الخيال الشعبي له دور في تفعيل دور الزار الاجتماعي بعد ان اندثر ثم ما لبث أن عاد للظهور في صورة آخر ترتدي ثوب المدينة الحديثة. - \"ليل وظلام دامس وصمت لا يقطعه إلا ترتيل المزامير والتعزيم والصرخات المتشنجة وظلال تتراقص تعكسها الشموع على الوجوه الشاحبة\".
تلك هي العوامل والديكور التقليدي الذي تدور فيه طقوس \"الزار\" تل العادة التي يذهب البعض إلى أنها نوع من السحر الاسود والتي كانت حتى وقت قريب جزءا من الحياة اليومية في حياة العديد من البشر برغم كونها من أنواع السحر والشعوذة وبرغم كونها عملا مضادا للدين تصارع العقيدة والمذاهب القائمة وتنتهك المقدسات. وعرف الزار كعمل من شأنه تلطيف وضع مادي عارض خضع لعوامل مادية إذ لم يكن الانسان يمتلك أي سلطان على القوى الطبيعية أو مع الاسياد كما يذكر العامة. ومن هنا فإنه يضطر الانسان إلى تجربة التصالح معها بوسائل روحية مجردة فكان السحر والشعوذة وكان الزار ولقد كانت مصر بالذات هي الارض الصالحة تماما لمثل تلك الاعمال. وأورد لنا القرآن الكريم مشاهدات عدة تؤكد ذلك فهناك المناظرات التي جرت بين موسى وسحرة فرعون ولجوء نبي الله موسى إلى السحر وهناك تحول مياه النيل إلى دم ووفاة جميع المواليد. وفي مصر القديمة أيضا تروى كتب المصريات أن روحا خبيثة حلت بجسد الاميرة \"بختن\" وأن محاولات جرت لاخراج الروح الشريرة من جسد الاميرة لكن الروح الشريرة لم تخرج مما جعل الاله \"خنسو\" أحد آلهة ثالوث طيبة المقدس يذهب إلى جسد الاميرة الاسيرة لطرد الروح الخبيثة منها باستخدام السحر وخرجت الروح الشريرة بعد أن لبى الاله خنسو مطلبها بإقامة حفل صاخب لها وتقديم الهدايا والقرابين بين يديها. وكان للخيال الشعبي دور في تفعيل دور الزار الاجتماعي الذي اندثر ثم ما لبث أن عاد للظهور في صورة آخر ترتدي ثوب المدينة الحديثة. وعرف الزار في مصر بأنه يفيد في علاج مرض الهستريا ذلك المرض المرتبط بالسلوك الاندفاعي والانفعالات الحادة والهذيان وذلك من خلال الرقص والغناء وترديد عبارات معينة في حفلات الزار بدعوة طرد الارواح الشريرة المتلبسة بأجساد بعض النسوة أو لطرد شيوخ الجان الذين يحلون بهن. والزار أحد أهم الاساطير والخرافات التي تجد صدى في نفوس الناس فحين كان الاطفال يقعون على الارض كان العامة يصيحون \"اسم النبي حارسك وضامنك.. وقعت على أخوك أحسن منك\". فلهذه العبارات التي لا تزال تتردد داخل القرى المصرية حدس وقائي لدى العامة خوفا من الاسياد واعتراف كامل بوجودهم وخطرهم وحتى وقت قريب كان حين يصاب فرد ببعض المتاعب النفسية أو يصاب بمرض ما أو تتأخر عروس عن الانجاب تنصح \"الكودية\" التي تلعب دور الوسيط بين الاسياد من عالم الجن وبين أهل المريض بعلم زار \"لكسب رضا الاسياد\" وتقوم الكودية التي تنظم الزار بتلطيخ وجه المريض بدماء البط والحمام التي أتوا بها لذبحها إرضاء للاسياد وبحثا عن الشفاء. بعد دخول المريض حالة من اللاوعي بسبب الطقوس الخاصة بحفلات الزار إذ توجد إضاءة ذات وقع خاص ثم تشعل أعواد البخور وحين تدق الدفوف يترنح الجميع يمينا ويسارا مع دقاتها وهنا تملى الكودية مطالبها على المريض وأهله بعد أن يكون الجميع قد راحوا في عوالم أخرى بفعل مؤثرات الحفل والطريق إلى الحفلات الزار يبدأ من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والمصاعب الحياتية التي تجعل البعض يتخيل ويتوهم أشياء أخرى فيؤمن بها ويبدأ التعايش معها. ولا تزال حفلات الزار تقام في بعض مدن الصعيد حتى اليوم وفى الاقصر ولاتزال العديد من السيدات وربما الرجال يقصدون منزل الحاجة نبوية كودية حفلات الزار بمسكنها الجديد في نجع الطويل في الكرنك بعد أن تهدم مسكنها القديم بمنطقة الصنايع. ونبوية سيدة تجاوزت السبعين من العمر قالت لبعض زائراتها من اللاتي يردن إقامة حفل زار لهن \"إنها تعبت وتريد الامتناع عن هذا العمل\" وطلبت منهم الرقص على أحد الشرائط \"كف سعيد\" في بيوتهن. وتقوم طقوس الزار على أن تقوم سيدة برمي بياضها وقامت أحد السيدات \"برمي بياضها\" وهو فطير بلبن. هكذا كان طلب الاسياد فأحضرت السيدة اللبن والفطير وعلى دقات الزار تناول الجميع اللبن بالفطير. وقالت هذه المرأة \"إنها في كثير من الاحيان عندما تقوم بإعداد الغذاء لاسرتها تسمح أغنية ما ليست في الراديو أو الكاسيت فتقوم بحركة لا إرادية بإطفاء البوتوجاز وتترك المطبخ والطبخ وتبدأ في الرقص على أنغام هذه الاغنية لمدة طويلة دون أن تدري سببا لذلك\" ورفضت إحدى السيدات الرقص على دقات الزار وطلبت منها الكودية والنساء أن تحضر مرتين متتاليتين ربما يستجيب وترقص في مرة قادمة. وقالت إحدى السيدات إنها تحرص على إقامة حفلة زار في مسكنها مرة أو مرتين كل عام منذ سنوات طويلة حتى اليوم حيث تذبح في هذه الحفلة أوزة بيضاء وتلطخ مصوغاتها الذهبية بدم الاوزة وتقدم الحلوة لضيوفها السيدات يرقصن على دقات الزار وتردد الكودية لهن قائلة \"اسم الله يا مخلوعة اتلمو عليكي وخلعوكي\" أو \"ياحمام بتنوح ليه فكرت عليه الحبايب\" أو \"دانا قلبي مكوي ومجروح على فراق الحبايب .. يا حمام الاحباب .. يافراق الاحباب سكنوا التراب وهملونا\". ويعرف علماء اللغة الزار بأنه \"حفلة راقصة تقام لطرد الارواح الخبيثة التي تمس أجساد بعض الناس في زعمهم\" وهي كلمة دخيلة على العربية.
المراجع
www.swmsa.net/articles.php?action=show&id=136موسوعة الأبحاث العلمية
التصانيف
الأبحاث