وماله ، بل عائلته وجيرته ، مع أنه قد يكون مسجوناً ظلماً ، أو في أمر لا يد له فيه ، ومع ذلك يلقى صنوف الإهانة والذل ، والاعتداء القولي والفعلي .
إن إهدار الكرامة الإنسانية هو ما جعل كثيراً من مجتمعاتنا قطعاناً تساق كالماشية ليس له رأي ولا موقف ، تسامُ الخسف ولا تعرف أن تقول : (لا) !!

هذه إحدى بلادنا العربية الإسلامية العزيزة انطحن سكانها تحت خط الفقر عشرات السنين ، فلم يعد أحدهم يفكر إلا كيف يتنفس ويبقي على رمق الحياة ، حياة لا قيمة فيها لعقل ولا روح ، ولا لرأي ولا حرية .
وهكذا نقمع إنسانية الإنسان فنطفئ معها نور الإيمان شئنا أم أبينا ، ونحد من حقيقة الإسلام وكرامته وعزته التي جعلها للناس ، لأن الإسلام لا يريد ذلك المسلم الذليل الخانع .

فعلينا أن ندرك أن الكرامة الإنسانية أصلٌ في طبيعة الإنسان وفطرته ، وهي أساس في شريعة الإسلام ، فلا يجوز لنا أن نطفئ جذوتها ، ولا أن نقلل من قيمتها ، ويجب أن نربي أبناءنا على العزة والكرامة ، حتى يثقوا بأنفسهم ، وحتى يكونوا قادرين على أن يعبروا عن حقيقة هذا الدين ، وأن ينشروا رسالته ، فضلاً عن أن يدافعوا عن مقدساته ودياره ، وعن أبنائه في كل صقع وفي كل مكان.
أسأل الله عز وجل أن يردنا إلى دينه ، وأن يحفظ لنا كرامتنا الإنسانية ، وعزتنا الإسلامية.

المراجع

موسوعة اسلاميات

التصانيف

عقيدة